المقامر
Открыть в Telegram
3 362
Подписчики
-524 часа
-367 дней
-12530 день
Архив постов
3 362
وكأن كل ما حدث، منذ الانفجار العظيم وحتى آخر نبضةٍ في صدرك، لم يكن أكثر من إعادة ترتيبٍ مؤقتةٍ للغبار، قبل أن يعود كل شيءٍ إلى مكانه، بهدوءٍ إداريٍّ يليق بكونٍ لم يَعِد أحدًا بأي شيء منذ البداية
3 362
الانهيار الأنطولوجي الكامل
لكي تستمر في هذا الأيض الخلوي البائس داخل سديمٍ مفرَّغ من الغاية، عليك أولًا أن تتخلى عن أكثر الأوهام طفولةً التي ابتكرتها المادة منذ بدأت تنظم نفسها ضد مصيرها؛ أن الحياة حدثٌ استثنائي. فهي، من منظور الفيزياء، ليست سوى جيبٍ محلي من النظام يتغذى مؤقتًا على الطاقة ليؤخر ازدياد الإنتروبيا في داخله، بينما يواصل الكون سيره الهادئ نحو توزيعٍ أشمل للطاقة. لم يكتب القانون الثاني للديناميكا الحرارية قصيدةً في رثائك، ولم يعلن الحرب عليك؛ إنه يؤدي عمله ببرود موظفٍ لم يتغيب عن الدوام منذ ولادة الزمن. كل نبضةٍ في قلبك ليست انتصارًا على الموت، بل قسطًا جديدًا من دينٍ لن يُعفى أحدٌ من سداده. أنت لا تهزم النهاية، بل تفاوضها على موعد التنفيذ. ثم تدخل الكيمياء الحيوية لتسحب ما تبقى من رومانسية المشهد. ذلك الذي يقف تحت شرفةٍ خشبية، متيقنًا أن روحه تحترق عشقًا، لا يثير إعجاب المختبر؛ فالمختبر يرى مستقبلاتٍ عصبيةً تستجيب للأوكسيتوسين والدوبامين، وشبكاتٍ تطورت لأنها رفعت احتمال البقاء والتكاثر، لا لأنها اكتشفت معنى الحب. كل الملاحم التي كتبها الشعراء، وكل الرسائل التي خُطّت بالدموع، يمكن في النهاية تتبعها إلى تفاعلاتٍ كيميائية لا تعرف شيئًا عن الشعر، ولا يهمها إن كنت تسميها عشقًا أم اضطرابًا هرمونيًا. ويا لها من صفعة لشكسبير أن تختزل تراجيدياته، في نهاية المطاف، إلى معادلات ارتباطٍ بين جزيئات ومستقبلات. ثم يأتي الدماغ، أعقد بنيةٍ معروفة في الكون المنظور، وأكثرها مهارةً في الكذب على صاحبها. إنه يستهلك قدرًا هائلًا من طاقة الجسد، لا ليمنحك الحقيقة، بل ليمنحك نسخةً نافعةً منها. ما تراه ليس الواقع، بل نموذجًا مبسطًا بناه جهازك العصبي كي لا يغرق في فيضان المعلومات. يفرز الدوبامين قبل بلوغ الهدف أكثر مما يفرزه بعده، لأن الكائن الراضي لا يطارد طعامًا، ولا يبحث عن شريك، ولا ينجو طويلًا في بيئة الانتقاء الطبيعي. ولهذا، كلما أمسكت بما ظننته خلاصًا، بدأ عقلك يبحث عن خلاصٍ آخر. إن نظام المكافأة لديك لا يكافئ الوصول؛ إنه يكافئ الاستمرار في الركض. وليس هذا خطأً في التصميم، بل هو التصميم نفسه. ثم يظهر التطور، ذلك المهندس الذي لا يعرف الرحمة ولا الكمال. لم يكن مهتمًا بصناعة كائنٍ سعيد، ولا حكيم، ولا حتى عاقل على الدوام؛ كان مهتمًا بصناعة كائنٍ ينجح في تمرير مادته الوراثية مرةً أخرى قبل أن يتعطل. ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي لم تُنتج بطلًا كونيًا، بل قردًا أصلع استطاع أن يبتكر الفيزياء، ثم استخدمها ليحسب سرعة الإنترنت، واخترع علم النفس، ثم عجز عن النوم لأن غريبًا مجهولًا لم يُعجبه تعليقه على شاشة مضيئة. لو كان التطور يملك حسًا فكاهيًا، لما استطاع أن يكتب نهايةً أكثر سخرية من هذه. ثم جاءت الحضارة، لتؤسس أعظم مصنعٍ لإنتاج الحقائق المتخيلة. حدود، عملات، مناصب، أوسمة، شركات، دول، علامات تجارية، وأسواق؛ كيانات لا وجود ماديًا لها خارج اتفاق البشر عليها، لكنها قادرة على دفع الملايين إلى العمل، والاقتتال، والانتحار، والقتل دفاعًا عنها. يخرج الإنسان كل صباح ليبادل ساعاتٍ من عمره بأرقامٍ إلكترونية، ثم يستبدل تلك الأرقام بسعراتٍ حرارية تؤجل تحلل خلاياه بضعة أيام أخرى، ويطلق على هذه الدورة اسم “بناء المستقبل”. أي مفردةٍ مهذبة هذه التي تخفي وراءها كل ذلك الذعر من الفناء؟ وحين يعجز المجتمع عن تخديرك، تلجأ إلى الفلسفة، ظنًا منك أنها ستمنحك باب نجاة، فإذا بها تكتفي بوصف الزنزانة بدقةٍ أعلى. رأى شوبنهاور أن الإرادة آلةٌ عمياء لا تشبع، وأن الإنسان يتأرجح بين الألم والملل. ووجد كامو أن الكون لا يجيب لأن السؤال نفسه لا يعني له شيئًا. أما سيوران، فلم يجد في الولادة بشارةً، بل حادثًا وقع دون موافقة الضحية. وحتى نيتشه، أكثرهم احتفاءً بالحياة، لم يَعِدْ بخلاصٍ سماوي؛ بل طالب الإنسان أن يخلق قيمه بنفسه، وهو يعلم أن الكون لن يصفق له مهما فعل. وهنا تكتمل النكتة. ثلاثة عشر مليارًا وثمانمئة مليون سنة من تمدد الكون، واحتضار النجوم، وتخليق العناصر الثقيلة في أفران المستعرات العظمى، ثم مليارات أخرى من التطور البيولوجي، انتهت إلى كائنٍ مصنوعٍ من الكربون والماء، يقف أمام مرآته كل صباح، يقلق من تجاعيد وجهه، ويتحقق من عدد الإعجابات على هاتفه، ويظن أن تراجيديته الشخصية حدثٌ يستحق أن يتوقف الزمكان احترامًا له. ثم يشيخ. تتباطأ انقسامات خلاياه. تتراكم الطفرات. تتآكل البروتينات. تضعف الذاكرة. يتوقف القلب. وتعود الذرات إلى الدورة نفسها التي جاءت منها، غير آسفةٍ على صاحبها، لأن الذرات لا تعرف الندم أصلًا. أما الكون… فلا يحتفل بانتصاره. ولا يشمت بخسارتك. ولا يلتفت حتى إلى اختفائك.
3 362
عَظَّمَ اللهُ أُجُورَنَا وَأُجُورَكُم بِحُلُولِ شَهرِ الأحْزَانِ، شَهرِ مَصَابِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلوَاتُ الله عَلَيْهِمْ.
Уже доступно! Исследование Telegram 2025 — ключевые инсайты года 
