رسالة المنبر || د. محمد سعيد بكر
رفتن به کانال در Telegram
2 630
مشترکین
+324 ساعت
-67 روز
-1430 روز
آرشیو پست ها
وهذه المعاناة التي يجدها هؤلاء الأوائل الأبطال وغيرهم يجدون ما يقابلها عند الله وعند الناس ولو بعد حين.
✅ إننا نفرح كثيراً عند إعلان النتائج المدرسية أو الجامعية أو عند إشهار أسماء الفائزين في المسابقات المتنوعة حين نرى أبناءنا قد نجحوا وتفوقوا .. وتزداد الفرحة حينما نرى أسماء أبنائنا على رأس قائمة المتفوقين .. فما أسعدنا يوم القيامة كذلك إن كان مِن أبنائنا سابقٌ في الخيرات، مبادرٌ في الطاعات، أوَّلٌ في البذل والتضحيات.
🤲 رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 🤲
👈 أول ما يُحاسب عليه العبد؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ" أخرجه الترمذي صحيح.
👈 أول ما يُقضى بين الناس؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ" أخرجه البخاري.
👈 أول زمرة تدخل الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أوَّلُ زُمرةٍ تَدخُلُ الجَنَّةَ على صورةِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ، والذينَ على إثرِهم كَأشَدِّ كَوكَبٍ إضاءةً، قُلوبُهم على قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ، لا اختِلافَ بينَهم ولا تَباغُضَ، لكُلِّ امرِئٍ منهم زَوجَتانِ، كُلُّ واحِدةٍ منهما يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ لَحمِها مِنَ الحُسنِ، يُسَبِّحونَ اللهَ بُكرةً وعَشيًّا، لا يَسقَمونَ، ولا يَمتَخِطونَ، ولا يَبصُقونَ .." أخرجه البخاري.
👈 أول من يُكسى يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ" أخرجه البخاري.
👈 أول من يُفتح له باب الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ" أخرجه مسلم.
👈 أول من يُدعى يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى آدَمُ" أخرجه البخاري.
👈 أول من يتعرض للحساب والعذاب؛ ثلاثة رجال أساءوا استخدام النعمة، وكانوا مُرائين، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يَومَ القيامةِ عليه رَجُلٌ استُشهدَ .. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَه، وقَرَأ القُرآنَ .. ورَجُلٌ وسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه مِن أصنافِ المالِ كُلِّه .. " أخرجه مسلم.
👈 أول من ابتدع عبادة الأصنام في الجزيرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أولَ من سيَّبَ السَّوائبَ (جعل الأنعام متروكة خالصة للآلهة المزعومة)، وعبَد الأصنامَ أبو خزاعةَ عَمرو بنُ عامرٍ، وإني رأيتُه في النارِ يجُرُّ أمعاءَه فيها" أخرجه أحمد وهو صحيح.
✅ وبعد هذه الجولة في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا بوضوح ما يأتي من المعاني حول الأولية:
1⃣ الأولية في الخير شرف وتوفيق لأصحابها، فهنيئاً لهم.
2⃣ الأولية في الشر مفسدة وبلاء ومهلكة لأصحابها.
3⃣ العقلاء يسعون لتحصيل الأولية في كل خير، بكل ما يملكون من طاقة، فإن حصلوا على السبق والأولية فبها ونعمت، وإلا فإن هذا لا يمنعهم من متابعة طريق الخير والبر والمعروف ولو وصلوا أخيراً، فالخير ليس فيمن سبق فحسب، بل هو أيضاً فيمن صدق، ولو تأخر عن الركب.
4⃣ معظم الناس يترددون في طلب الأولية والسبق في البر والخير، لِمَا قد يترتب على ذلك مِن بذل وتضحية، وهذا التردد يحرمهم من شرف السبق، فالغُرم بالغُنم، وهنيئاً للمبادرين، والله لا ينسى سبق السابقين، قال تعالى: "لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (الحديد: 10).
5⃣ السابقون في الشر والظلم والسوء يحملون أوزار مَن يسير على خطاهم إلى يوم القيامة، وعلى العكس مِن ذلك السابقون في البر والمعروف، قال صلى الله عليه وسلم: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أُجورِهم شَيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً، كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ" أخرجه مسلم.
✅ ثمة أبواب من أبواب البر والخير تزاحم عليها الناس لسهولتها أو سلامة القيام بها، كأبواب النوافل وإطعام المساكين، وكفالة الأيتام والمحتاجين، وثمة أبواب شاغرة تتطلب همة وبذلاً وسعياً وسبقاً، ومن تلك الأبواب التي تحتاج الفوز بالأولية ما يأتي:
1⃣ أبواب دعوة وهداية غير المسلمين في بلاد الله النائية البعيدة.
2⃣ أبواب الصدع بالحق في وجوه المستبدين، فوق كل أرض وتحت كل سماء.
3⃣ أبواب استثمار الأموال والطاقات في خدمة أعمال البر القائمة والقادمة.
4⃣ أبواب كشف الأعداء وتعرية المفسدين، واستبانة سبيل المجرمين.
5⃣ أبواب كفالة الدعاة والعلماء والمجاااهدين.
👌وختاماً👌
✅ من جميل ما قاله أبو العتاهية في السبق والأولية:
لِلناسِ في السَبقِ بَعدَ اليَومِ مِضمارُ
وَالمُنتَهى جَنَّةٌ لا بُدَّ أَو نارُ
المَوتُ حَقٌّ وَلَكِن لَم أَزَل مَرِحاً
كَأَنَّ مَعرِفَتي بِالمَوتِ إِنكارُ
إِنّي لَأَعمُرُ داراً ما لِساكِنِها
أَهلٌ وَلا وَلَدٌ يَبقى وَلا جارُ
فَبِئسَتِ الدارُ لِلعاصي لِخالِقِهِ
وَهيَ لِمَن يَتَّقيهِ نِعمَتِ الدارُ
✅ وبقدر ما يبذل الأوائل في كل خير مِن جهود، ينالون يوم القيامة مِن أجور، فالأجر على قدر المشقة والمنفعة .. فأول مُهتدٍ في أسرة فاسدة يجد صعوبة ويُعاني، وأول حافظ للقرآن في بلدة نائية يعاني، وأول متصدق بين التجار في سوق شحيح يعاني ..
الأَوَائِل .. ✍️
رسالة المنبر ٢١-٤-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ يلفت القرآن الكريم والسنة النبوية انتباهنا إلى الأولية والسبق في بعض الأمور، وذلك لأهميتها، وتأكيد قيمة المبادرة والسبق، أو لغيرها من المعاني، لأجل ذلك صار من الواجب القيام بجولة في معاني (الأولية) في القرآن والسنة الصحيحة، وذلك على النحو الآتي:
✅ أولاً: الأولية في القرآن الكريم:
👈 بيان أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء؛ قال تعالى: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الحديد: ٣).
👈 التحذير من الأولية في الشر والسوء؛ قال تعالى: "وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ" (البقرة: ٤١).
👈 بيان أول بيت للعبادة؛ قال تعالى: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ" (آل عمران: ٩٦).
👈 التأكيد على شرف الأولية والسبق في الإسلام؛ قال تعالى: "قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (الأنعام: ١٤).
👈 التأكيد على شرف الأولية والسبق في الإيمان؛ قال تعالى: "لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام: ١٦٣).
👈 كشف التعاتب المتبادل بين الأول (المتبوع) والآخِر (التابع) في السوء؛ قال تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُون" (٣٩).
👈 بيان حرص موسى عليه السلام على الأولية في الإيمان؛ قال تعالى: "فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" (الأعراف: ١٤٣).
👈 التحذير من أصحاب السبق والمبادرة في العدوان؛ قال تعالى: "أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (التوبة: ١٣).
