آلاء سيف.
Открыть в Telegram
ما بين علامة التنصيص ليس لي.. تصويري:t.me/+9I-4s6u9vcdhMDdk صدقة جارية https://whatsapp.com/channel/0029VbBWI02JENxvlSkwYc0g
Больше3 787
Подписчики
+124 часа
-167 дней
-3630 день
Архив постов
3 786
ما أكثرَ الذكورَ الذين يتزينون بثوب الرجولة، فإذا مُحِّصت أفعالهم سقط الثوب وبقي التعلق والتربص.
يطعن في المشايخ الذين أسمع لهم، ويصفهم بالضلال، ثم يظن أنني سأهبُّ للدفاع والخصام، وأنه صار محورًا يشغل وقتي وفكري. فلما لم يجد ما توقع، ولم يظفر بالمعركة التي رسمها في خياله، جعل يتعقب ما أنشره، وينتقد ما أقرأه، ويراقب ما أضعه من كتبٍ وصور.
ثم لم يكتفِ بذلك، بل دخل القنوات بحسابٍ ثم بحسابٍ آخر، كأنما عجز عن مفارقة ما يزعم أنه ينكره. فإن كان ما عندي باطلًا، فما الذي أقامه على أبوابه؟ وإن كنتُ عنده على ضلالة، فما الذي ألزمه بمراقبتي ومتابعتي؟
إن الرجل إذا استثقل قومًا تركهم، وإذا خالف فكرةً أعرض عنها، وإذا وثق بما عنده استغنى عن التربص بغيره. أما الوقوف على الأعتاب، وعدُّ الناس وأنفاسهم، والدخول من بابٍ ثم العودة من آخر، فذلك فعل نفسٍ مشغولةٍ بغيرها، لا فعل رجلٍ مشغولٍ بنفسه.
وما رأيتُ شيئًا أبلغ في هدم دعوى المرء من أن يقول بلسانه: "لا شأن لي بكم"، ثم تقبضه أفعاله متلبسًا بين الصفوف، حاضرًا في كل موضع، مترقبًا كل كلمة، منتظرًا ردًّا لم يأتِ. فمثل هذا لا يثبت أنه صاحب حجة، وإنما يثبت أنه لم يستطع الانصراف عما يدّعي ازدراءه.
ولستُ ممن يُستدرج إلى كل خصومة، ولا ممن يظن أن كل صوتٍ مرتفعٍ يستحق جوابًا.
وليس كلُّ كلبٍ نبح عند بابك يقتضي أن ترميه بحجر.
3 786
وسُلَّمُ الوصولِ، لَعَمري، كتابٌ ما استقلَّتْ به الرِّحالُ إلا حملتْ كنزًا من التوحيدِ والبصائر، ولا جرى به لسانُ طالبٍ إلا ازداد به رسوخًا ويقينًا. نُسِجَتْ معانيه نسجَ البُرودِ المُحكَمة، وأُفرِغَتْ ألفاظُه إفراغَ السيفِ المصقول؛ قليلُ المبنى، كثيرُ المغنى، يرفعُ سالكَه درجةً بعد درجةٍ حتى يُشرِفَ به على معالي الاعتقادِ وصحاحِ الأصول. فكم أيقظَ من قلبٍ غافل، وكم جلَّى من شبهةٍ عالقة، وكم أقامَ من معالمِ التوحيدِ بعد خفائها؛ فكأنما هو في طلابِ العلمِ نارُ هادٍ تُرى من بعيد، أو منهلٌ عذبٌ ترده الركبانُ فلا تصدرُ عنه إلا وقد رويت.
3 786
أما والله، ما هذه الحياةُ إلا مواردُ ومصادر، تُوردُ أقوامًا على ما يحبّون، وتُصدرُ آخرين عمّا يشتهون، لا تُبقي على ودادٍ لدوامه، ولا على بأسٍ لشدّته، تُديلُ الأيامَ بين أهلها كما تُديلُ الريحُ الرمالَ في الفلوات. يطمع المرءُ في الأمر وقد حُجِب عنه، ويهرب من الأمر وفيه نجاتُه، فلا هو يُدرك ما استعجل، ولا يردُّ ما قُضي عليه.
