د. سعد الشيخ
رفتن به کانال در Telegram
6 095
مشترکین
+2124 ساعت
+277 روز
+2230 روز
آرشیو پست ها
6 095
الإمام الذهبي رحمه الله بلغ ذروة الإتقان في كل ما كتبه في علم الحديث، سواء في علم الرجال، أو كشف العلل، أو دراسة مناهج المحدثين، أو مباحث مصطلح الحديث، ولم يظهر بعده أحدٌ من المتأخرين يضاهيه في مرتبته أو يقترب من مهارته، مع ما منّ الله عليه من الالتزام بهدي السلف والإنصاف مع المخالفين والاعتذار عن بعض هفوات العلماء، إلى جانب التألُّه والتعبُّد وهضم النفس واحتقارها، تغمده الله برحمته ورضي عنه.
6 095
غاية ما عند المخالفين في تسويغ الاستغاثة بالأموات والغائبين ثلاثة أحاديث، عليها مدار استدلالهم، وهي أجود ما استدلوا به في هذا الباب من جهة الإسناد. ومع ذلك، فهي مناكير وأوهام لا تصح ولا تثبت، وقد بينتُ عللها تفصيلاً بما يدحض حجيتها في هذه السلسلة:
https://youtube.com/playlist?list=PLcipKF6106jv8uw3J7YIbWnmducTG-GXU&si=ju_LXvuju3BiC5CC
6 095
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«ليس كلُّ مَن وجد العلم قدر على التعبير عنه، والاحتجاج له:
- فالعلم شيء.
- وبيانه شيء آخر.
- والمناظرة عنه وإقامة دليله شيء ثالث.
- والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع».
جواب الاعتراضات المصرية (ص٤٤).
6 095
أدلجة المحدثين!
طريقة تعامل صاحب كتاب "العتب الجميل" في إثبات انحياز المحدثين إلى النواصب، وتحايدهم عن أهل بيتِ عليٍّ وشيعتهم، تدل على فرط جهله بطريقة نقاد الحديث في معايير اختيار الرواة وجرحهم وتعديلهم.
ولإثبات ذلك، سأختار نموذجا من المحدثين لا يُشك بولائه لعلي وأهل بيته، حتى نُسب للتشيع، وطريقة احتجاجه بالرواة النواصب وإعراضه عن بعض أبناء علي وشيعتهم؛ ليعلم الجهال أن قوانين الرواية أوسع من عقولهم المؤدلجة الضيقة!
محدثنا هو: أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن:
فالنسائي الذي عُصرت خصيتاه لامتناعه عن رواية فضائل معاوية كما يفهمه المذكور ومن على شاكلته:
1- قد وثق واحتج في كتابه بأعيان النواصب البغضاء، ووثق رءوسَهم ومشاهيرهم والغلاة فيهم! فاحتج -مثلا- برأس النواصب: حَريز بن عثمان، الذي كان يلعنُ عليًا ويشتمه على المنابر ويتنقّصه، ويقول: لا أحبُّه، لا أحبُّه، قتل آبائي، قتل آبائي!
2- وروى عن شيخه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني! المشهور بانحرافه عن علي وتحامله على الشيعة وغمزه لأجلّة الكوفيين الرفعاء كالأعمش وأبي إسحاق ومنصور وغيرهم لتشيعهم!
3- واحتج بأزهر بن عبد الله الحرازي! الذي كان يجلس مع أسد بن وداعة وجماعة من النواصب في المسجد ويشتمون عليًا، وكان ثور بن زيد في ناحيةٍ لا يسبُّ عليًا، فإذا لم يسب جرّوا برجله وأخرجوه من المسجد!
4- واحتج بجماعة من الرواة المنسوبين إلى النصب، منهم: أحمد بن عبده الضبي، وإسحاق بن سويد بن هبيرة، وأسد بن موسى بن عبد الملك بن مروان، وحُصين بن نمير، وزياد بن علاقة، ومحمد بن زياد الألهاني الحمصي، وعبد الله بن سالم الأشعري، ونُعيم بن أبي هند ... وغيرهم!
