uk
Feedback
قناة | عبدالقادر سبسبي

قناة | عبدالقادر سبسبي

Відкрити в Telegram

Показати більше
2 088
Підписники
+424 години
+247 днів
+3530 днів
Залучення підписників
вер '26
вересень '26
+74
в 5 каналах
серпень '26
+94
в 4 каналах
Get PRO
липень '26
+107
в 2 каналах
Get PRO
червень '26
+111
в 1 каналах
Get PRO
травень '26
+52
в 2 каналах
Get PRO
квітень '26
+49
в 2 каналах
Get PRO
березень '26
+63
в 4 каналах
Get PRO
лютий '26
+71
в 6 каналах
Get PRO
січень '26
+73
в 8 каналах
Get PRO
грудень '25
+168
в 7 каналах
Get PRO
листопад '25
+79
в 6 каналах
Get PRO
жовтень '25
+59
в 6 каналах
Get PRO
вересень '25
+68
в 9 каналах
Get PRO
серпень '25
+107
в 7 каналах
Get PRO
липень '25
+63
в 4 каналах
Get PRO
червень '25
+75
в 8 каналах
Get PRO
травень '25
+57
в 5 каналах
Get PRO
квітень '25
+137
в 11 каналах
Get PRO
березень '25
+82
в 10 каналах
Get PRO
лютий '25
+62
в 2 каналах
Get PRO
січень '25
+187
в 8 каналах
Get PRO
грудень '24
+166
в 3 каналах
Get PRO
листопад '24
+206
в 8 каналах
Get PRO
жовтень '24
+192
в 10 каналах
Get PRO
вересень '24
+155
в 10 каналах
Get PRO
серпень '24
+97
в 6 каналах
Get PRO
липень '24
+97
в 6 каналах
Get PRO
червень '24
+155
в 4 каналах
Get PRO
травень '24
+95
в 5 каналах
Get PRO
квітень '24
+104
в 4 каналах
Get PRO
березень '24
+63
в 2 каналах
Get PRO
лютий '24
+39
в 2 каналах
Get PRO
січень '24
+491
в 3 каналах
Дата
Залучення підписників
Згадування
Канали
28 вересня+1
27 вересня+5
26 вересня+14
25 вересня+6
24 вересня+2
23 вересня+2
22 вересня0
21 вересня+4
20 вересня+1
19 вересня+2
18 вересня+2
17 вересня+4
16 вересня+2
15 вересня+2
14 вересня+2
13 вересня0
12 вересня+2
11 вересня+1
10 вересня+3
09 вересня+1
08 вересня+1
07 вересня+2
06 вересня+1
05 вересня+1
04 вересня+1
03 вересня+6
02 вересня+5
01 вересня+1
Дописи каналу
والمشكلة تصبح أوضح كلما انتقلنا إلى المقاييس القصوى؛ إذ نعلم أن عوامل جديدة تدخل في تحديد سلوك المادة، كالقوى بين الجزيئات، والحجم الفعلي للجزيئات، والتأثيرات الكمومية، وغيرها من العوامل التي قد تجعل سلوك الضغط مختلفا عما تفترضه الصياغة النظرية البسيطة. ولذلك لا يكون الانتقال إلى هذه النطاقات مجرد تطبيق مباشر لمفهوم سبق قياسه، بل يتطلب بناء نموذج يحدد مسبقا أي العوامل سيُسمح لها بالتأثير وأيها سيُستبعد من الحساب. فنفترض، مثلا، أن الجزيئات نقطية، أو نهمل التفاعلات فيما بينها، أو نفترض أن النظام في حالة اتزان. وهذه الافتراضات لا تصف بالضرورة الواقع بكل تفاصيله، بل تعزل بعض العوامل المعروفة بتأثيرها، بحيث يصبح من الممكن إبقاء المعادلة قابلة للتطبيق والحساب. ومن ثم فإن القيمة التي نحصل عليها ليست مجرد قراءة تجريبية لمقدار قائم بصورة مستقلة عن النموذج، وإنما هي قيمة داخل بنية نظرية جرى فيها، لأغراض النمذجة، تحييد بعض العوامل التي قد تتدخل في تحديد السلوك الفعلي.

