fa
Feedback
مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ

مؤيّد | نَثْرُ متألِّهٍ

رفتن به کانال در Telegram

إنّما أجمع حسن المنتثر وشرف المختار، وأخطّ منها حقيق المنتهج وأسنى الأفكار! مراتِعُ متألِّه: https://t.me/EmberThought https://t.me/N7olsanal3rb https://t.me/nhgmntaq https://t.me/almktnz https://t.me/fhrstbrhan https://t.me/lsn3db

نمایش بیشتر
1 248
مشترکین
-124 ساعت
+27 روز
+1730 روز
آرشیو پست ها
[في السّؤال والطّلب العلمي، وبيان ما ليس له ومنه] لوْ كانَ كلُّ سؤالٍ وطلبٍ علميًّا لكانَ كلُّ جوابٍ وقياسٍ أوْ حجةٍ يؤتَى بهَا تعليمًا أيضًا؛ لأنَّ القياسَ والحجةَ تستعملُ مَا يكونُ لدى الطالبِ ولا يرى أنهُ يحتاجُ إلى طلبٍ بلْ يقرُّ بهِ بتلقائيةٍ، وكذَا الطّلبُ نفسُهُ ينطلقُ ممَّا تقدمَ الإقرارُ بهِ بتلقائيةٍ وأُلِّفَتْ في الوقتِ نفسِهِ إلى نقصِهِ فَطُلِبَ تتميمُهُ، أيْ يسألُ عَنِ الناقصِ. ولوْ كانَ كلُّ مَا يقرُ بهِ بتلقائيةٍ علمًا وصوابًا، ولوْ كانتِ التلقائيةُ الإدراكيةُ والنزوعيةُ ملازمةً للنشوءِ عمَّا هوَ حقٌّ بنحوٍ أوليٍّ ومباشرٍ، لكانتْ كلُّ ممارسةٍ إدراكيةٍ حقًّا وعلمًا، سواءً أكانتْ مرحلةً أولى أيْ سؤالًا وطلبًا أوْ مرحلةً أخيرةً أيْ دليلًا وجوابًا. هذا كلهِ فضلاً عنْ ضرورةِ تقدمِ معرفةٍ سابقةٍ على الطلبِ حتى ينشأَ الطلبُ، أعني أنَّ الطلبَ لا يكونُ طلبًا ابتدائيًّا ومطلقًا بلْ هوَ دائمًا طلبُ تتميمِ المعرفةِ، بحيثُ إنَّ مَنْ يطلبُ سواءً في طلبِ كونِ الشيءِ أوْ سببِهِ أوْ ماذا يكونُ، ليسَ مجهولًا بنحوٍ مطلقٍ كونُهُ أوْ سببُهُ أوْ ماذا يكونُ، بلْ لا بدَّ أنْ يكونَ معلومًا مقدمًا بنحوٍ مِنَ الكونِ ونحوٍ مِنَ السببِ ونحوٍ منْ ماذا يكونُ، ممَّا يعني أنَّ مَا نطلبُهُ هوَ تتميمُ المعرفةِ بكونِهِ أوْ سببِهِ أوْ ماذا يكونُ، ليسَ أصلَ المعرفةِ بهِ مِنْ جهتهَا. وفوقَ هذا وذاكَ، إنَّ التغايرَ بينَ معرفةِ الكونِ مطلقًا ومقيدًا ومعرفةِ السببِ ومعرفةِ ماذا يكونُ ليسَ تغايرًا مطلقًا؛ فقدْ رأينَا أنَّ البرهانَ الذي يعطينَا المعرفةَ بنسبةِ شيءٍ إلى شيءٍ يكونُ مِنْ طريقِ السببِ وفي طولِ ماذا يكونُ كلُّ واحدٍ منهَا، بلْ إنَّ مَا يعرفُنَا البرهانُ كونَهُ للحدِّ الأولِ يصيرُ الحدَّ الأولَ مأخوذًا في ماذا يكونُ، بلْ إنَّ المعرفةَ بالحدِّ الثالثِ في البرهانِ لمْ تكنْ معرفةً بأصلِ كونِهِ، بلْ هوَ مِنَ الأمورِ التي يعلمُ كونُهَا المطلقُ للجنسِ ولكنْ يجهلُ كونُهَا بنحوٍ خاصٍّ لهذا وذاكَ مِنْ أنواعِ الجنسِ. وإذَا كانَ كذلكَ، فمِنَ البينِ أنَّ في البينِ اتحادًا مَا بينَ (الكونِ) و(السببِ) و(ماذا يكونُ؟)، وبينَ معرفةِ كلِّ واحدٍ منهَا، ومِنْ ثَمَّ بينَ طلبِ كلِّ واحدٍ منهَا. وإذَا كانَ كذلكَ، فلا زالَ في البيّنِ مَا يحتاجُ أنْ يعرفَ ويُستقصَى عَنْ هذهِ المطالبِ والمعارفِ، بحيثُ إنَّ مَا يبدو لنَا مِنْ تغايرِهَا وتعدُّدِهَا ليسَ بكافٍ للاتّكالِ عليهِ في البحثِ عَنْ سبيلِ العلمِ لنصيرَ مَنْ الذينَ يعلمونَ. [محمد ناصر، السّبيل، ص264-265].