5- ومع احتجاجه برؤوس النواصب الغلاة وأعداء أهل البيت ولاعني علي وشاتميه؛ فإنه تنكّب الرواية عن كبار أئمة العترة وفقهائهم ورموزهم، كالإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبنائه عيسى ويحيى الشهيد والحسين بن زيد، وأعرض عن موسى الكاظم وعن علي العريضي، ابنَي جعفر الصادق! وعن علي بن موسى الرضا ... وأعرض عن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعن محمد بن عبد الله النفس الزكية ... وعن غيرهم من أبناء علي!
وهكذا؛ فينبغي أن يكون النسائي وفق عقلية ابن عقيل الحضرمي الضيقة، ومن دار في فلكه كالغماريين ومقلديهم، ناصبيًا بغيضًا محترقًا! وليس من الشيعة الموالين!
6 095
المحدثون والسلطان:
كان تبنّي بعضُ خلفاء السلطة العباسية لعقيدة خلق القرآن وفرضها على الناس؛ فتنةً لأهل الحديث، واختبارًا لصدقهم وأمانتهم على الرواية، ليبقوا متجرّدين للحق، بعيدين عن أهواء السلطة ومسايرتها على الباطل.
ولقد روى أهلُ الحديثِ مناقبَ علي وأهل بيته في عز سلطان بني أمية وصراعهم مع العلويين، ورووا ما جاء في فضل معاوية -عند من يصحح فضائله- في عز سلطان بني العباس واجتثاثهم للأمويين!
فلم يجاملوا آراء السلطة لا في التجهم، ولا في النصب، ولا في التشيع!
وقد عاصر الإمام البخاري فتنة خلق القرآن التي بدأت على يد المأمون (198- 218)، ثم المعتصم (218- 227)، ثم الواثق (227-232)، وهؤلاء الثلاثة كانوا على عقيدة المعتزلة مع تشيُّع يسير فيهم، وهم الذين حملوا الناس على القول بخلق القرآن وامتحنوهم وآذوهم وأكرهوهم عليه بالقتل والتعذيب والحبس.
وقد أوذي في هذه الفتنة شيوخ البخاري الكبار كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وزهير بن حرب، ونُعَيم بن حماد، في آخرين، وأجاب بعضُهم مكرَهين، وامتنع بعضهم فعُذّب وأوذي، ومنهم من قُتل وصُلب وعُلّق رأسه كأحمد بن نصر الخزاعي، ومنهم مَن مات في حبسه كنُعَيم بن حمّاد.
ومع ذلك، لم يظهر أي تأثير لعقيدة السلطة على صحيح البخاري، لا من جهة الاعتزال، ولا من جهة التشيُّع، بل عقد الإمام البخاري في صحيحه كتابًا بعنوان "التوحيد والرد على الجهمية" خصَّصه للمنافحة عن مذهب أهل الحديث والرد على مخالفيهم في تلك الأبواب التي وقع بها الامتحان والفتنة، مما يُعدُّ ردًا مباشرًا على عقيدة السلطة!
مع العلم أن فترة تأليف الصحيح كانت في ظل فتنة خلق القرآن واشتدادها، والسوطُ حامٍ على ظهور المحدثين! ومع ذلك لم يبال البخاري بإرهاب السلطة، وصنّف ضد هواها.
وفي هذا أبلغ رد على تهويسات بعض كتّاب الحداثيين وبعض كتّاب الشيعة الذين يفسرون اختيارات الإمام البخاري في الرواة والمرويات بمجاملة السلطة والسعي في إرضائها.
6 095
وضع علماءُ الشريعة لإثبات النص النبوي علمَ أصول الحديث، ولتفسيره ووجوه الاستدلال به علمَ أصول الفقه.
وهذان علمان متكاملان في خدمة النص الشرعي؛ فينتج عن علم أصول الحديث معرفةُ المقبول من المردود، وعن علم أصول الفقه العملُ بالنص أو توجيهُه أو تركُه.