2
درجات التحميل النظري ثمة شكل من أشكال التحميل النظري أعمق من مجرد تأثر الملاحظة بالنظرية بالمعنى الذي نجده عند كوهن وهانسون. فالمسألة لا تتعلق هنا فقط بأننا نرى الظاهرة أو نفسرها في ضوء نظرية معينة، بل قد تصل إلى أن معنى المفهوم نفسه يتحدد نظريا عندما ننتقل إلى نطاقات لا تتوافر فيها عملية قياس مستقلة يمكن الرجوع إليها. ومن هنا ينبغي الحذر من التعامل مع التحميل النظري وكأنه ظاهرة واحدة مطلقة تشمل جميع الملاحظات والمفاهيم بالدرجة نفسها. ففي النطاقات العادية، يمكن أن يكون للمفهوم ارتكاز عملي operational وتجريبي واضح، حتى وإن كانت عملية القياس نفسها تستعين ببعض الافتراضات والنظريات المساعدة. خذ مثلا مفهوم الضغط: عندما نقيس ضغط غاز بواسطة البارومتر أو المانومتر، فهناك إجراء فعلي محدد يمكن إجراؤه وتكراره وفحص نتائجه. وعندما نقول إن الضغط يساوي ٧٦٠ مليمترا من الزئبق، فنحن لا نشير فقط إلى كمية داخل معادلة نظرية، بل إلى نتيجة عملية أنتجتها أداة وإجراء محددان. وهذا لا يعني أن مفهوم الضغط هنا خال من كل أثر نظري، وإنما يعني أن النظرية ليست المصدر الوحيد الذي يمنح المفهوم معناه؛ فهناك عملية قياس فعلية يمكن أن يرتبط بها المفهوم ويمكن اختبارها ومقارنتها. أما الأمر فيختلف عندما نأخذ المفهوم نفسه ونمده إلى نطاقات لا توجد فيها عملية قياس مقابلة. فالضغط في النظرية الديناميكية الحرارية لا يقتصر على الحالات التي يمكن فيها وضع مقياس ضغط وقراءة قيمته، بل يدخل أيضا في وصف أحجام متناهية في الصغر، وعمليات مثالية قابلة للانعكاس، وسياقات مجهرية لا توجد فيها إمكانية لوضع أداة قياس فعلية. لا يمكن، مثلا، أن نضع بارومترا داخل نقطة رياضية متناهية الصغر، ولا أن نقيس مباشرة ضغط عملية مثالية تحدث ببطء لا نهائي. ومع ذلك تستمر النظرية في استعمال مفهوم «الضغط» في هذه الحالات. وهنا يظهر الشكل الأعمق من التحميل النظري. ففي هذه الحالة لا نستمد معنى الضغط من عملية قياس مستقلة ثم نستخدم النظرية لوصفه، بل إن الإطار النظري نفسه هو الذي يحدد كيفية تعريف الضغط وتطبيقه وحسابه في ذلك النطاق. فالمعادلات لا تكون مجرد تسجيل لما أعطتنا إياه الملاحظة، بل هي جزء من بناء نظري يتضمن افتراضات ومثالية، ويتيح لنا أن نحسب قيمة الضغط في مواضع لا نستطيع فيها قياسه مباشرة. ولهذا لا يكون الضغط هنا "مقاسا" من الطبيعة مباشرة، وإنما يكون مفهوما نظريا يُستمد تطبيقه في ذلك المجال من الإطار الذي تنتمي إليه النظرية. فإن المشكلة في هذا الانتقال أن المعادلات نفسها لا تُقرأ ببساطة من الطبيعة، بل تقوم على افتراضات مثالية، مثل التعامل مع الجزيئات بوصفها نقطية أو افتراض تصادمات مرنة، ثم يُمد نطاق هذه البنية النظرية إلى حالات أبعد من المجال الذي يمكن فيه اختبار المفهوم بعملية قياس مباشرة. إذن، لا ينبغي أن نقول إن هناك من جهة ملاحظة غير محملة بالنظرية إطلاقا، ومن جهة أخرى ملاحظة محملة بالنظرية. فهذا التقابل حاد أكثر مما ينبغي. الأدق أن نفرق بين درجتين أو صورتين من التحميل النظري. في الحالة الأولى، تكون النظرية حاضرة في الخلفية وتوجه القياس وتفسيره، لكن المفهوم يظل مرتبطا بعملية يمكن إجراؤها والتحقق منها بصورة مستقلة نسبيا. أما في الحالة الثانية، فنحن نتجاوز المجال الذي توجد فيه مثل هذه العملية، فيصبح الإطار النظري هو الذي يحمل العبء الأكبر في تحديد معنى المفهوم وتطبيقه. وهذا يفسر أيضا لماذا لا يصح الانتقال من كون الضغط مفهوما قابلا للقياس في الحالات العادية إلى القول إن الضغط النظري بكل استعمالاته قد تم operationalized. فكوننا نستطيع قياس الضغط في نطاق معين لا يعني أن كل استعمال نظري لمفهوم الضغط له عملية قياس مقابلة. وهنا تحديدا تقع مغالطة التشابه في الاسم equivocation بين الضغط اليومي المقاس والـp في المعادلات الديناميكية الحرارية لا يكفي لإثبات أنهما شيء واحد من الناحية التشغيلية. فالـp النظري أوسع من المجال الذي تستطيع فيه أدوات القياس الفعلية أن تعطينا قراءة مباشرة. وعليه، فالتحميل النظري ليس مطلقا ولا متجانسا. فقد يكون لدينا مفهوم ذو ارتكاز تجريبي وتشغيلي واضح، ثم تستخدمه النظرية وتتوسع به إلى نطاقات لا يمكن الوصول إليها بالقياس المباشر. وفي هذه الحالة لا تختفي الملاحظة ولا يصبح العلم مجرد بناء نظري، وإنما يحدث شيء أدق: كلما ابتعدنا عن المجال الذي توجد فيه عملية قياس مستقلة، ازداد اعتماد معنى المفهوم وتطبيقه على الإطار النظري الذي يحتويه.
93
3
sticker.webp
92
4
Немає тексту...
141
5
sticker.webp
135
6
مقالات-في-الفطرة-ومفهومها (1).pdf
383
7
مقالات في الفطرة ومفهومها جزى الله خيرًا من جمعها
مقالات في الفطرة ومفهومها جزى الله خيرًا من جمعها
338
8
Немає тексту...
270
9
Немає тексту...