لا فرقَ بينَ الطلبِ والبرهانِ في أنَّهُمَا يشرعانِ منْ معارفَ سابقةٍ، ولا طلبَ إلا منْ معرفةٍ سابقةٍ تمامًا كمَا لا برهانَ إلا منْ معرفةٍ سابقةٍ، وإذَا لمْ تكنِ المعرفةُ السابقةُ نفسُهَا معرفةً وعلمًا بنحوٍ مطلقٍ بلْ بالعرضِ، فالطلبُ أيضًا لنْ يكونَ طلبًا علميًّا إلا بالعرضِ؛ كمَا أنَّ القياسَ والاحتجاجَ والتدليلَ على قضيةٍ مَا قدْ يكونُ بيانًا تعليميًّا لهَا أيْ برهانًا وقدْ يكونُ غيرَ ذلكَ، فكذلكَ الحالُ في الطلبِ أوْ قل في طرحِ السؤالِ؛ فهوِ قدْ يكونَ علميًّا أيْ بالنحوِ الذي يتقدمُ التعلمَ والتعليمَ، ويشكلُ مرحلةً أولى منهُ، وقدْ يكونُ بخلافِ ذلكَ. [محمد ناصر، السّبيل، ص264].

مَا يبدو لنَا هوَ مَا يتبادرُ، والتبادرُ كثيرًا مَا ينشأُ منْ أحوالِ الذهنِ أوِ النزوعِ التي توجبُ اقتصارَ مَا يحضرُ بالتبادرِ على ملائمهَا، وملائمُهَا قدْ يكونُ بعضُ مَا يجري حقيقةً، وقدْ يكونُ ضدَّ مَا يجري حقيقةً إمَّا بالمطلقِ أوْ بالجزءِ. [محمد ناصر، السّبيل، ص264].

Repost from N/a
[فهرس كتاب المناهج]
+6
[فهرس كتاب المناهج]

