جامع اﻹيمان الشيخ محمد نعيم عرقسوسي
الذهاب إلى القناة على Telegram
4 324
المشتركون
-224 ساعات
+87 أيام
+2030 أيام
أرشيف المشاركات
ومن التثبت وتبين الحقيقة الذي أمر به النبي ﷺ أن يسمع القاضي ومن بيده القرار من الطرفين المدعي والمدعى عليه، فروى أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟؟، فقال ﷺ: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال علي رضي الله تعالى عنه: فما زلت قاضياً أو ما شككت في قضاء بعد.
قال العظيم آبادي شارح سنن أبي داود:
والحديث دليل على أنه يحرم على الحاكم ان يحكم قبل سماع حجة كل واحد من الخصمين واستفصال ما لديه والإحاطة بجميعه.
ومن التثبت والتبين الذي اعتمده النبي ﷺ الاستماع لأقوال الشهود، إذ الشهادة من أهم أساليب التحري عن الحقيقة والتثبت من الأخبار.
من ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن الأشعث بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ: شاهداك أو يمينه.
قال القسطلاني: أي شاهداك هما المطلوبان في دعواك، او شاهداك هما المثبتان لدعواك.
ومن طرق التثبت والتبين التي انتهجها النبي ﷺ سؤال صاحب القضية، واستخدم النبي ﷺ السؤال في مواقف عديدة ، وذلك للتثبت قبل اصدار الحكم، من ذلك ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ ، ليشهده على عطية وهبها له، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً، فسأله النبي ﷺ: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟، قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟, قال: لا، قال: لا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور .
فلما تبين للنبي ﷺ الأمر، حكم بإرجاع الهدية ، وعدها نوعاً من الجور والظلم.
ومن أعظم مواقف التبين والتحقق قبل اصدار الحكم سؤاله المتكرر لماعز الذي جاء يطلب من النبي ﷺ التطهر من معصية الزنى فيقيم عليه الحد، فقال له النبي ﷺ: ويحك، لعلك قبلت، لعلك لمست أو غمزت أو نظرت، وفي كل ذلك يقول ماعز: لا، قال: ففعلت كذا وكذا لا يكني؟ قال: نعم، فعند ذلك أمر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بإقامة الحد عليه.
وهناك طرق أخرى للتبين نذكرها في وقت آخر إن شاء الله تعالى.
نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا ، وأن نلزم في أمورنا كلها التأني ، لأن التأني من الله تعالى والعجلة من الشيطان.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
جلسة الصفا
19 ذي الحجة 1447
5 حزيران 2026
لفضيلة الشيخ
محمد نعيم عرقسوسي
بعنوان:
*المنهج النبوي*
*في اتخاذ القرار وإصدار الأحكام*
بسم الله الرحمن الرحيم
تكلمنا في درس مضى عن المنهج القرآني في اتخاذ القرار وإصدار الأحكام.
ونتكلم اليوم عن تطبيقه العملي عند النبي ﷺ ، فنذكر منهجه ﷺ في اصدار حكم أواتخاذ قرار
حيث استند ﷺ في ذلك إلى الأمور القرآنية ، وأولها تبين الواقع ومعرفة الحقيقة .
وهذا واجب على من يتخذ قراراً أو يصدر حكماً، سواء كان ذلك من عموم الناس أو كان من أصحاب المسؤولية من أمير أو وزير أو رب عمل .
وذلك لأن اتخاذ القرار المناسب والحكم الصائب من أهم ما له أثر على الأمة أفراداً وجماعات ، من حماية حقوقهم ، وصلاح أمورهم ، وصيانة سمعتهم ، واستقرار حياتهم،
ولما يترتب على الخطأ فيه من أضرار كبيرة وعواقب وخيمة .
وتشتد الحاجة الى تبين الواقع وحقائق الأمور في زمان تكثر فيه التهم التي تلقى جزافاً، وتنتشر فيه الإشاعات فيتلقفها بعض الناس أو كثير منهم بلا تثبت ولا تحقق، فالمسلم الواعي الفطن هو الذي لا يلقي بسمعه لكل ناعق ، ولا يتقبل الأخبار قبل التحقق والتثبت منها، ولا يصدر الأحكام قبل تمام تبين الحقيقة وتفاصيل الواقع.