990
10
ولهذا فإن كلمة «الحرارة» في هذه المراحل الثلاث، وإن استعملنا اللفظ نفسه، لا تشير إلى الخاصية نفسها من حيث ما يمكن رصده منها. في المرحلة الأولى نتعامل معها باعتبارها إحساسا، وفي الثانية باعتبارها ترتيبا، وفي الثالثة باعتبارها مقدارا كميا. فالانتقال من الأولى إلى الثانية ليس مجرد أنني أصبحت أرى الإحساس بصورة أفضل، والانتقال من الثانية إلى الثالثة ليس مجرد أنني أصبحت أملك عينا أدق لرؤية موضع السائل؛ بل في كل مرحلة دخل نوع جديد من الخصائص القابلة للرصد والقياس. وهنا تظهر النقطة التي أريدها في مسألة قابلية المشاهدة. عندما نقول إن درجة الحرارة بوصفها «مقدارا عدديا» أصبحت قابلة للمشاهدة والقياس، فهذا لا يعني أن الرقم كان موجودا أمام حواسنا ثم كنا عاجزين عن رؤيته، وإنما يعني أن الممارسة التجريبية والأداة الجديدة جعلتا نوعا معينا من الخاصية متاحا للرصد لأول مرة. فالحرارة بوصفها مقدارا كميا كانت في مرحلة سابقة مفهوما نظريا؛ لم يكن لدينا وصول تجريبي إلى هذه الخاصية بهذا المعنى. ثم، مع ظهور أدوات القياس والمعايرة، أصبح بالإمكان ربط هذا المفهوم النظري بإجراء تجريبي محدد، فأصبح المقدار نفسه جزءا من ما يمكن رصده وقياسه. إذن لا ينبغي أن نفهم تاريخ العلم على أنه انتقال مستمر من «مشاهدة ضعيفة» إلى «مشاهدة أقوى» فقط. أحيانا يكون ما يحدث تغيرا كيفيا في موضوع المشاهدة نفسه: من إحساس إلى ترتيب، ومن ترتيب إلى مقدار. ولهذا فقابلية المشاهدة ليست ثنائية جامدة، لكنها أيضا ليست مجرد سلم كمي مستمر نصعد عليه تدريجيا. قد يحدث بدلا من ذلك انتقال إلى نوع جديد من القابلية للرصد عندما تسمح لنا أداة أو ممارسة تجريبية جديدة بتمييز خاصية لم تكن متاحة لنا من قبل. وهذا يوضح أيضا لماذا لا يصح أن نجعل حدود الحس المباشر حدودا للمعرفة. فلو فعلنا ذلك، لقلنا إن «درجة الحرارة بوصفها مقدارا» كانت غير قابلة للمشاهدة إلى الأبد، مع أنها أصبحت لاحقا قابلة للقياس التجريبي. لكن الذي تغير ليس الواقع نفسه، ولا أن الحواس البشرية خلقت خاصية جديدة، وإنما طريقة وصولنا إلى الواقع وما نستطيع تمييزه فيه. الأداة فتحت لنا مستوى جديدا من الوصف التجريبي، فأصبح ما كان قبل ذلك مفهوما نظريا مرتبطا بصفة يمكن رصدها وقياسها. ولهذا فالمقصود من القول إن قابلية المشاهدة لها تاريخ ليس أن الحقيقة نفسها تتغير بتغير أدواتنا، وإنما أن مجال ما نستطيع أن نرصده من الحقيقة يتغير. فالواقع مستقل عنا، لكن أنواع الخصائص التي نستطيع تمييزها منه ليست ثابتة بالضرورة؛ إذ يمكن للممارسة التجريبية أن تتيح لنا الوصول إلى خصائص جديدة، وأن تحول مفهوما كان في السابق نظريا إلى مقدار يمكن قياسه ومقارنته واختباره. ومن هنا يتضح أن السؤال الفلسفي الأهم ليس: «هل هذه الخاصية قابلة للمشاهدة أم غير قابلة للمشاهدة؟» وكأننا أمام باب له حد ثابت، وإنما: ما نوع الخاصية التي نستطيع الوصول إليها؟ وما الذي تتيحه لنا الممارسة التجريبية من رصد لها؟ فقد يكون الشيء غير متاح لنا من حيث الإحساس المباشر، ثم يصبح متاحا بوصفه ترتيبا، ثم يصبح متاحا بوصفه مقدارا. وهذه ليست مجرد درجات في قوة النظر، بل تحولات في ما يعنيه أصلا أن نلاحظ تلك الظاهرة.
