خطبة الجمعة القادمة
Открыть в Telegram
تقديم خطبة الجمعة بأسلوب راق مدعم بالأدلة تختار منها ما تشاء من العناصر.. تحت إشراف وحيد بالي
БольшеСтрана не указанаКатегория не указана
661
Подписчики
Нет данных24 часа
+47 дней
+7930 день
Архив постов
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ مَدَحَ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا الطَّعَامَ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَقُلُوبُهُمْ مُمْتَلِئَةٌ بِالْإِخْلَاصِ وَالرَّحْمَةِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».
رواه الطبراني وحسنه الألباني.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ مِيزَانَ الْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَلَا بِرَفِيعِ الْمَنَاصِبِ، بَلْ بِمِقْدَارِ النَّفْعِ الَّذِي يَصِلُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ.
فَيَا لِسَعَادَةِ مَنْ فَرَّجَ كُرْبَةً!
وَيَا لِفَوْزِ مَنْ أَطْعَمَ جَائِعًا!
وَيَا لِغِبْطَةِ مَنْ مَسَحَ دَمْعَةَ يَتِيمٍ!
وَيَا لِبَشَارَةِ مَنْ جَبَرَ قَلْبًا مَكْسُورًا!
وَلَوِ اطَّلَعَ الْعَبْدُ عَلَى مَا يُدَّخَرُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ثَوَابِ الْإِحْسَانِ لَبَذَلَ مَالَهُ وَجُهْدَهُ وَوَقْتَهُ فِي سَبِيلِ إِسْعَادِ الْخَلْقِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ...
إِنَّ الْبُيُوتَ لَا تُبْنَى بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنَّهَا تُبْنَى بِالْمَوَدَّةِ.
وَلَا تُحْفَظُ بِالْأَبْوَابِ، وَلَكِنَّهَا تُحْفَظُ بِالرَّحْمَةِ.
وَلَا تَدُومُ بِالْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهَا تَدُومُ بِالْإِحْسَانِ وَالْعَفْوِ وَالْحِلْمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقُومَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْأَنَانِيَّةِ، بَلْ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّضْحِيَةِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
رواه الترمذي وصححه الألباني.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ مُعَامَلَةً لِأَهْلِهِ، وَأَلْطَفُهُمْ بِأُسْرَتِهِ، وَأَرْحَمُهُمْ بِمَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ رِعَايَتِهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أُسَرِكُمْ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَوْلَادِكُمْ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي زَوْجَاتِكُمْ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
فَرُبَّ فَقِيرٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَدْعُو لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَتُفْتَحُ بِدُعَائِهِ أَبْوَابُ الرَّحْمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَنَا مَمْلُوءَةً بِالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ.
اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنَا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُحْتَاجِينَ، وَتَفْرِيجِ كُرَبِ الْمَكْرُوبِينَ، وَإِسْعَادِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَكَمْ مِنْ أَبٍ يَنْتَظِرُ بِرًّا!
وَكَمْ مِنْ مَحْرُومٍ يَنْتَظِرُ إِحْسَانًا!
فَاجْعَلُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ مَوْسِمًا لِلصِّلَةِ بَعْدَ الْقَطِيعَةِ، وَلِلْمَحَبَّةِ بَعْدَ الْجَفَاءِ.
فَإِنَّ الدُّنْيَا تَمْضِي، وَالْأَعْمَارَ تَنْقَضِي، وَالْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَالسَّعِيدُ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَقَلْبُهُ سَلِيمٌ، وَصَحِيفَتُهُ مَمْلُوءَةٌ بِالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالْإِحْسَانِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَكَ كَثِيرًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَلْسِنَتَنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَنَا، وَاجْعَلْ هَذِهِ الْأَيَّامَ شَاهِدَةً لَنَا لَا عَلَيْنَا.
الخطبة الثانية
التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ وَالْمُجْتَمَعِيُّ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَوَدَّةَ نِعْمَةً تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ، وَجَعَلَ الرَّحْمَةَ رَحِيقًا تَحْيَا بِهِ الْأُرْوَاحُ، وَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً يَتَرَاحَمُونَ وَيَتَحَابُّونَ وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْقُرْبِ مِنْهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الرَّاحِمِينَ، وَقُدْوَةُ الْمُحْسِنِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ...
