ru
Feedback

Не попадитесь на канал ботавода! Telemetrio находит и помечает такие каналы 👉 Хотите видеть метку — оформите подписку

باسم بشينية

باسم بشينية

Открыть в Telegram
7 209
Подписчики
-524 часа
-397 дней
-7530 дней
Архив постов
"جارية بن عامر بن مجمّع، وبنوه: يزيد. وزيد. ومجمع. وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع بن جارية قد قرأ القرآن، فكان يصلي بهم فيه. ويقال إنّ مجمع بن جارية لم يكن منافقا، ويقال إنه نافق ثم صح إسلامه، وعني بالقرآن حتى حفظه". (جمل من أنساب الأشراف، البلاذري، حققه وقدم له: سهيل زكار – رياض زركلي، دار الفكر - بيروت، ج١، ص٣٢٨). مجمع كان شابًا يحفظ القرآن، وكان أبوه من أصحاب مسجد الضرار الذي تأسس بإشارة من أبي عامر الراهب، الذي كان لاجئا لدى الروم، وكان يعدهم بالعودة بجيش، يتخذ من مسجدهم مركزًا لمواجهة المسلمين. كان مجمع بحكم حفظه للقرآن، يؤم المنافقين في مسجد الضرار، وبعد أن هدم هذا المسجد وأحرق، وانهار مشروع المنافقين، وتفرقوا، ثم مرت سنوات، طلب قومٌ من عمر فترة خلافته، أن يؤم مجمع بن جارية قومه في الصلاة. كان رد عمر بن الخطاب "أوليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار" فكان جوابه الرفض بسبب ماضيه. وبعض الروايات تنقل أنه كان من المشاركين في بناء مسجد الضرار لا الإمامة فيه وحسب. فأقسم مجمع أنه لم يعلم بمقاصدهم قائلا "والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بشيء من أمرهم" وأنه لم يكن مبصرًا، تقول الرواية: زعموا أن عمر أذن له أن يصلي بهم. ورواية تقول أنه بعثه إلى أهل الكوفة يعلمهم القرآن. الفكرة أنه بعد هدم مسجد الضرار بسنوات طويلة بقي ماضي مجمع حاضرًا عند النظر لأهليته للإمامة، فقد تنتهي المعارضة، بينما تستمر آثار الانتساب لها. وهو ما دعاه للتفريق بين النية، والفعل بحكم الارتباط الاجتماعي، فيمكن أن تضم المؤسسة الواحدة، كما في هذه الحالة، أشخاصًا مختلفين في مقدار علمهم بأهداف قيادتها. وأكثر ما يشد في الموضوع، هو جارية بن مجتمع، الأب، والد مجمع، كيف أنه قام ببناء تصور سياسي معارض، وأضحى منافقًا، وساهم ماليا وجسديا في بناء مسجد الضرار، ثم أتى بإبن له لأنه يحفظ القرآن، وقام بتوظيفه لأجل هذا، حتى يصبح إمامًا لهم، ليؤدوا الصلاة فيه، في واحدة من أبلغ صور توظيف الكفاءات الدينية لأغراض سياسية مناقضة للدين.

قصة مسجد الضرار تثبت كل ذلك، فالمنافقون، فكروا على النحو التالي: لا مقدرة على إبطال الإسلام، إذن، لو أرادوا بناء ولاء مستقل، فإنهم سينشؤون للنَّاس موضعًا يجتمعون عليه بعيدًا عن مركز من يعتبرونه خصمًا، ولو كانوا يقولون بألسنتهم أنه رسول الله. أي أنَّ عجزهم عن هدم شرعية السلطة الدينية بشكل مباشر، قادهم إلى إنشاء مرجعية موازية، تستعمل لغتها ورموزها وتستقطب الأتباع من داخل الجماعة نفسها. وهو ما قد ينقلنا لتفسير نشأة كثير من الفرق والطوائف العقائدية، التي كانت أساسًا ذات توجه سياسي ثوري، لكن بالدرجة نفسها أنشأت شقًا عقائديًا ينافس ما كانت عليه السلطة السياسية، لمنافستها الولاء ضمن نفس الفضاء وبنفس الرموز. كانخراط جهم بن صفوان في حركة الحارث بن سريج التي كانت ثائرة بخرسان على نصر بن سيار والي الأمويين عليها، وهو ما ساهم فيه جهم بتعبئة واسعة لمقاتلين لم ينطقوا بالشهادتين أصلا، لكن جرى وصفهم بالمسلمين، بناء على اصطناع مفهوم أن الإيمان لا يشترط فيه قول ولا عمل، لحاجة حركة الحارث لتعبئة غير العرب من أبناء فارس، فهو بناء ولاء مستقل بإنشاء صرح عقائدي بعيدًا عن ذلك الذي تدين به السلطة، وهو نفس الأمر الذي كان مع ثورة القراء، وفكرة تمسكهم بغير مصحف عثمان، وهنا لفتة سياسية؛ مركز الولاء المنافس، في بداية تأسيسه، قد يحتاج إلى استعارة شرعيته من السلطة التي يسعى إلى منافستها أصلا. قصة أبو عامر الراهب أيضا، من القصص التي تشرح أنه كان ينتقل كلما تغيَّر ميزان القوة وكلما فقدت المعارضة أحد مراكزها، من معارضة النبي في المدينة، إلى التحالف مع قريش ضد النبي، إلى الطائف التي لجأ لها بعد فتح مكة، ثم الملاذ الأخير إلى الروم بالشام، لاجئًا. وقد خلَّف بالمدينة أصحابًا له، وأشار إليهم ببناء مسجد ليكون قاعدةً يأوي إليها إذا عاد، وهو مسجد الضرار. وهو ما يشرح أن المغادرة، لم تكن تعني نهاية ارتباطه بالمعارضة الداخلية. كان أبو عامر متخابرًا مع الروم، وكان يستنصرهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعد أتباعه بقدوم دعم وجيش سيعود به، انتهى الأمر بأبي عامر، ميتًا في الشام، طريدًا غريبًا وحيدًا، وتنازع كنانة وعلقمة بن علاثة في ميراثه، محتكمين إلى قيصر، وانتهى المطاف بمسجد الضرار، مركز المعارضة لفئة المنافقين، محترقًا ومهدمًا، وانتهى المطاف بن كانوا فيه متفرقين.

