uk
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

Відкрити в Telegram

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

Показати більше
551
Підписники
+224 години
+237 днів
+13630 день
Архів дописів
بين اليقين والوجل: معالم الطريق إلى الله عز وجل تشتدُّ ظلمةُ المشاهد، وتضيقُ المواقف حتى تكاد القلوب تختنق كمدًا، ويتسرّب إليها اليأس خفيًّا وإن تظاهرت باللامبالاة! ثم ما تلبث أن تُتلى آياتُ الله عزّ وجلّ، فإذا بالنور يشقُّ العتمة شقًّا، وإذا بالوحي بلسمًا ينساب في العروق، يغسل مرارة الاستياء، ويعيد ترتيب المشهد من جديد؛ فيتحوّل الاضطراب سكينةً، ويتبدّل القلق يقينًا، وينقلب كلُّ تفصيلٍ مُقلقٍ باعثًا على الاستبشار والثقة بوعد الله الحق، جل جلاله. فلا يخرج المؤمن من القرآن إلا عزيزًا بالبصيرة، ثابتًا باليقين، مطمئنًا إلى سنن الله تعالى التي لا تتخلّف ولا تتبدل أبدًا. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36] آيةٌ واحدة، لكنها ترسم خريطة الصراع كلّه: بدايته، ومساره، ونهايته. إنه صراعٌ ممتدٌّ بسنةٍ ماضية، لكنه منتهٍ بحسمٍ مهيب. ﴿ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ليس حديث الآية الجليلة عن إنفاقٍ عابر، بل عن مشروعٍ متكامل؛ أموالٌ تُضخّ، وإعلامٌ يُسخَّر، وتحالفاتٌ تُعقد، ونفوذٌ يُستخدم، وخططٌ تُحاك… كلّها تُسخَّر لصدّ الناس عن سبيل الله تعالى وإطفاء نور الحق. لكن انظر إلى الترتيب الإلهي الدقيق: فسينفقونها… أي أنهم مستمرون في البذل والجمع والتعلق بأستار القدرات المادية! ثم تكون عليهم حسرة… أي أن النتائج لن تكون مجدية كما ينتظرون، ولن تثمر جهودهم ولا تمويلهم المستمر نتائج مرضية لهم. بل ستكون على العكس تماما، حسرة، مؤلمة ومفجعة لهم! ثم يُغلبون… أي أن النهاية حاسمة في المآلات، بهزيمة مؤكدة. ثم إلى جهنم يُحشرون… ليس فحسب الخسارة في الدنيا، بل وخسارة الآخرة أشدّ وأبقى. أي أنها خسارةٌ مركّبة: حسرة مفجعة في الدنيا، وغلبة مثخنة في الميدان، وعذاب شديد في الآخرة. وكلّ ذلك يُختصر في آية واحدة! قد يذهل الناس من ضخامة الأرقام، وضجيج الإعلام، واستعراض الترسانات، فيحسبون الكثرة قوّة، والانتشار تمكينًا، والسيطرة انتصارًا. لكن الوحي يضع الأمور في ميزانها الصحيح: كلّ ذلك وقود حسرةٍ قادمة، ومقدّمةُ غلبةٍ محتومة. لا شك في ذلك أبدًا. ولكن مما يجب الوقوف أمامه أيضا، بأدبٍ مع الله عز وجل وحياء! أن سنة الغلبة للمؤمنين على قوة أعدائهم لا تسير لوحدها! فمع أن النهاية محسومة، إلا أن طريقها ليس مفروشًا بلا ابتلاء. وهنا تتجلّى السنة الأخرى، المرافقة لسنة الغلبة: قال الله جل جلاله ﴿ مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179] فالابتلاء سنة ثابتة في مسار النصر، وجزءٌ من هندسته الربانية. هذه الآية تكشف وجهًا آخر من الصراع: والصراع لا يُسقط الباطل فحسب، بل يكشف الصفوف. فلا يترك الدعوى بلا امتحان، ولا الشعار بلا اختبار. بل يخرج الصفوة، وينقيها من كل دخن وكدر!. والتمييز ليس بمفهومه السطحي! باغترار الظنون، إنما بعمق الكشف، لما تسّره الصدور..! والله عز وجل لا يترك المؤمنين في حالة اختلاط وغموض، ولا يسمح بأن يستمر الالتباس بين صادق ومدّعٍ. لذلك التمييز لا يكون بالألقاب المتضخمة، ولا بالشعارات المتوهجة، ولا بالتزكيات المتملقة، ولا بالجماهير المصفقة. إنما يكون بصدق المعادن وإخلاص القلوب الذي لا يشوبه ارتياب ولا خبث! وإن كان في معزل عن الأضواء ومرامي الاهتمام والتبجيل. وهو الذي لا يعلم صدقه إلا الخالق عز وجل. وهكذا تتهاوى في مواسم الفرز التي لا مناص منها، أوهامٌ كثيرة: فلا تنفع كثرة الأتباع إن تلوّث الإخلاص. ولا تغني الشعارات إن خالفت السيرة. ولا تُجدي تزكية الناس إن لم يرضَ ربّ الناس. الله عز وجل لا يترك القلوب مختلطةً ولا الصفوف متداخلةً بل يُرسل الابتلاء غربالًا، ويجعل الأحداث كاشفة، والفتن ممحّصة، والمحن مطهّرة. ومع توالي الأيام تنكشف الحقائق وتمتحن الدعاوى، فتخشع النفوس لحكمة ربنا! إذن نحن أمام حقيقتين متوازيتين: الباطل مغلوبٌ حتمًا. والصفُّ المؤمن ممحَّصٌ قبل التمكين دومًا. فلا يغترّن أحد بقوة الأعداء، ولا ينهزم أمام مشهدهم، وأيضا لا يستعجل الحسم قبل اكتمال الفرز. ولا يغترن بكونه في صفوف النصرة! فالمعركة ليست لإثبات أن الحق سينتصر – فهذا قد قُضي – وإنما لإثبات من يصدق في نصرته كما يحبّ الله ويرضى. ليست القضية: هل سيُغلب الباطل؟ بل: أين موقعك أنت حين يقع التمييز؟ ومن هنا ينبعث الوجل… ليس خوفًا من غلبة الباطل، بل خشيةً من سنة التمييز. وليس رهبةً من أموالهم، بل رهبةً من خذلان النفس القاتل. فالآية الأولى تحسم المصير: ﴿ثم يُغلبون﴾. والثانية تُبقي القلب يقظًا: ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. وفي معاني الآيتين، لفتة عظيمة تستوجب الوجل!