278
11
تطور قابلية المشاهدة وتغير موضوع الرصد في الواقع، من الممكن أن يكون العالم إمبريقيا وفي الوقت نفسه واقعيا، ولا يوجد بين الأمرين ذلك التعارض الذي قد يتوهمه البعض. فمراد الإمبريقي هو أن يجعل المشاهدة والتجربة أساسا للمعرفة، ثم ينظر بعد ذلك في مدى توافق النظرية مع ما تكشفه لنا التجربة. وأما الواقعي العلمي فلا يكتفي بالقول إن النظرية أداة نافعة لتنظيم المشاهدات، بل يريد أن يدعي أن ما تقوله نظرياتنا عن الأشياء غير المشاهدة له صلة بالواقع، وأن الكيانات والبنى التي تفترضها النظرية تمثل الواقع تقريبا، وإن لم تكن مشاهدة لنا مباشرة. ومن هنا تظهر مسألة مهمة: ما المقصود أصلا بالقابل للمشاهدة؟ يمكن تصور ثلاثة مواقف رئيسية في هذه المسألة. الأول هو الواقعية الساذجة، التي تتعامل مع المشاهدة وكأنها معطى خام خال تماما من أي حمولة نظرية؛ فنحن نرى العالم كما هو، ثم تأتي النظرية بعد ذلك لتفسر ما رأيناه. وهذا التصور يصعب الدفاع عنه، لأن عملية الملاحظة نفسها تتأثر بالأدوات والممارسة والمفاهيم التي نستخدمها في تحديد ما نراه وكيف نصفه. والثاني هو القول بأن جميع المشاهدات محملة بالنظرية، وهو الموقف الذي ارتبط خصوصا ببعض القراءات لأعمال كوهن. وبحسب هذا التصور لا توجد مشاهدة مستقلة تماما عن الإطار النظري الذي ننظر من خلاله. لكن إذا أخذنا هذا القول على وجه قوي، فإنه يوقع الإمبريقية في مشكلة؛ لأننا نحتاج في النهاية إلى شيء يمكن أن نرجع إليه لاختبار النظرية، وإلا أصبحت النظرية هي التي تحدد لنا ما ينبغي أن نراه ثم نعود فنستعمل ما رأيناه لتأكيد النظرية. والثالث هو أن المشاهدة ليست حالة واحدة بسيطة، بل لها درجات وأنماط مختلفة. فليست الظاهرة إما مشاهدة بالكامل وإما غير مشاهدة بالكامل، كما أنها ليست بالضرورة مشاهدة خالصة من كل المفاهيم، ولا محملة بالنظرية إلى درجة يستحيل معها التمييز بين ما يأتي من الواقع وما يأتي من الإطار النظري. بل يمكن أن يكون لدينا وصول تجريبي متفاوت القوة والدقة، وأن تتطور قابلية الرصد نفسها مع تطور الممارسة والأدوات. وهذا في نظري هو الأقرب إلى الصواب، وهو ينسجم مع اعتماد العلم على الاستقراء وتسخير الله تعالى لنا أسباب المعرفة. فنحن لا نقف عند حدود ما تمنحه لنا الحواس المجردة، بل نستطيع بواسطة التجربة والأدوات أن نكشف آثارا وعلاقات لم تكن متاحة لنا من قبل. فمثلا، وجود البكتيريا لم يكن قابلا للمشاهدة بالنسبة إلى الإنسان قبل اختراع المجهر، ثم أصبح بالإمكان ملاحظتها بطريقة تجريبية، وتمييز خصائصها، وإعادة التجارب عليها، واستخلاص أحكام مبررة بشأنها. ولم يتغير الواقع نفسه بسبب اختراع المجهر، وإنما تغيرت طريقة وصولنا إليه. ومن هنا لا يكون هدف العلم أن يضع حدا نهائيا بين ما هو قابل للمشاهدة وما هو غير قابل لها، بل أن يزيد من قدرتنا على الرصد والقياس والتمييز، وأن ينقلنا إلى مشاهدات أكثر ضبطا وتكرارا واشتراكا بين الذوات، من غير أن يعني ذلك أن كل ما نرصده يصبح خاليا تماما من أي افتراضات نظرية. فالمهم هو أن تكون هذه المشاهدة قابلة للاختبار، وأن نستطيع تعديل الظروف والمتغيرات، وتكرار النتيجة، ومقارنتها بنتائج أخرى. فالذي نراه هنا ليس مجرد أن الأدوات جعلتنا نرى الشيء نفسه بصورة أوضح، وإنما أن نوع الشيء الذي أصبح قابلا للمشاهدة قد تغير نفسه. وهذا فرق مهم. فالتطور في الأدوات لا يعني فقط زيادة كمية في قدرتنا على الرصد، وكأننا كنا نرى الخاصية نفسها بصورة ضعيفة ثم أصبحت رؤيتنا لها أقوى، بل قد يؤدي إلى تغير كيفي في طبيعة الخاصية التي أصبحت متاحة للمشاهدة أصلا. خذ الحرارة مثالا. في المرحلة الأولى، عندما أعتمد على حسي المباشر، فإن معنى أن ألاحظ الحرارة هو أن أشعر بها: هذا الشيء ساخن، وهذا بارد. فالحرارة هنا تظهر لي بوصفها إحساسا ذاتيا. ولا يوجد في هذه التجربة نفسها شيء اسمه «درجة حرارة» بالمعنى الكمي الذي نعرفه اليوم. ليس هناك مقدار عددي أراه بحواسي، وإنما حالة حسية أعيشها. ثم يأتي الـthermoscope، وهنا يحدث تغير مهم. لم تعد مشاهدة الحرارة متوقفة على السؤال: «كيف أشعر بها؟»، بل أصبح بإمكاني أن أرى تغيرا في شيء خارجي يمكن للآخرين أيضا أن يروه ويتحققوا منه. فإذا تمدد السائل إلى موضع معين، ثم تمدد أكثر عندما ارتفعت الحرارة، أصبح لدينا شيء يمكن رصده وتكراره ومقارنته بين الملاحظين. وهنا انتقلنا من الإحساس الذاتي إلى علاقة ترتيبية مشتركة بين الذوات. أصبح معنى ملاحظة الحرارة شيئا من قبيل: أين يقع السائل بالنسبة إلى موضعه السابق أو بالنسبة إلى سائل آخر؟ ثم تأتي مرحلة المحرار المعاير، وهنا لا نكتفي بمجرد ترتيب الحالات، بل يصبح للفرق بين الحالات مقدار عددي يمكن قياسه ومقارنته وإدخاله في العلاقات والمعادلات. وهنا يصبح معنى ملاحظة الحرارة: «درجة الحرارة تساوي كذا». لم يعد المرجع مجرد موضع السائل، بل مقدار فيزيائي محدد.