ولا يلزم أن يكون المقبول إسنادًا عند نقاد الحديث معمولًا به عندهم؛ لاحتمال المعارضة أو النسخ أو التأويل.
كما لا يلزم أن يكون المردود عندهم مطّرحًا؛ لاعتضاد معناه بإجماع أو قول صاحب أو قياس جلي.
ولذلك، فقد يحتجون بما لا يصح عندهم، وقد يتركون العمل بما صح؛ للاعتبارات السابقة.
وهذا هو التكامل المعرفي في التعامل مع النصوص، ثبوتًا واستدلالًا.
6 095
الأمر الثاني: تلبُّسُ بعضِ أصحاب أبي حنيفة والمنتسبين إلى مذهبه بمقالات طوائف المبتدعة في الصفات والإيمان والطاعة، ونسبة أبي حنيفة إلى شيء منها. وقد نُسبت لأبي حنيفة مقالات بدعية كثيرة لم يثبت منها على التحقيق إلا مقالتان:
١- مقالة الإرجاء في الإيمان، وهي بدعة خفيفة ليست من غلاظ البدع ولا من كبائرها؛ لأن الإرجاء ليس شيئًا واحدًا، وأبو حنيفة كان يقول بأخفّه وأهونه وهو إرجاء الفقهاء، وهذا لا مطعن فيه بعدالة أبي حنيفة مع الصدق وحسن الديانة، وقد وثّق أهل الحديث مئات الرواة المبتدعة من طبقة أبي حنيفة ومَن قبله ومَن بعده، واحتجوا بأحاديثهم، ورووا لهم في مصنفاتهم، وفيهم من البدع المغلّظة ما لا تساوي بدعة أبي حنيفة إليها شيئا!
٢- مقالة الخروج على الأمراء، وهذه مقالة ثابتة عن أبي حنيفة، بل كان يدعم ثورات أئمة أهل البيت ويحرّض على الخروج معهم، وقد أُوذي بسبب ذلك وسُجن حتى مات في سجنه، ولا يضرُّه ذلك في عقيدته ولا في ديانته، ولم يكن يعتقد عقيدة الخوارج الشُّراة في تكفير أهل القبلة، وليس الخروج على الحاكم الظالم من خصائص الخوارج، بل هو مذهبٌ للسلف قديم وهو أيضًا مذهب أئمة أهل البيت وأكابر أهل الحديث، ومع ذلك فقد وثق نقاد أهل الحديث رؤوس الخوارج الاعتقاديين، واحتجوا بمروياتهم ولم يتنكّبوهم، فكان ماذا؟!
وما من بدعةٍ ينسبونها لأبي حنيفة للطعن بعدالته إلا وجئتهم بأسماء أئمة كبار من شيوخهم وأئمتهم، قد قالوا بها، ومع ذلك وثقوهم واحتجوا بهم واتخذوهم أئمة وقدوات!
إذا فهمتَ تلك المباني والأصول التي نشأت عنها مقالة القدح في أبي حنيفة، وقرأتها في سياقها التاريخي الصحيح = عرفتَ سبب تنكّب المتأخرين أقوال النقاد الأوائل في أبي حنيفة، وعلى رأسهم: ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن رجب، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم.
وقد هلكت في أبي حنيفة ثلاثة طوائف:
١- طائفة جمدت على ظواهر أقوال النقاد من غير فقهٍ ولا معرفةٍ ولا أهلية.
٢- وطائفة ثانية: انساقت مع العواطف وكذّبت، أو استبعدت صدور كثيرٍ مما قيل في أبي حنيفة عن نقاد أهل الحديث، أو تعسّفت في تأويله، وعاشت في مثالية وهمية تخيّلت فيه مجتمع أهلِ الحديث مجتمعًا ملائكيًا مجرّدًا من الانفعالات النفسية والأمزجة البشرية!