مَا أَشَدَّ فَقْرَ الْقُلُوبِ إِلَى الْمَحَبَّةِ، وَمَا أَعْظَمَ حَاجَةَ الْأُسَرِ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَمَا أَحْوَجَ الْمُجْتَمَعَ إِلَى قُلُوبٍ تُحْسِنُ وَلَا تُسِيءُ، وَتُصْلِحُ وَلَا تُفْسِدُ، وَتَجْمَعُ وَلَا تُفَرِّقُ.
فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ كَانَ مَلِيئًا بِالسَّعَادَةِ ثُمَّ أَذْبَلَتْهُ الْقَسْوَةُ!
وَكَمْ مِنْ أُسْرَةٍ كَانَتْ تَعِيشُ فِي أُنْسٍ وَمَوَدَّةٍ ثُمَّ تَسَلَّلَتْ إِلَيْهَا الْأَنَانِيَّةُ فَفَرَّقَتْهَا!
وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ كَانَ مَلِيئًا بِالنُّورِ ثُمَّ أَظْلَمَتْهُ الْخُصُومَاتُ وَالضَّغَائِنُ!
وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ النَّاسَ ابْتَعَدُوا عَنْ يَنَابِيعِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ، وَغَفَلُوا عَنْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا فَقَطْ، بَلْ هِيَ قَلْبٌ يَرْحَمُ، وَنَفْسٌ تَعْفُو، وَيَدٌ تُحْسِنُ، وَلِسَانٌ يَطِيبُ.
عِبَادَ اللَّهِ...
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ أَنْ تَحْيَا الْأُسَرُ مُتَحَابَّةً، وَالْبُيُوتُ مُتَرَابِطَةً، وَالْمُجْتَمَعُ مُتَآلِفًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلِ الرَّابِطَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ رَابِطَةَ الْمَصْلَحَةِ وَلَا الْمَنْفَعَةِ، بَلْ جَعَلَهَا رَابِطَةَ الْأُخُوَّةِ الَّتِي تَبْقَى عِنْدَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَعِنْدَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَعِنْدَ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.
فَالْمُؤْمِنُ لَا يَعِيشُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا، وَلَا يَفْرَحُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ هَمَّ إِخْوَانِهِ، وَيَسْعَى فِي نَفْعِهِمْ، وَيُشَارِكُهُمْ أَفْرَاحَهُمْ وَأَتْرَاحَهُمْ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...
إِنَّ أَيَّامَ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ مَوْسِمًا لِلْمَطَاعِمِ وَالْمَلَاهِي فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مَوْسِمٌ لِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ، وَتَجْدِيدِ الْعُهُودِ، وَإِحْيَاءِ الْمَعَانِي الْإِيمَانِيَّةِ الْعَظِيمَةِ.
هِيَ أَيَّامٌ يَنْبَغِي أَنْ تَمْتَلِئَ فِيهَا الْبُيُوتُ بِالْمَوَدَّةِ، وَالْقُلُوبُ بِالرَّحْمَةِ، وَالْمَجَالِسُ بِالذِّكْرِ، وَالْأَيْدِي بِالْإِحْسَانِ.
فَكَمْ مِنْ مِسْكِينٍ يَنْتَظِرُ لُقْمَةً!
وَكَمْ مِنْ يَتِيمٍ يَنْتَظِرُ بَسْمَةً!
وَكَمْ مِنْ أَرْمَلَةٍ تَنْتَظِرُ يَدًا تَمْسَحُ دَمْعَتَهَا!
وَكَمْ مِنْ مَكْرُوبٍ يَنْتَظِرُ كَلِمَةَ مُوَاسَاةٍ تُخَفِّفُ أَلَمَهُ!
فَهَلْ نَجْعَلُ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ أَفْرَاحِنَا؟
هَلْ نَجْعَلُ لَهُمْ حَظًّا مِنْ أَمْوَالِنَا؟
هَلْ نَجْعَلُ لَهُمْ مَكَانًا فِي دُعَائِنَا وَاهْتِمَامِنَا؟
عِبَادَ اللَّهِ...
إِنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ لَيْسَ فَضْلًا زَائِدًا، بَلْ هُوَ عُنْوَانُ الْإِيمَانِ، وَدَلِيلُ صِدْقِ الْإِحْسَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾.