ولقد رأيتُ الناسَ يمدّون أعناقَهم إلى الغد، كأنّ الأرزاق تُنالُ بالظنون، ويُتعبون قلوبَهم بطلب ما لم يأتِ أوانه، ولو علموا أن المقادير إذا سارت لم يردَّها حذرٌ، وإذا أقبلت لم يمنعها بابٌ ولا حارس، لهان عليهم ما فاتهم، وخفَّ عن صدورهم ما أثقلها.
وقديمًا قيل:
"ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلًا
ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تُزوِّدِ"
فدعِ الدهرَ يجري في أعنّتِه، ولا تُنازِعْه ما استأثر الله بعلمه، فإن العبدَ ما ازداد بمخاصمة الأقدار إلا غمًّا، ولا ربح من معاتبة الأيام إلا الحسرة. وما الناسُ إلا ركبٌ سائرون إلى آجالهم، فمنهم من أدركه مُناه وهو آمن، ومنهم من هلك دون أمنيته، ثم استوى الجميعُ تحت ترابٍ لا يعرف أمنيةً ولا خيبة. فخفّف عن قلبك وطأة الترقّب، فإن ما كُتب لك يطلبك كما تطلبه، وما لم يُكتب لك فبينك وبينه مفاوزُ من القضاء لا تُقطع.
3 786
تأمَّلتُ أحوالَ الخلقِ في ليلٍ قد أرخى على القلوبِ سدولَه، فرأيتُهم كركبٍ أضلَّه الدليلُ في فلاةٍ موحشة؛ كلُّ امرئٍ يحدِّثُ نفسَه أن الماءَ وراء التلِّ، فإذا بلغه لم يجد إلا السراب. يُطعمون أهواءَهم من أعمارهم حتى تسمن، ثم يشكون هزالَ الأرواح، ويُدلِّلون رغباتِهم حتى تستأسد، ثم يجزعون من وطأةِ القيدِ إذا استحكم.
ورأيتُ أن أشدَّ ما يُوحش القلبَ ليس فقدُ محبوبٍ ولا نأيُ دارٍ، بل أن يغترب المرءُ عن نفسِه حتى لا يعرف لها وجهًا إذا خلا بها. يفرُّ من مرارةِ المجاهدة فرارَ الملسوع، ويستثقل كلفةَ الصبر، ثم يطيل الشكوى من ضيقٍ هو الذي أحكم إغلاقَ أبوابه على نفسه.
وما الناسُ إلا سُرَّاقُ أعمارٍ من أعمارهم؛ يبيعون أيامَهم لأوهامٍ يظنونها سعادة، فإذا انقضى الموسمُ، وانفضَّ السوقُ، لم يبقَ في الأكفِّ إلا غبارُ المسير. وكم من رجلٍ أفنى دهرَه يطلب طيبَ العيش، فلما أدركه المشيبُ وجد أن الذي كان يفتش عنه في أودية الأرض لم يكن إلا بابًا موصدًا في صدره، لم يملك مفتاحَه يومًا لأنه لم يجرؤ على منازعة نفسه.
ولقد صدق صاحبُ الحكمة إذ قال: «كيف تُخرَق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد؟» فإن النفسَ إذا استبدَّت بصاحبها، جعلت بينه وبين المعالي مفاوزَ لا تُقطع، وحجبت عنه مواردَ الصفاء وإن كان واقفًا على شاطئها.
وقد قيل:
دَواؤُكَ فيكَ وما تُبصِرُ
وداؤُكَ مِنكَ وما تَشعُرُ
وتحسبُ أنَّكَ جِرمٌ صغيرٌ
وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ
فيا لأسفِ ابنِ آدم؛ يطوفُ في الآفاقِ يفتِّش عن نجاةٍ ضاعت منه، ويحملها بين أضلاعه، ويستكثرُ على نفسه ساعةَ صدقٍ يخاصم فيها هواه. كأنما كُتِب عليه أن يظلَّ يقرع أبوابَ السراب حتى ينقضي عمرُه، ثم يلتفتَ خلفه فلا يرى إلا آثارَ خطواتٍ أكلتها الرياح، ووحشةَ قلبٍ كان يستطيع أن يعمرَه، فتركه خرابًا ومضى.