٣- وطائفة ثالثة: تورطت في القراءات المذهبية البغيضة، فشكّكت بنزاهة النقاد وقدحت في إنصافهم وأهدرت أقوالهم، كمتعصبي الحنفية أمثال الكوثري ومن لفّ لفه.
نسأل الله العافية.
د. سعد الشيخ
6 095
تفسير مقالة النقاد في أبي حنيفة وأصحابه: قراءة نقدية.
لكل علمٍ أصولٌ ودعائم تُبنى عليها مقالات ومناهج ومنظومات معرفية، وأي محاولة للفصل بين هذه الأصول الكلية وتطبيقاتها الجزئية، أو الذهول عن هذا الارتباط عند معالجة قضية نقدية = ستنتج عنها مقالات مولّدة مقطوعة الصلة بأصولها ومحكماتها.
لنطبق هذه المقدمة المنطقية على ملف أبي حنيفة الذي أحوجنا إلى الحديث عنه بعضُ المخالفين.
وعلى طريقة الدراسة الأكاديمية: ما هي مشكلة البحث؟ وما الذي ينبغي أن يعالجه الباحث في هذا المقال؟!
مشكلة البحث تكمن في الإجابة عن الأسئلة التالية:
١- ما هي أقوال نقاد أهل الحديث في أبي حنيفة وأصحابه؟ وهل ثمة إجماعٌ على جرحه وتركه؟
٢- ما نوع القدح في أبي حنيفة ومرتبته في سُلّم الجرح؟ولماذا تكلّم فيه نقاد أهل الحديث؟
٣- لماذا تنكّب المتأخرون أقوالَ النقاد الأوائل في أبي حنيفة، وانتهوا إلى توثيقه وإمامته وإغلاق ملف جرحه والقدح فيه؟
والإجابة عن تلك الأسئلة المحورية باختصار مركّز، هي موضوع هذه المقالة، فأقول مستعينًا بالله وحده:
١- تتابَع النقادُ على الكلام في أبي حنيفة، واتفقوا في شأنه على أمرٍ، واختلفوا في آخر.
أ- أما الذي اتفقوا عليه: فهو تركه في الرواية لضعف حفظه وقلة ضبطه وغلبة النكارة على حديثه مع قلة ما روى، وقد خرّج له النسائي والترمذي وأعرض عنه سائر الستة وغيرهم من أصحاب السنن والمسانيد والمصنفات.
ب- وأما الذي اختلفوا فيه بشأنه: فهو القدح بعدالته والطعن في دينه، وهذا أمرٌ يجب أن يُعالج بحذرٍ شديد، من ناحية ثبوت النقد، ودلالته، وفهم سياقاته، والأهم من ذلك كله: استصحاب أصول الناقد وقناعاته ونفسيّته؛ لفهم الدوافع الرئيسة لجرح أبي حنيفة وأصحابه، لا سيما أنها مفسّرة في كلام أكثرهم.
ولن أتعرض هنا لبسط ما صح ولم يصح من أقوال النقاد في أبي حنيفة، ولا تحليل ألفاظهم ومصطلحاتهم النقدية ودلالتها على نوع الجرح ودرجته، فقد كفانا ذلك العلّامة المعلّمي اليماني في التنكيل، لكني سأُسلّط الضوء على ما هو أهم من ذلك، وهو تفسير الدوافع النقدية لتلك الأقوال من خلال تحليلها في محضنها الاجتماعي الذي تولّدت فيه، وقراءتها في سياقها التاريخي وظروفها الاجتماعية، في محاولة جادّة لفهم الدوافع النقدية للناقد وتحليل أبعادها النفسية والأصولية، وهذا فنٌ شريفٌ في النقد مستعمل بكثرة في أدوات النقاد لإهدار كثير مما قيل في الرواة؛ مما دوافعه اختلاف العقائد أو المناهج أو الخصومات الشخصية.
وخلاصة هذه الدوافع ترجع إلى أمرين:
الأمر الأول: الاحتدام الشديد بين مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي في منهج التفقُّه وأصول الاستنباط وطريقة التصنيف، وتبادل الردود بين المدرستين وتصنيف الكتب والأجزاء وانتصار كل طائفة لمنهجها الفقهي، وأثر ذلك في القدح بأبي حنيفة وأصحابه.