👈 التحذير من الأولية والسبق في التخلف عن مواطن العزة والجهاد؛ قال تعالى: "إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ" (التوبة: ٨٣).
👈 التأكيد على شرف السبق في الهجرة والتضحية والبذل في سبيل الله؛ قال تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" (التوبة: ١٠٠).
👈 التأكيد على شرف الأولية والسبق في البناء والإعمار لبيوت الله؛ قال تعالى: "لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ" (التوبة: ١٠٨).
✅ ثانياً: الأولية في السنة النبوية:
👈 أولية الله تعالى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" أخرجه مسلم.
👈 أول ما خلق الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ" أخرجه الترمذي وهو صحيح.
👈 أول ما بُدأ به الوحي؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ" أخرجه البخاري.
👈 أول ما يُرفع من الناس؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ الأَمَانَة" أخرجه البخاري، وفي رواية: "أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ" أخرجه الترمذي وهو حسن.
👈 أول ظالم قاتل؛ قال صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلَّا كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِها؛ لأنَّه كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ" أخرجه مسلم.
👈 أول جيش يغزو البحر؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أوَّلُ جَيشٍ مِن أُمَّتي يَغزونَ البَحرَ قد أوجَبوا، قالت أُمُّ حَرامٍ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أنا فيهم؟ قال: أنتِ فيهم" أخرجه البخاري.
👈أول جيش يغزو مدينة قيصر؛ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أوَّلُ جَيشٍ مِن أُمَّتي يَغزونَ مَدينةَ قَيصَرَ مَغفورٌ لهم، فقُالت أم حرام: أنا فيهم يا رَسولَ اللهِ؟ قال: لا" أخرجه البخاري.
👈 أول جيش يغزو القسطنطينية؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُونَ القُسْطَنْطِينِيَّةَ مَغْفُورٌ لَهُمْ" أخرجه البخاري.
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
2⃣ أحسن النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع عدد مِن صور المعارضة له ولنظام حكمه في المدينة ومِن ذلك:
👈 احتضان المعارضة الطيبة؛ وهي التي كانت تَصدر مِن أصحابه بين الحين والآخر، كمثل معارضة الصحابة لبنود صلح الحديبية، لأنه يدرك تماماً حجم الغيرة والانتماء الذي يقف خلف تلك المعارضة.
👈 استيعاب المعارضة الخبيثة؛ وهي التي كانت تَصدر مِن المنافقين بين الحين والآخر، فقد قال عُمَرُ في ابن سلول زعيم المنافقين: دَعني أضرِبُ عُنُقَ هذا المُنافِقِ، فقال صلى الله عليه وسلم: دَعْه، لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقتُلُ أصحابَه" أخرجه مسلم.
👈 الوقوف الحازم في وجه المعارضة المجرمة: وهي التي كانت تُظهر العدوان ونكث العهود وموالاة الأعداء، ومِن ذلك ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بحق بعض زعماء وقبائل اليهود، فمنهم مَن قتله ومنهم مَن أخرجه، تأديباً لهم ولغيرهم.
✅ لقد كان الخلفاء يطلبون النصيحة، ولا يحبون الموافقة المطلقة.
👈 فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول في خطبته الأولى بعد توليته الخلافة:
"أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني.
أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم.
ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه".
👈 وكان عمر رضي الله عنه يقول: "رَحِمَ اللهُ امرَأً أهدى إليّ عيوبي".
👈 وأما عثمان رضي الله عنه فقد دفع دمه ثمناً لمصلحة شعبه وحقناً لدماء قومه وأمته دون أن يقبل مواجهة فئة مارقة خارجة و(معارِضة) لنهجه وحكمه.
✅ إننا إذا أجرينا مقارنة بين المعارضة في بلادنا وبلاد الكفار والأغيار، فإننا نرى عجباً عجاباً، كيف لا ونحن نجد حق المعارضة للنهج القائم في بلاد الأغيار والكفار جملة وتفصيلاً، ونرى تقييداً شديداً وخنقاً لكل مَن يفكر في المعارضة الحرة في بلادنا، فتجد المعارضة عندنا على أنواع، منها ما يأتي:
1⃣ المعارضة القلبية؛ وهي معارضة معظم الناس الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فهم يعارضون أن تكون بلادنا غنية (بمورادها)، وشعوبنا فقيرة (بإيرادها) .. وهم يعارضون وينكرون سياسة التركيع، والقطيع، والتجويع، والتمييع، والتضييع، والتطبيع .. ولا يملكون سوى الكتم والسكوت المريع.
2⃣ المعارضة الحزبية والسياسية؛ وهي معارضة محكومة بسقوف محدودة، ضمن قوانين ولوائح قاصرة وخطوط حمراء كثيرة.
✅ والمعارضة لا يمكن أن تحقق التغيير أو الإصلاح المنشود إلا إذا تحقق فيها ولها ما يأتي:
1⃣ الصدق والأمانة، والإخلاص لله أولاً ثم للبيت والمؤسسة والوطن والأمة.
2⃣ وضوح الغاية والرسالة، وهي الإصلاح الذي جاء به الأنبياء، قال تعالى على لسان نبي الله شعيب عليه السلام: "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود: 88).
3⃣ أن يكون قلبها وعقلها منتمياً داخلياً محلياً .. لا دخيلاً خارجياً أجنبياً، فأهل مكة أدرى بشعابها وشعبها ونقاط قوتها وضعفها.
4⃣ أن تمتلك (الحكمة والشجاعة) الكافية لإدارة الاعتراض، بما يبني الخير ويهدم الشر، وبمراعاة المصلحة العامة، وتَقمُّص دَور أم الولد في كل بلد.
✅ إن مما تُرمى به المعارضة (الصادقة) في بلادنا أن لديها أجندات خارجية، وأنها تتبع لدولة كذا وتنظيم كذا .. والأصل محاكمة المعارضة على ضوء أدائها، لا على اتهامات باطلة تُرمى بها؛
👈 فإن كانت هذا المعارضة تريد ترسيخ مناهج وبرامج شاذة ومنحرفة، فهذا مما يُدينها.
👈 وإن كانت تريد بيع مقدرات البلاد ونهب مكتسبات العباد، فهذا يُدينها.
👈 وإن كانت تريد السطو على سيادة وإرادة وثقافة وتقاليد البلاد والعباد، فهذا يُدينها.
👈 وإن كانت توالي أعداء الوطن والأمة، وتمد يدها للغاصبين، وتعطي ظهرها للمعتدين، فهذا يُدينها.
👍 وأما إن كانت تقف ضد ذلك كله، وتعارضه وترفضه وتعتبره خيانة ومنكراً وبهتاناً كبيراً؛ فهذا مما يشرفها، ويرفع من قدرها ..
ولا يضرها حينئذ مَن يخالفها ويطعن فيها ويحظرها ويلاحقها ..
والله يتولاها ويحفظها ويسددها ويحميها.
✅ والمشكلة أو الطامة الكبرى ليس في ممارسة المعارضة لهذه الكبائر إن ثبت ممارستها لها .. بل الطامة الكبرى في ثبوت ممارسة (بعض) رجالات الدولة أو المؤسسة أو البيت لهذه الممارسات القبيحة، والكبائر الشنيعة، استغلالاً لمواقعهم ونفوذهم، وحينها لا سلامة للبلاد ولا أمان أو حصانة للعباد.
🤲 اللهم مَن أراد ببلاد المسلمين خيراً؛ فوفقه وسدده وبارك له وأعنه ..
ومن أراد بها شراً وسوءاً؛ فدمره وافضحه وخذه أخذ عزيز مقتدر 🤲
فِقْهُ المُعَارَضَةِ ..✍️
رسالة المنبر ١٣-٤-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ المعارضة أو الاعتراض تأخذ أحكاماً فقهية متعددة من حيث الجواز أو المنع، ومن ذلك:
1⃣ المعارضة الممنوعة المحرمة: وهي التي نعارض فيها أمراً لازماً أو واجباً أو مطلوباً عقلاً وشرعاً، كمن يعارض تحكيم الشريعة، أو منع الربا والزنا والمواقع الإباحية، ومن يعارض مبادرات الخير ونصرة المستضعفين وإغاثة الملهوفين، وفي هذا وأمثاله يقول ربنا: "مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ" (القلم: 12).