ومن تأمل في دعوة شعيب عليه السلام وجد شمولية “لا إله إلا الله” وعظمتها؛ إذ جاءت في سياق توجيهات اجتماعية واقتصادية تعالج الانحراف العقدي في هذا الميدان كما في سائر الميادين، لتبني واقع الإنسان كله، وترفعه إلى المكانة التي فضله الله بها على كثير ممن خلق. ولا شك أن لذلك فضائل جليلة! فبعد النهي عن البخس قال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فما يبقى لك من مال بعد العدل خيرٌ مما تأخذه بالظلم. وما يبقى لك من مروءة بعد إنصاف الناس خيرٌ مما تكسبه بتشويههم بالبغي. وما يبقى لك من أمانة ومصداقية في القلوب خيرٌ مما تجمعه من انتصارات وهمية. إن ترسيخ قاعدة الإنصاف في النفوس، وفي الجماعات، والحركات، والأفكار، والدعوات، ركيزة أساسية لصناعة العدل ونصرته، ولمنع الفساد في الأرض. وما أعظم أثر الإنصاف في النفوس: مع القريب والبعيد، مع المؤيد والمخالف؛ فإنه يصنع هيبةً… هيبةَ الحق، وما يستتبعه من فضائل وإخلاص لله وحده لا شريك له. بالحق والعدل والإنصاف والصدق معًا ننتصر، لا بالحق الممزوج بالظلم والبخس والكذب. ومن بخس الناس أشياءهم، فقد خطا أولى خطوات المفسدين في الأرض، ولا يلومنَّ إلا نفسه. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) اللهم اكفنا شر البخس والمبخسين..!

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال الله جل جلاله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ آية جليلة تأخذ بمجامع القلب، وتستوقف المتدبر بخشوعٍ وشجن! تكررت ثلاث مرات في القرآن الكريم على لسان نبي الله شعيب عليه السلام: في سورة هود (الآية 85)، وفي سورة الشعراء (الآية 183)، وفي سورة الأعراف (الآية 85) بلفظٍ قريب: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. إن بخس الأشياء ليس أمرًا محصورًا في ميزان السوق فحسب، بل هو خللٌ قد يتسلل إلى ميزان الحياة بأسرها. وليست هذه الوصية خطابًا للتجار وحدهم، بل هي موجهة إلى العلماء، والدعاة، والخصوم، والأزواج، والأصدقاء، وإلى كل إنسان يمشي على هذه الأرض ويتعامل مع الناس حقًّا وواجبًا. ولعلَّ من أعظم ما تُوقِظ له هذه الآية، أن الله تعالى قرن فيها بين بخس الحقوق والإفساد في الأرض. فقد يبدو البخس في أعين الناس أمرًا يسيرًا: تطفيفًا في ميزان يُهمل، أو كلمةً ذُكرت لم تُنصف، أو حقًّا للغمط لم يُذكر، أو جهدًا قُلِّل من شأنه، أو نصيحة أمين، تُزدرى وتُطمر. لكنه عند الله ليس صغيرًا أبدًا، لأنه يمسُّ جوهر العدل ويخرم ميزانه. وإذا اختلّ الميزان، بدأ الفساد يتسلل خفيًّا من حيث لا نشعر، وكلما طال الإهمال، تعاظمت التداعيات، حتى يستحكم الفساد في الأرض. ومن اعتاد التطفيف في التقدير، هان عليه التطفيف في الضمير. ومن استهان بحقوق الناس وأشيائهم، كان ظالمًا لنفسه ولهم، وما أفلح الظالم! ومن عظمة هذا الدين أنه جعل العدل ميزانًا شاملًا لا يُبخس فيه حق، ولا يُغفل فيه فضل. فهو لا يقتصر على الأموال والممتلكات، بل يتجاوزها إلى الأفكار، والأخلاق، والأزمنة، والجهود، والتضحيات، وكل صور الحقوق، لا مع من توافقه فحسب، بل – والأهم – مع من تخالفه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. وتأمل كيف يُحدد الله – عز وجل- العدل في مقام الخلاف والخصومة! لأن أخطر أنواع البخس هو ما نُلبسه ثوب الغيرة على الحق، بينما هو في حقيقته انحيازٌ للنفس. وما أخفى حظوظ النفس حين تتستر بشعار الحق! إنه خيطٌ دقيق من الانحراف، إن لم يُنتبه له ويُعالج، أفسد في الأرض أعظم إفساد، بإفساد جوهر الرسالة، والإخلاص، وسلامة القلوب. ومن أعجب ما يشدّ المتدبر في آيات القرآن تلك المعالجة الدقيقة لجذور الفساد وبذور الانحراف قبل أن تستفحل؛ معالجةٌ محكمة، يكفي تأملها وتأمل الحكمة منها، ليخضع القلب تسبيحًا وتعظيمًا: فسبحان ربي الأعلى! والمجتمعات لا تنهار فجأة… بل يبدأ انهيارها حين يفقد الناس ثقتهم في العدالة. وتبدأ الشرارة من بخس الناس أشياءهم؛ فتنكسر الثقة، وتضيع الأمانة، ويضعف العطاء، ويشتد الحقد، وتتسع دوائر المخالفة. وهل يصنع ميزان الهوى إلا مزيدًا من القطيعة والتنازع وذهاب الريح؟ وذلك هو الفساد بعينه. وتأتي قصة شعيب عليه السلام لتلقننا درسًا عظيمًا، كما كل قصص الأنبياء التي تحمل خصوصية تربوية فريدة. ففي قصة شعيب نتعلم كيف يصون التوحيدُ العدلَ في كل شيء؛ فلا يستقيم توحيدٌ يظلم الناس، ولا تُقبل عبادة تقوم على غصب الحقوق وغمطها. ولا يجتمع بخس وخشية في قلب! فالخشية تمنع البخس، فإن طغى البخس فهذه أمارة انحراف خطير! وفي سيرة النبي ﷺ نرى عجبًا من الإنصاف، مع المسلم كما مع الكافر، وعلى هذه المعاني ربّى أصحابه رضي الله عنهم. وبخس الفضل يقتل المروءة، وجحد الإحسان يفسد القلوب، والاستمرار في بخس الناس أشياءهم هدمٌ للدين من داخله. وقد وثّق لنا التاريخ – في كثير من المرات- كيف تسفك الدماء المعصومة، من حقد أعمى تشكل من الاستهانة بالبخس والغمط! فكان مشهدًا موثّقا للإفساد في الأرض..! ومن أخطر صور البخس في زماننا النظر إلى الناس بعينين مجحفتين: أبيض مطلق… أو أسود مطلق. فإما أن يُرفع المحبوب إلى مرتبة التفرد والكمال، أو يُسقط المكروه إلى درك: “ما رأينا منه خيرًا قط”. وهذا ليس من الإسلام في شيء؛ ففي كل إنسان خير وشر، حسنات وسيئات. والمنصف لا يغمط حقًا، ويحذر من حالٍ وصفها الشاعر بفراسة صادقة: وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا وكم وقع من ظلمٍ بسبب غمط حق، أو بخس فضل! وتراكم إغفال هذه الدقائق يصنع فسادًا عريضًا في الأرض.

سُنّة ربانية لا تتبدل في قصة طالوت قال الله جل جلاله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 249] جاء في تفسير هذه الآيات: “فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه؛ ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني؛ لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته”. هذه الآيات العظيمة ترسم لنا سُنّة ربانية لا تتبدل: أن طريق النصر يبدأ من النفس وقوة الاستجابة قبل أن يكون في المعركة ونية المقاتلة. ابتلاء النهر لم يكن اختبار عطشٍ فحسب، بل كان امتحان طاعةٍ وانضباطٍ واستجابة. الماء مباح، والحاجة إليه قائمة، لكن الأمر الإلهي قيّده؛ فظهر الفارق بين من يقدّم أمر الله على شهوة عاجلة، ومن تغلبه لحظة ضعف. الذين انكبّوا على الماء حُرموا شرف المواصلة، وتخلّفوا عن موطن الكرامة. أما الذين صبروا، وكفّوا أيديهم، واكتفوا بغُرفة، فقد عَبَروا… عَبَروا إلى ما هو أعظم: إلى معية الله ونصره. وهنا تتجلّى الحقيقة المتكررة: المعصية لا تحرم صاحبها الأجر فقط، بل تحرمه الثبات والمعية والفتوحات الربانية. المعصية تحرم صاحبها صفاء البصيرة عند اشتداد الموقف، وتحرم قلبه سكينة اليقين ساعة الاضطراب. الذنب يثقل القدم يوم الزحف، ويورث وهناً في العزيمة، ويزرع عجزًا وخوفًا وسوء ظن بالله حيث ينبغي أن يكون الصبر والتوكل واليقين. الذين شربوا أكثر من المأذون لم يُمنعوا عبور النهر فحسب، بل مُنعوا شرف الوقوف في الصف القليل الذي كتب الله له النصر. وهكذا كل مخالفة: قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تكون فاصلاً بين أن تكون من “الذين آمنوا معه” أو من المتخلّفين على الضفة الأخرى. إن الكرامات من فضائل الاستقامة والسمع والطاعة. والتأييد الإلهي لا ينزل على كثرةٍ منفلتة، بل على قلةٍ صابرة. كلما كان العبد أقوى استجابةً لأمر الله، وأشدّ صبراً عن شهوته، وأصدق انقياداً في الخلوة قبل العلانية، نال من فضائل ذلك معيةً خاصة، وتثبيتاً عند الزلزلة، ونصراً يتجاوز الحسابات المادية. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ معية تأييدٍ وتوفيقٍ وتسديد. أما اليوم، فكثير من الناس يريدون عبور النهر دون اختبار، ونصراً بلا توبة، وفتوحاتٍ بلا مجاهدة. تتفلت النفوس، وتكسل الجوارح، ويُؤجَّل الاستدراك، ثم ننتظر أن تتنزل علينا سنن النصر كما تنزلت على من سبقنا! أو ترى المخالفة بإصرار .. ثم إعلان الاستحقاق! لا يكون ذلك. فمن أراد أن يكون في صفّ الثلاثمائة وبضعة عشر المؤيدة بنصر الله عز وجل، فليبدأ من نهره الخاص: من شهوته التي لم يضبطها، ومن عادةٍ قبيحة لم يتركها، ومن تقصيرٍ قادحٍ لم يتب منه. ومن استجابة لا يزال لم يف لها، هناك يبدأ الطريق. ومن هناك تُكتب المعية، ثم يُكتب العبور، ثم يُكتب النصر حتى حين تكون موازين القوى في يد العدو أكبر منا. وفي القرآن العظيم تربية عظيمة.