لعل أكثر ما نتحدث عنه إذا ذكر المنافقون، هو جانبهم الديني، لوحده، والذي يعني إبطان الكفر، وإعلان الإسلام، لكنَّ كثيرًا من جوانبهم السياسية لا يتطرق لها إلا بالقدر المشهور. فمثلًا، ما جذب انتباهي أن البلاذري بوَّب بابًا بأسماءهم وأخبارهم، ما يُمكِّن من رصد شيء من طبيعة تفكيرهم السياسي والاجتماعي. في حادثة يذكرها البلاذري، أن عبد الله بن أبي، يثني أبا قيس بن الأسلت عن الإسلام، دون أن يحدثه عقديًا، وإنما باستحضار الصراع بين الأوس والخزرج، قائلًا له "كرهتَ والله حرب الخزرج، فقال أبو قيس "لا أسلم سنة"، ثم مات قبل أن يسلم، مع أنه لما سمع من النبي قبل ذلك قال "ما أحسن ما تقول وتدعو إليه". وهو باعث قبلي وسياسي بالدرجة الأولى، ذلك لأن أبا قيس كان من الأوس، ومن فرسانها، فعيَّره ابن أبي في كبريائه، بأنه ما أسلم إلا كراهة من مواصلة الحرب بين قومه الأوس، وبين الخزرج، فلما عجز ابن أبي عن ثنيه عن اتباع النبي بفتح حجاج ديني، استطاع بكلمات قليلة أن يحول قراره الديني وهو الدخول في الإسلام، إلى مسألة كرامة قبليَّة. في الحادثة التي جاء فيها بني أبيرق الذين سرقوا قتادة بن النعمان وعمه رفاعة، ثم أرسلوا رجلًا من قبيلة أخرى، ليشهد عليهم بالصلاح بين يدي النبي، حتى يؤثروا في حكمه عند اتهام قتاة لهم. هي واحدة من أغرب الحوادث، إذ أدرك النَّاس منذ بدايات الإسلام، أنه إذا كانت الشرعية الدينية مصدر نفوذ، فالحل هو جعل التديُّن درعهم، بل كان ذلك عبر الوساطات الاجتماعية، إذ أرسلوا من يؤثر في الصورة الأولى التي تتشكَّل لدى النبي عن خصومهم، إذ وصفهم الوسيط بأنهم "أهل إسلام وصلاح". فإلى أي مدى يمكننا رصد استثمار الشرعية الدينية في التعبئة السياسية لاحقًا، مع حركة المختار الثقفي، ومع العباسيين، وغيرهم، والكم الهائل من الروايات التي تنسب إلى النبي ثناءً على إسلام وصلاح قوم أو فئة، أو شخص، أو ما تسبغه الفئة عن نفسها، بما يضفي عليها هالة الصلاح والإسلام الكامل، ليكون ذلك مدخلها للتأثير في الرأي العام، أو التأثير في حكم الأشخاص عليهم. فبنو أبيرق، عمدوا لوساطة اجتماعية، وهو أُسَير، أن يثني على إسلامهم، بين يدي النبي، وهو أشق وأصعب، من هندسة مقالات وروايات وأحداث كاملة لأجل الغرض نفسه. معتب بن قشير ورافع بن زيد كان خصماؤهم قد دعوهم في خصومتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبوا ذلك وقالوا، نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، ووجه النفاق مع أنه رفض لأن يحكم فيهم رسول الله، إلا أن خطورته السياسية، تكمن في أنه من رفض قاضي السلطة، فقد نازعها حق الفصل في الخصومات، ولو كان نزاعه صغيرًا، وخطره أن يصبح في المدينة أكثر من مرجع للفصل في النزاعات، وهو ما قد يعزز قوة الزعامات المنافسة.

يروي البلاذري في باب المنافقين قصة قتادة بن النعمان وعمه رفاعة بن زيد، أن العمَّ اشترى دقيقًا ثم وضعه في غرفة، مع درعين وسيفين، ثم نقب عليها اللصوص ليلًا فسرقوا الطعام النفيس والسلاح. يبدأ الرجلان بالتحقيق، فيخبرهما بعض الناس أنهم رأوا بني أبيرق يحملون شيئا ثقيلًا تلك الليلة. يذهب قتادة بن النعمان إلى النبي، ويشكو سرعة بني أبيرق لعمه، ويطلب استرجاع السلاح، قائلًا "ولا حاجة لنا في الطعام". لكن، بني أبيرق، كانوا قد بادروا في إرسال رجل منهم يقال له أسير بن عروة، مع جماعة، للدفاع عنهم لدى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "إن قتادة وعمَّه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح فرمياهم بالسرقة من غير ثبت ولا بينة". فقال قتادة، "وأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته، فتهجمني، وقال بئس ما صنعت وما أتيت وما مشيت فيه، عمدت إلى بيت ذكر لي عنهم صلاح وإسلام ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة". قال قتادة: فرجعت وأنا أود أني خرجت من جل مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. قال قتادة "ولم أتلبث أن نزل (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما). أنظر: (جمل من أنساب الأشراف، البلاذري، حققه وقدم له: سهيل زكار - رياض زركلي، دار الفكر - بيروت، ج١، ص٣٣١) أهم ما جذبني في هذه الرواية، هو مدى مرونة الشخصية المنافقة، في استثمار السمعة الدينية، وخلق إيهام الصلاح وحسن التدين إلى درجة الاستعانة بجماعة لترويج حسن السمعة والمكانة الدينية الفائقة، حتى يتحصل لهم التأثير في الحكم لصالحهم وهم من أهل السرقة أساسا. وهو تصرف قديم على كل حال!

