• مُلفتْ
Открыть в Telegram
وأنا الهُدوء المطْمَينُ الخَائِف المُستَانِسُ المُتَأملُ، الموصولُ . . @llmulft .
Больше1 327
Подписчики
Нет данных24 часа
-57 дней
-2030 день
Архив постов
1 327
لا يُسمع لها ضجة، ولا يُقام عليها عزاء، ولا يلتفت إليها أحد يمضي الناس في طرقاتهم، يضحكون ويتحدثون، بينما يقف في الداخل إنسان يحمل ركام عمر كامل على كتفيه، ولا يراه أحد
مؤلم أن تجبر نفسك على التماسك، لا لأنك قوي، بل لأنه لم يعد أمامك خيار آخر أن يخفي ارتجاف روحك خلف ابتسامة متقنة، حتى تصبح الابتسامة عادة، ويصبح الحزن هو الحقيقة الوحيدة التي تعرفها .
ويأتي عليك يوم تفتقد فيه النسخة القديمة من نفسك، تلك التي كانت تضحك من قلبها، وتثق بالناس بسهولة، وتنام دون أن تثقلها الذكريات تبحث عنها طويلًا، ثم تدرك أنها رحلت ولم تترك عنوانًا للعودة .
وليس أشد وجعًا من أن يرحل الإنسان عن نفسه وهو ما يزال حيًا أن يصبح غريبًا في قلبه، عابرًا في أحلامه، وكأن الحياة انتزعت منه شيئًا لم يكن يعلم أنه أثمن ما يملك .
وعندما يسألك أحدهم: “كيف حالك؟” تجيب: “بخير”. لا لأنك كذلك، بل لأنك تعبت من شرح جراح لا تُرى، ومن وصف ألم لا تملك له لغة تقنع الآخرين بأنه حقيقي .
ثم ترفع يديك إلى السماء، لا طلبًا لتعويض ما فات، بل رجاء أن يمنحك الله قلبًا يستطيع احتمال ما بقي لأن بعض الأرواح لا تحتاج معجزة، بل تحتاج قليلًا من السكينة، قبل أن تنهكها الحياة تمامًا .
1 327
أظن أن أكثر ما يخطئ الناس في فهمه، أنهم يجعلون البُعد سببًا لانطفاء المودّة، مع أن البُعد الحقيقي لا يخلق شيئًا جديدًا في الإنسان، بل يكشف ما كان موجودًا فيه أصلًا. فلا قلبٌ يفسد عهدًا، ولا محبّةٌ راسخةٌ تسقط لأنها ابتعدت، وإنما تتكشف الحقيقة عندما يسكت كل شيء. فالقلب لا يُعرَف في الضجيج، وإنما يُعرَف حين يسكن كل شيء. وحين يغيب الإنسان، لا يغيب وحده، تغيب معه الرسائل، والعادات، والمصادفات، والأوقات التي اعتاد أن يملأها. فيبقى القلب لأول مرة بلا شيء يستند إليه سوى شعوره الخالص، وهناك لا مجاملة للعاطفة، ولا مهرب من الصدق. لذلك فالبُعد ليس امتحانًا للعلاقات، بل امتحانٌ للأوهام. كم من مودّةٍ ظنناها عميقة، فلما انقطع عنها ضجيج اللقاءات تهاوت كأنها لم تكن. وكم من علاقةٍ حسبناها عابرة، فإذا بها تبقى حيّةً في القلب، لا يزيدها الغياب إلا رسوخًا. وثمّة فرقٌ بعيد بين أن يحضر الإنسان في يومك، وأن يستقر في وعيك. فالذي يسكن يومك قد يرحل برحيل عاداته، أمّا الذي يسكن وعيك، فإنه يظل حاضرًا ولو حال بينكما عمرٌ كامل. ولعلّ أكثر ما يربك الإنسان أنه لا يكتشف هذا الفرق إلا متأخرًا. يظن أنه يشتاق إلى شخص، ثم يمضي عليه الزمن، فيفاجئه اكتشافٌ لم يخطر له ببال، أنه لم يكن يشتاق إلى الشخص بقدر ما كان يشتاق إلى الحياة التي كانت تجمعه به. فالإنسان لا يفقد الآخرين وحدهم، إنه يفقد النسخة التي كان عليها بقربهم. ولهذا يبدو الفقد في أوله عظيمًا، لأن الذي ينكسر ليس علاقةً واحدة، بل صورةٌ كاملة للحياة. ثم يبدأ العقل، في هدوء، بإعادة ترتيب كل شيء، يغيّر مواعيده، ويصنع عاداتٍ جديدة، ويملأ الفراغ بأشياء أخرى، حتى إذا اكتمل هذا البناء الجديد، التفت إلى الماضي فلم يجد فيه تلك الهيبة التي كانت تُرهقه. وليس لأنه نسي، بل لأنه لم يعد هو الإنسان نفسه. إن بعض القلوب تبكي لأنها خسرت إنسانًا، وبعضها يبكي لأنها خسرت ما كانت تشعر به وهي معه، وهذه من أكثر حقائق النفس قسوة. فالناس يظنون أنهم يقاومون النسيان، بينما الحقيقة أنهم يقاومون التغيّر. وما إن يتغيّر الإنسان، حتى يجد أن أشياءً كثيرة كانت تثقل قلبه، قد أصبحت لا تعني له أكثر من ذكرى بعيدة. ولذلك لا أميل إلى السؤال الذي يردده الجميع: هل يُميت البُعد الحب؟ لأنه سؤال يبدأ من النهاية. أمّا السؤال الذي يستحق أن يُطرح فهو: ما الذي كان يربطكما منذ البداية؟ فليس كل قربٍ دليل محبة، وليس كل شوقٍ دليل عمق، وليس كل حزنٍ على الفقد حزنًا على المفقود. إن بعض القلوب تبكي لأنها خسرت إنسانًا، وبعضها يبكي لأنها خسرت ما كانت تشعر به وهي معه، وبين الأمرين فرقٌ لا ينتبه إليه إلا من أطال التأمل في نفسه قبل أن يتأمل في غيره .