خطبة الجمعة ١٢ذو الحجة ١٤٤٧
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الذِّكْرَ حَيَاةَ الْقُلُوبِ، وَنُورَ الدُّرُوبِ، وَأُنْسَ الْمُحِبِّينَ، وَرَبِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الذَّاكِرِينَ، وَإِمَامِ الشَّاكِرِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، هَذِهِ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، سَرِيعَةُ الْمَرُورِ، قَلِيلَةُ الْبَقَاءِ، يَطْوِيهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ طَيًّا، وَيَطْوِي مَعَهَا صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ طَيًّا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ مَلَأَهَا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَوَيْلٌ لِغَافِلٍ أَضَاعَهَا فِي اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَالْأَوْهَامِ.
يَا مَنْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِالْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ، هَلْ تَفَكَّرْتَ لِمَاذَا أَمَرَكَ اللَّهُ فِيهَا بِالذِّكْرِ؟ وَلِمَاذَا خَصَّهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾؟
لِأَنَّ الذِّكْرَ هُوَ رُوحُ الْعِبَادَاتِ، وَسِرُّ الْقُرُبَاتِ، وَغَايَةُ الطَّاعَاتِ، وَمَا شُرِعَتِ الْمَنَاسِكُ إِلَّا لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الْمَنَاسِكِ الْعَظِيمَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الْحَرَكَاتِ وَالِانْتِقَالَاتِ، بَلْ إِقَامَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمُهُ فِي الْقُلُوبِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ أَيَّامَ غَفْلَةٍ، وَلَا أَيَّامَ لَهْوٍ مُجَرَّدٍ، وَلَكِنَّهَا أَيَّامُ شُكْرٍ وَذِكْرٍ وَعِبَادَةٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ» رواه مسلم.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْعَلِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ غَايَةً، بَلْ قَرَنَهُمَا بِذِكْرِ اللَّهِ؛ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا إِنَّمَا تَكْمُلُ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ سُبْحَانَهُ.
فَكَمْ مِنْ نَاسٍ يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْكُرُونَ، وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَذْكُرُونَ، وَيَتَقَلَّبُونَ فِي النِّعَمِ وَقُلُوبُهُمْ عَنِ الْمُنْعِمِ غَافِلَةٌ!
أَمَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ فَإِذَا أَكَلُوا حَمِدُوا، وَإِذَا شَرِبُوا شَكَرُوا، وَإِذَا تَقَلَّبُوا فِي النِّعَمِ ازْدَادُوا خُضُوعًا وَتَوَاضُعًا وَانْكِسَارًا.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ.
فَكَبِّرُوا اللَّهَ تَعْظِيمًا، وَهَلِّلُوهُ تَوْحِيدًا، وَاحْمَدُوهُ شُكْرًا، وَسَبِّحُوهُ تَنْزِيهًا.
كَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَاحْمَدُوهُ عَلَى مَا أَوْلَاكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ اللَّهَ رَتَّبَ الْمَغْفِرَةَ وَالْأَجْرَ الْعَظِيمَ عَلَى كَثْرَةِ الذِّكْرِ، فَكُلَّمَا عَظُمَ ذِكْرُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ، عَظُمَ نَصِيبُهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالثَّوَابِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
وَمَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَى أَنْ نُجَدِّدَ عَهْدَنَا مَعَ اللَّهِ.
كَمْ مِنْ حَاجٍّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَبْكِي!
وَكَمْ مِنْ حَاجٍّ رَمَى الْجِمَارَ وَهُوَ يُعَاهِدُ اللَّهَ عَلَى هَجْرِ الذُّنُوبِ!
وَكَمْ مِنْ حَاجٍّ نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَقَلْبُهُ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ!
فَهَلْ نَحْفَظُ تِلْكَ الْعُهُودَ بَعْدَ الْمَوْسِمِ؟
أَمْ نَنْقُضُهَا عِنْدَ أَوَّلِ شَهْوَةٍ وَأَوَّلِ غَفْلَةٍ وَأَوَّلِ فِتْنَةٍ؟
إِنَّ الْمَقْبُولَ لَيْسَ مَنْ بَكَى يَوْمًا، وَلَكِنْ مَنْ اسْتَقَامَ عُمْرًا.
وَلَيْسَ الْمُوَفَّقُ مَنْ أَكْثَرَ الْعِبَادَةَ فِي الْمَوْسِمِ فَقَطْ، وَلَكِنْ مَنْ دَاوَمَ عَلَى الطَّاعَةِ بَعْدَ الْمَوْسِمِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَرْفَعُ الْبَرَكَةَ فِي الْبُيُوتِ، وَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ فِي الْأُسَرِ، وَيُشِيعُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ الْعِبَادِ: صِلَةَ الْأَرْحَامِ.