وأنا أقرأ في أنساب الأشراف للبلاذري، مرَّ علي "عن حمزة بن صهيب أنَّ أباه [صهيب الرومي] كان يكنى أبا يحيى، فيقول إنه من العرب." (جمل من أنساب الأشراف، البلاذري، حققه وقدم له: سهيل زكار - رياض زركلي، دار الفكر - بيروت، ج١، ص٢٠٦) وهو ما ذكرني بالعبارة التي صاغها سيد قطب، في حديثه عن صهيب، في معالم في الطريق، من قوله: "الأمة التي يكون من الرعيل الأول فيها أبو بكر العربي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وإخوانهم الكرام، والتي تتوالى أجيالها على هذا النسق الرائع، الجنسية فيها العقيدة، والوطن فيها هو دار الإسلام، والحاكم فيها هو الله، والدستور فيها هو القرآن. ... هذا التصور الرفيع للدار وللجنسية وللقرابة ينبغي ألا تتسرب إليه صور الشرك الخفية: الشرك بالأرض والشرك بالجنس والشرك بالقوم، والشرك بالنسب" (معالم في الطريق، سيد قطب، دار الكتاب الثقافي، ١٩٩٢، ص١٤٧) مع أن صهيبًا قد سأله عمر بن الخطاب عن نسبه "وتقول إنك من العرب وإنما تعرف بالرومي" فأجاب "وأما النسب فإني رجل من بني النمر بن قاسط، من أهل الموصل، ولكن الروم سبوني صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعلمت نسبي". فهو سؤال معتاد، ولا عامله عمر على أنه من صور الشرك، ولا استغفر صهيب من السؤال.

قبل ١٠ سنوات كتب كاسترو، في أغنية بعنوان رسالة الغفران "واحد يفكر بالغالط خير من عشر آلاف علوش". العبارة كانت تحتاج إلى عصر الذكاء الاصطناعي حتى تبلغ معناها الكامل!

نووي، ونووي! الترهات الفارغة التي تستهلك الوعي بحشوه بتوافه الأمور، مثل ما نشر مؤخرا من إعلان موعد مباهلة بين شخصيات مشهورة ألِفَت تحوير الفراغ إلى قضية، حول أشخاص مثل النووي والسيوطي وأبي حنيفة. لا، بل يعجبك أن تقرأ إعلانا أول، ثم تصحيح الموعد، ثم تحديد المشاركين، ثم نشر الصيغة النهائية. تحسب أنك أمام مؤتمر سيعيد تشكيل النظام الدولي برمَّته! بالمناسبة، فقط لمجرد التذكير، في العالم نفسه الذي نعيشه تحدث حروب لأجل النووي الحقيقي الذي يهدد سكان الأرض جميعًا، ولم تصنع لنفسها صدى يوازي هذه السخافات، ولم تنل جزءًا من الوعي الذي جرى تدجينه وإعادة توجيهه نحوها. والفرق بين النوويين فادح ومضحك في آن واحد، واحد يملك القدرة على محو مدن كاملة، وآخر توفي منذ قرون وترك إلى جانب مكتبته التي –غالبًا– لم يقرأها هؤلاء لا مقبلين ولا مدبرين، شخصية تفوق مدة الحرب على النفوذ عليها مدة الحرب التي وقعت بين الحلفاء والمحور في فرض النفوذ على أوروبا! أو شيء مثل عنوان ريمون آرون (الانقسام الكبير) بين القوتين النوويتين، بعد الحرب العالمية الثانية! النووي الذي وقعت لأجله صراعات لا تكاد تحصى كثرةً لأجل تخصيب اليورانيوم، يبدو تافهًا، أمام صراع تخصيب الأوهام، التي يعيشها المباهلون، أوه، فضلا عن مدى تفاهة أولئك الذين يقيسون احتمالات الإبادة، أمام الجماهير العريضة التي تنتظر نتائج المباهلة ومن ستنزل عليه اللعنة قبل الآخر. حركات المشايخ العاجزين عن ملامسة القضايا المركبة، والتي تسحب الناس من العالم الذي يؤثر في حياتهم إلى عالم لا يطالبهم بأي شيء يشارك في حياتهم اليومية. الإعلان المتكرر الذي صار يبدو كأنه نسخة رخيصة عن السياسة الدولية، بيانات، وتأجيلات، وأطراف، وصيغ نهائية، وترقب جماهيري، هذا كله يدور حول اللا شيء. سوى محاولة لصناعة مستوى أعلى من الترفيه العقدي، الذي يبيع للجمهور وهم المشاركة في معركة كبرى. البعض يحصد الإعانات على باتريون، من خلال هذا، البعض من خلال إعلانات وسائل التواصل يبني مستقبلًا لأسرته، والبعض يخدمه توسيع قاعدة المرضى النفسيين في أوساط تنضح بمن يسهل التلاعب بنفسياتهم، يسترزق، قد يظفر بمن يعالج لأنه لم يحدد موقفًا من أبي حنيفة... لأن أسهل ما توفره هذه البيئات، هي القابلية للتعبئة في مشاريع لا تعكس أي مردود نافع، لا تعطي سوى نشوة الانخراط في مشروع يتوهم أنه ضخم، وما هو سوى صراع طويل مع شخص خصمٍ ميت، وتدفع الجماهير العريضة أعمارها لتعود فيه أكثر يقينًا وأقل فهمًا، لصالح خدمة اقتصاديات طفيلية تبيع سنوات حياتهم –التي يفترض أن يكونوا فيها أكثر مسؤولية وأعلى إنتاجية– لشركات وسائل التواصل!