2⃣ المعارضة المشروعة الواجبة: وهي التي نعارض فيها أمراً محرماً أو ضاراً ومؤذياً، كمعارضة القوانين الجائرة، ومعارضة الأنظمة التي تُضيق على الناس أمور دينهم ودنياهم.
✅ وبين المعارضة المحرمة والواجبة قد نجد معارضة مكروهة أو مندوبة، وهكذا يتبع حكم المعارضة لنوع الأمر الذي يكون محل نقاش وأخذ ورد.
✅ والمعارضة المشروعة ليست مقصودة لذاتها، لأن الغاية منها الإصلاح والتقويم، لا المشاغبة والمشاكسة والمناكفة.
✅ والمعارضة المشروعة هي شكل من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحسب المتاح من الأنظمة والقوانين والإمكانات في أي بيت من البيوت أو مؤسسة من المؤسسات أو دولة من الدول.
✅ ولا تعد المعارضة المشروعة عقوقاً للوالدين، ولا تمرداً على المؤسسة، ولا خروجاً على الأنظمة الحاكمة، بل هي نوع نصيحة أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال في مَعرض حديثه عمن تُهدى لهم النصيحة: "الدِّينُ النَّصيحةُ. قُلنا: لمَن؟ قال: للَّهِ ولكِتابِه ولرَسولِه، ولأئِمَّةِ المُسلِمينَ وعامَّتِهم" أخرجه مسلم.
✅ ورَبُّ البيت أو مدير المؤسسة أو زعيم الدولة ليس معصوماً حتى يَمنع المعارضة، أو يستبد برأيه، فقد كان نبي الله صلى عليه وسلم وهو المعصوم يقبل الرأي الآخر ويطلب المشورة، بل ويأخذ برأي خلاف رأيه ما لم يكن فيه وحي قاطع، فما بالنا نكره المعارضة، ونرفض الرأي الآخر، ثم نزعم الديمقراطية والشراكة للآخرين؟!.
✅ إننا أحوج ما نكون إلى مَن يعارضنا برأي وحجة وبرهان، أكثر مِن حاجتنا لمن يُسحج ويطبل وينافق لنا في كل ميدان.
✅ إننا نَستقوي بالمعارضة المشروعة باعتبارها حاشية صالحة، ونَضعُف بالرأي الواحد الذي يصدر عن المتسلقين والمنتفعين.
✅ إن بلادنا اليوم تعاني أزمات خانقة بين فئة يعارضون، وأخرى يوالون .. والأصل أن يدرك الجميع خطورة المناكفة والصراع والتدافع بين أبناء البيت والمؤسسة والدولة الواحدة، وأن يدركوا كذلك أن مصلحة الأمة والوطن والمواطن أكبر مِن خلافتنا كلها.
✅ إن من أهم صفات المعارضة المشروعة إظهار الجميل، وتعرية القبيح، وهذا مِن الإنصاف الواجب، فإن رأيتَ خيراً شكرته، وإن رأيت شراً منعته .. فالغاية البناء والإصلاح وليس الهدم ولا الدمار، إلا إذا كان الحال لا يصلح للإصلاح والترميم، فالتغيير الجذري أولى من الإصلاح الترقيعي، ومِن هنا قيل:
عَجوزٌ تُرَجَّي أنْ تَكونَ فَتيَّةً
وقَد نَحِلَ الجَنبانِ و احدَودَبَ الظَّهرُ
تَدُسُّ إلى العَطّارِ مِيرةَ أهلها
وَهَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟
✅ إن من الغش والبهتان الذي تعيشه بلادنا اليوم؛ تلك المعارضة المصطنعة المغشوشة، والتي يقوم الوالي بتعيينها ومنحها الرواتب والرتب لغايات الاعتراض الدعائي، والذي يُظهر أن لدينا ديمقراطية ومساحة واسعة للرأي الآخر، وهذه المعارضة المصطنَعة المغشوشة يكشفها التصويت على القرارات الحاسمة والمفصلية، فكم ممن رفع صوته عالياً في إنكار نظام أو قانون، فلما جاء موعد التصويت قَبِلَهُ وأقره وبَصَمَ عليه ورضيه!!.
✅ إنه لا يجوز للمعارضة أن تسيء للوطن، أو أن تتآمر عليه أو أن تسعى في خرابه .. مهما كانت إدارة الوطن قبيحة، ومهما كان سلوكها مشيناً .. فالمعارضة ليست لأوطاننا الجميلة، إنما لسياسة من يريدها أن تصبح قبيحة ..
كما أنه لا يجوز لإدارة الوطن أن ترفض وأن ترد كل ما تعترض عليه المعارضة لأجل رده مناكفة لها .. فالإدارات القوية لا يضيرها المعارضات مهما بلغت قوتها .. والحق أحق أن يُتبع، والأصل في العلاقة بين الإدارة والمعارضة التكامل، بما يخدم مصلحة المؤسسة والوطن، لا التضاد والتشاكس.
✅ وفي السيرة النبوية شواهد على المعارضة المشروعة، وعلى التعامل الشرعي مع المعارضة، وذلك على النحو الآتي:
1⃣ مارس النبي صلى الله عليه وسلم دَور المعارضة المشروعة لنظام الحكم الوثني في مكة المكرمة، حيث كان حريصاً على إثبات دعوته ونشر رسالته دون استفزاز لهذا النظام المستبد مِن خلال الدعوة السرية، لكن أمر الله له بالصدع في الدعوة جعله يعارض الوثنية جهراً، ويتحمل هو وأصحابه الكرام أعباء تلك المعارضة إلى أن تكللت تلك الأعباء بالهجرة إلى المدينة.
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
👈 دعونا (نتفق) على واجبات الوقت وكل وقت، فنملأ أوقاتنا بها بدلاً مِن تضييع الأعمار في نزاعات وخصومات لا تنتهي، وهذه الواجبات هي:
1⃣ واجب تزكية النفس وتقويم السلوك.
2⃣ واجب طلب العلم وتحصيل المعرفة.
3⃣ واجب أداء الدعوة وبذل النصيحة.
4⃣ واجب الإعداد لحماية أنفسنا ونصرة إخواننا.
👈 دعونا (نتفق) مع الطيبين في هذه الدار، وإن اختلفت رُؤانا وزوايا تفكيرنا، مهما كلفها هذا الاتفاق مِن ثمن .. قبل أن نغادرها فيكلفنا الاتفاق وقفة ثقيلة بين يدي العزيز الغفار، قال تعالى: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ" (الحجر: 47).
✅ إن مِن أهم أركان توافقنا؛ هو إدراكنا لقبح الصورة التي وصلت إليها أمة نهاها الله تعالى عن التنازع والشقاق، فأعرضت، فأصبحت بلا قوة ولا ريح، قال تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال: 46).
✅ كما أن مِن أهم أركان توافقنا؛ شدة انتباهنا للأخبار التي تشاع عن إخواننا وأحبابنا، فالعدو يحرص على تمزيق شملنا، ببث الأخبار التحريضية، ونشر بذور النزاع والعنصرية، لأجل ذلك لابد مِن اليقظة والحذر، ورد الأمور إلى مصادرها الصحيحة.