وقد مدح النبي ﷺ كل من يتأنى ولا يتعجل في قراراته خشية الندامة بعد ذلك ، أو خشية وضع الأشياء في غير محلها، فروى أبو يعلى والبيهقي في السنن الكبرى وفي شعب الإيمان، وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:
التأني من الله والعجلة من الشيطان.
قال ابن القيم:
إنما كانت العجلة من الشيطان لأنها خفة وطيش وحدة تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب وضع الشيء في غير محله، وتجلب الشرور.
وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي وغيرهم أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة .
والمقصود من الأناة التثبت في الأمور وتبين الواقع وترك العجلة.
وقد مدح الله سبحانه وتعالى التحري والتثبت والتبين وعدم التسرع والتعجل خشية الندامة والحسرة، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
اي فتبينوا لئلا تصيبوا قوماً بُرَآء مما اتهموا به ومما قيل فيهم، وفي قراءة من القراءات السبع: فتثبتوا.
وها هو نبي الله سليمان يضع قاعدة جليلة في التحري والتثبت قبل إصدار حكمه على الهدهد:
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِين ،
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾
فاعتذر الهدهد عن غيابه عن الحضور مع الطير بأن ذكر له خبر مملكة سبأ فقال فيما حكى الله عنه : (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ..... إلى آخر الآيات
فقال له نبي الله سليمان :
﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
قال الطبري: قوله: سننظر، أي : فيما اعتذرت به من العذر ، واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا.
فما أعظمها من قاعدة تتلخص في كلمة(سننظر) وهي قاعدة العقلاء الذين وهبهم الله الحكمة والرجاحة في العقل، وتدعو للتحري وللتثبت قبل اتخاذ القرار وخاصة إذا كان الأمر متعلقاً بأرزاق البشر أو بأرواحهم.
وهذا هو المنهج الذي سار عليه سيدنا محمد ﷺ، فروى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبَّحنا القوم فهزمناهم، فأدركت رجلاً منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فطعنته برمحي فقتلته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!، قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها خوفاً أم لا؟ فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ
وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس: كان رَجُلًا في غُنَيمةٍ له، فقال: السَّلامُ علَيكُم، وفي رواية قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فأخَذوه فقَتَلوه وأخَذوا تلك الغُنَيمةَ، فنَزَلَ قول الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
وروى الإمام مسلم عن النبي ﷺ أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرسل الله تعالى على مدرجته(طريقه) ملكاً (في صورة رجل) فلما أتى عليه قال: أين تريد؟، قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، فقال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه.
وفي حديث آخر، قال النبي عليه الصلاة والسلام:
من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناديان: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً.
فالعيد إذن مناسبة لهذا التزاور وهذا التحابب وهذا التواصل، لكي ان شاء الله تعالى، نتبوأ من الجنة منازل، ولكي نحقق محبة الله سبحانه وتعالى لنا .
وكان أحد التابعين يقول:
امش ميلاً وعد مريضاً، وامش ميلين وأصلح بين إثنين ، وامش ثلاثة أميال وزر أخاً لك في الله
، أي مهما كانت المسافة بعيدة زر أخاك في الله لأن زيارة اخ في الله تستأهل ذلك
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
جلسة الصفا
12 ذي الحجة 1447
29 أيار 2026
لفضيلة الشيخ
محمد نعيم عرقسوسي
بعنوان:
*عبادة أيام العيد*
بسم الله الرحمن الرحيم
اجتمع هذا اليوم عيدان هما : عيد الأضحى ويوم الجمعة ، وأضيف إليهما اجتماعنا في جلسة الصفا على محبة الله تعالى، لأن الله عز وجل يحبنا أن نكون دائما متحابين متعاونين، ونهانا عن الاختلاف والتنازع ، فقال سبحانه وتعالى:
(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي : قوتكم
والعيد مناسبة لكي يرسخ المسلمون الحب فيما بينهم، ويقووا أواصر الصلة فيما بينهم، فيتم التزاور والتواصل الذي يؤجر عليه المسلم عند الله تعالى :
روى الإمام أحمد وغيره في الحديث القدسي، يقول الله عز وجل:
وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، وجبت محبتي للمتجالسين فيَّ، وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ، وجبت محبتي للمتباذلين فيَّ.