3 786
أحلُمُ ببيتٍ تُؤويهِ السكينةُ كما تُؤوي الرّماحُ أغمادَها،
لا تدخله الضغائنُ إلا مُطرَدة، ولا تُقيمُ فيه الأحقادُ مقامًا.
بيتٍ إذا اشتدّت فيه الرياحُ، ثبَتَ،
وإذا ناحت عليه الليالي، احتمَلَ.
أريده مأوًى للقلوب قبل الأجساد،
تُشدّ فيه العُرى، وتُحفظ فيه العهود،
ويُستَر فيه الزلل، كما تُستَر الجراحُ تحت الدروع.
نختلف فيه كما تختلفُ السيوفُ في الوغى،
ثم نلتقي كما تلتقي الراياتُ بعد الظَّفَر،
فلا يبيت فيه هجرٌ، ولا يطول فيه خصام.
وأجعلُ على جدرانه آثارَ أيّامنا،
كوشمِ الفارس على ساعده،
يذكّره بمواطن ضعفه وقوّته،
ليزداد حلمًا، ويشتدّ عزمًا.
فيّ منه شدّةُ الصخر، ولينُ المطر،
وطَيشُ الفتيان، وحِكمةُ الشيوخ.
أنا البيتُ إن حضر، وأنا ظلُّه إن غاب،
به أُعرَف، وبه أُحفَظ.
وأرى البيوتَ كما ترى العربُ أوطانَها:
إن ضاعت، ضاع أهلُها،
وإن ثبتت، ثبتت بهم،
فما البيتُ جدارًا وسقفًا،
بل عهدٌ يُصان، ونارٌ لا تنطفئ، وودٌّ لا يبور.
3 786
انكفأ ﷺ من حراءَ انكفاءَ المكدودِ الذي لامسَ من أمرِ السماءِ ما ترتجفُ له القلوب، وقد تزلزلتْ في صدرِه مراسي الطمأنينة، وتتابعتْ عليه أنفاسُ الرهبةِ كأنها ريحُ صَرٍّ على غصنٍ غضّ، فما التمسَ حصنًا يلوذُ به إلا خديجةَ رضي الله عنها، فقال وقد أخذهُ الوجل: «زمّلوني زمّلوني». فضمّتْ إليه خوفَه قبلَ جسدِه، وألقتْ عليه من سكونِ قلبِها ما أطفأ لهيبَ الفزع، حتى هدأتْ في صدرِه نَفْضةُ الرهبة، وسكنَ اضطرابُ الوحيِ الأوّل.
ثم انسابتْ الأعوامُ بما فيها من جوعِ الشِّعب، وغبارِ الغزوات، وثِقلِ الرسالة، حتى إذا أظلّتْ ساعةُ الرحيل، وأخذتِ الدنيا تتفلّتُ من بينِ يديه ﷺ شيئًا فشيئًا، كان في بيتِ عائشةَ رضي الله عنها، قد أسندَ وجهَ التعبِ الأخيرِ إلى صدرِها، بين سَحرِها ونحرِها، فقبضَ اللهُ روحَه الطاهرةَ هناك، في موضعٍ امتزجَ فيه الوداعُ بالحنان، واجتمعَ فيه ريقُه بريقِها، كأنّ الرحمةَ أبتْ إلا أن تكونَ آخرَ ما يلقاهُ من الدنيا.
يا لها من سيرةٍ ما أحاطتْ بها السيوفُ كما أحاطتْ بها القلوب؛ بدأتْ على ارتعاشةِ خوفٍ هدّأته امرأة، وانتهتْ على وسادةِ حنانٍ ضمّتْ إليها أثقلَ روحٍ حملتْ أعباءَ الأرض. فما بين «زمّلوني» الأولى، وسكونِ النفسِ الأخيرة، كانتْ نساءُ هذا الدينِ مواضعَ سكينة، ومواطنَ لطفٍ، كأنّ اللهَ إذا أرادَ لنبيّه راحةً من وعثاءِ الدنيا، ساقها إليه في قلبِ امرأةٍ صالحة.
3 786
للفِراقِ لوعةٌ تُذيبُ الأكبادَ إذ تَسري، وتَستبدُّ بالألبابِ إذ تَغشى، كأنها نارٌ أُضرِمَت في الضلوع فلا تُطفَأ، ولا يَهدأُ أوارُها. يُصبِحُ معها القلبُ مُعلَّقًا بينَ أنينٍ لا يُسمَع، وصبرٍ لا يُطاق، كغصنٍ عرَتْه الرّياحُ فلا يثبتُ ولا ينكسر.