"في مطلع قرننا، كانت كوم إشقاو قرية زراعية يبلغ عدد سكانها نحو أربعة آلاف نسمة، تعيش في عزلة سلمية إلى حد ما، جاهلة بماضيها،
"في مطلع قرننا، كانت كوم إشقاو قرية زراعية يبلغ عدد سكانها نحو أربعة آلاف نسمة، تعيش في عزلة سلمية إلى حد ما، جاهلة بماضيها، وغير مكترثة به، مع أنها كانت تخفي مفتاح ذلك الماضي. ففي ربيع سنة 1901، وبينما كان بعض سكان القرية يحفرون عند طرف المقبرة الإسلامية، عثروا على كومة كبيرة من البرديات [تعود لفترة ولاية قرة بن شريك – الدولة الأموية] ولجهلهم بقيمتها التاريخية وقيمتها المادية، دفعوا منها ما كان يكفي لشراء مقدار زهيد من الملح مقابل هذا الاكتشاف الثمين. غير أن أخا الرجل الذي وجد الكنز تولى أمره، فأخذ الجزء الأكبر مما وجد لنفسه، ثم سمح للآخرين بأن يساعدوا أنفسهم في أخذ ما تبقى. وبعد ذلك أبلغ التجار في القاهرة بالأمر، فجاؤوا لشراء بعض هذه البرديات، أما البرديات التي بقيت مخبأة، فقد وجدت طريقها لاحقًا إلى أيدي تجار في القاهرة، وعن طريق هؤلاء وصلت في النهاية إلى بلدان أوروبية مختلفة وإلى الولايات المتحدة" (Nabia Abbott, The Kurrah Papyri from Aphrodito in the Oriental Institute, Studies in Ancient Oriental Civilization, no. 15 (Chicago: The University of Chicago Press, 1938), p. 7.)

لكم هو ساخر، أن تعيش منكرًا للجن، ثم يكتشفون سنة ٢٠٢٦، أن كل نظرياتك في المادية، كانت نتاج مؤامرة بينك وبينهم!

