uz
Feedback
مصطفى صادق الرافعي

مصطفى صادق الرافعي

Kanalga Telegram’da o‘tish

هُنا الحِكم ومُتعَة التفكير، هُنا أروَع ما خَطه الأديب الأريب "مصطفى صادق الرافعي" -رحمه الله-.

Ko'proq ko'rsatish
8 567
Obunachilar
-624 soatlar
-187 kunlar
-130 kunlar
Postlar arxiv
لا تَلُم ذا الهوَى على أن يَبُوحا هـكذا الـعِطر دأبُـه أن يَفـوحـا كيف تـَخفى بين العَـواذِل نارٌ _ ساوَرَتـها الرياحُ ريحـاً فَـريحا ؟ غلبَ الشوقُ أهلهُ فترى القوم مطريحاً قضى ونضواً طريحا سقامُ الهوى يلوحُ على العاشقِ .. مــهــمــا أرادَ أن لا يَــلــوحـا

فإن الشاعرَ ليكتب عمن يحبُّها فيرى كأنه ينفخ في كل كلمة معنى من الحياة؛ لأنه لا يكتب كلاماً بل يخط صورة قلبه؛ والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة؛ لأنها لا تجتمع في شكلها الذي تنتهي إليه إلا بعد أن تمر في أدوار الحياة فتألفها الأرواح وتصير كاللفظ المأنوس: ما هو إلا أن يُذكر حتى ترى معناه للذهن ماثلاً .. ♡

وانتَهَى حُلمُ الصّلحِ لتوِّه لحظةَ شعَرتُ أنه ابتدَأ… فلم يكن هذا الحُلمُ إلا «عمليةَ» حُبٍّ جراحيةٍ مؤلمةٍ في القلب الذي كادَ يبرأُ ويَنسى… كأنما طفِئَت من الهجر مكواةٌ كانت مُحمّاةً على كِبِدي فجاء طيفُها بما معه ليضَعَ مكواةً غيرَها…! وأصبحتُ _والله_ أعتقدُ أنّ الشيطان خُلقَ لي مُضاعَفاً لما خُلِقَ إلا امرأةً معشوقة…!

حـيَّـا وسـلَّـمَ ثـم صـافَـحَ تــاركـاً يــدَهُ عـلـى الـكبـدِ الـتي أدمـاهـا وأتى لِيِعتـذِرَ الغَـزالُ، ولَجلِـجَـت كلماتٌ فِـيه، فِـفِي فَمِي أخـفـاهـا وَدَنَا لِيغتَـرِفَ الهَوى، فـتَهـالـكَـت أســرارُه، فَــرَمَــت بِــهِ فَـرَمـاهـا.. قلبُ الحبيبِ متـى تـكلمَ لَم تَجِد كَـلِـمـاً، ولــكِــن أذرُعَــاً وشِـفـاهـا

ورجعَ الرّضا أكثرَ من ابتسامِ الشفتِين…

هَلُمي يا حبيبتي نرتَفِع فوقَ دنيا الحزنِ والألمِ ولو ساعةً ليست في للٍ ولا في نهار بل فيّ وفيكِ: ساعةٌ ليس فيها ستونَ دقيقةً في كلِّ دقيقةٍ ستون ثانية، بل فيها ستونَ عناقاً في كلِّ عناقٍ ستونَ قُبلة! فهَلُمي يا حبيبتي…

هَلُمي فلنُصالِح بينَ الكلمة ومعناها، فإن هجرَكِ هذا فرّق بيت ألفاظِ الحب وأرواحِها، فمَسَخَها كما هي في الكلام، وأنا أُريدُها كما هي في الحياة، وهل تحيا كلمة القُبلة في القاموسِ أم في شفتيكِ؟

هَلُمي فارفِعيني بقوةٍ منكِ على قوتِكِ الأخرى التي تهلِكُني بالخضوعِ والصبر ...

هَلُمي فضعيني في أشعةِ الخلود من نظراتِ الرضا التي في عينيكِ، لأقوى على هذا الفناءِ الماحِق من هجرك، فإن قُربَكِ ليسَ قُرباً بل هو إعطاء، وبُعدُكِ ليسَ بُعداً بل هو سلب!

وهَلُمي يا حبيبتي فاجعليني في روحِ شبابكِ الذي ألبَسَني الضنى على أنه لو نُقِل إلى الأجسامِ لأحيا الموتى .

وقالت نفسُها لنفسِي:

وكانت هي كلُّ تقاسيمِها تعبيراتٌ معنَوِية، حتى لكأنَّها صورةٌ متجسمة من أوصافٍ بارعةٍ في الحبِّ والجمالِ خُصِّصتُ بعِلمِها أنا وحدي إذ لا يمكن أن يهتدي إليها إلا فيها وحدي، وكنتُ مع طيفِها كأني ملقىً في حالةٍ من حالاتِ الوحي لا في ساعةٍ من ساعاتِ الكَرى ورأيتُ حُباً رائعاً معبوداً أشعرَني إذ ملكتُه في تلك الخَطَرات أن الإنسان قد يملِك من الجنة نفسَها مُلكاً وهو على الأرضِ في دارِ الشّقاء.. إذا هو احتَوَى بينَ ذِراعَيهِ مَن يهواه!