وما يَثبُتُ لمرارتها إلا مَن قَوِيَ صدرُه، واشتدَّ عودُه، حتى صار كالصخرِ الأصمِّ لا تُفلِقه الحوادث، ولا تَنالُ منه صروفُ الدهر؛ رجلٌ أَلِفَ المكارهَ حتى صارت له جِلْدةً، وشَرِبَ من كأسِ الليالي حتى لم يَعُدْ يَجدُ لمرارِها طعمًا.
أمّا غيرُه، فالفِراقُ عنده خَطبٌ يُذهِلُ، وداءٌ يُعضِلُ، يبيتُ معه ساهرًا كأنّ النومَ قد حُرِّمَ عليه، ويغدو هائمًا كأنّ قلبَه قد انتُزِعَ من بينِ جنبيه؛ لا يُبصِرُ في الوجوهِ إلا ملامحَ مَن فارق، ولا يسمعُ في الأصواتِ إلا صدى مَن غاب.
فكأنّ الفِراقَ موتٌ دونَ موت، ونزعٌ للرّوح وهي في الجسد، لا يُطيقُه إلا شديدُ المِراس، صليبُ القناة، قد عَرَكَتْه الحروبُ وعَضَّتْه الأيامُ، فقام لها ثابتَ الجَنان، لا يلينُ ولا يَخور.
3 786
ما بالُ أقوامٍ إذا رأوا الحاجَّ يحدو إلى البيت العتيق، وقد شعث رأسُه وأغبرَّ وجهُه، يبتغي ما عند الله، هبّوا يعددون الفاقةَ والجوعَ والمصائب، كأنهم أوصياءُ الخلقِ وحملةُ همومِ العالمين؟
فإذا ارتفعت راياتُ اللهو، وضُربت الطبول، وأُهدرت الأموال في مواطن السفه، خمدت ألسنتُهم خمودَ الرماد، فلا جائعٌ يذكرون، ولا مكلومٌ يرثون، ولا مظلومٌ ينصرون.
عجبًا لهم! أترى الفقيرَ لا يطرق أبوابَهم إلا إذا لبّى الحجيج؟! وأترى غزةَ لا تخطر لهم إلا إذا طاف الطائفون وسعى الساعون؟! أما عند مواكب العبث ومجامع اللغو فإن البلاء يرتفع من الأرض، والجوع يُرفع من البطون، والمآسي تُطوى من الدفاتر!
كلا، والله ما ذاك نصحًا، ولا هو وجعُ قلبٍ على أمةٍ ولا دين؛ ولكنه هوىً إذا رضي سكت، وإذا سخط ضجَّ وعوى.
قومٌ جعلوا المكيالين مكيالًا لهم، فإن أبغضوا أمرًا أخرجوا له كل ناعقٍ وصائح، وإن أحبوا أمرًا أو وافق أهواءهم دفنوا الألسن في الصدور وكأنهم ما سمعوا بفقيرٍ ولا يتيم.
ولعمري، إن الرجل ليُعرف عند اختلاف المواطن، لا عند موافقة الهوى؛ فمن كان صادقًا استوى عنده الحقُّ في كل أرض، ومن كان عبدًا لغرضه تبدّلت وجوهُه كما يتبدّل لون الحرباءِ على الأغصان.
فدعوا عنكم صخبَ المدّعين، فإن السيف لا يغرّه صليلُ الألسنة، وإن الحقَّ لا ترفعه الجموعُ ولا تضعه، وإنما يُعرف الرجالُ بثبات موازينهم إذا اضطربت الموازين، وبصدقهم إذا كثر المتشدّقون.
3 786
Repost from آلاء سيف.
ربُّنا لطِيفٌ خبِير، لهُ مُستَردُّ الأمُور، القلوبُ مِلكيَّته، والرَّحمَةُ مِنه،
حشَدَ النِّعمَة على القُلوب، سكَب الكرَامة على النُّفوس، وكَّلنَا الطَّاعة والوُضوح، فوَكَّلناه السَّلامة، لا شيء غيرَ السلاَمة.