فَكَمْ مِنْ رَحِمٍ مَقْطُوعَةٍ تَنْتَظِرُ اتِّصَالًا!
وَكَمْ مِنْ أَخٍ يَنْتَظِرُ كَلِمَةً!
وَكَمْ مِنْ أُمٍّ تَنْتَظِرُ زِيَارَةً!
فالإحسان حتى إلى البهائم من دلائل رحمة الإسلام.
---
سابعًا: أن يباشر الذبح بنفسه إن استطاع
فهذا أفضل وأعظم أجرًا، اقتداءً بالنبي ﷺ.
فإن لم يُحسن الذبح فلا حرج أن يوكِّل غيره، ويستحب أن يشهد أضحيته.
---
ثامنًا: الأكل من الأضحية
يستحب أن يأكل المسلم من أضحيته.
قال تعالى:
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
وكان النبي ﷺ يأكل من أضحيته.
وفي ذلك إظهارٌ للنعمة، ومشاركةٌ للأهل والولد في هذه الشعيرة المباركة.
---
تاسعًا: توزيع الأضحية وإدخال السرور على الفقراء
ومن أجمل مقاصد الأضحية: إغناء الفقراء، وإدخال السرور على المسلمين.
قال تعالى:
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
ويستحب أن تُقسم أثلاثًا:
ثلث للأكل.
وثلث للهدية.
وثلث للصدقة.
وليس ذلك واجبًا، بل لو تصدق بأكثرها أو أكل أكثرها جاز.
لكن الأفضل أن ينظر إلى حاجة الفقراء.
---
عاشرًا: عدم بيع شيء من الأضحية
فلا يجوز بيع لحمها، ولا جلدها، ولا شيء منها.
قال علي رضي الله عنه:
«أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وجلالها، وألا أعطي الجزار منها شيئًا» رواه البخاري ومسلم.
فإن أراد إعطاء الجزار، أعطاه من باب الأجرة أو الهدية، لا من مقابل العمل.
---
الحِكَمُ الإيمانية من الأضحية
يا عبد الله…
ليست الأضحية مجرد لحمٍ يُؤكل.
بل هي عبوديةٌ وتوحيد.
قال تعالى:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
فالمقصود الأعظم: خشوع القلب، وتعظيم الرب، وإحياء سنة الخليل.
تذكر وأنت تذبح: أن إبراهيم عليه السلام قدَّم محبة الله على محبة الولد.
وتذكر: أن الدماء التي تُراق لله شعارُ استسلامٍ وطاعة.
وتذكر الفقراء والمحتاجين، وأهل البيوت التي لا تجد اللحم إلا في هذه المواسم.
فربَّ لقمةٍ أدخلت سرورًا على يتيم، كانت سببًا في رحمة الله بك يوم القيامة.
---
اللهم تقبل من المسلمين أضاحيهم، واجعلها خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا الإخلاص والاتباع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكم من أناسٍ اليوم ضاعوا بين الخلق؛ لأنهم فقدوا الثقة بالخالق!
---
يا عبد الله…
إن السعي بين الصفا والمروة لم يُشرع تخليدًا لركض الأقدام، بل تخليدًا لصدق التوكل.
فالله يحب منك أن تسعى، وإن كان الفرج من عنده وحده.
هاجرُ سعت، ولم يكن الماء تحت الصفا ولا المروة… بل كان تحت قدم الطفل!
ولكن الله أراد أن يعلم الخلق أن الأرزاق تُنال بالسعي مع التوكل.
---
وتأمل ـ رحمك الله ـ كيف أن الله أخرج زمزم من أرضٍ قاحلة.
ليعلمك أن الفرج قد يخرج من قلب البلاء نفسه.
فلا تيأس إن اشتدت عليك الكروب.
فكم من زمزمٍ مخبوءة تحت صخور المحن!
---
يا من تشكو تأخر الولد…
تأمل حال إبراهيم.
رزقه الله إسماعيل بعد كِبَر.
فإذا أبطأ عنك رزقٌ فلا تتهم تدبير الله.
فإن الذي يعطي في الوقت الذي يريده، أعلمُ بما يصلحك.
---
وانظر إلى تربية الأنبياء…
إبراهيمُ ربَّى ولدَه على الاستسلام لله، حتى قال عند الذبح:
﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
فأين نحن من هذه التربية؟
كم من أبٍ ربَّى ولدَه على الدنيا، ثم بكى حين وجده بعيدًا عن الله!
