شهرُ مُحَرَّمٍ ويومُ عاشوراءَ
كتبها: خالد بن صالح النــزال ، تويتر : @k_alnzzal
الخطبةُ الأولى
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْـدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيـكَ لَـهُ ، وَأَشْـهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.﴾
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ.
عبادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ، واعمَلُوا لآخِرَتِكم، فإنَّ العملَ للآخرةِ فوزٌ وسعادة، وإنَّ الغفلةَ عنها خسارةٌ وندامةٌ.
أيُّها المسلمون، نَحْنُ في شَهْرِ اللهِ المحرَّمِ، وهو منِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وقدْ قالَ اللهُ فيه:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
والأشهُرُ الحُرُمُ هي : المُحَرَّمُ ، ورَجَبُ ، وذو القَعْدَةِ ، وذو الحِجَّةِ.
فإنَّ الظلمَ في الأشهُرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا من الظلمِ فيما سواها، وإنْ كان الظلمُ على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ اللهَ يعظِّمُ من أمرِه ما شاءَ.
ثُمَّ اعلمُوا أنَّ الإكثارَ من الصيامِ في شهر الـمُـحَرَّمِ مشروعٌ، فعَنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ؟، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟، فَقالَ:
«أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ» رواه مُسْلِمٌ .
أيُها المسلمون، وفي شهرِ اللهِ المحَرَّمِ يومُ عاشوراءَ، وهو اليومُ العاشرُ من شهرِ اللهِ المحرَّمِ،
ولنا في الحديثِ عن يومِ عاشوراءَ وقفاتٌ:
الوقفةُ الأولى: يُشرعُ للمسلم صيامُ يومِ عاشوراء، لفعلِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأمرِه
، فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قَدِمَ المديـنـةَ فوجدَ اليهودَ صياماً يومَ عاشوراء، فقالَ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «ما هذا اليومُ الذي تصومُونه؟»، فـقـالـوا: هــــذا يومٌ عظيمٌ أنجى اللهُ فيه موسى وقومَه، وَغَرَّقَ فـرعـونَ وقومَه، فصامَه موسى شُكْراً، فنحن نصومُه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «فنحن أحقُّ وأوْلى بموسى منـكم»، فصامَـه رسـولُ اللـهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأَمَــرَ بصيامِه. رواه البـخــاريُّ ومسـلـمٌ .
الوقفةُ الثانية: أنَّ في صيامِ هذا اليومِ فضيلةً عظيمةً، ففي حديثِ أبي قتادةَ رضيَ اللهُ عنه
أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ سُئِلَ عن صومِ عـاشوراءَ، فـقــــال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضيةَ» ، وفي روايةٍ: «صيامُ يومِ عاشوراءَ أحتسبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّـــرَ السنةَ التي قبلَه» رواه مسلمٌ، وفـي حديثٍ آخرَ: «ومَنْ صامَ عاشُوراءَ غَفَرَ اللهُ له سَنَةً» رواه البزَّارُ وهو حديثٌ حسنٌ .
الوقفةُ الثالثةُ: أنَّ يومَ عاشوراءَ يومٌ نَجَّى اللهُ فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فيه فرعونَ وقومَه، وقد جاءَ بذلك النصُّ كَمَا سَبَقَ، فصيامُ هذا اليومِ شكراً لله يبعثُ في النَّفْسِ التفاؤُلَ بنَصْرِ الحقِّ ودَحْرِ الباطلِ، وأنّ العاقبةَ للمتقينَ، والدائرةَ على الباطلِ وأهلِه، فلْنُحْسِنِ الظَّنَّ بالله ربِّنا، ولْنَعْتَقِدْ أنَّ الحقَّ عالٍ على الباطلِ، وأنّ اللهَ مع المؤمنينَ، وأنَّه مخزي الكافرينَ.