بين التمكين والانتكاس: دروس من قصة بني إسرائيل قال الله جل جلاله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. تأسرك هذه المعاني، وتأخذك هيبةُ التمكين الذي منّ الله به على بني إسرائيل بعد سنوات الاستضعاف والقتل والتنكيل. نصرٌ بعد صبر، ووراثةُ أرضٍ بعد قهر، وإهلاكُ طغيانٍ بعد استكبار. ولكن ما تلبث أن تندهش من سرعة نسيانهم لفضل الله تعالى عليهم؛ فما إن شقّ الله لهم البحر، وأراهم آياته الكبرى، وأنجاهم من آل فرعون، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، حتى انقلبوا إلى حال الجحود والشرك. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. لم تجفّ أقدامهم من ماء البحر بعد، ولم يبرد في قلوبهم مشهد الغرق والهلاك، ولم تزل آيات الله العظيمة شاخصة أمام أعينهم، ومع ذلك طلبوا الشرك! إن أعظم المعجزات لا تثبت في قلبٍ لم يتربَّ على التوحيد، ولم يترسّخ في أعماقه معنى العبودية الخالصة لله حقًا. ولهذا جاء الإسلام مؤسسًا على أصل التوحيد قبل أي مظهر من مظاهر الخوارق؛ فربّى النبي ﷺ أصحابه على توحيد الله وتعظيمه بحجةٍ تشرق معها الفطرة، ويستقيم بها العقل، ويطمئن بها القلب. وكان القرآن العظيم دليلًا ومنهج حياة، لا يشقى معه موحّد، ولا يضلّ معه من استمسك به. ثم إن الاعتزاز بالهوية، والاستعلاء بالإيمان، والصحبة الصالحة، والوسط الآمن، كلّها عناصر تحفظ القلوب من التبعية والانبهار. وكذلك القدوة التي يتبعها الناس لها موقعها العظيم في تثبيت المعاني وترسيخها. فما إن مرّ بنو إسرائيل على قومٍ يعكفون على أصنامهم، حتى تمنّوا أن يكون لهم مثلها. وهذا يعلّمنا أن القلب إذا لم يتحصّن بالحق، تعلّق بأول باطل يلوح له، وانجذب إلى كل مظاهر الزيف مهما رأى من الآيات قبلها. ونرى في قصتهم كيف أن العبد في الشدّة يصدق في لجوئه واستغاثته بربه، لكن بعد النجاة قد يضعف تعلّقه بالله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾، ثم قال بعدها: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾. فما أقصر المسافة بين معجزة النجاة وفتنة العجل! وما أسرع التحول إذا لم يكن الإيمان متجذرًا في القلب. فالقلوب الضعيفة سريعة الانتكاس، وأكثر الناس وقوعًا في الفتنة أسرعهم انبهارًا وأقلهم رسوخًا. قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَى﴾. إن الإيمان الذي يعتمد على الأشخاص لا يثبت إذا غابوا، أما الإيمان الراسخ المبني على العلم واليقين فيبقى ولو تبدلت الظروف وغاب القادة المؤثرون. وهذا درس عظيم في التربية الإيمانية للجند والأفراد. ولذلك قال الله جل جلاله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. ولهذا جاء القرآن حجةً دامغةً إلى قيام الساعة، ورسالةً خالدةً مع آخر الأنبياء، لا يهزمها باطل، ولا تزعزعها شبهة، لمن تمسك بها حق التمسك. إن قصة بني إسرائيل ليست للتاريخ فحسب، بل تتكرر في سور القرآن لنتدبرها ونتعظ بها. فالنجاة لا تعني العصمة، والتمكين لا يعني الاصطفاء الدائم، ورؤية المعجزات تأثيرها محدود دون بصيرةٍ وإيمانٍ متجذر، والتوحيد يحتاج إلى حصانةٍ دائمةٍ وحفظٍ مستمر. ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فإياك أن تمرّ على دروس بني إسرائيل مرورًا عابرًا، أو تغفل عن الاعتبار بقصصهم؛ فإن القرآن ما قصّها إلا لتكون مرآةً للقلوب. والمرابط على القرآن العظيم متأدبٌ به، متبصّرٌ بدروسه، مستمسكٌ بهديه، حتى لا يتكرر في حقه ما تكرر في تاريخ من سبق.