[توطئةٌ في عُلْقَةِ البرهان بالحدّ] كمَا كنَّا نطلبُ العلمَ بالنسبةِ فنشرعُ نتعلمُ فنعلمُهَا بعلمِنَا بالبرهانِ، ويكونُ العلمُ بالبرهانِ متضمنًا لهذهِ العلومِ الأربعةِ وليسَ للعلمِ بالنسبةِ فقطْ، فكذلكَ الحالُ في طلبِنَا للعلمِ منْ أولِ الأمرِ، فإنهُ لا يقتصرُ على طلبِ العلمِ بالنسبةِ، بلْ يجري منَّا عليهَا جميعًا، بحيثُ إنّ عددَ العلومِ التي نطلبُهَا أوِ الأمورِ والجهاتِ التي نطلبُ علمَهَا عنِ الأمورِ، مساوٍ لعددِ العلومِ التي نحوزُهَا. وهذا الأمرُ بيّنٌ بدوًا منْ أنَّنَا قدْ نعلمُ بالنسبةِ وحدَهَا منْ دونِ العلمِ بالسببِ الأوليِّ ولماذا، فنطلبُ منْ جديدٍ العلمَ بهِ، وإذَا مَا علمنَا السببَ الأوليَّ ولماذا، تمَّ العلمُ. كمَا أنَّنَا قدْ نملكُ في أذهانِنَا تصورًا لمَا يدلُ عليهِ اللفظُ منْ دونِ أنْ يكونَ لدينَا علمٌ حاضرٌ بأنَّ مَا تصورنَاهُ مِنَ اللفظِ تصورٌ لمَا يكونُ وليسَ مجردَ تركيبٍ متخيلٍ متناقضٍ، أيْ: لا نجدُ لدينَا علمًا حاضرًا بكونِهِ الأوليِّ والمطلقِ وبمعنى كانَ التامةِ، وحينئذٍ نطلبُ العلمَ بكونِهِ بهذا المعنى وليسَ بمعنى كونِ شيءٍ لهُ أوْ كونِهُ هوَ لشيءٍ مثلَ كونِهِ أبيضَ أوْ مساويًا لشيءٍ آخرَ أوْ كونِهُ للإنسانِ أوْ لزوايا المثلثِ، أيْ: ليسَ بكونِهِ كونًا ثانٍ ومقيدًا بلْ بكونِهِ الأوليِّ والمطلقِ. وفوقَ ذلكَ، قدْ نرى أنَّنَا نعلمُ بالكونِ المطلقِ لشيءٍ، ومعَ ذلكَ نجدُنَا نطلبُ العلمَ بماذا يكونُ، بحيثُ يبدو لنَا أنَّنَا نعلمُ بكونِهِ ولكنْ لا نعلمُ ماذا يكونُ، فنطلبُ العلمَ منْ هذهِ الجهةِ. ومنْ ثَمَّ كمَا بحثنَا عنْ سبيلِ العلمِ بالنّسبةِ وبانَ أنّهُ البرهانُ، علينَا أنْ نبحثَ عنْ سبيلِ العلمِ بالأمورِ الأخرى، ليسَ لأجلِ أنَّنَا نحتاجُ إلى أنْ نعلمَهَا بخصوصِهَا بمعزلٍ عَنِ العلمِ بالبرهانِ فحسبُ، بلْ لأنَّ العلمَ بالبرهانِ يرتبطُ بهَا بنحوٍ مَا أيضًا، كمَا سيتبينُ عمَّا قريبٍ، ومنْ ثَمَّ نحنُ نحتاجُ إلى معرفةِ سبيلِ العلمِ بهَا، فنتبينُ هلْ في البيّنِ سبيلٌ آخرَ غير البرهانِ للعلمِ؟ أوْ أنَّ جميعَ هذهِ الأمورِ تعلمُ أولًا بدونِ برهانٍ، أوْ هيَ تعلمُ في طولِ البرهانِ بنحوٍ آخرَ، أوْ بعضُهَا كذلكَ والبعضُ الآخرُ ليسَ كذلكَ، ثمَّ كيفَ يجري الأمرُ في كلِّ واحدٍ منهَا؟ [محمد ناصر، السّبيل، ص262-263].