✅ إننا وإن اختلفت آراؤنا حول الجهة التي ينبغي علينا الوقوف إلى جانبها في المعركة الدائرة اليوم بين أمريكا والكيان مِن جهة، وبين إيران مِن جهة أخرى، فإننا متفقون على وجوب الوقوف مع أنفسنا وأوطاننا وأمتنا، دون انحياز إلى طرف مِن أصحاب المشاريع التوسعية في بلادنا .. هذا الوقوف مع الذات هو الذي يمنحنا القوة الكافية لمنع أي طرف أن يستغل سماءنا بصواريخه ومُسَيَّراته الطائرة، ولا أن يستغل أرضنا بقواعده الغاصبة الجائرة.
✅ إن إثارة النزاعات في مواسم الطاعات لا يليق بحرمتها، بل وينزع روعتها وبركاتها، لاسيما إذا كانت اختلافات فقهية تقليدية معلومة مكررة، لم يتفق عليها أئمة الأمة وفقهاؤها السابقون .. ولن يتفق عليها طلاب العلم اللاحقون.
✅ وإن إثارة النزاعات في أوقات الحروب بين الأمم والشعوب، يقلل هيبتها وينزع بركتها، ويطمع الأعداء في بيضتها، فما بالنا نتنازع ونختلف على حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، سوى أننا الضحية في كل ما جرى وحصل.
✅ دعونا (نتفق) أو نتوافق حتى مع بعض خصومنا عند الضرورة أو الحاجة، اتفاق على المصالح المشتركة، إن لم تسعنا المبادئ الجامعة لنا، فهو اتفاق مصلحي محدود ومشروع، يهدف إلى جلب مصالح أو دفع مفاسد، كما اتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة في وثيقتها المشهورة على الدفاع المشترك بين جميع مكوناتها ضد كل عدو صائل يريد اغتصابها، وكما أقر اتفاق حلف الفضول بين المشركين وعُباد الأوثان على نصرة كل مظلوم في مكة.
✅ دعونا نتفق .. دعونا نتفق .. دعونا نتفق، فأعداؤنا على الرغم مِن أسباب الفرقة والخلاف المتوافرة بينهم، إلا أنهم يجتمعون ويأتلفون ويتفقون، لدرجة أننا نحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وما اجتماعهم إلا بقصد تحقيق مصالحهم المشتركة، ولعل مِن أكبر تلك المصالح هي؛ ضربنا وحصارنا والإجهاز على ما بقي مِن نخوة ومروءة وشهامة ورجولة فينا.
🤲 اللهم إنَّا نسألك أن تجمع قلوبنا على محبتك وطاعتك ونُصرة دينك وأوليائك وشريعتك وأمة حبيبك .. كما نسألك أن تحفظ قلوبنا مِن نزغات شياطين الإنس والجن التي تفرق بين المرء وزوجه والأخ وإخوته .. إنك نِعمَ المَولى ونِعمَ النصير 🤲
دَعُونَا نَتَّفِق ..✍️
رسالة المنبر ٨-٤-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ الدعوة إلى الوحدة، ورص الصف، واجتماع الكلمة من واجبات الوقت، وكل وقت، لاسيما في زمان الفتن، وتَشعُّب المذاهب، واختلاف الآراء، وفوضى قنوات التواصل.
✅ ليس المطلوب عدم الاختلاف الذي يعني التنوع، إنما المطلوب والواجب عدم الخلاف الذي يعني النزاع والشقاق، لا سيما بين الإخوة والأشقاء وأبناء العشيرة، والبلد، والملة الواحدة.
✅ لقد كانت طريقة وأسلوب تفكير أبي بكر تختلف عن طريقة وأسلوب عمر رضي الله عنهما، لكنهما لم يكونا ليسمحا لهذا الاختلاف والتنوع أن يتحول إلى خلاف نزاع وشقاق، وكأنهما كانا يفصلان بين الجانب الفكري والجانب القلبي، سوى في موقف واحد نزغ فيه الشيطان بينهما (مؤقتاً) حتى ثابا ورجعا إلى دائرة المحبة والأخوة، فقد روى البخاري قال: "كادَ الخَيِّرانِ أن يَهلِكا: أبو بَكرٍ وعُمَرُ رَضيَ اللهُ عنهما؛ رَفَعا أصواتَهما عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ قدِمَ عليه رَكبُ بَني تَميمٍ، فأشارَ أحَدُهما بالأقرَعِ بنِ حابِسٍ (ليكون أمير الوفد)، وأشارَ الآخَرُ برَجُلٍ آخَرَ، فقال أبو بَكرٍ لعُمَرَ: ما أرَدتَ إلَّا خِلافي! قال: ما أرَدتُ خِلافَكَ، فارتَفَعَت أصواتُهما في ذلك، فأنزَلَ اللهُ: "يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَرفَعوا أصواتَكُم" (الحجرات: 2).
✅ وفي كتاب الله ما يثبت هذا الاختلاف والتنوع، قال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ" (هود: 119) .. ولدى علمائنا (اختلاف) في فهمهم لآية (الاختلاف) هذه:
✅ ففي معنى: "ولا يزالون مختلفين":
👈 قال عطاء: اليهود والنصارى والمجوس (إلا من رحم ربك) يعني: الحنيفية.
👈 وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم.
✅ وفي معنى: "ولذلك خلقهم":
👈قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم.
👈 وقال ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: (فمنهم شقي وسعيد).
👈 وقيل : للرحمة خلقهم.
✅ لقد أدى الاختلاف إلى خلاف ونزاع كبير بين أشرف خلق الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسبب نزغ شياطين الإنس والجن؛
👈 ففي معركة الجمل (36هـ) بين جيش
علي بن أبي طالب من جهة وعائشة بنت أبي بكر وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بلغ عدد القتلى: (١٠٠٠٠) قتيل.
👈 وفي معركة صفّين (37هـ) بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، بلغ عدد القتلى: (٧٠٠٠٠) قتيل.
✅ لقد استنزفت خلافاتنا أوقاتنا وجهودنا، وتسببت في إراقة دمائنا وانتهاك أعراضنا ومقدراتنا، وشماتة وفرح أعدائنا، لأجل ذلك دعونا (نتفق).
👈 دعونا (نتفق) على أننا (لن نتفق) فيما يمكن فيه الاختلاف مِن الأحكام الفقهية، والاجتهادات الفكرية، والمواقف السياسية.
👈 دعونا (نتفق) على أن مواقعنا وزوايا نظرنا لأي أمر هو الذي يجعلنا نتمسك بآرائنا ولا نحيد عنها قَيد أنملة.
👈 دعونا (نتفق) على أن رأينا اجتهاد يحتمل الخطأ، وأنه ليس قطعي الثبوت والدلالة.
👈 دعونا (نتفق) على أن الجوامع بيننا أكبر بكثير مِن المفرقات، فلا نسمح لشياطين الإنس والجن أن تنزغ بيننا.
👈 دعونا (نتفق) على توحيد الله، وكتاب الله، وملائكة الله، ورسل الله، وقدر الله، ويوم القيامة الذي هو في علم الله، وما بعد هذا الاتفاق يهون ويسهل الاختلاف.
👈 دعونا (نتفق) على الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وما اختلفنا حولها مِن صورتها وهيئتها فكله سهل ويهون.
👈 دعونا (نتفق) على عداوة شياطين الجن، وشياطين الإنس مِن الصليبيين الحاقدين، واليهود الغاصبين، والمستبدين الظالمين، والملحدين اللادينيين، والروافض المفسدين، والمنافقين المذبذبين، وإن اختلفنا على شكل وصورة وتوقيت وأسلوب وترتيب تلك العداوة.
👈 دعونا (نتفق) على الولاء والمحبة والصحبة للنبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً، وإن اختلفنا في شكل وأسلوب وصورة هذه المحبة والولاء.
👈 دعونا (نتفق) على الانتماء الصادق لأمتنا وأوطاننا ومقدساتنا، والغَيرة عليها والدفاع عنها وافتدائها بالأرواح والمُهَج.