---
يا غافل…
إن إبراهيمَ لم يقدِّم ولدَه للذبح لأن قلبه قاسٍ، بل لأنه أحبَّ الله أكثر.
فكلُّ محبوبٍ يزاحم محبةَ الله، فمصيره إلى الفناء.
ومن قدَّم الله على هواه، عوَّضه الله خيرًا مما ترك.
---
وتأمل كيف أن الله لم يأمر إبراهيمَ بذبح ولده ليُريق دمه، وإنما ليُخرج من قلبه تعلُّقَه بغير الله.
فإذا صفا القلبُ لله، جاء الفرج.
وهكذا يبتليك الله أحيانًا…
لا ليعذبك، بل ليطهرك.
---
يا من أرهقته الدنيا…
اذهب بقلبك إلى مكة.
تذكر أمًّا وحيدةً في صحراء، وطفلًا عطشان، وأبًا مكلومًا، ثم انظر كيف جعل الله من ذلك الوادي قبلةً للعالمين.
فربُّ الصحراء هو ربُّك.
وربُّ زمزم قادرٌ أن يفجر لك من الضيق فرجًا، ومن الكرب نورًا، ومن اليأس حياة.
---
اللهم ارزقنا يقينَ هاجر، وطاعةَ إبراهيم، وصبرَ إسماعيل، واجعل قلوبنا معلقةً بك وحدك يا رب العالمين.
آدابُ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ وَتَوْزِيعِهَا
الحمد لله الذي شرع لعباده شعائرَ الإيمان، وجعل في الأضاحي إحياءً لسنَّة الخليل إبراهيم عليه السلام، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ الذي ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وقال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ» رواه البخاري ومسلم.
أما بعد:
فإن للأضحية آدابًا عظيمة، وسننًا جليلة، ينبغي للمسلم أن يتعلمها؛ حتى يؤدي هذه الشعيرة بقلبٍ معظمٍ لله، ممتثلٍ لسنة رسول الله ﷺ.
---
أولًا: الإخلاص لله تعالى
فأعظم آداب الأضحية أن يُخلص العبد فيها لله وحده، فلا يذبح رياءً، ولا مفاخرةً، ولا طلبًا لمدح الناس.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالذبح عبادة، والعبادة لا تُقبل إلا بالإخلاص.
وكم من ذابحٍ نال الأجر العظيم، وكم من ذابحٍ لم ينل إلا التعب؛ لأن قلبه تعلَّق بنظر الناس لا بنظر الله.
---
ثانيًا: اختيار الأضحية السليمة الطيبة
فينبغي أن يختار المسلم أطيب الأضاحي وأحسنها؛ تعظيمًا لشعائر الله.
قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ونهى النبي ﷺ عن العيوب الظاهرة، فقال:
«أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والعجفاء التي لا تُنقي» رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
فلا يليق أن يتقرب العبد إلى الله بمعيبٍ رديء، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
---
ثالثًا: عدم أخذ الشعر والأظافر لمن أراد الأضحية
فإذا دخلت عشر ذي الحجة، وأراد المسلم أن يضحي، استحب له أن يمسك عن شعره وأظافره حتى يذبح أضحيته.
قال ﷺ:
«إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا» رواه مسلم.
وهذا من تعظيم هذه الأيام المباركة.
---
رابعًا: الذبح في الوقت المشروع
ووقت الأضحية يبدأ بعد صلاة العيد.
قال النبي ﷺ:
«مَنْ ذَبَحَ قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومَنْ ذَبَحَ بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» رواه البخاري ومسلم.
ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس آخر أيام التشريق على الراجح.
---
خامسًا: التسمية والتكبير عند الذبح
فيقول عند الذبح:
بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني ومن أهل بيتي.
وقد ضحى النبي ﷺ وقال:
«بسم الله، والله أكبر» رواه البخاري.
---
سادسًا: الإحسان إلى الأضحية وعدم تعذيبها
وهذا من أعظم الآداب التي غفل عنها كثير من الناس.
قال ﷺ:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم.
فلا يجوز:
شحذ السكين أمامها.
أو ذبح واحدة أمام الأخرى.
أو تعذيبها بالصراخ والضرب.
أو سلخها قبل أن تبرد وتموت.