[توطئةٌ في عُلْقَةِ البرهان بالحدّ] كمَا كنَّا نطلبُ العلمَ بالنسبةِ فنشرعُ نتعلمُ فنعلمُهَا بعلمِنَا بالبرهانِ، ويكونُ العلمُ بالبرهانِ متضمنًا لهذهِ العلومِ الأربعةِ وليسَ للعلمِ بالنسبةِ فقطْ، فكذلكَ الحالُ في طلبِنَا للعلمِ منْ أولِ الأمرِ، فإنهُ لا يقتصرُ على طلبِ العلمِ بالنسبةِ، بلْ يجري منَّا عليهَا جميعًا، بحيثُ إنّ عددَ العلومِ التي نطلبُهَا أوِ الأمورِ والجهاتِ التي نطلبُ علمَهَا عنِ الأمورِ، مساوٍ لعددِ العلومِ التي نحوزُهَا. وهذا الأمرُ بيّنٌ بدوًا منْ أنَّنَا قدْ نعلمُ بالنسبةِ وحدَهَا منْ دونِ العلمِ بالسببِ الأوليِّ ولماذا، فنطلبُ منْ جديدٍ العلمَ بهِ، وإذَا مَا علمنَا السببَ الأوليَّ ولماذا، تمَّ العلمُ. كمَا أنَّنَا قدْ نملكُ في أذهانِنَا تصورًا لمَا يدلُ عليهِ اللفظُ منْ دونِ أنْ يكونَ لدينَا علمٌ حاضرٌ بأنَّ مَا تصورنَاهُ مِنَ اللفظِ تصورٌ لمَا يكونُ وليسَ مجردَ تركيبٍ متخيلٍ متناقضٍ، أيْ: لا نجدُ لدينَا علمًا حاضرًا بكونِهِ الأوليِّ والمطلقِ وبمعنى كانَ التامةِ، وحينئذٍ نطلبُ العلمَ بكونِهِ بهذا المعنى وليسَ بمعنى كونِ شيءٍ لهُ أوْ كونِهُ هوَ لشيءٍ مثلَ كونِهِ أبيضَ أوْ مساويًا لشيءٍ آخرَ أوْ كونِهُ للإنسانِ أوْ لزوايا المثلثِ، أيْ: ليسَ بكونِهِ كونًا ثانٍ ومقيدًا بلْ بكونِهِ الأوليِّ والمطلقِ. وفوقَ ذلكَ، قدْ نرى أنَّنَا نعلمُ بالكونِ المطلقِ لشيءٍ، ومعَ ذلكَ نجدُنَا نطلبُ العلمَ بماذا يكونُ، بحيثُ يبدو لنَا أنَّنَا نعلمُ بكونِهِ ولكنْ لا نعلمُ ماذا يكونُ، فنطلبُ العلمَ منْ هذهِ الجهةِ. ومنْ ثَمَّ كمَا بحثنَا عنْ سبيلِ العلمِ بالنّسبةِ وبانَ أنّهُ البرهانُ، علينَا أنْ نبحثَ عنْ سبيلِ العلمِ بالأمورِ الأخرى، ليسَ لأجلِ أنَّنَا نحتاجُ إلى أنْ نعلمَهَا بخصوصِهَا بمعزلٍ عَنِ العلمِ بالبرهانِ فحسبُ، بلْ لأنَّ العلمَ بالبرهانِ يرتبطُ بهَا بنحوٍ مَا أيضًا، كمَا سيتبينُ عمَّا قريبٍ، ومنْ ثَمَّ نحنُ نحتاجُ إلى معرفةِ سبيلِ العلمِ بهَا، فنتبينُ هلْ في البيّنِ سبيلٌ آخرَ غير البرهانِ للعلمِ؟ أوْ أنَّ جميعَ هذهِ الأمورِ تعلمُ أولًا بدونِ برهانٍ، أوْ هيَ تعلمُ في طولِ البرهانِ بنحوٍ آخرَ، أوْ بعضُهَا كذلكَ والبعضُ الآخرُ ليسَ كذلكَ، ثمَّ كيفَ يجري الأمرُ في كلِّ واحدٍ منهَا؟

إنّ العلمَ بالبرهانِ يتضمنُ عدةَ علومٍ أوْ قلْ علمًا بعدةِ أمورٍ، بعدةِ أنحاءَ منَ العلمِ. فالعلمُ بالبرهانِ يتضمنُ: علمًا بكونِ الجنسِ الذي تنتمي إليهِ الحدودُ بأحدِ نحويِ الانتماءِ المتقدمينِ، وبماذا يكونُ هذا الجنسُ، وعلمًا بكونِ الحدِّ الأولِ وبماذا يكونُ الحدُّ الأولُ، علمًا بنسبةِ الحدِّ الأوسطِ إليهِ وبماذا يكونُ الحدُ الأوسطُ، وعلمًا بنسبةِ الحدِّ الثالثِ إلى الأوسطِ، ثمَّ إلى الأولِ وبماذا يكونُ هذا الحدُّ الثالثُ، ومنْ ثَمَّ علمًا بأنَّ ذينكَ النسبتينِ سببٌ للنتيجةِ، أيْ: لنسبةِ الحدِّ الثالثِ إلى الأولِ، ثمَّ إذا كانَ الحدُّ الأوسطُ سببًا أوليًّا للحدِّ الثالثِ فيكونُ البرهانُ متضمنًا لعلمِ (لماذا يكونُ الحدُّ الثالثُ للأولِ؟)، وبهِ يكونُ برهانًا مطلقًا وتامًّا. وإذا كانَ كذلكَ، فمنَ البينِ أيضًا أنَّ في كلِّ برهانٍ مطلقٍ وتامٍّ أربعةَ أنحاءَ منَ العلمِ بالأمورِ: أوّلُهَا: علمٌ بكونِ شيءٍ كونًا أوليًّا ومطلقًا وعلى نحوٍ بسيطٍ، أيْ على معنى "كانَ التامةِ". وثانيِهَا: علمٌ بالنسبةِ وهيَ كونُ شيءٍ لشيءٍ أوْ عدمُهُ، أيْ: علمٌ بكونٍ ثانٍ ومقيدٍ ومركبٍ وعلى معنى "كانَ الناقصةِ". وثالها: علمٌ بـ(لماذا؟)، أيْ: بالسببِ الأوليِّ للنسبةِ. ورابعُهَا: علمٌ بـ(ماذا يكونُ الشيءُ؟) الذي علمَ كونُهُ. [محمد ناصر، السّبيل، ص261-262].