وارتفعَت حقيقتُنا كِلَينا إلى عالمٍ من الكنايات والمجازات والاستعارات، فكان الحبُّ ثمَّةَ يتخذُ شكلَه السماويّ فيتسِع بالإدراكِ في كلِّ شيء، إذ يجعلُ الحاسيةَ كأنها من حواسِّ الخلود، فلا نهايةَ لمسرةٍ تتصلُ بها، ولا نهايةَ للذةٍ تخالطُها، ومن ذلك لا نهايةَ لأفراحِ قلبي في الحلم ...

وتحت أطلالِ نسياني وما تَخرّبَ من عزيمتي… ظفِرتُ بمقصورةٍ كأنها من مقاصير الجنة لها جوٌّ عبِقٌ نافِجٌ مليءٌ من الإحساس الخالد والشعور الطَّروب، كما مُلِئ بالأسرارِ والألغاز، تَرفّ عليه معاني الضحكات والنظرات والابتسامات، تمازجُه تعابير الصوتِ والنغماتِ والثياب الحريريّة والروائحِ العِطِرَة، يسبحُ في كلِّ ذلك جلالُ الحبِّ وجمالُ المحبوبِ وروحِيَ العاشِقة!

يا للرحمةِ من طيفٍ يعذبُ العاشقَ بالرحمة... إذ يَنقلُ الحبيبَ كلَّه إلا الحبيبَ نفسَه... ويُحققُ للمحبِّ أمانيهِ إلا بهذه الأماني... ويُخيِّمُ على ظلمة الصدِّ بألوانٍ من نهارٍ يموتُ قبل النهار... وفي عالمٍ مُعذّب من الهواجس والخيالات العاشقة المستلَبَةُ إرادتَها، ينصبُّ عالمُ نعيمٍ ممستلَبن الهواجس والخيالات المعشوقة مستلَبَ الإرادةِ أيضاً فكأنها سخريةُ من جنونِ صاحبِها... يا للرحمة...!

وفي الحُلُمِ يتجلى الحبيبُ لِمُحِبِّه كما هو داخلٌ في نظامِ عقلِه وكما هو مستقِرٌّ في أمانيه؛ فيكون على ذلك كأنه مِن خلقِ النفسِ وتصويرِها، فتُفتن به أشدَّ الفِتنة! وكأنها لم ترَ معانيهِ في أحدٍ قط ولا فيه هو نفسُه، ومن هذا قّلما ناجى الحبيبُ حبيبَه في رؤياه أو طارحَه الهوى أو الحديثَ أو نوّلَه مما يشتهي إلا انتبه المحبُّ وكأنه لم يُلِم به من هذا كله شيء، بل ذابَ هذا كلُّه في دمِه حلاوةُ روحٍ لها طعمٌ ومذاق!

طيفٌ جاءَ الروحَ المهجورةَ بالحبيبة، فاستنشَتها كأنما هي نسمةٌ طائفةٌ على روضةٍ من الورود، ومرَّ بروحي التي جَفَتها هِيَ وجرحَتها مُروراً أنعمَ من لمسِ الشَّفَةِ للشَّفَة، وغمرَها بمحاسنَ تملؤها ذَوقاً وطيباً وتَحوَّل هو معها روحَ قُبلةٍ مُشتهاةٍ على انتظارٍ طويل... ففيهِ مسُّها ولذّتُها وحلاوتُها .

… غيرَ أنّي في كنزِ الخيالِ رأيتُ ذلك هو الحقيقةَ بعينِها، وعلمتُ أنه لمعنىً جميلٍ تنجذِبُ الحِسانُ إلى الحُلي والجوهَر، إذ كانت من طبيعةِ أجسامِهِن .

وَلَكَم كنت أتخيل إذ أجلسُ معها وأُقَلّبُ عينيّ في محاسِنِها ومفاتِنِها _أنّ أظافِرَها المصقولةَ المُلتَمِعة إن هي إلا لؤلؤٌ من جوهرِ جسمِها، وأنّ الحُلِيّ على هذا الجِسمِ الجميل.. إن هو إلا شُعلٌ تتوهجُ من ضوءِ لحمِها، وتَوَرُّدِ دمِها لا من ذهبِها وجوهرِها .

ولكن تحتَ أطلالِ نسياني وما تَخَرّبَ من عزيمتي.. انكشفَ لي كنزٌ من الخيال دَخِلَتهُ ومَلَكَته، ولم أرَ فيه الدُّرَّ والجوهرَ والماسَ والياقوتَ في جسمِ الأرض، بل رأيتُ فيه الحبيبة تسطعُ من جسمِها البديع؛ حقائقُ كلِّ هذه الجواهرِ الكريمة، حتى لكأنَّها واللهِ في غرابةِ الحلمِ حسناءُ من دُرٍّ وماسٍ وجوهر وأشعَّةٍ تتلألأ، وما شئتُ أن أرى صفاءً ولا جمالاً ولا حُسناً ولا فِتنةً إلا رأيتُ فيها .