👈 دعونا (نتفق) على أن أكرمنا عند الله تعالى هو الأتقى والأنقى، فلا شرف ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولا يعرف ما في النفوس إلا خالقها، فالتقوى لا تُرى بالعين المجردة، بقدر ما يُرى شيء من آثارها في سلوكنا، لأن محلها ومستودعها القلوب التي هي بيد علام الغيوب، والمُطلع سبحانه على الحسنات والعيوب.
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
✅ لقد صنع علماء الجرح والتعديل قواعد وضوابط محددة تعتني بالكشف عن أخطاء الثقات، والكشف عن أخطائهم ليس مقصوداً لذاته، وإنما حماية واحتياطاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم مِن الخطأ بسبب غفلة أو سهو لا يُعصم منها أحد.
✅ ومع توصيفنا لبعض مَن لا نثق بدينه أو علمه أو خبرته أو سلوكه ينبغي عدم التوسع في ذلك، كما كان الإمام البخاري شديد الحذر والأدب والاحتياط في أوصافه، فمثلاً عبارة (فيه نظر) التي قالها في بعض الرواة تعني: ضعيف جداً أو متروك .. وقوله: (سكتوا عنه) معناها: فيه ضعف، ولم يرضه العلماء .. وقوله: (في حديثه شيء) تعني: فيه ضعف أو اضطراب .. وهكذا.
✅ إننا أحوج ما نكون إلى الأدب عند إطلاق الأحكام والأوصاف، ومثلما أن لدينا عيون وأسماع نكتشف من خلالها أفعال الآخرين فنبني عليها أحكاماً وأوصافاً نَصِفهم بها، فإن للآخرين أعين وآذان يتتبعون بها أقوالنا وأفعالنا، لأجل ذلك قال الإمام الشافعي:
إِذا رُمتَ أَن تَحيا سَليماً مِنَ الرَدى
وَدينُكَ مَوفورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ
فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَةٍ
فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ
وَعَيناكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعائِباً
فَدَعها وَقُل يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ
وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى
وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ
👌وختاماً👌
✅ إننا لا ندري بماذا يختم الله لفلان أو فلان من الأعمال والمواقف والأقوال، فنحن لا نحكم على أحد بجنة أو نار على ما نرى من ظاهر عمله، بقدر ما نعطيه وصفاً يليق بحاله، كأن نقول هو كافر إن نطق بالكفر، أو فاسق إن صدر عنه أفعال الفسق، ونرتب على فعله وقوله أحكاماً، فلا يرث الكافر ولا يُزوج، وهكذا، أما الحكم على مصيره بشكل مطلق فهذا ليس من شأننا، لأنه قد يتوب قبل وفاته بلحظة، ولا بأس بأن يقال: فلان مصيره جهنم إن بقي على كفره وفجوره، من باب الترهيب والتخويف والتحذير.
✅ إن دعوى الفصل بين الإنسان وفعله دعوى فلسفية، لا مكان لها في الواقع والتطبيق، كأن يقال نحن لا نكره فلان بل نكره أفعاله، لأننا في المقابل لا نستطيع أن نحب أفعال إنسان دون أن نحبه، فالفعل مرتبط بصاحبه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر .. والحكم على أي إنسان يتبع لفعله الطيب أو القبيح.
✅ إننا وإن كان نعطي المقاتل في صفوف المسلمين أحكام ووصف الشهيد عندما يُقتل في المعركة، فإننا لا نجزم له بدخول الجنة لأنه لربما ارتكب فعلاً ينافي الشهادة قبيل مقتله، كذاك الذي انتحر في الغزوة فكان مصيره النار، وإن كان ظاهر فعله الشجاعة والشهادة.
🤲 اللهم أحينا سعداء .. وأمتنا شهداء .. واحشرنا في زمرة الأولياء 🤲
مِيزَانُ الاعتِدَالِ
في الحُكْمِ عَلَى الرِّجَال ..✍️
رسالة المنبر ١-٤-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ تتفاوت زوايا نظرنا وبالتالي تختلف أحكامنا على الناس، بين مَن نرفعهم ونمدحهم، وبين مَن نخفضهم ونقدحهم.
✅ ولو أن أحكامنا على الآخرين لا يترتب عليها عمل وسلوك وأفعال وردود أفعال ومنح أو منع حقوق، لقلنا بأن الأمر سهل وبسيط، على الرغم مِن شدته وصعوبته، ولكننا مسؤولون عن تلك الأحكام باعتبار كونها شهادات، والله تعالى يقول: "سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" (الزخرف: 19).
✅ إن اشتغالنا في تقييم أنفسنا وأدائنا، ومحاسبتنا لذواتنا على ما فيها من خلل ونقص وعلل، واستعدادنا لملاقاة ربنا، كل ذلك يشغلنا فيمنعنا مِن نقد غيرنا وإطلاق الأحكام عليهم، ولكننا تغطي كبائرنا أحياناً بكشف ما لدى الآخرين من صغائر .. غفرانك ربنا وإليك المصير.
✅ قد تدعونا الحاجة لتقييم الآخرين باعتبار ما يترتب على هذا التقييم من قبول أو رفض لهذا أو ذاك في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ولا حرج حينئذ من البيان والتقييم، أو الجرح والتعديل.
✅ لأجل ذلك لابد من قواعد ضابطة، وقوانين محددة للحكم على الآخرين وتقييمهم وتوزينهم، ومن تلك القوانين الضابطة ما يأتي:
1⃣ الحكم على الآخرين لا ينبغي أن يكون بلا ضرورة ولا حاجة، كأن نُسأل عن فلان لغايات التوظيف أو التزويج أو الشراكة أو الترشيح أو الانتفاع بعلومه وخبرته أو مجاورته وصحبته وغيرها من الأسباب، فلا حرج حينئذ من الإجابة الوافية، لأن المستشار مُؤتمَن.
2⃣ الحكم على الآخرين يتطلب معرفة وافية، ومعلومة يقينية، فلا يصح إطلاق الأحكام دون تثبت، ولا يجوز إصدار أحكام على المشكوك من المعلومات.
3⃣ الأصل براءة الذمة، وأن الإنسان برىء حتى تثبت إدانته، وليس العكس.
4⃣ الأصل تجريد العاطفة .. والحكم بشكل عقلي بحت، لا تؤثر فيه المصلحة، أو النزاعات، والمواقف الشخصية، والله تعالى يقول: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ" (المائدة: 8).
5⃣ النظر المستفيض في سياق حياة من نحكم عليه، وعدم الاجتزاء، وعدم الاكتفاء بكلمة قالها هنا، أو موقف عابر صدر عنه هناك، فقد كان الإمام البخاري ينتقي من روايات الثقات والضعفاء، فيأخذ عنهم ويدع روايتهم بحسبها، وبحسب حال الراوي عند روايتها، فليس كل رواية صدرت عن ثقة صحيحة، ولا كل رواية صدرت عن ضعيف ضعيفة.
6⃣ قياس البشر على البشر الضعاف، وليس على الملائكة المقربين، فنحن لسنا ملائكة حتى نحكم على الناس باعتبارهم ملائكة، والخطأ مُتوقَّع منا ومنهم، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
7⃣ عدم التحزب والتعنصر عند إطلاق الأحكام، فالخير ليس حكراً على جماعة أو عشيرة أو أبناء وطن دون سواهم، وعدم الحكم حال الغضب والانفعال، يقول الشاعر:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
8⃣ الأعمال بالخواتيم، هذه القاعدة في ميزان الله تعالى، وليس في موازيننا نحن البشر، لأننا لا يجوز أن نلغي تاريخ إنسان لأجل موقف أخير، إلا إن كان مُصِراً على خطيئته، معانداً لا يقبل النصيحة، والله نسأل الثبات حتى الممات.
9⃣ ثمة أخطاء مقبولة باعتبار كونها في دائرة المُختلَف فيه، فلا يجوز أن نلغي إنساناً من قائمة الطيبين لمجرد اجتهاده في مسار من المسارات غير المتفق على صوابها، لاسيما في المجال السياسي الذي تتعدد فيه الرؤى وزوايا النظر.