"الأخلاقُ في رأيي هيَ: الطريقةُ لتنظيمِ الشخصيّةِ الفرديّةِ، على مقتضى الواجباتِ العامّةِ، فالإصلاحُ فيها إنّما يكونُ منْ عملِ هذهِ الواجباتِ، أيْ: منْ ناحيةِ المجتمعِ والقائمينَ على حكمِهِ. وعندي: أنّ للشعبِ ظاهرًا وباطنًا؛ فباطنُهُ هوَ: الدّينُ الذي يحكمُ الفردَ، وظاهرُهُ هوَ: القانونُ الذي يحكمُ الجميعَ، ولنْ يصلحَ للباطنِ المتصلِ بالغيبِ، إلا ذلكَ الحكمُ الدّينيُّ المتصلُ بالغيبِ مثلُهُ؛ ومنْ هنا تتبيّنُ مواضعُ الاختلالِ في المدنيّةِ (الأوربيّةِ) الجديدةِ؛ فهيَ في ظاهرِ الشعبِ دونَ باطنِهِ، والفردُ فاسدٌ بها في ذاتِ نفسِهِ، إذا هوَ تحلَّلَ منَ الدّينِ، ولكنَّهُ معَ ذلكَ يبدو صالحًا، منتظمًا في ظاهرِهِ الاجتماعيِّ، بالقوانينِ وبالآدابِ العامّةِ، التي تفرضُها القوانينُ، فلا يبرحُ هازئًا منَ الأخلاقِ ساخرًا بها؛ لأنَّها غيرُ ثابتةٍ فيهِ، ثمَّ لا تكونُ عندَهُ أخلاقًا يُعْتَدُّ بها، إلا إذا درَّتْ بها منافعُهُ، وإلا فهيَ ضارَّةٌ إذا كانتْ منها مَضَرَّةٌ، وهيَ مؤلِمَةٌ إذا حالتْ دونَ اللَّذَّاتِ. ولا ينفكُّ هذا الفردُ يتحوَّلُ؛ لأنَّهُ مُطْلَقٌ في باطنِهِ، غيرُ مقيّدٍ إلا بأهوائِهِ ونزعاتِهِ، وكلمتا الفضيلةِ والرذيلةِ: معدومتانِ في لغةِ الأهواءِ والنزاعاتِ؛ إذِ الغايةُ: المتاعُ واللَّذَّةُ والنجاحُ، وليكنِ السببُ ما هوَ كائنٌ!". — الرّافعيّ.

﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾

(جيانكارلو اسبوزيتو) وهو غاس فرينغ في بريكنق باد، قد أسلم.