كلُّ الأمانِ معصوبٌ بحاقِّ رِضاه، والفُؤادُ لاَ يشترِي سُخطه. الذَّنبُ البِكرُ إليهِ استغفارُه، والجنَايةُ العذْراءُ تَستصفِحُه، كلّ الذّي يجرِي بينَ اللّسانِ واليدِ والسّريرَة كتابُه لدَيه، يرَىٰ ما في الضَّميرِ ويسمَعُ.
هذهِ جُمعة، سبـحانه، جَعلها يومَ مزِيد، كُثبانُ مسكٍ أفِيح، وأرائكُ وعُيونٌ، ظلالُ النّخلِ والأعنابِ والطَّلحِ المنضُود، يُبَصّرنا سبحاتِ نورِه في مقاعدِ المتّقين، ويجِيبُ المَسائلَ هنا، في ساعَةٍ هو تخيَّرها، وهيَ مأمَلُنا، هيَ الخَيرُ كلُّ الخَير.
هذهِ جُمعة، فيها الخلقُ ابتدَأ، والمَردُّ كَائن، والدُّعاءُ مسمُوع، والخاطِرُ مجبُور، والحبُّ مقبُول، والنِّصفُ مجمُوع، وإليهَا فضائلُ الأيام، يُؤذَى منَّا خافقٌ مغلُوب فنأتِي الجُمعةَ إتيانَ ظامئٍ مَعِين، إتيانَ اليقينِ إلَى خزائنَ لا تنفذ.
3 786
إذا رأيتَ الدُّنيا تُريك من الزينة ما يَخلب، ثم لا تُتمُّ لك لذَّةً ولا تُقرُّ لك قرارًا، فاعلم أنَّك في دارٍ خُلِقَت ناقصةً، مُجبولةً على الكدر، لا يصفو فيها نعيمٌ، ولا يدوم فيها سرور. تُعطيك طرفًا ثم تنتزعه، وتُريك البِشر ثم تُعقبه بعبوس، كأنها تُناديك: لستُ بدارِ بقاء.
فإذا نازعك الشوقُ إلى ما لا تُدرك، وأضناك همٌّ لا تدفعه، فارفع قلبك إلى دارٍ إذا نزلتها انقطعت عنك أسبابُ النَّصب، وسقطت عنك أثقالُ الفقد، دارٌ إذا تمنَّيتَ فيها كان، وإذا رغبتَ أُعطيتَ، لا حائلَ ولا منغِّص، ولا فواتَ ولا حرمان.
هناك يُمحى أثرُ كلِّ وجعٍ عرفتَه، ويُجبر كلُّ كسرٍ سكن صدرك، وتعلم حينها أنَّ ما كنتَ تراه عظيمًا لم يكن إلا ظِلًّا زائلًا، وأنَّ الله ما منعك إلا ليُعطيك، ولا أخَّرك إلا ليُقرِّبك، ولا ابتلاك إلا ليُطهِّرك ويصطفيك.
فإذا استقرَّ هذا اليقين في الفؤاد، انقلبت المِحَنُ عندك مِنحًا، وصار الفقدُ زادًا، والحرمانُ سُلَّمًا، تمضي به إلى رضوان ربِّك، لا تلتفت إلى ما فات، ولا تأسى على ما نُزع، لأنَّك تُبصر بعين البصيرة دارًا هي القرار.
ذلك يقينُ المؤمن: يمشي في الأرض وقلبُه معلَّقٌ بالسماء، يعلم أنَّه مُرتحلٌ لا محالة، وأنَّ أمامه حسابًا وجزاء، فيُعِدُّ للسؤال جوابًا، وللوقوف بين يدي ربِّه عملًا، فيجتهد، ويُخلِص، ويُنازع نفسَه حتى تستقيم.
فالحمدُ لله على يقينٍ يُسكِّن العواصف، ويقطع علائق الدُّنيا من القلوب، ويُورِثها شوقًا لا يهدأ إلا بلقاء الله.
3 786
أخشى ما أخشاه ساعة الألم، نسيان شكر النعم، وأن يُعتقد أنَّ الأنين من الألم كفرانٌ لتلك النعم.