فوق أرتال القوة… يمضي قدر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ حين يقرأ القلب قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [ الرعد: 31] يقف أمام حقيقة كبرى تستوجب وقفة خشوع وتدبر: فليست المشكلة في قلة الآيات، ولا في ضعف البرهان، ولا في قصور الحجة؛ فلو كان في الكون كتاب تُزحزح به الجبال من أماكنها، وتُشقّ به الأرض، ويُخاطَب به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن العظيم. لكنه ليس كتاب خوارق حسية بقدر ما هو كتاب هداية، يخاطب القلوب ويقيم الحجة على النفوس. وتأتي في قلب هذا الوصف المهيب، الكلمة الفاصلة: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. لتنحلّ عقدة الاستعجال، ويسقط وهم التحكم في مجريات الصراع. فالهداية ليست قهرًا، والنصر ليس استعراض قدرة، والعقوبة ليست رد فعل آنٍ، بل الأمر كله بيد الله جل جلاله، يُدبّره بحكمة، ويُجريه بميزان لا يختل. ولهذا قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. أي أفلم يعلموا أن الله لو أراد هداية الخلق جميعًا لهداهم؟ ولكنه لم يشأ أن تكون الهداية قسرًا، بل ابتلاءً واختيارًا، وتمييزًا بين من ينصر الحق ومن يعانده. فالصراع وطوله، ليس دليل عجز، بل ساحة امتحان، يُظهر فيها صدق الإيمان وثباته ويقيم به الحجة على المكذّبين ثم تكون العاقبة بما تستحقه! ومن هنا نفهم سرّ امتداد المواجهة، وتكرار القوارع: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. إنها ضربات متتابعة، ليست استئصالًا فوريًا، بل إنذارًا بعد إنذار، وقرعًا بعد قرع، لعل القلوب تستفيق. ينكشف معها المرتابون، ويتساقط في أثنائها المنافقون، ويفجر المرتدون! ويحسب الكافرون أنهم على شيء! لكن الله جل جلاله قادر على أن يُنهي الباطل في لحظة، إلا أنه يُمهل ولا يُهمل، ويُمهل لتقوم الحجة، وليبلغ الحق مداه، وليتميز الصف. حتى يحل النصر المبين، بهيبته وقيمته الحقيقية! وهذه المعاني تقودنا إلى قول الله تعالى وهو سبحانه يطمئن المؤمنين بقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. فمهما بدا الباطل متقدّمًا في الظاهر، أو متغلبًا في جولة من الجولات، مهما حشد من أرتالٍ وقوى، وأشعل من وهج القتال! فهو لا يسبق قدر الله عز وجل، ولا يُفلت من تدبيره. إنما يسير في مسار مرسوم، وأجل مكتوب: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. هكذا يتشكل الصراع في سنن الله تعالى، ليس كما يتوقع المستعجلون ويطغى جهالة المرتابون: حسمًا خاطفًا يُنهي القصة منذ بدايتها، بل مسارًا ممتدًا تُختبر فيه النفوس، وتُصقل فيه الجماعات، وتُغربل فيه الصفوف. ولو أُهلك الكافرون أول مرة، لضاع معنى الصبر، وذابت قيمة الثبات، ولم يظهر الفرق بين إيمانٍ ساعة وإيمانِ محنة. ولم يدرك الناس قيمة النصر والحكمة من الصبر! إن الله قادر على الإهلاك، لكن حكمته اقتضت الإمهال. قادر سبحانه على القهر، لكن سنته جرت بالابتلاء. قادر سبحانه على أن يجعل الناس أمة واحدة على الهدى، لكنه أراد أن تكون الهداية خيارًا يُختبر فيه صدق العبودية. فإذا رأيت امتداد الصراع، وتكرار الجولات، فلا تظنن أن الأمر فلتة، ولا أن الباطل سبق، بل تذكّر: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. فأيها المسلم، أيتها المسلمة، أولوية الوقت، إقامة النفس على معاني ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [ الرعد: 40] على الاستجابة بصدق وإخلاص، بأدبٍ مع الله تعالى وتدبر في آياته، التي كثيرًا ما يغفل عنها الناس مع أنها حاضرة دوما في فصول الصراع، وبأوضح ما يكون لمن تعلق قلبه بالقرآن العظيم. فمن استطال الطريق، ليعلم أن القوارع تضرب لا تتوقف .. وليعلم أن بين يديه أعظم حجة ومنهج ودليل ونور، فلا يفرط فيه أبدًا. وليتذكّر أن النهاية ليست لمن استعجل، بل لمن ثبت ونجح في تجاوز امتحانات الصدق بلا ارتياب ولا مخالفة لأمره عز وجل، وأن الوعد حق! والله إنه لحق! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

فوق أرتال القوة… يمضي قدر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ حين يقرأ القلب قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [ الرعد: 31] يقف أمام حقيقة كبرى تستوجب وقفة خشوع وتدبر: فليست المشكلة في قلة الآيات، ولا في ضعف البرهان، ولا في قصور الحجة؛ فلو كان في الكون كتاب تُزحزح به الجبال من أماكنها، وتُشقّ به الأرض، ويُخاطَب به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن العظيم. لكنه ليس كتاب خوارق حسية بقدر ما هو كتاب هداية، يخاطب القلوب ويقيم الحجة على النفوس. وتأتي في قلب هذا الوصف المهيب، الكلمة الفاصلة: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. لتنحلّ عقدة الاستعجال، ويسقط وهم التحكم في مجريات الصراع. فالهداية ليست قهرًا، والنصر ليس استعراض قدرة، والعقوبة ليست رد فعل آنٍ، بل الأمر كله بيد الله جل جلاله، يُدبّره بحكمة، ويُجريه بميزان لا يختل. ولهذا قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. أي أفلم يعلموا أن الله لو أراد هداية الخلق جميعًا لهداهم؟ ولكنه لم يشأ أن تكون الهداية قسرًا، بل ابتلاءً واختيارًا، وتمييزًا بين من ينصر الحق ومن يعانده. فالصراع وطوله، ليس دليل عجز، بل ساحة امتحان، يُظهر فيها صدق الإيمان وثباته ويقيم به الحجة على المكذّبين ثم تكون العاقبة بما تستحقه! ومن هنا نفهم سرّ امتداد المواجهة، وتكرار القوارع: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. إنها ضربات متتابعة، ليست استئصالًا فوريًا، بل إنذارًا بعد إنذار، وقرعًا بعد قرع، لعل القلوب تستفيق. ينكشف معها المرتابون، ويتساقط في أثنائها المنافقون، ويفجر المرتدون! ويحسب الكافرون أنهم على شيء! لكن الله جل جلاله قادر على أن يُنهي الباطل في لحظة، إلا أنه يُمهل ولا يُهمل، ويُمهل لتقوم الحجة، وليبلغ الحق مداه، وليتميز الصف. حتى يحل النصر المبين، بهيبته وقيمته الحقيقية! وهذه المعاني تقودنا إلى قول الله تعالى وهو سبحانه يطمئن المؤمنين بقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. فمهما بدا الباطل متقدّمًا في الظاهر، أو متغلبًا في جولة من الجولات، مهما حشد من أرتالٍ وقوى، وأشعل من وهج القتال! فهو لا يسبق قدر الله عز وجل، ولا يُفلت من تدبيره. إنما يسير في مسار مرسوم، وأجل مكتوب: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. هكذا يتشكل الصراع في سنن الله تعالى، ليس كما يتوقع المستعجلون ويطغى جهالة المرتابون: حسمًا خاطفًا يُنهي القصة منذ بدايتها، بل مسارًا ممتدًا تُختبر فيه النفوس، وتُصقل فيه الجماعات، وتُغربل فيه الصفوف. ولو أُهلك الكافرون أول مرة، لضاع معنى الصبر، وذابت قيمة الثبات، ولم يظهر الفرق بين إيمانٍ ساعة وإيمانِ محنة. ولم يدرك الناس قيمة النصر والحكمة من الصبر! إن الله قادر على الإهلاك، لكن حكمته اقتضت الإمهال. قادر سبحانه على القهر، لكن سنته جرت بالابتلاء. قادر سبحانه على أن يجعل الناس أمة واحدة على الهدى، لكنه أراد أن تكون الهداية خيارًا يُختبر فيه صدق العبودية. فإذا رأيت امتداد الصراع، وتكرار الجولات، فلا تظنن أن الأمر فلتة، ولا أن الباطل سبق، بل تذكّر: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. فأيها المسلم، أيتها المسلمة، أولوية الوقت، إقامة النفس على معاني ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [ الرعد: 40] على الاستجابة بصدق وإخلاص، بأدبٍ مع الله تعالى وتدبر في آياته، التي كثيرًا ما يغفل عنها الناس مع أنها حاضرة دوما في فصول الصراع، وبأوضح ما يكون لمن تعلق قلبه بالقرآن العظيم. فمن استطال الطريق، ليعلم أن القوارع تضرب لا تتوقف .. وليعلم أن بين يديه أعظم حجة ومنهج ودليل ونور، فلا يفرط فيه أبدًا. وليتذكّر أن النهاية ليست لمن استعجل، بل لمن ثبت ونجح في تجاوز امتحانات الصدق بلا ارتياب ولا مخالفة لأمره عز وجل، وأن الوعد حق! والله إنه لحق! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

المحتوى من هدي القرآن والسنة محاربة الدعوات الغربية بمخلفات الفكر الغربي وقفة مع القوامة أبرز الإشكاليات في الواقع الدعوي عقبة الشهرة فضل التوحيد

“الدعوةُ إلى التوحيدِ الخالصِ أساسُ كلِّ إصلاحٍ” هذه العبارة المفتاح خطها الشيخ محمد الخضر حسين – رحمه الله- ووجدتني أستحضرها في كل مرة أنظر فيها للخطاب الدعوي الموجه للمرأة والنسوية، بكل ما فيه من قوة وضعف.. لا يزال التوحيد مهمشا! إنه لمؤسف بشدة أن يستدرج الداعية الجماهير لطريقة التطاحن بين الجنسين لإثبات حق فرضه الله جل جلاله، ورغم ما تجلى بعد ذلك من فوضى وجدل وإيغار الصدور واستعداء النساء والرجال والحلبات التي اشتعلت بالهوى والبغي! ندرك أن تضييع الأصول لا يمكن أن يحقق الوصول. قال الله تعالى ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء: 65) وقال جل جلاله ﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ (المائدة: 49) وقال سبحانه ﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء : 151-152) لم يزل القرآن يرسخ مفهوم التوحيد ومعانيه الجليلة في كل خطاب وتذكرة، وفي ذلك حكم عظيم لا يدركها العقل البشري حتى يبصر آثار العلاج بالتوحيد في الأفراد والمجتمعات. وكذلك في السيرة يتجلى لنا فهم الصحابة رضي الله عنهم للتوحيد وأثره في الإصلاح والاستقامة، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12) أمر صريح، اتباع بلا جدال. بدون متاهات الجدال الغربية والبيزنطية! بدون غلو ولا تمييع، كما قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب: “ما أمر الله بأمر إلا كان للشيطان نزغتان إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين”. ونقطة ضعف المسلمين الأكبر اليوم هي في قلوبهم، في ضعف إيمانهم، فلا يمكن لقلب مؤمن مخلص لله أن يقع فريسة في شراك الغرب الكـافر. لذلك لا بد من ترسيخ عقيدة التوحيد وصياغة المسلم من جديد على معانيها كاملة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” نعيش بالتوحيد وللتوحيد .. ونموت عليه. دعوة لله على أصولها كما عرفها صدر الإسلام الأول بالحذر من حرفها بدفع حظوظ نفس أو المتابعين أو المناكفة أو الشعبوية والتريند. لم يكن الصحابة بحاجة لأطنان التفسيرات والتبريرات للإيمان بالله واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وقد خرجوا من جاهلية عظيمة، تتغير حياة الصحابي جذريا بآية يسمعها، فيتحول لكتيبة رجال مؤمنين لا تأخذهم في الله لومة لائم! لم يكونوا بحاجة لتبرير الأحكام في الإسلام، كما اعتاد الناس في زماننا حتى بات الجدل يندلع في مسلمات في الدين، وهذه كارثة بكل المقاييس! نستدرج كل يوم إلى مستنقع إرضاء الناس لقبول أمر ونهي واضح جلي في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. نحن بحاجة لإعادة إحياء الإيمان في القلوب من جديد، لسقي بذرة التوحيد لمواجهة الزحف الغربي. وتحطيم قاعدة الندية التي تسوس النسوية لا يكون بتقديم ردود مادتها ندية أخرى تغذي تلك الندية وتزيدها تعنّتا، بل يكون بهدمها هدما بعقيدة التوحيد. ومخطئ من يعتقد أن النسوية تقهرها “المجاكرة” لتبرير قوامة الرجل وحقوقه في الإسلام! بل تزيدها عنادا. إنما الأصل إحياء الإيمان في قلوب النساء لإحباط النسوية.