[كيف علمنا المبادئَ الأولى؟ وهي الأوليّات العقليّة] لقد صار واضحا بالنسبة إلى القياس والبرهان ماذا يكون كل واحد منهما، وكيف يتشكل، وتوضح في الوقت نفسه ماذا يكون العلم البرهاني أيضا (إذ هما شيء واحد بعينه). أما المبادئ، كيف تصير معروفة، وما الاستعداد الذي به نعرف، فسيصير واضحا مما يلي. ولنبدأ مما يوجب الحيرة فيها؛ فقد تبين فيما سبق أنه لا يمكننا أن نعلم شيئا بالبرهان ما لم يكن عندنا معرفة بالمبادئ الأول المباشرة. ولكن قد يتحير امرؤ في نحو معرفتنا بالمباشرة: هل هو النحو عينه أو لا؟ وما إذا كان لأحدهما علم، وللأخرى جنس ما آخر؟ وأيضا: ما إذا كانت الاستعدادات تتشكل فينا بعد أن لم تكن؟ ما دمنا لا نجدها فينا، أو هي فينا ولكن لا نلتفت إليها. ولكن من المحال أن نكون مالكين لها من أول الأمر، وإلا لزم أن يكون لدينا معارف هي أكمل من البرهان من دون أن نكون ملتفتين إليها. ثم، إذا لم نكن مالكين لها من أول الأمر، فكيف أمكن لنا —إذن— أن نصير عارفين بها ونتعلمها من دون أن يكون لدينا معرفة سابقة؟ فهذا، كما قلنا في بحث البرهان، محال. فإذن: من البين —من جهة— امتناع أن نكون مالكين لها من أول الأمر، ومن البين من جهة أخرى، امتناع صيرورتها لنا بينما نحن فاقدون بنحو مطلق للمعرفة ولا نملك أي استعداد. وإذا كان كذلك، فالنتيجة إذن هي ضرورة أن يكون لدينا استعداد ما ولكن لا بالنحو الذي يجعل منه أكمل من تلك المبادئ. وهذا بالضبط ما يظهر في جميع الحيوانات؛ فجميعها تملك استعداد تمييز فطري، وهو ما يسميه الناس بالإدراك الحسي. ولكن بينما تملك جميعها الإدراك حسي، فإن بعضها يملك ما يخوله الاحتفاظ بما يدركه بالحس، أما البعض الآخر فلا يملك ذلك. والتي لا تملكه لا تعرف خارج عملية الإحساس، إما مطلقا، أو خصوص ما لا ينحفظ. وبعض التي تعرف تملك شيئا آخر في النفس، بحيث عندما يتكرر وقوع ذلك بكثرة، تصل النوبة إلى اختلاف آخر، حيث يكون لدى بعض الحيوانات ما تستعد به، في طول احتفاظها بتلك الأمور، لأن يقع لديها ما هو بيان الشيء. فالنتيجة إذن —كما قلنا—: هي إن الإدراك الحسي يتبعه احتفاظ بما أدرك، ثم من تكثر المحفوظات عن الشيء عينه، تتشكل التجربة؛ وذلك إن المحفوظات الكثيرة العدد عن الشيء عينه تشكل تجربة واحدة. ثم، بعد التجربة، أو قل بعد وقوف النفس على الكل الكلي، وهو الأمر الذي تشترك به الكثرة بوصفه واحدا وبالذات فيها جميعا، تبلغ منه إلى تلك التي هي مبادئ للصناعة والتعليم، للصناعة في الأشياء من حيث إنها تعمل؛ وللتعليم في الأشياء من حيث إنها تكون. ومن ثم: من البين إن امتلاكنا لهذه الاستعدادات لا يكون مفصلا من أول الأمر، ولا هو يحصل بتوسط استعداد آخر أكمل، بل تصير لدينا من الحس بالنحو الذي يستعيد به الجيش ثباته عقيب التقهقر، حيث يصمد جندي فيتبعه آخر ثم آخر حتى يعودوا إلى الحالة الأولى؛ فالنفس شيء مستعد لجريان شيء من هذا القبيل عليها. ولتوضيح ما قيل للتو ولا زال غير واضح كفاية، أقول مرة أخرى: إنه عندما تقف النفس على واحد من الأشياء غير المنفصلة بالذات عن بعضها البعض، يكون لدى النفس الكلي الأول، فمع إننا نواجه بالحس الأشخاص، إلا أن الإدراك يكون للكلي، أي الإنسان، وليس لإنسان زيد، ثم تقف ضمن هذا من جديد على أشياء، حتى تبلغ إلى أشياء لا جزء لها وكلية، مثل من هذا الضرب من الحيوان على الحيوان؟ ثم يجري الأمر بالنحو عينه على هذا. وبهذا يتبين أن الانقياد إلى المعرفة بالأوائل يجب أن يقع في طول الاستقراء؛ إذ بهذا النحو ننقاد عبر الحس إلى استقرار الكلي. والآن، بما أن الاستعدادات الذهنية التي نملكها ويقع لنا من خلالها الحق، بعضها يوقع الحق دائما، بينما يمكن للبعض الآخر أن يغلط، مثل الرأي والفكر، بخلاف العلم والعقل، فهما يوقعان الحق دائما، وليس من بين استعدادات إيقاع الحق نوع أكمل من العلم إلا العقل، وحيث إن مبادئ البرهان أعرف من البراهين،كل علم يشتمل على بيان، والعلم لا يكون للمبادئ، وليس إلى جانب العلم ما يمكن أن يوقع الحق سوى العقل، فمن البين إذن إن العقل هو الذي يكون للمبادئ، سواء انطلقنا من ملاحظة الأمور التي ذكرناها، أو اكتفينا بقول: "كما أن مبدأ البرهان ليس برهانا فكذلك مبدأ العلم ليس علما". وبما أننا لا نملكُ من أنواعِ ما هو حقٌ إلى جانبِ العلمِ إلا العقلُ، فإذن العقلُ هو المبدأُ للعلمِ، فيكونُ المبدأُ للمبدأِ، وكلُّ جزءٍ هو بالنحوِ عينهِ للكلِ. [أرسطو، السّبيل، ص104-106].