3 786
أما بعد،
فلا تُقِمْ بفناء دارٍ أُوصد بابها دونك، ولا تُطل الوقوف على عتبةٍ أعرض أهلها عن خطاك؛ فإن الكريم إذا استُثقِل حضوره انصرف، وإذا رُدَّ وجهه مرةً لم يجعل نفسه موضعًا للرد مرتين. وما كان العتاب يرد قلبًا نفر، ولا كان الاستجداء يبعث ودًّا مات.
وقد قيل: إن السيل لا يرجع إلى منبعه، وإن السهم إذا خرج من قوسه لم يعد إليه. وكذلك المودة إذا انقطعت أسبابها، فطلبها بعد انصرافها مذلة، وملاحقتها بعد هربها هوان.
فدع من زهد في قربك، وأرح سمعك من صرير الأبواب المغلقة، فإن في الأرض متسعًا، وفي الناس بدلًا، وفي النفس عزةً تأبى أن تُباع بثمن الرجاء. وما خسر المرء شيئًا كخسارته لهيبته حين يجعل كرامته رهينةً عند من لا يبالي بها.
ولعمري، إن الحر لا يقف إلا حيث يُرحَّب به، ولا يطرق إلا بابًا يعلم أن وراءه أهلًا يعرفون قدر الطارق، فإن أُعرض عنه مضى، وترك المكان بما فيه، كأن لم يكن بينه وبينه عهد ولا أثر.
3 786
قد دعونا لكم اليوم جميعا دعاءً يفيضُ من القلب صدقًا ومحبة، أن يجعل الله أيامكم نورًا ورحمة، وأن يرزقكم من الخير ما تتمنون،وأن يشرح صدوركم بالطاعة،ويكتب لكم سعادةً لا تزول، وفرجًا قريبًا، وقلبًا مطمئنًا بذكره.
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال
وأن يبلغنا وإياكم مواسم الخير أعوامًا عديدة ونحن في عافيةٍ وإيمان.
وكل عام وأنتم بخير،
أعاد الله عليكم الأيام المباركة بالرضا والطمأنينة والبركة.
3 786
يا سيدي ومولاي،
أتيتُك وقد أحدقتْ بالروحِ ظلماتُ التقصير، وانحنى القلبُ من ثقلِ ما اقترف، فلا أنا من أهلِ الطاعات الذين تُرفعُ بهم الدرجات، ولا ممن زكتْ أعمالُهم فاستبشروا بالقرب، وإنما عبدٌ أضناهُ التيه، وأتعبهُ البعد، ثم لم يجدْ له مأمنًا إلا رحابَ رحمتك، ولا ملاذًا إلا بابك.
إلهي، ما جئتُ أعدُّ حسناتي، فلو وزنَ العبدُ نفسَه بعدلك لهلك، ولكن جئتُ ألوذُ بعفوك، وأتشبثُ بكرمك، فإن الكريمَ إذا أعطى أدهش، وإذا عفا محا، وإذا رحمَ أنسى العبدَ مرارةَ ما مضى.
يا رب، قد انقطعتْ حبالُ الخلقِ إلا منك، وضاقتْ مسالكُ الأرضِ إلا إليك، وكلُّ قلبٍ يأوي إلى شيء، وليس لقلبي مأوىً سواك، ولا سكينةَ إلا في ذكرك، ولا نجاةَ إلا تحتَ ظلِّ رحمتك.
فهبْ لعبدك نفسًا يحييها قربُك، وروحًا يطهرها عفوك، وطمأنينةً تُلقى في القلبِ إذا اضطرب، ونورًا إذا ادلهمّتْ طرقُ الدنيا، فإنك إن تركتَ العبدَ إلى نفسه ضاع، وإن أخذتَ بيده نجا.
فوعزّتِك، ما قصدنا بابًا غير بابك، ولا مدَدنا أكفَّ الرجاءِ إلا إليك، وأنتَ الذي لا يضيعُ عنده المنكسرون، ولا يُطرَدُ من ساحتهِ المذنبون، بل تفتحُ لهم أبوابَ الرحمةِ إذا أغلقتْهم أبوابُ الخلق، وتؤويهم إذا تفرّقتْ بهم السبل.