206
12
sticker.webp
165
13
كيف تتقدم النظريات العلمية دون تفسير البنية الخفية للواقع العلم لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكشف البنية العميقة غير المشاهدة حتى يستطيع بناء نظريات ناجحة. وهذه هي النقطة المهمة في المرحلة ما بعد اللابلاسية. كان التصور اللابلاسي يميل إلى شيء مثل: إذا أردنا أن نفهم الظاهرة حقا، فعلينا أن نعرف ما الذي يحدث في المستوى الخفي وراءها؛ قوى جزيئية، جسيمات، سوائل غير قابلة للرصد. إلخ. أما الاتجاه الآخر فقال: يمكننا أن نبني نظرية قوية من خلال استخراج العلاقات المنتظمة بين الظواهر نفسها. بدلا من ذلك، يمكن للفيزيائي أن يبدأ من الظاهرة نفسها، وأن يبحث عن الانتظامات التي تظهر فيها، ثم يصوغ هذه الانتظامات في صورة رياضية. فالنظرية هنا لا تكون بالضرورة صورة حرفية لما يوجد في أعماق الطبيعة، وإنما أداة لتنظيم الظواهر وربطها ببعضها واستخراج ما يترتب عليها من نتائج. وهذا ما نجده، بصورة واضحة، في أعمال مثل فورييه في انتقال الحرارة وكارنوت في دراسة الدورات الحرارية، حيث أمكن بناء تحليل نظري قوي للظواهر دون أن يكون نجاح هذا التحليل متوقفا على تبني تفسير ميكروسكوبي عميق لها. ولتوضيح ذلك، يمكن للفيزيائي عند دراسة انتقال الحرارة أن يبدأ من الملاحظات التجريبية نفسها، دون أن يفترض مسبقا ما الذي يحدث في المستوى المجهري غير المشاهد. فهو يلاحظ أن الحرارة تنتقل بصورة منتظمة من الجسم الأعلى حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وأن مقدار انتقالها يرتبط بفرق درجات الحرارة وبخصائص المادة التي تمر خلالها. ومع تكرار القياسات في ظروف مختلفة، يستطيع أن يكتشف علاقة منتظمة بين هذه الكميات. وهنا لا يحتاج إلى أن يقول إن هذه العلاقة تحدث بسبب جسيمات خفية تتحرك بطريقة معينة، أو بسبب قوة ميكروسكوبية معينة. يكفيه أن يحدد كيف تتغير الظاهرة عندما تتغير الشروط التي يمكن قياسها. فإذا وجد، مثلا، علاقة منتظمة بين فرق درجة الحرارة ومعدل انتقال الحرارة، فيمكنه صياغة هذه العلاقة في قانون رياضي يسمح له بحساب ما سيحدث عندما تتغير الظروف. وبذلك لا تكون النظرية مجرد تسجيل لما حدث بالفعل، بل تصبح وسيلة لاستخراج نتائج جديدة مما تم اكتشافه من انتظامات. ومن ثم، لم يكن البديل عن بناء الأنظمة الميكروسكوبية هو التخلي عن النظرية أو الاكتفاء بوصف سطحي للواقع، بل كان هناك تصور مختلف لما يمكن أن تفعله النظرية. يمكن للنظرية أن تتقدم من خلال تحسين القياس، واكتشاف انتظامات جديدة، وربط ظواهر مختلفة بقوانين مشتركة، وصياغة هذه العلاقات رياضيا، ثم استخراج تنبؤات جديدة منها، من غير أن يكون نجاحها متوقفا على امتلاك تفسير نهائي للبنية العميقة غير المشاهدة. وهذا يوضح كيف يمكن للعلم أن يكون نظريا ومتقدما وقادرا على التنبؤ، حتى عندما يتعمد في بعض مراحله أن يبقى قريبا من الظواهر القابلة للقياس بدلا من الالتزام بصورة ميتافيزيقية عن ما يقع خلفها. إن كثيرا من الإنجازات العلمية عند العلماء المسلمين لم تكن متوقفة على امتلاك نظرية ميتافيزيقية عميقة عن البنية الخفية للواقع. فقد استطاعوا التقدم من خلال الملاحظة، والقياس، والتجربة، واكتشاف العلاقات المنتظمة، ثم صياغتها رياضيا أو في نماذج عملية. مثلا، في علم الفلك، كان من الممكن بناء نماذج رياضية دقيقة لحركة الأجرام، وتحسين الجداول والتنبؤات، حتى مع بقاء الخلاف حول التفسير الفيزيائي أو الميتافيزيقي الحقيقي لهذه الحركات. وكذلك في البصريات عند ابن الهيثم، كان التقدم يعتمد بدرجة كبيرة على التجربة والهندسة وتحليل الظواهر، وليس على ضرورة امتلاك نظرية ميكروسكوبية عن طبيعة الضوء بالمعنى الحديث.