photo content

نحن نملك الحق، لكن هم استعانوا بالجن! المقطع الأخير لدعدوش، ذكرني بإحدى رسائل مقبل بن هادي الوادعي التي ألفها بعنوان (نصيحة لإخواننا من الجن) كانت الرسالة عبارة عن تفريغ صوتي لمحاضرة ألقاها مقبل الوادعي، زاعمًا أن الجن يأتون للتعلُّم من دروسه، ليستفيدوا من علمه، يتعلمون عقيدة أهل السنة من مجالسه، المهم، دعدوش قلب الطرحة، إلى جهة أن الجن أقدم منا، ومتقدمون علينا علميًا، إذن، الغرب استعان بالجن والشياطين لكي يحقق تقدمه العلمي هذا. ربما بقينا نحن عاجزين عن مواكبة التقدم العلمي، لأننا حيث كان يستفيد الغرب منهم علميًا، كنا نحن نقدم لهم دروسًا في العقائد، كوميديا سوداء. المهم هذه عينة عن ذهنية وطريقة تفكير الأشخاص، الذين هاجموا المادية قبل سنوات، عن قناعة أنها فلسفة باطلة، فتصوراتهم، التي انكشفت لاحقًا، أبانت عن عمق نظرهم لمآلات الأمور، فالمادية، هي نتاج تلاحق الفكر الماركسي والتجريبي مع الفكر الجنوني وهو تصور ناتج عن فكرة الشمول التي أتخمت بها كتابات الإسلاميين، والتي حولت شمولية الإسلام من رؤية حضارية، كما كان يُزعَم، إلى آلة تفسير رديئة تدخل كل ما لا يطيق الشخص تفسيره إلى معركة الإيمان والكفر، فتقدم الغرب في الطب، والفيزياء والكيمياء، لم يكن عن تراكم معرفي لأن الاعتراف بالتراكم المعرفي الغربي، يعني الاعتراف بأن التفوق له شروط أرضية قابلة للتعلم، من بناء مؤسسات علمية، وتمويل مختبرات وتأسيس أرشيف، وتطوير أدوات قياس، ومراجعة الأخطاء، لذا بدل (لماذا لم ننتج؟) يتحول السؤال (من أعان علينا؟)، وهو نفس نظام الفكر الذي تجاوز تراكم الوعي السياسي لقرون، وصولًا إلى حروب الربيع الأوروبي، وقضاء عشرات السنين في تأليف رأس المال، ليختصر الموضوع بعنوان (المزدكية أصل الاشتراكية). نشط خلال سنوات ١٨٠٠م، كل من كانط، وهيجل، وشوبنهاور، وكونت، وماركس، وجون ستيوارت ميل، نيتشه، ووليام جيمس، ، وفي الطب كُثر، من العلماء والمخترعين، مثل رينيه لينيك، الذي اخترع السماعة الطبية، وكلود برنار، ولويس بارستور، الذي قدم أبحاث في الكائنات المجهرية والتخمر والتعفن، ومايكل فاراداي، وماكسويل، وطومسون، وغيرهم، قائمة طويلة، كلهم كانوا نشطين، مؤلفات بالعشرات، ومؤلفات بعضها طال تأليفه ٣٠ سنة، مختبرات، تجارب مخبرية، كشوفات، وختى في الوعي السياسي والاجتماعي، كان الأمر مواكبًا، تعرف ماذا كان يحدث في العالم العربي في نفس السنوات التي نشط فيها هؤلاء الذين كانوا يستعينون بالجن بحسب الأخ؟ كان السيد جمال الدين الأفغاني، قد شكل ثنائي من العَتَه، جمال ومحمد عبده، يثير الصخب بأن النبوة صناعة يمكن اكتسابها، يعزل الخديوي اسماعيل، يذهب للهند، فيكتب رسالة الرد على الدهرية ليدخل جدلًا لا حصر له مع أحمد خان، يسافر لإيران ويؤسس مؤامرة للقضاء على الشاه ناصر الدين، ثم سريعا إلى اسطمبول، حيث عبد الحميد، يلعب أمامه بالمسبحة قائلا السلطان يلعب بالعالم الإسلامي كله ونحن لا نلعب بمسبحتنا، وخلعك أسهل من خلع النعلين، ثم إلى فرنسا سريعا، يصبح عبدًا لأطروحات رينان، المستشرق الحاد، الذي قال أن الإسلام عدو للتقدم العلمي، فقال له الأفغاني، لنتفق أن جميع الأديان عدوة للتقدم العلمي، بما في ذلك المسيحية، وليس الإسلام فقط المهم ألَّف لكم الرد على الدهرية، أتذدر يقع في ٤٠ صفحة، الذي يقول فيه محمد الغزالي، أول الكتب التي أنارت طريقة الرد على الإلحاد، طبعا، يشمل هذا الكتاب الساذج، أن إخوان الصفا ماديون ملحدون، وفولتير مادي ملحد، وروسو مادي ملحد، وخزعبلات وقصص خرافية عن مؤامرات العالم السفلي والأرضي في نشر مذهب المادية الشيطاني، الذي يستعين بالجن لتخريب الدين ونشر الفجور، هذا كان وعي أعلى رتبة من مثقفي الفكر الإسلامي في سنوات ١٨٠٠م. في حين كان الطب والكيمياء والفلسفية السياسية والاقتصاد السياسي في الغرب بشكل عام، يراكم معارف مهولة، واليوم نحن بعد قرنين من الزمن، يتكرر علينا نفس الشيء، عن نفس المادية، ولكن بشكل أعمق وأوغل وأكثر كوميدية. ولم نصل بعد لنصف ما وصلته النقاشات الغربية حتى في التأريخ للعلوم، لأننا لا نمتلك أصلا مادة في العلوم المادية والتجريبية يؤرخ لها، فأساطين الفكر، تركوا نزعات رُبع ثورية غير مكتملة، ولعنات متتالية على المادية، وذلك ما توارثناه.

من القواعد التي تورثها القراءة في التاريخ السياسي، العربي والأوروبي... ١- ليس كل من انتهى مظلومًا صار صالحا للحكم، أن تكون ضحية، لا يعني امتلاكك لمشروع أصلا. أن تكون شجاعًا لا يعني أنك رجل دولة بالضرورة، كان لعبد الملك بن مروان (٨٦ ه‍) مقولة "فلان شجاع، وليس له رأي" أي رأي في السياسة. ٢- أن ينتهي مشروعك بأبسط الوسائل، لا يعني أن التاريخ مدين لك بالقيادة، السياسة الواقعية لا تؤمن بهكذا استحقاق! ٣- لا تعتبر كل هزيمة مأساوية حجَّة في السياسة، التاريخ لا يبايع من كانوا فاعلين لمجرد أنهم ماتوا! ٤- أحيانًا تكون المظلومية آخر ما يبقى لمن لم ينجح في صناعة الواقع، لذلك لا يمكن اعتبار خسارتك مظلومًا، دليلًا على امتلاكك لرؤية. ٥- الشجاعة قد تصنع مأساة فضيعة، وليس بالضرورة أن تصنع دولة عظيمة. ٦- علَّمنا التاريخ السياسي، أنه ليس كل من واجه سلطةً ما، كان أحق بها، فقد يعارض الرجل حكمًا لأنه يرفضه، لا لأنه يعرف كيف يبنيه. ٧- يمكن للمأساة أن تمنح لصاحبها تعاطفًا عظيمًا، لكن يجب ألا تمنحه لوحدها كفاءة سياسيَّة. ٨- كثيرون انتهى أمرهم في الطريق نحو السياسة سواء في التاريخ القديم والحديث، لكن لم يصبحوا بالضرورة دليلًا للطريق، لأن كثيرين منهم، كانوا بمثابة الشهود على الفشل، وهذا لم يجعلهم بالضرورة برهانًا على الصواب. ٩- الهزيمة عند تحولها لاعتقاد، أول ما تمنعه، هو سؤال لماذا هزمنا؟ وتفتح المجال بكافة الصلاحيات لسؤال: كيف يمكننا تكرارها، فهي تعتبر تكرار السُّقوط وفاءً! ١٠- السياسة لا تكافئ أنقى الناس نية، بقدر ما تكافئ أكثرهم قدرة على تحويل النية إلى نظام. ١١- الموت موقف ولحظة، أمَّا الحكم فصناعةٌ طويلة. ١٢- أن تسقط واقفًا، لا يعني بالضرورة أنك كنت قادرًا على أن تقيم نظامًا واقفًا.