خطبة عيد الأضحى ١٤٤٧
التضحية والفداء
الخليلُ في وادي القَفْرِ
مِنْ دَمْعَةِ هَاجَرَ… إلى ذِبْحِ إسماعيلَ
خرج الخليلُ إبراهيمُ عليه السلام من أرض الشام، وقد حمل في قلبه أمرًا أثقل من الجبال، وأوجع من فراق الأرواح للأجساد.
يمشي ومعه هاجرُ وابنُها الرضيع إسماعيل، حتى بلغ واديًا موحشًا لا أنيس فيه، ولا ماء، ولا ظل، ولا خيمة، ولا حياة.
كانت مكةُ يومئذٍ صحراءَ عاريةً، تلفحها الشمسُ لفحًا، وتدور فيها الرياحُ كأنها أنفاسُ الهجير.
جبالٌ صامتةٌ سوداء، ووادٍ مقفرٌ لا يُسمع فيه إلا صفيرُ الريح، ولا يُرى فيه إلا الرمالُ والحجارة.
هنالك…
أوقف إبراهيمُ عليه السلام راحلته.
وأنزل هاجرَ وطفلَها الصغير.
ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء.
ثم استدار راجعًا…
أيُّ قلبٍ ذاك الذي يمشي ويترك فلذةَ كبده في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء؟!
أيُّ يقينٍ ذاك الذي يغلب عاطفةَ الأبوة، ويُسكت صراخ الرحمة في صدر الأب؟!
تعلقت هاجرُ بثوبه، وقالت وقلبُها يرتجف خوفًا:
إلى مَن تتركنا يا إبراهيم؟!
فلم يلتفت…
أعادت السؤال، والطفلُ يبكي، والوادي موحش، والصحراء تمتدُّ إلى ما لا نهاية.
فقالت:
آللهُ أمرك بهذا؟
فوقف الخليلُ…
ثم قال في يقين المؤمنين:
نعم.
فقالت الكلمةَ التي لو وُزنت بإيمان أمةٍ لرجحتها:
إذًا لا يضيِّعنا الله.
الله أكبر…
ما أعظمها من امرأة!
وما أصدقها من ثقة!
وما أجلَّها من عقيدةٍ تُولد وسط الصحراء!
ثم مضى إبراهيمُ عليه السلام، حتى إذا بلغ موضعًا لا يرونه عند ثنية كداء، رفع يديه إلى السماء، وقلبُه يتفطر شوقًا ورحمةً، وقال:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
لم يقل: ليأكلوا.
ولا: ليشربوا.
ولا: ليعيشوا.
بل قال:
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
فغايةُ الحياة عند الأنبياء: عبوديةُ الله.
ومضى الخليل…
وبقيت هاجرُ وحدها.
يمرُّ الوقت، ويقلُّ الماء، ويشتدُّ عطشُ الرضيع.
ثم نفد الماء…
وجفَّ اللبن…
وأخذ إسماعيلُ يتلوى من العطش.
يا الله…
أمٌّ ترى ولدَها يموت أمامها، ولا تملك له قطرة ماء!
فقامت هاجرُ تسعى.
صعدت الصفا، تنظر: هل ترى أحدًا؟
فلا أحد…
فنزلت مسرعةً حتى بلغت الوادي، ثم صعدت المروة.
ثم عادت.
سبع مرات…
قلبُ أمٍّ يركض قبل قدميها.
ولهذا خُلِّد سعيُها إلى يوم القيامة.
لم يكن السعيُ مجرد حركة جسد…
بل كان عبوديةَ اضطرار، ويقينَ افتقار، ولهفةَ أمٍّ مؤمنة.
فلما انتهت، وإذا بجبريلَ عليه السلام يضرب الأرض بجناحه أو بعقبه، فانفجرت زمزم.
تفجرت الحياة من قلب الصحراء!
خرج الماءُ رقراقًا مباركًا، كأن الرحمةَ الإلهية قد شقَّت الأرضَ شقًّا.
فجعلت هاجرُ تحوِّط الماء وهي تقول: زم زم… أي اجتمع.
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال:
«يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينًا معينًا».
فشربت، وأرضعت ولدها، وعادت الحياة إلى الوادي.
ثم مرت قبيلةُ جُرهُم، فرأوا الطير تحوم، فعلموا أن بالمكان ماءً، فجاؤوا واستأذنوا هاجر في النزول.
وهكذا…
من دمعةِ أمٍّ صابرة، نشأت مكة.
ومن رضيعٍ عطشان، خرج نورُ النبوة.