239
14
sticker.webp
199
15
‏قال الشيخ الخبير ابن القيم : "الحزن يضعف القلب ، ويوهن العزم ، ويضر الإرادة،ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن،فلا تحزن لفوات الدنيا". (طريق الهجرتين ٦٠٧/٢)
160
16
نقد التفرقة بين القابل للملاحظة وغير القابل للملاحظة في فلسفة العلم من أشهر التفرقات الموجودة في فلسفة العلوم هي بين ما هو قابل للمشاهدة observable وغير قابل للمشاهدة unobservable. وهذه التفرقة غير واقعية. بداية المراد بالقابلية للمشاهدة هو ما يرى بالعين المجردة، وما دونه فهو غير قابل للمشاهدة. هذه التفرقة أنطولوجية صارمة، والأصح أن تكون التفرقة معرفية، بمعنى، ما هي جودة وصولنا للصور. فالجدال الحاصل بين الواقعية وغير الواقعية العلمية مبني على ثنائية حادة، ثمة أشياء قابلة للملاظة (مطلقا) بالحواس المجردة وأخرى غير قابلة وتقع خارج متناول الحس المباشر. وكما نبهت فوق، أن الصحيح أن تجعل التفرقة راجعة لإمكانية الوصول accessibility وجودة ما نتج عنه، فهل نكون بها مبررين معرفيا أم لا. فلو كان شيئا معينا غير قابل للمشاهدة المباشرة ولكن تمكن بطريقة ما أن نصل إلى تمييز خصائصه عبر أدوات حديثة، فهذا لم يعد يعتبر غير قابل للمشاهدة، لأنني تمكنت من تحصيل علم يقيني بشأنه وإن لم يكن بنفس مستوى المشاهدة المباشرة. ولكن التبرير هنا لا يلزم أن يكون تبريرا يقينيا ١٠٠% حتى أكون warranted في معرفتي واستنتاجاتي عن هذه المشاهدة. لأنه مبني على الاستقراء والتجربة الفعلية، حيث أستطيع تعديل المتغيرات والبيئة حتى أحصل على نتيجة نافعة. بالإضافة إلى أن هذا التمييز يعتمد على إنسان مجرد مثالي ذي جهاز حسي ثابت لا يتفاعل مع البيئة ويتطور عبر المعطيات الجديدة. في حين أن ما يعد قابلا للملاحظة يتوقف فعليا على التقنية والممارسة. فالمجاهر والتلسكوبات وأجهزة الكشف وغرف السحاب كلها توسع نطاق الملاحظة. وبناء على ذلك، فإن رسم الحد عند الحواس المجردة (دون أدوات) تعسفي، لأنه يحول قيدا تاريخيا (حدودنا البيولوجية) إلى حدود معرفية. لأن حدودنا الحسية ليست سزى واقعة تاريخية عن الجنس البشري وليست حدا معرفيا، فلا يجوز الخلط بين حدود أجسادنا وحدود المعرفة، فالثانية قد تختلف باختلاف التكنلوجيا، لأنها معرفة عن الواقع المستقل عن أجسادنا. إنه أشبه بأن نقول "حدود الخريطة هي حدود العالم"، فنخلط بين قيد في أدواتنا وحد في الواقع نفسه، وكأن ما يصدف أننا قادرون على رؤيته يحدد ما يمكننا أن نعرفه معرفة مشروعة. فالسؤال يصبح من "ما هو قابل للملاحظة" إلة "هل نستطيع ملاحظته ملاحظة جيدة". فالتمييز الحقيقي ليس في إمكان الملاحظة، بل في مدى موثوقيتها ودقتها ومتانتها. فنحن لا نرى الإلكترونات، لكننا نلاحظها ملاحظةً جيدة جداً من خلال آثار تجريبية قابلة للتكرار ومضبوطة. وفي المقابل، ثمة أشياء قابلة للملاحظة (كنجم بعيد خافت بالعين المجردة مباشرة) نلاحظها ملاحظة رديئة غير موثوقة وغير دقيقة. وبهذا ننقل المعيار الإبستمي من الوضع الأنطولوجي (قابلية الملاحظة) إلى الجودة الإبستمية (ما مدى جودة وصولنا الملاحظاتي إليه)
303
17
sticker.webp
227
18
حدود الاستقراء: دور الاستقراء في المعرفة العلمية لا يقتصر على ما تمت مشاهدته بالفعل. فلو كررنا تجربة معينة مرات عديدة، ووجدنا أن الظاهرة نفسها تتكرر كلما تحققت الظروف الصحيحة، فإننا لا نقتصر في حكمنا على القول بأننا نتوقع رؤية النتيجة نفسها في التجربة القادمة فحسب. بل يمكننا أن ننتقل استقرائيا إلى حكم أوسع، وهو أن هذا الانتظام يمتد إلى حالات أخرى من الواقع لم نشاهدها من قبل، متى تحققت فيها الظروف المماثلة. فنحن لا نكون قد شاهدنا كل الحالات الممكنة، ولا الحالة الجديدة التي نتحدث عنها، ومع ذلك تعطينا التجارب السابقة مبررا للاعتقاد بأن الانتظام الذي ثبت فيها