الريف ليس مشكلة بحد ذاته كمكان، ولا الفلاحة مشكلة، فهما نمط عيش عادي وضروري لفئات من المجتمع، المشكلة هي في ما يخلفه من ضيق في الأفق الاجتماعي. لأنك تلحظ دائمًا أن هنالك طبقة اجتماعية، لم تغادر القرية والريف حتى حين دخلت إليها الطرق والمدارس والهواتف والأنترنت، بقيت معلقة في ذهينة ما أسماه جورج أورويل بالأخ الكبير، الذي يجب أن يحرق كل الحدود، لمجرد ولادته أولًا، وأنه يتصف بأحبال صوتية منحته صدى عاليا عند الحديث لأنه -بحكم العادة- اكتسب مهارة الصوت العالي وهذا قد يرجع لبيئته الرعوية التي فرضت عليه ذلك، لا حتى لمجرد عمق وعيه الاجتماعي، ولذلك يمنح نفسه دومًا حقا طبيعيًا ليكون الأقدر على ممارسة الاحراج للآخرين في المجالس. في رواية أورويل ١٩٤٨ جرى طرح هذا النموذج بشكل أقرب لتلك الممارسات العائلية، التي دوما ما يتلبَّسها الأخ الكبير، الممارسات التي لا تنفك عن فرض رقابة صارمة على الفرد الناشئ، تراقب اختياراته، ونجاحاته أيضا، وحتى طريقته في إدارة علاقاته، ولا تخاف أخطاءه، بقدر ما تخاف استقلاله، الذي قد يكشف هشاشة النظام الرجعي الذي تفرضه الذهنية الريفية هذه، فقد يصنع كرامة واعية بجدارة وكفاءة، يستحقان الاحترام، دون أي حاجة لسن متقدم ولا صوت مرتفع، ولا مهارة زائفة في اكتساب نشوة السطوة عبر ممارسة الاحراج والأبوية الفجة ومنطق الوصاية. ومن أطرَف صور هذا الوعي الرجعي، تحويل الأب الذي أدى واجبًا طبيعيًا تجاه أبنائه إلى أسطورة عائلية غير مسموع عنها خارج إطار الأسرة المصغرة أصلا، فأغلب المنجزات المدعاة، قد لا تزيد عن مجرد القيام بالحد الأدنى من المسؤوليات الأسرية التي لا تستحق أن تتحول فجأة لإنجاز خارق يرى فيه ملحمة كاملة، مع أن التعليم نفسه، وهو أفضل ما قد تقدمه البيئة الريفية لأبنائها، هو حق مكفول بفعل الدولة، فالتعليم العمومي مجاني أصلا، وليس منحة إقطاعية. لذلك فالسؤال الأعمق، هو ما الذي جرى توريثه في وعي الأبناء، من قناعة، وتمدُّن في الوعي، لا هل درسهم حيث وصلوا الجامعة، ففي أحيان كثيرة يكون الميراث عبارة عن صور أكثر سوداوية عن واحدة من أهم ما تورثه الأرياف وهو الحسد، والغيرة، لذا تجد في الأجيال التالية تصورًا غريبًا بأن نجاح الآخرين هو تهديد لهم، فينشؤون على فكرة أن الحياة ما هي إلا سلسلة ديون عائلية متراكمة، لذا تكثر الرقابة، والمقارنة، والضيق باتساع الآخرين، والسخرية حيث يستوجب الموقف تقدير الجدارة. وهي بيئة اجتماعية مأزومة، لأنها لا ترى للفرد نجاحًا، إلا إذا كان مشروطًا بأن يبقى صغيرًا أمامها، لأن نجاحاته، أيا كانت، ما دام يعتبرها نجاحات، وإنجازات، هي هاجس يكسر أركان التقليد الهش الذي لا يسمح بأن يكون إنجازٌ هنا أو هناك، إلا إذا تحقق الرضا لدى جهاز الرقابة والمقارنة الريفي، الذي عجز عن الفكاك عن هذه الذهنية، وعجز عن إنتاج قيم تمدُّن وعجز عن ترك السؤال عن الخصوصية، وعجز عن احترام حدوده، وعجز عن تقدير الجدارة، التي قد لم يبلغها، ووجد الأمان في مهاجمة من ينتجها.

photo content

عيدكم مبارك كل عام وأنتم بخير

الموال؟ هذا يعني خفض ربحه، وهو جزء من السوق الذي تدافع أنت عنه أساسًا، أو الدولة؟ وهذا دعم، أم الأغنياء؟ وهذا إعادة توزيع للثروة، أيضا سلوك اجتماعي في الاقتصاد، فلماذا يقاطع من يستطيع الشراء لصالح من لا يستطيع في ظل تفكير فرداني رأسمالي لا يحبِّذ المفاهيم الاجتماعية؟ هل سيظهر السعر اجتماعي في الهواء؟ كل سعر اجتماعي له ممول! وإذا رفض تصورك الاقتصادي كل أشكال التمويل الجماعي لا يمكنك المطالبة برفض النتيجة الاجتماعية لذلك!