🔟 حتى مستويات التوثيق أو التضعيف ليست واحدة، فليس الثقات بدرجة واحدة، ولا الضعفاء بدرجة واحدة، لأجل ذلك يقول تعالى في أهل الكتاب: "لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" (آل عمران: 113).
✅ إننا في زمان مُختلِط مُختلِف مُتغير، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بانقلاب الموازين حين قال عليه السلام: "بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا" رواه مسلم .. وهذا يتطلب حذراً وانتباهاً عند التوصيف، فلا نمنح المدح المطلق، الذي نزكي به تاريخ إنسان وحاضره ومستقبله، وإنما يكفينا تزكية تاريخه وحاضره على ضوء معرفتنا الوثيقة به .. أما مستقبله فلا نكفله، وإنما نسأل الله له ولنا الثبات.
✅ إننا نتردد كثيراً قبل إعطاء رأينا في البعض، وهذا التردد ضرورة بسبب نقص المعلومة، وخوفنا من الظلم في المدح أو القدح، وقد أعطى الإمام الذهبي أوصافاً للبعض تدل على اختلاط أحوالهم، ومن ذلك قوله في يزيد بن معاوية: " لا نَسُبه ولا نُحِبه".
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
✅ إن كثرة الحزن والبكاء على المفقود لا تعيده ولا تسترده، وإنما الواجب الرضا، لا سيما إن كان المفقود في سبيل الله، فقد روى البخاري "أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان في بَعضِ المَشاهِدِ وقد دَميَت (أصيبت) إصبَعُه، فقال:
هل أنتِ إلَّا إصبَعٌ دَميتِ
وفي سَبيلِ اللهِ ما لَقيتِ
✅ وإن أعظم المواساة عند الفقد؛ استحضار لحظة لقاء أخرى مع المفقود في دار البقاء والخلود، واستذكار أننا كلنا سنموت، فالمفقود سابق، والفاقد لاحق، قال تعالى: " .. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة: 156).
✅ وكما أن ثمة مفقودات نتألم على فقدها لأهميتها، فإن ثمة مفقودات قبيحة، هذا ومِن صور الفقد القبيح الفاسد ما يأتي:
👈 لقد فقد البعض حياءهم؛ وهم يجاهرون ربهم بالعصيان.
👈 وفقد البعض شرفهم؛ وهم يمارسون العمالة والدِّياثة.
👈 وفقد البعض نخوتهم؛ وهم يرون إخوانهم يستصرخون النجدة مِن جوع أو خوف فلا مجيب.
👈 وفقد البعض سعادتهم وسكينتهم؛ وهم يُعرِضون عن ذِكر ربهم ويتعاطون الصوارف والملهيات.
👈 وفقد البعض ضمائرهم؛ وهم يكذبون ويخدعون وينافقون ولا ينتهون.
✅ إن مصيبة الفقد تتعاظم وتزيد كلما كانت تَمسُّ ديننا ومقدساتنا وكرامتنا وشرفنا، ونحن اليوم نرى دماء الأمة تسيل، ومقدساتها تُنتهك، وأرواح أطفالها ونسائها تُزهق، ومناهجها ومنابرها تُمسخ .. فهل بعد هذا الفقد مِن فقد، وصدق الشاعر إذ يقول:
كمْ يستغيثُ بنا المستضعفونَ وهُمْ
قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسانُ
ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ
أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ
يا مَنْ لذلةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم
أحالَ حالهُمُ كفرٌ وطُغيانُ
بالأمسِ كانوا ملوكًا في منازِلِهِم
واليومَ همْ في بلادِ الكفرِ عُبدانُ
لمِثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ
إنْ كانَ في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ
✅ إن ثمة فقد من نوع مختلف، فقد الأوطان بالهجرة قسراً كهجرة أنبياء الله ودعاته من بلادهم قسراً، وفقد في غياهب السجون ينسى فيها المفقود لون الحياة وطعمها كسجن يوسف الصديق عليه السلام .. وما أشد لوعة الفاقد والمفقود في كلا الحالتين، فأهل المهاجر لا يجدون لذة الإقامة، وعينا يعقوب عليه السلام أصابهما العمى بسبب الفقد الكبير.
👌وخناماً👌
✅ لقد فقدت أمة الإسلام سادة وقادة يملأون السمع والبصر، فما ماتت ولا تلاشت، بل بقيت واقفة على أقدامها تُعلن للدنيا رسالتها، وتسخر بأعدائها وشانئيها، كيف لا، وهي أمة محفوظة بحفظ الله لدستورها ومنهاجها، فلا حزن على جراحها، باعتبار أنها مُستهدَفةٌ ومُستنزَفة، إنما الحزن على (فقد السقوط) للخبثاء مِن أبنائها، لا على فقد (الارتقاء للشرفاء) مِن رجالها ونسائها.
✅ إننا لا نبحث عن أي مفقود، إلا إذا كان غالياً وثميناً، وقد أصيبت أمتنا بفقد كبير لكنها لا تزال غافلة، فلا تفكر في البحث عنه، وهذا المفقود هو قُوَّتها، تلك التي تسبب فقدها بصعوبة معيشتها وغلاء قُوْتها .. بل وأدى فقدان القوة إلى استباحة أعدائنا لأرضنا وسمائنا، وصرنا مجرد مراقبين ننتظر جزارنا ليذبحنا بعد نفاد حليبنا .. وما ترك قوم الإعداد والجهاد إلا هانوا وذلوا.
✅ لقد فقدت أمتنا القوي الأمين، والحافظ العليم، والعدل الضابط في شؤونها السياسية ومراكزها السيادية، وهذا الفقد من علامات الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
✅ إن ثمة فقد واجب مطلوب، وهو فقد الترك والتخلي عن كل ما هو محرم ومكروه، وهو يحقق معنى الهجر المطلوب، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
✅ إننا في دار نقص وخلل وفقد .. فلا يجوز أن نتصورها غير ذلك، فنحزن الحزن المُقعِد لنا عن العطاء والعمل عند كل فقد وخلل.
✅ إن من الواجب الاحتساب والرضا إن كان الفقد فوق طاقتنا، والله لا ينسانا عندئذ، فقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِنَ النَّاسِ مُسلِمٌ يَموتُ له ثَلاثةٌ مِنَ الولَدِ لم يَبلُغوا الحِنثَ، إلَّا أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ بفَضلِ رَحمَتِه إيَّاهم".
🤲 نسأل الله الثبات، والصبر، والعوض الحسن، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون عند كل فقد 🤲
مُصِيْبَةُ الفَقْدِ ..✍️
رسالة المنبر ٢٥-٣-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المَحاور👌
✅ كثيرة ومتنوعة هي صور المصائب والبلاءات التي كتبها الله تعالى على عباده؛ اختباراً لصبرهم، وترقية لدرجاتهم، وزيادة في يقينهم، حتى إنه وصف الحياة كلها بأنها دار بلاء ومصيبة واختبار، قال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" (الملك: 2).
✅ ولعل مِن أثقل تلك المصائب والبلاءات؛ (مصيبة الفقد)، لاسيما فقدُ مَن نحب وما نحب.
✅ لأجل ذلك كانت الوصية المستمرة بالاعتدال في المحبة، وعدم بلوغها حدَّ التعلق الذي يكسر ظهر صاحبها، ويُحزن قلبه عند وقوع (مصيبة الفقد)، قال صلى الله عليه وسلم: "أحبِبْ مَن شئتَ فإنَّك مُفارقُه" أخرجه الطبراني وإسناده حسن.
✅ لقد علم رب العزة حجم محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وحجم تعلقهم به وحاجتهم إلى وجوده المستمر بينهم، لأجل ذلك هَيَّأ قلوبهم لفقده باعتباره بشر مخلوق، قال تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" (آل عمران: 144).