وكبر إسماعيلُ عليه السلام…
نشأ قويًّا كريمًا، صادقًا، صبورًا، قد ربَّته الصحراءُ على التوحيد، وربَّته أمُّه على اليقين.
ثم عاد إبراهيمُ بعد سنين…
يا له من لقاء!
أبٌ غاب أعوامًا عن ولده، ثم رآه شابًّا يسعى.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾.
هنا جاءت المحنة الكبرى…
رأى إبراهيمُ في المنام أنه يذبح ابنه.
ورؤيا الأنبياء وحي.
أيُّ بلاءٍ هذا؟!
الولدُ الذي جاء بعد طول حرمان…
والولدُ الذي تُرك في الصحراء صغيرًا…
والولدُ الذي تعلقت به الروح…
الآن يُؤمر الأب بذبحه بيده!
لكنها العبودية الكاملة…
قال:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾.
فما أعظم جواب الابن!
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
يا الله…
أبٌ مستسلم، وابنٌ مستسلم.
بيتٌ كاملٌ سلَّم نفسَه لله.
فلما أخذه إلى موضع الذبح، وجعل السكين على رقبة ولده، نادى الله:
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
وفُدي إسماعيلُ بذبحٍ عظيم.
فصار يومُ الذبح عيدًا للتوحيد، ورايةً للاستسلام لله رب العالمين.
ثم رفع إبراهيمُ وإسماعيلُ قواعد البيت.
أبٌ وابنُه يبنيان الكعبة، وقلوبُهما ترتجف إخلاصًا:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
ولم يزالا يبنيان حتى قام البيتُ الذي تهوي إليه القلوب
أما إبراهيمُ الخليل، فقد بقي ذكرُه يملأ الأرض توحيدًا وإيمانًا، وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب.
---
العِبَرُ وَالْمَوَاعِظُ
على طريقة الوعظ والتذكير
يا هذا…
إن كنت تبحث عن اليقين، فانظر إلى هاجر في قلب الصحراء.
امرأةٌ لا جيش معها، ولا مال، ولا بشر… ولكن معها الله.
فما ضاعت.
فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْأَبْوَابَ مَفْتُوحَةٌ، وَالرَّحْمَاتِ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمَلِكَ الْكَرِيمَ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟
ادْعُوا لِأَنْفُسِكُمْ، وَلِوَالِدِيكُمْ، وَلِأَوْلَادِكُمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ.
ادْعُوا وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ.
وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ:
«لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: أَحْوَالُ السَّلَفِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعْرِفُونَ قَدْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ بِقُلُوبٍ وَجِلَةٍ، وَأَعْيُنٍ بَاكِيَةٍ.
كَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا جَاءَ يَوْمُ عَرَفَةَ لَا يُرَى إِلَّا بَاكِيًا، يَقُولُ:
«مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي هٰذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى يُغْفَرُ لَهُ؟».
اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَيُّ قَلْبٍ هٰذَا؟
وَأَيُّ شُعُورٍ بِالْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ؟
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ أَعْظَمَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِمْ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ تُغْفَرْ ذُنُوبُهُمْ؟
يَا مِسْكِينَ الذُّنُوبِ،
لَا تَدَعْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَمُرُّ وَقَلْبُكَ مُعَلَّقٌ بِالدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَالْعُمُرَ يَنْقَضِي، وَالْقَبْرَ يَنْتَظِرُ، وَاللَّهُ يَدْعُوكَ إِلَى بَابِهِ.
الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: أَعْمَالٌ تُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ هٰذَا الْيَوْمِ:
التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ.
الصِّيَامُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ.
الْإِكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.
الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ.
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
الصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ.
صِلَةُ الْأَرْحَامِ.
تَرْكُ الْخُصُومَاتِ وَالْمَظَالِمِ.
فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَا تَصْفُو حَتَّى تَتَخَلَّصَ مِنْ أَوْسَاخِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ.
الْخَاتِمَةُ
فَيَا مَنْ أَدْرَكْتَ يَوْمَ عَرَفَةَ، هَنِيئًا لَكَ إِنْ عَرَفْتَ قَدْرَهُ.
وَيَا مَنْ بَلَّغَكَ اللَّهُ هٰذَا الْمَوْسِمَ، فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ.
لَعَلَّهُ آخِرُ عَرَفَةَ فِي حَيَاتِنَا.
لَعَلَّنَا فِي الْعَامِ الْقَادِمِ نَكُونُ تَحْتَ التُّرَابِ، قَدِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ، وَأُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ.