أساس_كل_إصلاح_“الدعوة_إلى_التوحيد”.pdf5.48 KB

لا تقع في الفخ، بل قم لأداء الأمانة! في خضمّ ما يُتداول اليوم من تسريبات وصور تتعلق بفضائح إبستين، يقف المسلمون أمام ابتلاء دقيق لا يقلّ خطرًا عن الجريمة ذاتها، إنه ابتلاء النظر. فليس كل ما كُشف يُطلب الاطلاع عليه، وليس كل ما أُتيح يُباح التحديق فيه، وليس كل “فضيحة” إذ أُشهرت صارت مبرّرًا لاقتحام المحرّمات باسم الوعي أو المتابعة وإشباع فضول المشاهدة! إن إطلاق البصر في هذه الصور ـ مهما كانت الذريعة ـ يفتح الباب أما سهم مسموم، يجرح الفطرة، ويهدم شيئا من البصيرة، ويفتح ثغرةً ينفذ منها كيد الشيطان. وقد قرر القرآن القاعدة الجامعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، لأن النظر ليس مجرّد حركة عين، بل مدخل قلب، ومفتاح شهوة، وبداية انحدار. والأخطر من النظر العابر، كثرة المساس؛ فالتكرار يُميت الإحساس، ويكسر الحواجز، ويحوّل الفجيعة إلى مشهد عادي، والمنكر إلى مادة استهلاك. هكذا تُدار المعارك الأخلاقية اليوم: لا بتسويق الرذيلة صراحة، بل بتعويد الناس عليها، وبإغراقهم في تفاصيلها، حتى يفقدوا دهشة الرفض، وتخبو فيهم حرارة الإنكار. وحينها يصبح الانشغال بالفضيحة غاية، وتغيب القضية، ويُستنزف القلب في تتبّع القبح بدل مقاومته. لقد حرّم الإسلام النظر إلى الصور المحرّمة والانتهاكات، لأنه يحمي الإنسان من أن يُستدرج إلى مستنقعها. فالشر والظلم والانحراف والشذوذ لا يُهزم بإطلاق البصر في تفاصيله المحرمة. إنما يُواجه بإقامة العدل، وصيانة الفطرة، وصناعة سياج يمنع إثارة الشهوة بإغلاق أبوابها. ثم إن إشغال الناس بهذه المشاهد ـ تحليلًا ومشاهدةً وتداولًا ـ صرفٌ متعمّد عن الأهم: عن محاسبة المنظومات وكسر سرديتها وهيمنتها، وعن مساءلة القيم وكشف زيف الحضارة الغربية، وعن طرح البديل الأرجى والأشفى. والبديل ليس التعبير عن الدهشة وإطلاق الحبل لفضول المشاهدة الساذجة، بل دعوة مسؤولة لإنقاذ البشرية من مكائد معسكر كفر يقود لواءه إبليس نفسه! فنحن في صراع حضاري، صراع بين الإيمان والكفر، فهل يعقل أن ننجر لما يريده لنا شياطين الإنس والجن، بآلة إعلامية أغرقت العالم في تفاصيل قذرة بلا رادع ولا محاسبة!! الآن وقت العمل على إعادة تعريف الكرامة، وإقامة ميزان الحلال والحرام، وإنقاذ الإنسان من متاهة الإثارة والانحطاط الذي تقوده له الحضارة الغربية المنحلة. الدور اليوم ليس أن نكون شهودًا يتفرجون على الانهيار، بل حملة للرسالة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. كما قالها يوما الصحابي البصير، ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، نعم! فـ ” الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه”. هذه مهمتنا أيها الناس وليس الخوض مع الخائضين تبعا! بل قادة يقودون البشرية لمرافئ الإيمان والأمان! الآن وقت العمل وأداء لأمانة الرسالة، وقت الاستعلاء بالإيمان ورفع راية الإسلام لتحرير العباد، بأقصى طاقة لدينا وبكل وسيلة متاحة لنا. ولننشغل بحفظ فطرة الناس ودعوتهم لحياة قلوبهم وحماية أبنائهم، ولنحذر من الانجرار إلى التطبيع مع القبح، فإلفه إفساد للذوق والبصيرة!. والعالم لا يحتاج مزيد صور، فصورة واحدة لدى العقلاء كافية بإسقاط كل دعاويهم المخادعة! بل يحتاج هزة ضمير تقوده لنور الإسلام العظيم؛ لا يحتاج تتبع تفاصيل الفضائح بل إلى تقديم البديل الحضاري الأكثر أمانا وحفظا لفطرة الناس، والأشفى للقلوب التي أضحت إنسانيتها مهددة وقلوبها مستنزفة وفطرتها محاصرة. فلنغضّ أبصارنا، ولنحرس فطرتنا، لننصرف عن الإثارة والضجيج الفارغ، بل المضر! إلى تبليغ الرسالة، وعن التلصص وإشباع فضول النظر المحرّم، إلى الدعوة لله جل جلاله، وعن متابعة السقوط الكبير، إلى نصرة الحق العظيم. هذا هو الطريق… وهذا هو الواجب الآن. فاتقوا الله في أبصاركم ونفوسكم، وأعدوا أنفسكم لسد ثغور مهماتكم، حيا على ساحات العمل والفلاح! حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله تعالى.