✅ إن من أجمل وأجمع العبارات في المواساة عند الفقد، ما قيل بأن ابن عطاء الله السكندري قالها: "ماذا فقد مَن وجد الله، وماذا وجد مَن فقد الله؟!" وهي عبارة صحيحة، تحكي حجم الخير الذي يحوزه مَن وجد معرفة وعناية ومعية وطاعة الله، في مقابل حجم الخسران المبين الذي يَحل بمن لا ينال هذه المعية والعناية، فيعيش في تيه وغواية.
✅ لقد كان سلفنا الصالح عند كل (مصيبة فقد) يواسون بعضهم بمصيبة فقدهم لمن هو أعظم، فمصائب الفقد المتتابعة تُرقق (تخفف وتُهوِّن) بعضها، حيث كانوا يقولون للمصاب: أذكر مصابك برسول الله صلى عليه وسلم (يعني تذكر مصيبة وفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم لتجد نفسك بلا مصيبة).
✅ إن أحزاننا تتجدد على مَن فقدناهم كلما تذكرناهم، وكلما مَر طيفهم عبر ذاكرتنا الممتدة في صحبتهم، ولعل مما يزيد مِن حزننا؛ أن نستحضر تقصيرنا في حقهم وهم أحياء، واشتغالنا عن الوفاء لهم بعد الوفاة، ولكن عزاؤنا أنهم ذهبوا إلى رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فنستغفر ربنا على كل تقصير، ونرجوه أن يشملهم بكل خير وفير.
✅ ويختلف الناس في حجم قدرتهم على احتمال (مصيبة الفقد)؛ لأجل ذلك لا يبتلي الله العبد بما لا يطيق، فمهما كان الفقد بليغاً ومؤثراً ومؤلماً إلا أن الله تعالى جعل لَدينا مِن القدرة على احتماله، وألقى على قلوبنا الصبر عند حصوله، والنسيان له بعد مروره، وإلا فلا حساب ولا إثم على مَن كانت (مصيبة الفقد) لديه فوق قدرته، وكما أن الحلم بالتحلم، فإن الصبر بالتصبر، ومن هنا لما "مَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بامرَأةٍ تَبكي عِندَ قَبرٍ، فقال: اتَّقي اللهَ واصبِري، قالت: إليكَ عَنِّي؛ فإنَّكَ لَم تُصَبْ بمُصيبَتي، ولَم تَعرِفْه، فقيلَ لَها: إنَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأتَت بابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلَم تَجِد عِندَه بَوَّابينَ، فقالت: لَم أعرِفْكَ، فقال: إنَّما الصَّبرُ عِندَ الصَّدمةِ الأولى" أخرجه البخاري.
✅ والفقد متنوع الصور متعدد الأشكال، وكلها صعب وثقيل، ومن ذلك:
1⃣ فقدُ الأشخاص؛ كمن فقد والداً أو مولوداً، أو قريباً أو حبيباً، أو عالماً وداعياً ومجاهداً، وهو فقد ثقيل لاسيما إن كان المفقود طيباً، سمحاً، له أثره ووزنه ومكانته في زمانه ومكانه، فرحم الله موتانا وشهداءنا، وأبدلهم خيراً منا، وجبر الله قلوبنا، وعوَّض علينا عوضاً كريماً .. ولا ننسى أحبابنا مِن دعائنا، وصدقاتنا، وذكر محاسنهم، وستر عيوبهم.
2⃣ فقدُ الاشياء؛ وهو دون الفقد الأول، كمن فقد عضواً مِن أعضائه، أو وظيفة، أو مبلغاً، أو فرصة، أو غيرها من الأشياء، فقدَ غفلة وسهو أو فقد عدوان وسرقة ونهب، فالضائع ندعو الله أن يرده إلينا، والمغصوب ندعو على غاصبه ونبذل جهداً في استرداده.
3⃣ فقدُ الأزمان والأعمار؛ وهو فقد خطير لا نستشعر خطورته إلا عند الهرم، لأجل ذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالعناية في أعمارنا حين قال: "نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ" أخرجه البخاري.
4⃣ فقدُ الذاكرة؛ وهو ينقسم إلى نوعين:
👈 فَقدٌ مادي، بضياعها نتيجة شيخوخة أو حادث عرضي.
👈 وفَقدٌ معنوي، نتيجة الغفلة عن تاريخ الأمة ودينها ومقدساتها، وهذا ما تعانيه الأمة اليوم بسبب الغزو الفكري الذي شَوَّه مناهجها ومسخ منابرها، فلم يُبق لديها شيء تذكره سوى المُزيف مِن بطولات ملوكها وولاة أمورها.
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
تقبل الله طاعتكم 🌦
وأقر عيونكم بتحرير الأسرى والمسرى،
وأعاننا الله وإياكم على شُكر نعمته، ونشر دعوته، والإعداد الجاد لنصرة ديننا ورفع رايته.
👈 تجدون في كتابنا المسمى:
خطب وعظات للمواسم والمناسبات
👈 خطب العيد الآتية:
1⃣ في العيد .. مشاعر وأعمال.
2⃣ متى عيدنا؟!
3⃣ العيد والفرح المشروع.
وهذا رابط الكتاب في موقعنا الإلكتروني:
https://drmsbaker.com/media/attachments/2026/01/02/khutab.pdf
✅ لقد كان يوسف عليه السلام حريصاً (بوصيةٍ مِن والده يعقوب عليه السلام) على إخفاء كل جميل جديد قد يتسبب في إثارة غيرة إخوته، قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: "يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" (يوسف: 5) .. ولكن الجمال مهما حاولتَ إخفاءه وستره فإنه يشق طريقه مثل شعاع الشمس نحو الظهور، فكيف نطلب مِن خطيب أو معلم، أو مرب، حسن المنطق صادق النبرة أن يسكت، وهل سكوته يمنع من سطوع جمال الحق المبين؟!.
✅ لا تقتلوا الجمال في أولادكم؛ بالقدوة السيئة والجور في العطية، وعقوق الأجداد .. فمن عق والده كأنما يقتل جمال البر له في ولده.
✅ لا تقتلوا جمال دينكم بقبح مُدارسته، وسوء مُمارسته، فالمُدارسة والفهم الوسطي المعتدل؛ تمنع مِن حصول تطرف التشدد والتمييع .. والممارسة الصحيحة؛ تمنع مِن ردة الناس عن الدين، بل تجعلهم يدخلون فيه أفواجاً.
✅ لا تقتلوا جمال المعروف؛ بترك شكره، وإرهاق وإحراج أهله، وعدم سَداد الدَّين في وقته.
✅ لا تقتلوا جمال الجهاااد والرباط والإعداد؛ بالتخويف منها، والطعن في رجالها، والتقليل من دَورها في حماية الأمة وإعزازها.
✅ لا تقتلوا جمال عبادتكم؛ بالرياء والسمعة .. ولا تقتلوا جمال معاملتكم؛ بسوء الظن والكذب والغش وقلة الاحترام.
✅ فالجمال نعمة من الله تعالى، تبعث الراحة والسكينة .. وأعظم الجمال، جمال الروح والخُلُق، وهو مقدم على جمال الجسد والخَلْق .. فلا تقتلوا جمال أرواحكم بالشك والريبة في الخالق كما المنافقين، ولا تقتلوا جمال خِلقتكم وأجسادكم بالعُري، والوشم، وتغيير خلق الله الذي خلق "الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (التين: 4).
✅ إن أسوأ ما في زماننا أننا صرنا نرى القبح ونخاف أن نصفه وصفاً يليق بوجهه الكالح، لا بل زاد بعضنا فصار يمدح القبح ويصفه بأجمل وأحسن الأوصاف، خوفاً منه أو طمعاً فيه، وهذا شكل من أشكال انقلاب الموازين في آخر الزمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ" أخرجه ابن ماجه، وهو صحيح.