لا يقتصر على الحالات التي شاهدناها بالفعل. وهذا يعني أن الاستقراء يتجاوز الملاحظة المباشرة إلى واقع غير مشاهد. فإذا لاحظنا، مثلا، أن جسما يسلك سلوكا معينا في ظروف محددة، ثم تكرر هذا السلوك في عدد كبير من التجارب، فليس حكمنا الاستقرائي مجرد توقع أن يظهر لنا الشيء نفسه مرة أخرى على جهاز القياس، بل يمكن أن يكون حكما على سلوك الجسم نفسه في حالة لم نشاهدها من قبل. وهنا تظهر أهمية التمييز بين القول إننا نتوقع ملاحظة معينة في تجربة مستقبلية، وبين القول إن لدينا مبررا للاعتقاد بأن الانتظام نفسه قائم في الواقع حتى في الحالات التي لم نرصدها بعد. أي أن التوقع هو حكم عن تجربتنا نحن "سأرى الشيء نفسه يظهر على الجهاز مرة أخرى". وأما الحكم الاستقرائي، هو حكم عن الجسم نفسه في الواقع. والفرق يكمن في أن التوقع لا يمكن أن يكون صحيحا حتى لو كان الجسم نفسه يسلك ذلك السلوك في الواقع، بعكس الحكم الاستقرائي، فهو يتجاوز المشاهدة إلى ما وراء المشاهدة كالتزام معرفي مبرر. لكن هذا التجاوز من المشاهدة إلى الواقع غير المشاهد لا يعني أن الاستقراء يبرر كل دعوى يمكن أن نبنيها فوق ذلك الواقع. فهناك انتقال آخر مختلف تماما: الانتقال من إثبات انتظام في الظواهر إلى تعيين كيان أو آلية نظرية معينة بوصفها السبب الحقيقي لذلك الانتظام. فإذا ثبت مثلا أن ظاهرة معينة تتكرر بطريقة منتظمة، فقد يكون لدينا مبرر استقرائي للاعتقاد بأن هذا الانتظام سيستمر في الحالات المماثلة، لكن ذلك لا يعني بمجرده أن الاستقراء قد أثبت أن سببه هو كيان نظري معين، كالإلكترون، وأن هذا الكيان موجود في الواقع بالخصائص نفسها التي تصفها النظرية. فالفرق هنا بين أمرين: أن نثبت أن هناك انتظاما حقيقيا في الواقع، وأن نحدد ما الذي يفسر هذا الانتظام. وهذا مهم في حالة النظريات التي تتحدث عن كيانات غير مرصودة. فعندما تنجح نظرية في التنبؤ بنتائج تجريبية متكررة، يمكن أن يكون لدينا أولا مبرر للاعتقاد بأن الانتظام الذي تكشفه التجربة ليس مقصورا على البيانات التي جمعناها، بل يمتد إلى حالات أخرى من الواقع. لكن النظرية قد تضيف فوق ذلك دعوى أخرى، وهي أن هذا الانتظام ناتج عن كيان معين له خصائص محددة. وهذه الدعوى الأخيرة ليست هي نفسها الحكم الاستقرائي على استمرار الانتظام، ولذلك لا يصح أن ننسب إليها القوة المعرفية نفسها. وبذلك لا يكون الموقف القائل بحدود الاستقراء موقفا ينكر إمكان المعرفة بما وراء المشاهدة. على العكس، يميز بين درجات مختلفة من التجاوز. فالاستقراء يمكن أن ينقلنا من البيانات المشاهدة إلى أحكام عن واقع غير مشاهد، لكنه لا يحول تلقائيا كل كيان أو آلية تفترضها النظرية لتفسير ذلك الواقع إلى حقيقة أنطولوجية ثابتة. وهذا هو الفرق بين أن يكون لدينا مبرر للاعتقاد بأن نمطا معينا من السلوك قائم في الواقع، وبين أن يكون لدينا مبرر مستقل للقول إن بنية نظرية معينة هي التي تفسر هذا السلوك بالفعل. ويمكن تعزيز هذا التمييز بما ذهب إليه كل من بوجن ووودوارد في تمييزهما بين البيانات والظواهر. فالبيانات هي الملاحظات الجزئية المتقلبة (قراءات جهاز معينة، ونتائج تجربة بعينها) وهي عرضة للضوضاء والخطأ وتغير الشروط. أما الظواهر فهي الأنماط المستقرة القابلة للتكرار التي تشهد عليها هذه البيانات دون أن تكون مطابقة لها، مثل "الرصاص ينصهر عند ٣٢٧ درجة مئوية". فالاستقرار لا يكمن في البيانات الخام (ما يظهر على جهاز القياس)، بل في الظواهر التي نستخلصها منها عبر المعايرة والتصحيح والتنظيم الإحصائي. وهذا يدعم فكرة أن ما يمكن أن يمتد استقرائيا إلى حالات غير مشاهدة هو الانتظام المستقر في الظواهر، لا البيانات الجزئية المتقلبة. فالبيانات هي الدليل، أما الظواهر فهي الإنجاز المستقر الذي يمكن أن يُبنى عليه ويُحفظ عبر تغير الأدوات والنظريات.