ومحبة الله تعالى لعبده أعظم رتبة ومنزلة يمكن أن يصلها المؤمن.
ويجب التأكيد على أن العيد هو فرصة لزيارات الاقارب والأصحاب ، وينبغي ألا يكتفى بإرسال رسائل المعايدات على وسائل التواصل الاجتماعي .
ومن المفارقات أن يعزم أحدنا على زيارة صاحبه او قريبه وهو يرجو أن لا يجده في منزله! ، فيكتب له بطاقة: جئنا ولم نجدكم، فهذه الزيارة لا تحتسب أنها لله عز وجل .
والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالمبادرة إلى الزيارة إن كان ثمة جفاء في العلاقة بين الإخوة ، فقال ﷺ: *وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام*.
فإن وجدت أن هناك برودة او جفاء في العلاقة بينك وبين أخيك فعليك بالمبادرة لإزالة هذا الجفاء وهذا البرود، ليكون لك أجران أجر المبادرة وأجر الخيرية عند الله سبحانه وتعالى.
إذن، العيد هو وقت الزيارات واللقاءات والتواصل، شريطة أن يكون في طاعة الله تعالى ومرضاته سبحانه وتعالى، فلا يجوز ان يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء ولا يجوز ان يكون فيها غيبة او نميمة إلى غير ذلك مما نهى الله تعالى عنه .
ونحن للأسف الشديد نجد أن أيام العيد أصبحت عند بعض الشباب والفتيات فرصة للتفلت من الضوابط الشرعية ، نرجو من الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
وهذه مسؤولية الآباء والأمهات في توجيه أولادهم ذكوراً وإناثا، شبابا وفتيات إلى التزام شرع الله تعالى وإلى الابتعاد عن الفواحش والمنكرات، فنسأل الله تعالى أن نكون مفاتيح خير مغاليق شر.
وجميل عندما نقوم بالزيارات ان نقوم بالتناصح فيما بيننا ، فنسأل من نزوره إن كان يقوم بتأدية الصلاة في المسجد، وكم يقرأ من القرآن الكريم يومياً؟، وألا يكون حديثنا عن السيارات وغلاء المعيشة وفواتير الكهرباء وغيرها من الأمور الدنيوية، ولتكن أحاديث مجالسنا أحاديث تقوي الإيمان وتقوي الصلة بالله عز وجل، ولا نتكلم بالأمور الدنيوية التي تعكر قلوبنا.
لذلك سأقرأ لكم اليوم فصلا من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي الذي يحتوي آداب الإسلام وفضائل الدين، والذي يجب أن يكون في كل بيت.
ومن جملة الأبواب والفصول الباب الخامس والأربعون، في زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة،
ذكر الإمام النووي في بداية الفصل الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾
فمع أن سيدنا موسى نبي مرسل عزم على الذهاب إلى الخضر، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر له أن هناك عبداً من عباد الله لديه علم غير ما عنده ، وذلك لأن موسى عندما سئل: من أعلم أهل الأرض فقال لهم: أنا، هكذا ظنَّ، فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردَّ العلم إلى الله عز وجل، فصمم سيدنا موسى أن يتعلم من الخضر مهما كلفه الأمر.
وأورد الإمام النووي قوله تعالى:
(واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ)
يعني عليك بملازمة الصالحين حيث في صحبتهم الراحة والطمأنينة،
ثم ذكر الإمام النووي حديثاً رواه الإمام مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما، بعد وفاة النبي ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها.
_ وأم أيمن هي حاضنة رسول الله ﷺ واسمها بركة، كانت لوالد الرسول ﷺ فورثها النبي عليه الصلاة والسلام، فأعتقها، وكانت حاضنته، لذلك ورد في بعض الأحاديث رواية ولو فيها ضعف، أن رسول الله ﷺ قال: أم أيمن أمي بعد أمي.