الأسعار الجنونية للأغنام! واحدة من أغرب التناقضات الأنانية، تلك الضجة التي تقع مع اقتراب كل موسم، تدعو لمعاقبة أخلاقية جماعية لتجار الأغنام، الذين يرفعون السعر لأعلى مستوى، من طرف أشخاص كانوا طيلة السنة مدافعين عن اقتصاد السوق، والسوق الحر، والعرض والطلب، ضدَّ الدعم، وضد تدخل الدولة والمجتمع في السوق والتسعير! لكي تفهم صديقي الرأسمالي، أو لنقل، الرأسمالي بدون رأسمال، إذا قبلت بمنطق السُّوق الحر، عليك أولا تحمُّل نتيجته عند الندرة الموسمية، هنالك فرق بين السعر الطبيعي، وبين سعر السوق في الرأسمالية، السعر الطبيعي يغطي السعر المعتاد، لكن سعر السوق، وهو البنية الركيزة في التصور الرأسمالي، لأنه انعكاس للعلاقة بين الكمية المعروضة والطلب الفعال. سوق الأغنام، هو ضمن اقتصاد السوق، صحيح أنه يتعلق بمفاهيم دينية، وأخرى اجتماعية، مثل الحق الجماعي الموسمي ويدخل في صورة الكرامة الأسرية، الأب أمام عائلته، والعائلة أمام الجيران، كل هذا مفاهيم اجتماعية، لكن من ناحية اقتصاد السوق لا يوجد أي فرق في المنطق، هو سلعة كأي سلعة تخضع لعرض وطلب! لا لأن الغلاء جميل، لا، المنطق هو ما يجب أن يكون موحدًا! لكن أن تتحول مع موسم عيد الأضحى، لخطاب الأضحية شعيرة، والناس لا تستطيع، ويجب مراعاة القدرة الشرائية، فهنا بدأت تلامس الخطاب الاشتراكي الذي كان محل سخريتك طيلة السنة، وصرت تعترف ضمنيا بأن السوق لوحده لا يكفي وأن هنالك سلع ومناسبات واحتياجات لا يمكن تركها بالكامل لمنطق الربح والندرة. وحين تعتبر السوق حكمًا طيلة السنة، في الضروريات، والسكن، والعقار، والدواء، تبدو مضحكًا عندما تغضبك النتيجة إذا حكم السوق ضدَّك في الأغنام! يمكن أن تمتنع عن الشراء، نعم، لكن لا يمكنك الحكم بعدم أخلاقية السعر عندما يكون في غير صالحك، ما دمت تقدس الآلية التي انتجته، أنت لا تعرف الشيء في ذاته أساسا، ويمكن للموال بالقدر نفسه أن يعتبر انخفاض السعر غير أخلاقي أيضا. في الماركسية، للسلعة وجهان، وفصَّل ماركس في هذا مليًا في رأس المال، وجه يمثل القيمة الاستعمالية، والآخر يمثل القيمة التبادلية وهي صورتها في السوق، وأن تتذكَّر القيمة الاستعمالية لأغنام موسم الأضاحي وهي القيمة الدينية، والاجتماعية، ثم تسحب على منظومة الدعم كل هذا، فلا ترى ارتباطًا لرمزيات عدَّة كالكرامة والأسرة بسلع أخرى مثل السكن الاجتماعي، والدَّواء المدعَّم، والغذاء بشكل عام، أو حتى التعليم المجاني، فهذا ليس سوى تناقض، لأن اعتراضك على غلاء الأغنام، الموسمي، هو اعتراف ضمني بأن التسليع الكامل للحياة يولِّد ظلمًا اجتماعيًّا! فلماذا تدفع النقاش حول اقتصاد السوق فقط عند تعلقه بهذا الموسم؟ لأن القدرة الشرائية متراجعة؟ طيب! السوق في الرأسمالية، لا يعرف الرغبة لوحدها، هو يعرف الرغبة المقترنة بالقدرة على الدفع، بمعنى، الفقير قد يرغب في سلعة، لكن لن تتحول رغبته إلى طلب فعال إن لم يكن قادرا على دفع ثمنها، لذا، إذا صرخت إلى الصباح بأن الفقير لا يستطيع شراء أضحية، أنت تصرخ ضد منطق السوق نفسه! لأن السوق لا يترجم الحاجة إلى طلب إلا عندما تكون تلك الحاجة مدعومة بالقدرة على الدفع، وبهذا تضحى قاعدة "السوق لا يعترف بغير القدرة الشرائية" مزاجية، تأتي حسب الظرف، وليست اقتصادًا! نرجع إلى جزئية المقاطعة الجماعية، المقاطعة هي اقتصاديًا خفض الطلب لإجبار السعر على النزول، هي آلية عادية، لكن تحوُّلها إلى مفهوم يجب ألا يكون السعر فوق قدرة المواطن البسيط، تجعلك قافزًا بين المذاهب من جديد، غادرنا منطق السوق، إلى منطق الاستحقاق الاجتماعي، ومرحبا بنا في رحاب الاشتراكية الاجتماعية! الجزئية الأهم التي تكشف لا علمية الداعي لاقتصاد السوق، والذي يتألم له أيام عند الأسعار الموسمية، أنك لن تجد أي بحث في طفرة أسعار النقل، والمركبات، والعقار، وحتى اليد العاملة، لا، وبل يظل سنة كاملة يسخر ممن يقبض يوميًا مبلغ 1000 دج، كعامل يومي، ويصفه بالعبد، ثم يطلب من صاحب العمل ألا يرفع سعر السلعة ويحمي هامش ربحه وقدرته الشرائية وطموحه للثراء، أليست هذه هي الصورة الرأسمالية المثلى للتاجر؟ الموال ليس تافهًا، هو متعامل اقتصادي، والطبيعة متسقة، ارتفاع أسعار كل شيء، يعني ارتفاع أسعار سلعه هو أيضا. والدعم الذي يتناول بسخرية لدى المغامرين هؤلاء، هو علميا نقل لجزء من التكلفة من المستهلك المباشر إلى الجماعة أو الدولة، وهو جزء من النظام الذي يسخرون منه لسنوات، والآن هم يتعرَّضون لنتائج تلك السخرية بألم، نعم، يمكن نقد الدعم بسبب التشوهات التي تعرَّض لها، أو لسوء استهداف الطبقات، أو لواحقه البيروقراطية، لكن وظيفته تظهر دائمًا لحماية القدرة الشرائية عند عجز السوق عن إيصال سلعة مهمة إلى فئات واسعة، فبالنسبة لك كرأسمالي، فرداني، لا تحبذ المفاهيم الاجتماعية، وتدخل الدولة في السعر، من سيدفع الفرق؟