وهذا السبب -برأيي- من أعظم الدوافع التي جُرح بسببها أبو حنيفة وأصحابه، حيث اتهمه أهل الحديث: بردِّ النصوص وتغليب رأيه وأقيسته عليها، والتوسع في الرأي والجراءة على الخوض فيما سكت عنه السلف من النوازل والأحكام، ونحو ذلك مما يرجع الطعن فيه إلى اختلاف المناهج الفقهية وطرق الاجتهاد والإفتاء، حيث كان ينزع أهل الحديث إلى التخفف والتخوُّف من الرأي، والكف عن الخوض فيما لم يتكلم فيه السلف، وترك التصنيف في غير الحديث.
والحق أنَّ مردَّ هذا القدح هو نتاج قراءةٍ مذهبية لا يُسلّم لها، وأبو حنيفة لم يصرّح بردِّ النصوص، ولا أصوله تدل على ذلك، بل ولا حتى فروعه إلا مسائل معدودة شابهه في جنسها، بل زاد عليه في بعضها، مَن لا يشكُّ أهلُ الحديث بإمامته وتعظيمه للنصوص، كالإمام مالك مثلًا، بل كان مالكٌ يصرّح بردِّ النصوص الثابتة عنده، والتي رواها عنه أصحابه في موطئاتهم، وبعضها بأسانيد ذهبية؛ لأجل عمل أهل المدينة! بل وقعتُ له على نصوصٍ ثابتةٍ عنده ردّها؛ لأنه لم يعرفها، لا لثبوت العمل بخلافها!
وردُّ مالكٍ للأحاديث التي بخلاف عمل أهل المدينة تفهَّمَها أهلُ الحديث، وإن خالفوه وردّوا عليه، ككتاب "اختلاف الشافعي ومالك" مثلًا؛ لأنّ مردّ ذلك لأصله الفقهي لا لهوان النصوص عنده، والأمر نفسه يُقال في أبي حنيفة وأصحابه.
بل ما من إمامٍ، ومنهم فقهاء أهل الحديث، إلا ووقع له نوعُ اجتهادٍ مقابل النص، حصل معه ما يمكن تسميته بردِّ النصوص! وتقديم الرأي عليها!
والمقصود: أن لا تغفل عن لحاظ هذا الصراع المنهجي بين أهل الحديث وأهل الرأي وأنت تقرأ أقوال نقاد أهل الحديث في أبي حنيفة، لا سيما وأنَّ أهل الرأي كانوا قد تغلبوا على أهل الحديث في مهارات تحليل النص وفهمه وحُسن الاستنباط منه، واستطالوا عليهم بذلك، وربما سخروا منهم ووصفوهم بالبلادة وقلة العقل! حتى اعترف الإمام أحمد -فيما أسنده ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي-: أن أقفية أهل الحديث كانت بيد أبي حنيفة؛ حتى ظهر الشافعي وألّف لهم كتاب الرسالة!
6 095
ظهرَ الإمامُ محمد بن عبد الوهاب في زمنٍ فشا فيه ألوانُ الانحرافِ في الأصول والفروع، كالغلو في التقليد في الفقه وشيوعِ البدع وانتشارِ الشرك وعبادةِ القبور، فدعا إلى تجريد التوحيد لله والمتابعةِ لرسوله بالحجة، وآزرَهُ الإمامُ محمد بن سعود بالسيف، فانتشرت دعوتُه وتلقاها أهلُ الإنصاف بالثناء.
وما هي إلا تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته الشامية، فمبعثها نجديٌ وحقيقتها شامية، جدّد بها مدرستَهُ بعد أن كان يُنادى قلعة دمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه!
6 095
تحميل كتابي: أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري - دراسة تحليلية لأسباب تحايد الإمام البخاري عن الراوي (جعفر الصادق أنموذجا).