وأم أيمن تزوجت زيد بن حارثة فأنجبت أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ. _
فانطلق ابو بكر وعمر إلى أم أيمن، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟!!، ألا تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، فأجابت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله هو خير لرسول الله، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.
أي إنه يوم القيامة لا يجد حميماً أي صديقاً فينجيه من عذاب الله، ولا يجدون شفيعا يشفع له فيطاع، لأنه منبوذ بظلمه وعدوانه،
وقال تعالى: (وما للظالمين من أنصار،) وقال تعالى:
(وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)
٦- *وقوع الظالم في ظلمات يوم القيامة* ظلمات متوالية تكتنفه وتحيط به بحيث لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً، ففي يوم القيامة ليس لأحد نور إلا من أنار الله تعالى له، وأما من لم يجعل له نوراً فما له من نور، والإنسان إن كان مسلماً له نور بقدر إسلامه، ولكن إن كان ظالماً فقد هذا النور بما حصل من الظلم.
٧- *خشية دعوة المظلوم فإنها لا ترد*، روى الإمام البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:
ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه:
إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
وكان يحيى البرمكي وزيراً لهارون الرشيد وصاحب مال وشرف وجاه، أودع هو وابنه السجن في نكبة البرامكة، فقال له ابنه: يا أبتاه بعد العز والملك صرنا في القيد والحبس!!
فقال يحيى: يا بني لعلها دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ، والله لم يغفل عنها.
قال الشاعر:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم.
تنام عينك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم.
ولذلك على من وقع منه ظلم لأخيه في مال أو إيذاء او سمعة او غيبة وغير ذلك، عليه أن يبادر إلى التوبة من تلك المظالم بالندم عليها والاستغفار منها، والاستغفار لمن ظلمه.
قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: كفارة من اغتبته أن تستغفر له.
وقال عبد الله بن المبارك: التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته.
وان كانت المظلمة مالية فعليه أن يرد الحق المالي عينا أو قيمته، ويعتذر عن فعلته وتأخيره، لأن من شرط التوبة رد الحقوق إلى أصحابها
ولا يشترط إعلام من ظلمه بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله تعالى، وأن يذكر المغتاب في مواضع غيبته فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، ويستغفر له مما اغتابه.
اللهم نجنا من الظلم والظلمات يوم القيامة يا رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
جلسة الصفا
27 ذو القعدة 1447
15 أيار 2026
لفضيلة الشيخ
محمد نعيم عرقسوسي
بعنوان:
*ما الذي يردع عن الظلم*
بسم الله الرحمن الرحيم
تكلمنا في الدرس الماضي عن قبح الظلم وعاقبته الوخيمة وأنواع الظلم في المجتمع، وبقي علينا أن نعرف ما الذي يردع المرء عن الظلم؟
ما يردع عن الظلم أمور عديدة منها:
١- *خشية الله تعالى*
لأن خوف الله تعالى يحجز الإنسان عن الظلم وعن الإيذاء وعن الغش وعن كسر الخاطر،
خوف الله عز وجل تصلح به الحياة والأعمال .
فمن يخاف الله عز وجل لا يمكن أن يأتي بشيء يؤذي غيره، حتى إنه لا يؤذي حيواناً
ومن الأدلة على ذلك قصة ابني آدم في القرآن الكريم ، قال الله تعالى:
(وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ، لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ)
٢- *أن يعلم الإنسان أن الله تعالى حرم الظلم*
حيث جاء في الحديث القدسي قول الله تعالى:
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.
فالله عز وجل ذو القدرة المطلقة حرَّم الظلم على نفسه، لأن الظلم يتنافى مع اسم من اسماء الله الحسنى وهو العدل، وقد قال سبحانه وتعالى:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.)
٣- *خوف القصاص يوم القيامة*
لأن الظالم إن لم تنله عقوبة الله في الدنيا فهي في انتظاره يوم القيامة، قال تعالى:
(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)
وقد بين النبي ﷺ كيف إقامة القصاص يوم القيامة، فروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
وروى الإمام مسلم عن أبي أمامة الحارثي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال:
من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً؟، فقال ﷺ: وإن كان قضيباً من أراك.