photo content

لما عزم الحجاج بن يوسف على أن يجعل الديوان في العراق بالعربية قلَّد ذلك صالحًا بن عبد الرحمن، قال له مردانشاه بن زادان، وكان هو الكاتب الفارسي الذي كان ديوان العراق بيده، "قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية". [١] ولما عزم عبد الملك على نقل الديوان إلى العربية، كلف سليمان بن سعد بذلك، وكان مسؤول الديوان قبله سرجون بن منصور، والد يوحنا الدمشقي، وكان سرجون كاتبَ معاوية ويزيد ومروان ابن الحكم وعبد الملك بن مروان. فلما بلغ سرجون أمر تعريب الديوان في الشام، لقيه قوم من كتاب الروم فقال لهم: "اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم". [٢] [١] فتوح البلدان، البلاذري، دار الهلال، بيروت، الطبعة الأولى- ١٩٨٨م، ص٢٩٤. [٢] فتوح البلدان، ص١٩٣.

مفوض ضد التفويض! من أكثر المفارقات غرابة، أن تأخذ على أهل الكلام تمذهبهم باللاهوت السلبي، وهو وصف الإله بالسلوب، أو تأخذ موقفًا من التفويض، ثم تمارسه عمليًا إذا ما تعلق الأمر بالتاريخ والسياسة وهما من عمل وصفات البشر، أن يكون واقعك باستثناء هذا سلبًا في كل شأن، في السياسة لا ترى، وفي التاريخ مفوض، وفي القدر تسر، ترى ما أثمر لديك اتخاذك لموقف تجاه الوصف بالسلوب؟ أن تخوض حربًا معرفية في إثبات معنى الصفة إذا ما تعلق الأمر بالحديث عن الله، لكن ما أن ينحرف الحديث إلى بشر، تفوض كل معنى! ابن تيمية كان أكثر اتساقًا من هذا، فقد كتب في كل شأن وأسهب، ولم يمانع من الخوض في شأن، إجتماعيًا كان أو سياسيًا، أو تاريخيًا، كان يرى أن الموقف من التفويض يعم على جل ما يطيق البشر أن يتجادلوا فيه، لذا اعتبر التفويض شرَّ المذاهب، فمآله جعل القرآن غير معلوم المعنى، مع أن لكل كلماته معنى، فهو كلام بحرف وصوت، موضوعيًا هو واقع. فكيف يكون ما فيه لا معنى من ورائه، أو من يقول: لا نعلم ماذا تعني أصلا هذه اللفظة، ولا يجوز بحث معناها، فهو كمن يرى واقعةً موضوعيَّة أو تاريخًا ثم يمنع أن يكون لها معنى. فكيف بمن يقول: لا يجوز البحث في معنى واقع حدث أصلا! وفي القرآن تأكيد على أن الوقائع أدعى لأن تتدبَّر ويعتبر بها، فالاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه، فجل الوقائع التي يعرضها القرآن، لا يأتي منها شيء مفوض المعنى، بل لا يرد إلا بوصفه آية وعبرة وبينة، وكثير منها أحداث تحمل بعدًا سياسيًا، وجاءت فيه قابلة للفهم والاعتبار! صحيح أن باب الصفات والتاريخ، ليسا واحدًا، لكن العلة الجامعة بينهما هي تعطيل المعنى؛ فإذا كان ابن تيمية يرفض تفويض معاني نصوص الصفات لأنها تجعل الوحي غير مفهوم الدلالة، فمن باب أولى ألا يتحول التاريخ السياسي البشري، وهو أفعال بشرية ظاهرة، إلى مجال ممنوع من الفهم والاعتبار والتحليل. وقد جاء في الكتاب (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) فقوله (فاعتبروا يا أولي الأبصار) هي من الآيات التي جاءت بعد عرض واقعة سياسية، وهو ما تعلق ببني النظير، جماعة لها حصون، وديار، وتقدير للقوة، ينتهي أمرها بالإجلاء والهدم، فعرض عناصر الحدث، الديار والإخراج والحصون، والتقدير السياسي (وظنوا) والمفاجأة، والانهيار، فالقرآن ما عامل واقعا على أنه حدث ممتنع الدلالة، على خلاف ذلك، عامله كمادة للفهم والاعتبار. إن من يفوض التاريخ والسياسة تفويضا عمليا، فيجعل وقائع البشر الكبرى خارج الفهم والتحليل والاعتبار، لا يمارس ورعا بقدر ما يعطل وظيفة قرآنية أصيلة. لأن القرآن لم يورد الوقائع ليغلق معناها، وإنما ليكشف سننها، ويميز عللها، ويجعلها مادة للعبرة، فالورع المشروع هو أن لا يقال بغير علم، أما تحويل كبريات الأحداث منطقة صامتة، ومنع النظر في دلالات الصراع والسلطة والعدل والظلم والغلبة والانحراف، فيها، بل وفي قضايا نعيش آثارها في كل تفصيل، ما هو إلا خيانة لمذهب رفض التفويض، وتعطيل لامتداداته!