فَاغْتَنِمُوا السَّاعَاتِ، وَاسْتَدْرِكُوا الْبَاقِيَ مِنَ الْأَعْمَارِ، وَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَغْفُورِ لَهُمْ، وَمِنَ الْمُعْتَقِينَ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْمَقْبُولِينَ الْفَائِزِينَ.
اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
خطبة الجمعة ٥ذي الحجة ١٤٤٧
يوم عرفة
يوم المباهة الإلهية
خُطْبَةٌ عَنْ فَضَائِلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَعْمَالِهِ
الحمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَخَصَّ بَعْضَ الْأَيَّامِ بِمَزِيدِ الْفَضْلِ وَالْبَرَكَاتِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: يَوْمُ عَرَفَةَ… يَوْمُ الرَّحْمَةِ الْعُظْمَى
عِبَادَ اللَّهِ، مَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟
يَوْمٌ تَنْزِلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتُقَالُ فِيهِ الْعَثَرَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهِ الزَّلَّاتُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ فِيهِ بِعِبَادِهِ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ.
يَوْمٌ تَرَى فِيهِ الْجِبَالَ قَدِ امْتَلَأَتْ بِالْبَاكِينَ، وَالْوِهَادَ قَدِ ارْتَفَعَ مِنْهَا أَنِينُ التَّائِبِينَ، وَالْقُلُوبُ فِيهِ بَيْنَ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ، وَبَيْنَ دَمْعَةٍ وَدَعْوَةٍ، وَبَيْنَ زَفْرَةِ نَدَمٍ وَرَجَاءِ عَفْوٍ مِنَ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ.
يَوْمُ عَرَفَةَ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَيْسَ يَوْمًا عَادِيًّا، بَلْ هُوَ يَوْمُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، يَوْمُ الْقُرْبِ مِنَ الْغَفَّارِ، يَوْمُ انْكِسَارِ الْقُلُوبِ بَيْنَ يَدَيِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَكْثَرُ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقَابَ مِنْ جَهَنَّمَ!
فَأَيْنَ الْمُشَمِّرُونَ؟
أَيْنَ الْبَاكُونَ؟
أَيْنَ مَنْ أَثْقَلَتْهُمُ الذُّنُوبُ وَالْخَطَايَا؟
هَذَا يَوْمُكُمْ… فَلَا تُضَيِّعُوهُ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِيُ: يَوْمُ إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ
يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، آيَةٌ لَوْ نَزَلَتْ عَلَى أُمَّةٍ غَيْرِنَا لَاتَّخَذُوا يَوْمَ نُزُولِهَا عِيدًا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:
نَزَلَتْ:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ.
فَيَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ عَظِيمٍ!
اكْتَمَلَ فِيهِ الدِّينُ، وَتَمَّتْ فِيهِ النِّعْمَةُ، وَرَضِيَ اللَّهُ فِيهِ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا.
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ هَذَا الْيَوْمُ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ؟
كَيْفَ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ يَشْغَلَهُ فِيهِ لَهْوٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ لَعِبٌ؟
إِنَّهُ يَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَتَذِلَّ فِيهِ النُّفُوسُ، وَتَنْهَمِرَ فِيهِ الدُّمُوعُ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: فَضْلُ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ
عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ هَذَا الْيَوْمِ: الصِّيَامُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ:
«أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
سَنَتَانِ مِنَ الذُّنُوبِ تُغْفَرُ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ!
فَمَا أَعْظَمَ كَرَمَ اللَّهِ!
وَمَا أَوْسَعَ رَحْمَتَهُ!
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الْمَعَاصِي…
يَا مَنْ بَعُدَتْ بِكَ الطَّرِيقُ…
يَا مَنْ أَظْلَمَتْ عَلَيْكَ أَيَّامُكَ بِالذُّنُوبِ…
هَذَا يَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَكَ فِيهِ.
فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ هٰذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ.
أَمَّا الْحَاجُّ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَصُومَ؛ لِيَتَقَوَّى عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْوُقُوفِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
يَا أَحِبَّةَ الْقُلُوبِ الْمُنِيبَةِ،
إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ دُعَاءٍ وَابْتِهَالٍ، يَوْمُ انْكِسَارٍ وَسُؤَالٍ، يَوْمُ مَدِّ الْأَكُفِّ إِلَى السَّمَاءِ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ».