291
19
sticker.webp
237
20
الفطرة: من الاقتضاء إلى الترجيح أولا الفطرة ليست مجرد قدرة، بل هي اقتضاء واستعداد. من الخطأ أن نختزل الفطرة في كونها "قدرة" فارغة كقدرة البصر أو السمع. الصحيح الذي قرره ابن تيمية وابن القيم أن الفطرة تشمل قوتين: قوة علمية (معرفة الحق) وقوة عملية (إرادة الخير ومحبته). فالفطرة ليست مجرد آلة تنتظر من يملؤها، بل هي اقتضاء وميل فطري نحو التوحيد. فالإنسان لا يولد كصفحة بيضاء، بل يولد مهيأً ومريداً للإسلام بفطرته، كما قال تعالى "فطرة الله التي فطر الناس عليها". ثانيا من قال إن الفطرة قدرة فقط، فقد تأثر بمذهب المعتزلة والأشاعرة. هذا الفهم (أن الفطرة مجرد قدرة أو قابلية للضدين) هو في حقيقته مذهب اعتزالي وكلامي، وليس مذهب السلف. المعتزلة قالوا إن الفطرة هي قدرة على الإيمان أو الكفر، والقلب صالح لقبول كلا الأمرين على السواء. وهذا باطل، لأن السلف كانوا مجمعين على أن الفطرة هي الإسلام نفسه (أي المعرفة والإرادة معاً). فالطفل يولد على الملة، وليس مجرد قدرة محايدة. ثالثا يوجد فرق بين الفطرة والاستعداد. في الإنسان استعداد (قابلية) لقبول الحق، لكن الفطرة أخص من ذلك. الفطرة هي الحالة التي يكون عليها الإنسان عند ولادته، وهي حالة سلامة وإقبال على التوحيد. أما القدرة فهي لاحقة وتابعة لهذه الفطرة. فمن يقول إن الفطرة مجرد قدرة، فقد جردها من مضمونها العقدي (الإسلام). ما معناه أن القدرة ليست هي جوهر الفطرة، بل وسيلة تخدم الفطرة لإظهارها مع نمو الإنسان. إذن أصبح عندنا الفطرة، ميل وإرادة التوحيد، وهي الحالة الأولى التي يولد عليها الإنسان. فالطفل يولد وبداخله بذرة إقرار بالربوبية ومحبة الخالق حال مشاهدته للواقع ووعيه به. ومن ثم تأتي القدرة، وهي الاستطاعة البدنية والعقلية على إدراك الأشياء وتنفيذ الأفعال، وهذه غير موجودة عند الولادة بل تنمو مع الإنسان، حينها يستطيع ترجمة هذا الميل الفطري إلى إقرار باللسان وعمل الجوارح. لكن أصل القوة والقابلية الفطرية موجود في النفس؛ فالفطرة ليست نتيجة اكتمال القدرة، بل هي من المبادئ التي بها يعمل الإدراك حين تحصل أسبابه. فهذه القدرة سخرت لخدمة ذلك الميل الفطري. فإذا كانت الفطرة سليمة استخدمت القدرة في طاعة الله، والعكس. فالفطرة من جهة البنية الداخلية هي قوة وشرط للمعرفة والترجيح (ما عليه الإنسان في أصل فطرته؛ أي وجود قوة فطرية سليمة ذات مقتضى، وليست قوة محايدة تماما). أي أنها آلة (كالبصر) لا تحتوي على صور مسبقة. الفطرة تشبه البصر من جهة كونها قوة إدراكية لا تكون فاعلة بمجرد وجودها، بل تحتاج إلى أسباب ومدركات، لكنها تختلف عن البصر في أن لها مقتضى وتوجها يتعلق بالحق؛ فالبصر لا يرجح مرئيا على مرئي، أما الفطرة ففيها من جهة أصلها قوة ترجح الدين الحق على غيره. وأما الفطرة من جهة الوظيفة والتوجه هي اقتضاء وميل. أي ما تفعله هذه القوة عندما تعمل؛ فهي تقتضي معرفة الله والإقرار به ومحبته وعبادته، بحسب سلامة الفطرة ووجود الأسباب وانتفاء الموانع. فالفطرة ليست مخزونا معرفياً (القبليات)، ولكنها ليست فراغاً محضاً (القدرة المحايدة). هي آلية تعمل بالأسباب الخارجية، لكنها تميل بطبيعتها إلى الحق، وتنفر من الباطل. فالمعرفة تحصل من التلاقي بين هذه الآلية الموجهة (الداخل) والأسباب (الخارج). فأرجو أن تفرق بين الفطرة من حيث كونها قوة، وبين مقتضى هذه القوة. المقال يركز على الفطرة بوصفها قوة وقابلية وشرطا لعمل الإدراك، أما كلامك فيركز على مقتضى هذه القوة واتجاهها، أي ميلها الفطري إلى الحق. وكذلك كنت أرد على أصحاب القبليات، فحينما قلت أنها قوة، أي أنها عملية لا معارف مخزنة. وهذه القوة ستتجلى مع اكتمال القدرة الجسدية. فالفطرة في ذاتها قوة مخلوقة في النفس ذات ميل واقتضاء نحو الحق، وليست قوة محايدة بين الحق والباطل. ثم إذا تفاعلت هذه القوة مع المدركات والأسباب الخارجية ظهرت وظيفتها في الترجيح؛ فإن كانت الفطرة سليمة اقتضت ترجيح الحق والإقرار به، وإن فسدت أو عرضت لها الموانع أمكن أن ينحرف هذا الترجيح إلى الباطل. فالميل إلى الحق هو مقتضى الفطرة في ذاتها، أما الترجيح فهو الوظيفة التي تظهر عند عمل هذه القوة في النفس وتفاعلها مع ما يرد عليها من الخارج. الفطرة في ذاتها قوة ذات ميل واقتضاء، ووظيفتها عند تفاعلها مع الخارج هي الترجيح، والقدرة هي الأداة التي تظهر بها آثار هذا الترجيح في المعرفة والإرادة والعمل. ومن جمع بين هذه الثلاثة، فقد أصاب مذهب السلف، ولم يقع في قبليات الفلاسفة ولا في محايدة المعتزلة.
309