الكتاب دراسة في منهج البخاري النقدي، وأسسه في اختيار رجال صحيحه، وأسباب تحايده عن بعض الثقات، مع روايته عمّن هم دونهم في الحفظ والإتقان، وهو محاولة لتجديد منهج النقد التاريخي عند المحدثين.
وأسعد بملاحظاتكم وآرائكم النقدية.
#فوائد_حديثية
#جديد_الكتب
6 095
طلبُ الفقهِ «بدليلِه» والحرصُ على اتباع القول الأقرب للسُّنَّة مطلبٌ شريفٌ ومقصدٌ رفيع، لا يُذمُّ طالبُه ولا يُوبَّخُ قاصدُه، وهو مسلك أهل العلم المحققين قديمًا وحديثًا، وليس في سلوك هذه الطريقة الأثرية تحقير لفقه الأئمة المتبوعين، ولا تجريد لهم عن طلب الحق بدليله؛ بل طالب الفقه «بدليله» لا يخرج عن مذاهب فقهاء الأمصار، ولا يتبع شذوذ الأقوال ومهجور الآراء، فضلًا عن خرق إجماع الأمة المتيقّن، وإنما يخرج من ضيق "معتمدات المتأخرين" إلى سعة مذاهب السلف واختياراتهم الفقهية.
والناس لا يفرّقون بين التزامِ مذهبٍ للتعلُّم والتعليم، وبين التعبُّد به، أو الإفتاء به، أو القضاء به بين الناس، وهذه مراتب مختلفة لا يلزم المتمذهِبُ أن يسير فيها سيرة واحدة، فتعلُّم الفقه على مذهبٍ واحدٍ، وضبطُ مسائله، ومعرفةُ أصوله العامة وأدلته وتعليلاته التفصيلية = هو المتعيّن سلوكه ابتداءً لإتقان الفقه وبناء الملَكة الفقهية في نفس طالب العلم، وكذا مَن ينتدب لتدريس "الفقه المذهبي" يلزمه شرح المتن على مراد مؤلفه، وألّا يخرج عن نمط النظام المذهبي في التعليم؛ لأنَّ هذه المتون وُضعت لأجل هذا.
أما التعبُّد بالمذهب، أو الإفتاء بمشهوره، أو القضاء به؛ فلا يلزم المتمذهب، بل يجوز له أن يتعبّد بغير المذهب، ويفتي بخلافه، ويقضي بسواه؛ لقوة دليل المخالف عنده أو لمصلحة راجحة أو لغير ذلك من الاعتبارات العلمية الموجبة لمخالفة المذهب، ولا يُخرجه ذلك عن مذهبه، بل هو سالك طريقة المحققين من أهل العلم، ولا يُخرِجه من جملة التمذهبين إلا مَن ابتُلي بالتقليد الرث ومَن يهرف بما لا يعرف!
6 095
شرح الزرقاني هو خلاصة الشروح الثلاثة على الموطأ: التمهيد لابن عبد البر، والمنتقى للباجي، والمسالك لابن العربي. مع نكت وزيادات مفيدة، لكن عنده ضعف في الصنعة الحديثية، ويُعوض هذا النقص بغيره.
6 095
شرح نزهة النظر للحافظ ابن حجر
https://youtube.com/playlist?list=PLEmljxYZ3_CI&si=RjtQ-fEKfC9v3AHB
6 095
Repost from أحسن موسي
الرد على شبهة تأويل مالك لحديث النزول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أمعين، أما بعد؛
فمذهب أهل السنة والجماعة في الصفات واضح جلي، ومبني على قواعد متينة من كتاب الله وسنة رسوله وفهم السلف الصالح؛ لذلك لا يتناقض بخلاف منهج المبتدعة، فمرة يحرفون، ومرة يفوضون، ومرة يتوقفون، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: 5] قال قتادة: "من ترك الحق مرج عليه رأيه، والتبس عليه دينه" تفسير الطبري (21/ 407).
ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة: أن الله ينزل كل ليلة للسماء الدنيا كما جاء في الحديث، نزولا يليق بجلاله، وشأنه شأن جميع الصفات، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وحديث النزول أخرجه مالك في الموطأ –ت الأعظمي-(724/ 237 -)، ومن طريقه البخاري (1145)، ومسلم (758)، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر وعن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ليلة إلى السماء الدنيا. حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له ؟".
وهو حديث متواتر رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسا من الصحابة، وساق ابن القيم -كما في مختصر الصواعق -ت العلوي- (3 /1125 -1207) - طرقها وألفاظها. وألف فيه العلماء؛ منهم الدارقطني وكتابه معروف، والذهبي.
قال الذهبي: " وقد ألَّفتُ أحاديث النزول في جزء وذلك متواتر أقطع به" . وقال أيضا: " وأحاديث نزول الباري تعالى متواترة قد سقت طرقها وتكلمت عليها بما أسأل عنه يوم القيامة فلا قوة إلا بالله العلي العظيم" . العلو للعلي الغفار (ص91)، (ص100).
ولا أعلمه مطبوعا، وذكره أيضا سبط ابن حجر في رونق الألفاظ –ت الشيخلي- (1 /329). وذكره من قبل ابن تغري بردي كما في نقل ابن العماد في شذرات الذهب (8 /268)، ولم أجده في المطبوع من المنهل الصافي، وذكر بشار عواد معروف في كتابه الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام (ص144) أنه في مخطوطته (الورقة 70).
وعقيدة أهل السنة في إثبات النزول متفق عليه بين أهل السنة، وحكى فيها الإجماع غير واحد:
قال الدارمي في الرد على الجهمية للدارمي - ت بدر البدر- (ص93): "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم برد، وتشمروا لدفعها بجد".
وقال ابن خزيمة: " باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه ، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، أعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك، ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه، من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول" ا لتوحيد (1/ 289-290).
وهي عقيدة الإمام مالك نفسه، وهذان نقلان عنه:
1- قال ابن أبي زمنين: "أخبرني وهب عن ابن وضاح، عن زهير بن عبَّاد قال: كل من أدركت من المشايخ: مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى وابن المبارك ووكيع كانوا يقولون: النزول حق" أصول السنة –ت الرياشي -(ص62).
وابن وضاح وإن كان فيه مقال إلا أنه رأس في الحديث وصدوق وعاقل؛ إذ " كان أحمد بن خالد [وهو ابن الجبَّاب] لا يقدم على ابن وضاح أحدا ممن أدرك بالأندلس وكان يعظمه جدا، ويصف فضله وعقله وورعه، غير أنه كان ينكر عليه كثرة رده في كثرةٍ من الأحاديث، وكان ابن وضاح كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في شيء وهو ثابت من كلامه صلى الله عليه وسلم"، وقال الذهبي: " هو صدوق في نفسه، رأس في الحديث". ينظر: تاريخ علماء الأندلس (2/ 18)، والميزان (8290).
2- قال الترمذي (662): "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف؟ هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه".
وآن الأوان لنقض شبهتهم: أن الإمام مالك أوَّل حديث النزول، وقال: "ينزل أمره" فأقول وبالله التوفيق:
6 095
الاستناد إلى "جهل الناسخ" لنفي نسبة الكتاب إلى صاحبه ضربٌ من الجهل بطرق إثبات الكتب، فالعبرة بشهرة الكتاب بين الرواة، وبالنقل عنه بالأسانيد الصحيحة، وبمطابقة أسانيده لأسانيد المصنِّف في كتبه الأخرى، وغير ذلك من وسائل ثبوت الكتب لأصحابها.
ومن أمثلة ذلك: تشكيك بعض الناس في نسبة كتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد، مستندًا إلى جهل ناسخه، وهو أبو النضر السمسار.