3 786
ويأتي يوم عرفة كلَّ عامٍ وكأنه بابٌ من أبواب الرحمة فُتح لأهل الأرض؛ يومٌ تُغفَر فيه الذنوب، وتُقال فيه العثرات، وتُرفع فيه الأكفُّ المنكسرة إلى السماء وهي موقنةٌ أن لها ربًّا لا يردُّها.
ما من يومٍ أكثرَ من أن يعتق الله فيه عبادًا من النار من يوم عرفة؛ يومٌ تتنزل فيه الرحمات على القلوب قبل الوجوه، ويقف فيه الحاجُّ متجردًا من الدنيا، ويقف غيره بقلبه راجيًا ألّا يُحرَم من نفحات الله.
فطوبى لمن عرف قدر هذا اليوم، فأكثر فيه من الدعاء والاستغفار، وأحيا ساعاته بالذكر، فإنها ساعاتٌ قد تغيّر عمرًا كاملًا، وقد تُكتب فيها بدايةُ نجاةٍ لا يعلمها إلا الله.
3 786
ليس الليل وحدهُ ما يُشجي و يُهيجُ الأحزان
وليس العشاق وحدهم - أجارنا الله من حالهم وسلمنا-
من يعانون لوعاتِ الفراق وتأرقهم الذكرى حين يَسدِلُ السِتار
بل لمعاشر الطلاب فيه صولاتٍ وجولات
خاصةً في الليلة اللي تسبق يوم الاختبار .. إذ يبدو معها كل هم وكأنه غيرُ صائرٍ للزوال وتتضاعف كل الآلام لتبدو أضخم من اللازم ، وتصير الحياة بزخرفها أبأس من القدرة على الاحتمال وأوجع مما ينبغي ...
وجماع الهم هذا هو مما لا تستطيع التماس الرَّوح عنه بالهجعة وتسكين النفس بآمال الغدِ الجديد
فإنك إن فعلت كان طلوعَ الشمس عليك وبالاً وضَيْعَه
وأعقبك نومك عند انبلاج الفجر نداماتٍ وحسرات
والليل على حالك الذي أنت فيه لا يسليك معه ترديد الأشعار بغرض التداوي ...
كأن تقول مثلاً : " ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ ومالإصباح منك بأمثل " هه !
لأن هذا البيت غير نافعٍ لك في أي حال من الأحوال ولن ينجيك حفظه وترديده ساعة تُسلم نفسك لأوراق الاختبار
بل قد يضاعف دائك ...
وقد جربنا قول من قال : ( بأنام الحين وأقوم الصبح بدري أذاكر ) وعَلِمنا خديعةَ وزيفِ مذهبه ، وتهافت مقالِه فعدَلنا عنهُ لغيره .
حاشية : منقول عن كتاب كتكوت يشتكي وطئة الاختبارت
3 786
واللهِ إنّي لأبغضُ امرأً جعلَ وجعَهُ سوقًا، ودمعَهُ مَشهدًا، يطوفُ به بينَ أعينِ الناسِ يستجدي التفاتًا أو رحمةً.
ما كانَ العربُ ترفعُ أحزانَها على الملأ، ولا كانتِ النفوسُ الكريمةُ تُلقي انكسارَها في أفواهِ العابرين.
كانَ الرجلُ إذا أثقلَهُ الهمُّ عضَّ عليهِ بصمتٍ كأنّما في صدرِهِ جبل، وكانتِ المرأةُ إذا انكسرَ خاطرُها سترتْهُ بعزّةٍ تَصونُ بها نفسَها عن مواطنِ الهوان.
أمّا اليوم، فقد صارَ بعضُ الناسِ إذا مسَّهُ أدنى حزنٍ نشرَ شكواهُ، وبثَّ دمعَهُ، وعدَّدَ مصائبَهُ للغريبِ قبلَ القريب، كأنّ الكرامةَ ثوبٌ يُخلَعُ عندَ أوّلِ ألم.
هيهات،
ما كلُّ وجعٍ يُقال، ولا كلُّ دمعٍ يُرى،
فإنّ في الصبرِ مهابةً، وفي الكتمانِ علوًّا،
وإنّ النفوسَ العظيمةَ تأكلُ جمرَها صامتةً، ولا تجعلُ من حزنِها حديثَ المجالسِ والطُّرقات.
Уже доступно! Исследование Telegram 2025 — ключевые инсайты года 