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﷺ: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار.
وروى أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ في بيتي وكان بيده سواك، فدعا وصيفة له أو لها، فأبطأت، فاستبان الغضب في وجهه، فخرجت أم سلمة فرأت الوصيفة تلعب، فقالت لها: الا أراك تلعبين ورسول الله يدعوك؟؟!! ،فقالت الوصيفة: لا والذي بعثك الله بالحق ما سمعتك، فقال النبي ﷺ: لولا خشية القود (القصاص) لأوجعتك بهذا السواك.
٤- *الايمان بالعدالة الإلهية المطلقة*، قال تعالى:
(لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰاحدِ ٱلۡقَهَّارِ ، ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ)
وقال تعالى:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾
وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد أن رسول الله ﷺ قال: يحشر الله الناس يوم القيامة حفاةً عراة غرلاً بهماً، قالوا: وما بهماً؟، قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار ان يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة ان يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا بهما؟، قال: بالحسنات والسيئات.
ولذلك قال ﷺ فيما رواه الإمام البخاري: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
٥- *معرفة أن الظالم لن يجد من ينصره*، قال الله تعالى:
. (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ)
3- الحرص على تدبر آياته ومعرفة معانيه، قال ابن مسعود:
كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. رواه الطبري.
وقال رسول الله ﷺ:
لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث.
4- استخراج المواعظ والعبر من قصص القرآن وأمثاله، قال تعالى:
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) ۗ
وقال تعالى:
"(وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)"
وقال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
قال عمرو بن مرة:
ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني ذلك، لأني سمعت الله تعالى يقول: ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: عقلت عن رسول الله ﷺ ألف مثل.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).
أي من معتبر متعظ يتذكر فيعتبر بما فيه من العبر والذكر.
قال ابن قدامة: ينبغي لتالي القرآن أن يعلم أن القصص لم يُرَد بها السمر، بل العبر.
5- عدم الانشغال بإقامة الحروف وصفات الحروف ومخارج الحروف، فذلك أحد مداخل الشيطان تحجب عن فهم القرآن.
قال ابن قدامة :
وليَتَخَلَّ تالي القرآن عن موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره، فيصرفه ذلك عن فهم المعنى.
6-الجهر بتلاوة القرآن يساعد على يقظة القلب، ومن ثم التأثر بالقرآن، فإنه لو قرأ سراً قد يكون أقرب إلى شرود الذهن.
روى البيهقي في الشعب أنه سئل ابن عباس عن قراءة النبي ﷺ، فقال:
كان يقرأ في حجرته، فيسمع قراءته من كان خارجاً.
7-الحرص على قيام الليل بالقرآن، قال تعالى:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا (2) نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا (3) أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّليۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا (6))
قال ابن كثير:
ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، والمقصود أن قيام الليل هو أشد موافقة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة، ولهذا قال:
(هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا )، أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش.
*ومن ثمرات التأثر بالقرآن*:
1- زيادة الإيمان وقوة اليقين، فيزداد القارئ المتأثر بالقرآن إقبالاً على الله، ويمتلئ قلبه توكلا عليه، قال تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
قال السعدي:
من فوائد التأثر بالقرآن أنه يصل بالعبد إلى درجة اليقين، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً ، ولهذا لم يملك الجن إذ سمعوا القرآن إلا أن قالوا:
( إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبࣰا ١ یَهۡدِي إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ)
2 - صلاح القلوب، فالقرآن أعظم أدوية القلب أثراً في إزالة أمراض الشهوات والشبهات، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾
هو شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني.
3-تهذيب السلوك والأخلاق، إذ ينعكس القرآن على سلوك المسلم ، وهذا من أعظم الثمرات المرجوة، فبعد فهم القرآن والتأثر به يأتي التخلق بأخلاقه والاهتداء بهديه.
ولما سئلت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق النبي ﷺ قالت للسائل: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: كان خلقه القرآن.
فاللهم اجعلنا ممن يتأثرون بالقرآن ويعملون به يا رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
متاح الآن! بحث تيليغرام 2025 — أهم رؤى العام 