👌وختاماً👌
✅ إن قتل الجمال لا يباح إلا لضرورة قاهرة، ولمصلحة راجحة، كما فعل الخضر حين خرق السفينة ليحميها من بطش ملك ذاك الزمان وسلبه ونهبه.
✅ إن واجبنا نحو الجمال أن نكتشفه، ونحييه، ونجدده، ونبعثه، ونطوره، وننشره، ليكون لنا بمثابة بصمة خير وأثر طيب مستدام، وأن نحميه من عبث العابثين ومكر الماكرين، وإلا فالويل لنا ثم الويل لما؛ إن قُتل الجمال وفينا عين تَطرِف.
✅ لقد أدرك أعداء الأمة أن جمالها يكمن في علمها ودينها وأدبها، فبذلوا جهوداً مضنية لقتل هذا الجمال، وفي جمال العلم والأدب قيل:
لَيسَ الجَمالُ بِأَثوابٍ تُزَيِّنُنا
إِنَّ الجَمالَ جَمالُ العَقلِ وَالأَدَبِ
✅ عبثاً يحاول المجرمون والمفسدون في الأرض القضاء على الحُسن والجمال؛ لأن للجمال أهل ورجال يدافعون عنه في كل زمان ومكان .. والأهم من هذا وذاك، ما ثبت من أن الجمال صفة من صفات الله الحسنى، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ" أخرجه البيهقي وهو صحيح.
🤲 نسأل الله تعالى أن يكسونا مِن حلل البهاء والجلال، وأن يجعلنا ممن يدافعون عن الطهر والجمال، ويحاربون القُبح وما يقاربه مِن خصال 🤲
لا تَقْتُلُوا الجَمَالَ .. ✍️
رسالة المنبر ١٢-٣-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ ليس في كتاب الله تعالى آية صريحة تنهانا عن قتل الجَمال والإحسان والطهر والروعة .. وإن كان فيه ما يدل على هذا النهي على لسان واحد من إخوة يوسف عليه السلام حين تآمروا عليه فقال لهم: "لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ" (يوسف: 10).
✅ ويوسف عليه السلام كان يمثل دَور الجمال الحسي والمعنوي، والروعة، والإحسان، والإحساس والذوق الرفيع، أصدق تمثيل، كيف لا، وقد بهر جماله زوجة العزيز، ونسوة القصر، وشهد بإحسانه صحبة السجن حين قالوا: "نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" (يوسف: 36)، وأدرك ذوقه وصفحه الجميل إخوته حين قال لهم: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" (يوسف: 92).
✅ والعجيب هنا؛ أن هذا الأخ الذي نهاهم عن قتل الجمال (يوسف عليه السلام) وجههم إلى فعل منكر وجريمة قبيحة أيضاً، فهو لم يكن نهياً عن مطلق الإيذاء، بل هو نهي يحمل معنى التخفيف مِن الإيذاء، بتحويل الجريمة من القتل إلى الالقاء في البئر، وهذا ما يسمى بأقلِّ الشرور أو أخف الضررين، وذلك لأنه رأى عزم إخوانه على قتل الجمال (يوسف عليه السلام)، وفي نهاية كلامه ما يدل على ذلك، قال تعالى على لسانه: "وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" (10).
✅ ونحن اليوم نرى تكالب الحاقدين الحاسدين لأمتنا وبلادنا، ونرى إصرارهم على قتل الجمال الذي أودعه الله في ديننا وبلادنا فنقول لهم بصيغة النهي الجازم: لا تقتلوا الجَمَال فينا وفي ديننا وبلادنا .. لا تقتلوا الجمال، لأنكم بعده ستذوقون مرارة القبح والعفن، ومن هنا يقول المتنبي:
وما مِن يدٍ إِلا يدُ اللهِ فوقها
ولا ظالمٍ إلا سَيُبلى بأظلمِ
✅ إننا نقول لكل مستبد وظالم، كما نقول لكل محتل وغاصب: لا تقتلوا الجمال، لأجل مصالحكم التي لا تلتقي مع الطهر والعفاف والشرف والكرامة، لأنكم تجدون في الجمال عقبات تَحُول دون بلوغكم غاية أهدافكم الخسيسة .. وهذا لم ولن يكون، فأنتم عبثاً تحاولون، وصدق الله: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة: 32).
✅ وفي كل زمان ومكان هناك (يوسف)، يحكي جمال الغاية وطهر الأسلوب وسمو الفعل ورحابة رد الفعل .. وهذا ببركة الإسلام العظيم، فأمة الإسلام لا تزال تظهر جمالاً وروعة في سلوك الدعاة، ومنطق العلماء والمصلحين، وثبات المرابطين والمجاهدين، وسخاء المنفقين الباذلين، وصبر المربين المؤدبين، وخشوع العابدين المتذللين لله رب العالمين.
✅ إن جمال كتاب الله لا يضاهيه جمال، شهد بذلك حتى كفار مكة حين قال قائلهم: "إنَّ له لحلاوةً وإنَّ عليهِ لطلاوةً، وإنَّهُ لمثمرٌ أعلاهُ مغدقٌ أسفلُهُ، وإنَّهُ ليعلو وما يُعلَى عليه” أخرجه البيهقي، فلا تقتلوا جمال القرآن بهجره، هجر السماع والتلاوة والتدبر والحفظ والعمل والتبليغ والتحاكم والجهاد.
✅ إننا نوصي وقلوبنا تقطر حزناً لأننا أصبحنا أمة ضعيفة، فلا نملك سوى الكلمة والوصية، فنوصي ونقول:
👈 لا تقتلوا جمال أطفالنا؛ بتلويث فطرتهم عبر برامج ومناهج مستوردة.
👈 لا تقتلوا جمال نسائنا؛ بقوانين النسويات والمعاهدات، والتوصيات والمقررات الفاسدة، والموضات.
👈 لا تقتلوا جمال رجالنا؛ بتخنيثهم، وصرفهم عن غاية وجودهم، وإشغالهم طوال الوقت في لقمة عيشهم.
👈 لا تقتلوا جمال بيوت الله؛ بتقييدها، وحصر رسالتها، وإسكات المؤثرين من الخطباء فيها.
👈 لا تقتلوا جمال المدارس والجامعات؛ بتغريب مناهجها، وإضعاف إداراتها، وخنق معلميها.
👈 لا تقتلوا جمال البيئة؛ بتلويثها، وترك العناية بها، واستباحتها.
👈 لا تقتلوا جمال مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماء، وقبلتكم الأولى؛ بتركها للغاصبين يرتعون فيها، ويحفرون الخنادق تحتها، ويتحكمون في فتحها وإغلاقها.
👈 لا تقتلوا جمال غزة العزة؛ بإهمال استغاثاتها، وعدم نصرتها، وطعنها في ظهرها.
👈 لا تقتلوا جمال أوطانكم؛ بتسييد وتقديم أراذل الخلق في إدارتها، وإحاطتهم ببطانة السوء يرتعون فيها، وحمايتهم بإعلام النفاق وقانون الجور، وأمن الإرهاب والتخويف.
✅ لقد صرنا إلى حال مِن الضعف نخاطب بل نستجدي ونناشد فيه أنظمة الفجور والشذوذ والإرهاب في العالم، بأن يتركونا وشأننا، فقد استنزفت حروب جشعهم وطمعهم في بلادنا كل جمال ورثناه فيها عن أجدادنا، وكل شرف وطهر أخذناه عن صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم.
تنويه مهم .. 💥
بعد قليل نقدم لكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع .. نرجو منكم حسن الاستفادة منها .. ونشرها في أوسع نطاق .. والدال على الخير كفاعله.
اکنون در دسترس! پژوهش تلگرام ۲۰۲۵ — مهمترین بینشهای سال 