لا تقع في الفخ، بل قم لأداء الأمانة! في خضمّ ما يُتداول اليوم من تسريبات وصور تتعلق بفضائح إبستين، يقف المسلمون أمام ابتلاء دقيق لا يقلّ خطرًا عن الجريمة ذاتها، إنه ابتلاء النظر. فليس كل ما كُشف يُطلب الاطلاع عليه، وليس كل ما أُتيح يُباح التحديق فيه، وليس كل “فضيحة” إذ أُشهرت صارت مبرّرًا لاقتحام المحرّمات باسم الوعي أو المتابعة وإشباع فضول المشاهدة! إن إطلاق البصر في هذه الصور ـ مهما كانت الذريعة ـ يفتح الباب أما سهم مسموم، يجرح الفطرة، ويهدم شيئا من البصيرة، ويفتح ثغرةً ينفذ منها كيد الشيطان. وقد قرر القرآن القاعدة الجامعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، لأن النظر ليس مجرّد حركة عين، بل مدخل قلب، ومفتاح شهوة، وبداية انحدار. والأخطر من النظر العابر، كثرة المساس؛ فالتكرار يُميت الإحساس، ويكسر الحواجز، ويحوّل الفجيعة إلى مشهد عادي، والمنكر إلى مادة استهلاك. هكذا تُدار المعارك الأخلاقية اليوم: لا بتسويق الرذيلة صراحة، بل بتعويد الناس عليها، وبإغراقهم في تفاصيلها، حتى يفقدوا دهشة الرفض، وتخبو فيهم حرارة الإنكار. وحينها يصبح الانشغال بالفضيحة غاية، وتغيب القضية، ويُستنزف القلب في تتبّع القبح بدل مقاومته. لقد حرّم الإسلام النظر إلى الصور المحرّمة والانتهاكات، لأنه يحمي الإنسان من أن يُستدرج إلى مستنقعها. فالشر والظلم والانحراف والشذوذ لا يُهزم بإطلاق البصر في تفاصيله المحرمة. إنما يُواجه بإقامة العدل، وصيانة الفطرة، وصناعة سياج يمنع إثارة الشهوة بإغلاق أبوابها. ثم إن إشغال الناس بهذه المشاهد ـ تحليلًا ومشاهدةً وتداولًا ـ صرفٌ متعمّد عن الأهم: عن محاسبة المنظومات وكسر سرديتها وهيمنتها، وعن مساءلة القيم وكشف زيف الحضارة الغربية، وعن طرح البديل الأرجى والأشفى. والبديل ليس التعبير عن الدهشة وإطلاق الحبل لفضول المشاهدة الساذجة، بل دعوة مسؤولة لإنقاذ البشرية من مكائد معسكر كفر يقود لواءه إبليس نفسه! فنحن في صراع حضاري، صراع بين الإيمان والكفر، فهل يعقل أن ننجر لما يريده لنا شياطين الإنس والجن، بآلة إعلامية أغرقت العالم في تفاصيل قذرة بلا رادع ولا محاسبة!! الآن وقت العمل على إعادة تعريف الكرامة، وإقامة ميزان الحلال والحرام، وإنقاذ الإنسان من متاهة الإثارة والانحطاط الذي تقوده له الحضارة الغربية المنحلة. الدور اليوم ليس أن نكون شهودًا يتفرجون على الانهيار، بل حملة للرسالة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. كما قالها يوما الصحابي البصير، ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، نعم! فـ ” الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه”. هذه مهمتنا أيها الناس وليس الخوض مع الخائضين تبعا! بل قادة يقودون البشرية لمرافئ الإيمان والأمان! الآن وقت العمل وأداء لأمانة الرسالة، وقت الاستعلاء بالإيمان ورفع راية الإسلام لتحرير العباد، بأقصى طاقة لدينا وبكل وسيلة متاحة لنا. ولننشغل بحفظ فطرة الناس ودعوتهم لحياة قلوبهم وحماية أبنائهم، ولنحذر من الانجرار إلى التطبيع مع القبح، فإلفه إفساد للذوق والبصيرة!. والعالم لا يحتاج مزيد صور، فصورة واحدة لدى العقلاء كافية بإسقاط كل دعاويهم المخادعة! بل يحتاج هزة ضمير تقوده لنور الإسلام العظيم؛ لا يحتاج تتبع تفاصيل الفضائح بل إلى تقديم البديل الحضاري الأكثر أمانا وحفظا لفطرة الناس، والأشفى للقلوب التي أضحت إنسانيتها مهددة وقلوبها مستنزفة وفطرتها محاصرة. فلنغضّ أبصارنا، ولنحرس فطرتنا، لننصرف عن الإثارة والضجيج الفارغ، بل المضر! إلى تبليغ الرسالة، وعن التلصص وإشباع فضول النظر المحرّم، إلى الدعوة لله جل جلاله، وعن متابعة السقوط الكبير، إلى نصرة الحق العظيم. هذا هو الطريق… وهذا هو الواجب الآن. فاتقوا الله في أبصاركم ونفوسكم، وأعدوا أنفسكم لسد ثغور مهماتكم، حيا على ساحات العمل والفلاح! حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله تعالى.