وهذه حجة متهافتة؛ لأن كتاب "السنة" كان يُروى مشافهة، وبسبب شهرته قام بعض النُّساخ بكتابته بعد سماعه، والعمدة في ذلك ليست على النُّسّاخ، بل على ما نقله الثقات من تلامذة تلاميذ عبد الله بن أحمد، ومن ذلك:
١- رواية ابن منده في "الإيمان" و"التوحيد"، عن شيخه أحمد بن عمر، عن عبد الله بن أحمد.
٢- رواية أبي بكر النجاد في "الرد على من قال القرآن مخلوق"، وقد نقل جزءًا كبيرًا من الكتاب، وهو مطابق إلى حدٍّ كبير للنسخة الموجودة بين أيدينا من كتاب السنة، حتى في الترتيب.
٣- رواية أبي القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"، الذي نقل أيضًا جزءًا كبيرًا من الكتاب.
٤- إضافة إلى ذلك، فإن جميع الأحاديث المرفوعة في كتاب "السنة" التي يرويها عبد الله عن أبيه موجودة في "المسند".
وبذلك يتضح أن التشكيك في نسبة الكتاب استنادًا إلى جهل الناسخ ليس إلا سخفًا وضعفًا في منهجية نقد الكتب.
6 095
الحكم على والدي النبي صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز فيه أهل العلم ما ورد في الأخبار الثابتة، ويكتفون بذلك، ولا يتكلمون فيما وراءه من أمور غير منصوص عليها، أما توسيع الكلام فيما يُظن من مقتضيات عدم النجاة كالتصريح بالبغض أو الشتم، فهذا من البدع القبيحة، وهو إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وخروج عن إجماع المسلمين وسنن السلف.
أما بالنسبة للحديثين الواردين في عدم نجاة الوالدين، وهما حديث أنس وحديث أبي هريرة، فهما صحيحان وفق قواعد المتأخرين؛ لاحتجاج صاحب الصحيح بهما، بل هذا الاحتجاج من القرائن الدالة على إفادة العلم بثبوت الحديث عند كثير من الأصولين والمحدثين.
وقد أنكر علينا بعض أهل الأهواء إعلال حديث علي رضي الله عنه: «لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»؛ بحجة احتجاج مسلم به، مع أن بعضهم لا يتردد في إعلال الحديثين اللذين احتج بهما مسلم أيضا في صحيحه، مع أن إسنادهما أصح بكثير من إسناد حديث علي عند من يفهم هذا الشأن.
ومع ذلك، فلا أميل إلى صحة الحديثين، بل أرجح عدم ثبوتهما حتى مع سلامة إسنادهما في الظاهر. ومن عادة نقاد الحديث إذا استنكروا متنَ حديثٍ أن يبحثوا عن علةٍ في إسناده، ولو بغير ما يُعلون بمثله عادةً. وموجب ذلك أن ظاهر متن الحديثين معارض لما ورد في القرآن من نفي العذاب قبل بعثة الرسل، كما في قوله تعالى: {وما كنّا معذِّبين حتى نبعث رسولًا}، إضافة إلى أن نذارة العرب لم تتحقق إلا ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {لِتُنذر قومًا ما أتاهم من نذيرٍ من قبلك}، وبالتالي فظاهر الحديثين معارض بهاتين الآيتين وما في معناهما، مما يستدعي البحث في إسنادهما.
وبعد التفتيش؛ وجدنا أن الحمل في حديث أنس على حماد بن سلمة، فإنه وإن كان ثبتًا في ثابت إلا أنه روى عنه مناكير، لذلك أعرض عنه البخاري حتى في حديثه عن ثابت، ووجدنا الحمل في حديث أبي هريرة على يزيد بن كيسان، لكلام بعض النقاد فيما ينفرد به من أوهام.
ولا يعني إعلال الحديثين القول بضدهما وهو الجزم بالنجاة، كما ذهب إلى ذلك بعض الناس استنادًا إلى بعض الأخبار الموضوعة أو انسياقًا خلف العاطفة، بل هذا من الأمور الموكول علمها إلى الله، ونسأل الله أن يقر عين رسوله صلى الله عليه وسلم بنجاتهما.