(النص) لقد صار واضحا بالنسبة إلى القياس والبرهان ماذا يكون كل واحد منهما، وكيف يتشكل، وتوضح في الوقت نفسه ماذا يكون العلم البرهاني أيضا (إذ هما شيء واحد بعينه). أما المبادئ، كيف تصير معروفة، وما الاستعداد الذي به نعرف، فسيصير واضحا مما يلي. ولنبدأ مما يوجب الحيرة فيها؛ فقد تبين فيما سبق أنه لا يمكننا أن نعلم شيئا بالبرهان ما لم يكن عندنا معرفة بالمبادئ الأول المباشرة. ولكن قد يتحير امرؤ في نحو معرفتنا بالمباشرة: هل هو النحو عينه أو لا؟ وما إذا كان لأحدهما علم، وللأخرى جنس ما آخر؟ وأيضا: ما إذا كانت الاستعدادات تتشكل فينا بعد أن لم تكن؟ ما دمنا لا نجدها فينا، أو هي فينا ولكن لا نلتفت إليها. ولكن من المحال أن نكون مالكين لها من أول الأمر، وإلا لزم أن يكون لدينا معارف هي أكمل من البرهان من دون أن نكون ملتفتين إليها. ثم، إذا لم نكن مالكين لها من أول الأمر، فكيف أمكن لنا —إذن— أن نصير عارفين بها ونتعلمها من دون أن يكون لدينا معرفة سابقة؟ فهذا، كما قلنا في بحث البرهان، محال. فإذن: من البين —من جهة— امتناع أن نكون مالكين لها من أول الأمر، ومن البين من جهة أخرى، امتناع صيرورتها لنا بينما نحن فاقدون بنحو مطلق للمعرفة ولا نملك أي استعداد. وإذا كان كذلك، فالنتيجة إذن هي ضرورة أن يكون لدينا استعداد ما ولكن لا بالنحو الذي يجعل منه أكمل من تلك المبادئ. وهذا بالضبط ما يظهر في جميع الحيوانات؛ فجميعها تملك استعداد تمييز فطري، وهو ما يسميه الناس بالإدراك الحسي. ولكن بينما تملك جميعها الإدراك حسي، فإن بعضها يملك ما يخوله الاحتفاظ بما يدركه بالحس، أما البعض الآخر فلا يملك ذلك. والتي لا تملكه لا تعرف خارج عملية الإحساس، إما مطلقا، أو خصوص ما لا ينحفظ. وبعض التي تعرف تملك شيئا آخر في النفس، بحيث عندما يتكرر وقوع ذلك بكثرة، تصل النوبة إلى اختلاف آخر، حيث يكون لدى بعض الحيوانات ما تستعد به، في طول احتفاظها بتلك الأمور، لأن يقع لديها ما هو بيان الشيء. فالنتيجة إذن —كما قلنا—: هي إن الإدراك الحسي يتبعه احتفاظ بما أدرك، ثم من تكثر المحفوظات عن الشيء عينه، تتشكل التجربة؛ وذلك إن المحفوظات الكثيرة العدد عن الشيء عينه تشكل تجربة واحدة. ثم، بعد التجربة، أو قل بعد وقوف النفس على الكل الكلي، وهو الأمر الذي تشترك به الكثرة بوصفه واحدا وبالذات فيها جميعا، تبلغ منه إلى تلك التي هي مبادئ للصناعة والتعليم، للصناعة في الأشياء من حيث إنها تعمل؛ وللتعليم في الأشياء من حيث إنها تكون. ومن ثم: من البين إن امتلاكنا لهذه الاستعدادات لا يكون مفصلا من أول الأمر، ولا هو يحصل بتوسط استعداد آخر أكمل، بل تصير لدينا من الحس بالنحو الذي يستعيد به الجيش ثباته عقيب التقهقر، حيث يصمد جندي فيتبعه آخر ثم آخر حتى يعودوا إلى الحالة الأولى؛ فالنفس شيء مستعد لجريان شيء من هذا القبيل عليها. ولتوضيح ما قيل للتو ولا زال غير واضح كفاية، أقول مرة أخرى: إنه عندما تقف النفس على واحد من الأشياء غير المنفصلة بالذات عن بعضها البعض، يكون لدى النفس الكلي الأول، فمع إننا نواجه بالحس الأشخاص، إلا أن الإدراك يكون للكلي، أي الإنسان، وليس لإنسان زيد، ثم تقف ضمن هذا من جديد على أشياء، حتى تبلغ إلى أشياء لا جزء لها وكلية، مثل من هذا الضرب من الحيوان على الحيوان؟ ثم يجري الأمر بالنحو عينه على هذا. وبهذا يتبين أن الانقياد إلى المعرفة بالأوائل يجب أن يقع في طول الاستقراء؛ إذ بهذا النحو ننقاد عبر الحس إلى استقرار الكلي. والآن، بما أن الاستعدادات الذهنية التي نملكها ويقع لنا من خلالها الحق، بعضها يوقع الحق دائما، بينما يمكن للبعض الآخر أن يغلط، مثل الرأي والفكر، بخلاف العلم والعقل، فهما يوقعان الحق دائما، وليس من بين استعدادات إيقاع الحق نوع أكمل من العلم إلا العقل، وحيث إن مبادئ البرهان أعرف من البراهين،كل علم يشتمل على بيان، والعلم لا يكون للمبادئ، وليس إلى جانب العلم ما يمكن أن يوقع الحق سوى العقل، فمن البين إذن إن العقل هو الذي يكون للمبادئ، سواء انطلقنا من ملاحظة الأمور التي ذكرناها، أو اكتفينا بقول: "كما أن مبدأ البرهان ليس برهانا فكذلك مبدأ العلم ليس علما". وبما أننا لا نملكُ من أنواعِ ما هو حقٌ إلى جانبِ العلمِ إلا العقلُ، فإذن العقلُ هو المبدأُ للعلمِ، فيكونُ المبدأُ للمبدأِ، وكلُّ جزءٍ هو بالنحوِ عينهِ للكلِ. [أرسطو، السّبيل، ص104-106].

وبما أننا لا نملكُ من أنواعِ ما هو حقٌ إلى جانبِ العلمِ إلا العقلُ، فإذن العقلُ هو المبدأُ للعلمِ، فيكونُ المبدأُ للمبدأِ، وكلُّ جزءٍ هو بالنحوِ عينهِ للكلِ. [أرسطو، السّبيل، ص104-106].

[آخر فصلٍ من المقالة الثّانية لأرسطو، في كيفيّة علمنا بالمبادئ الأولى، وهي الأوليّات] لقد صارَ واضحًا بالنسبةِ إلى القياسِ والبرهانِ ماذا يكونُ كلُّ واحدٍ منهما، وكيفَ يتشكلُ، وتوضحَ في الوقتِ نفسه ماذا يكونُ العلمُ البرهانيُّ أيضًا (إذ هما شيءٌ واحدٌ بعينهِ). أما المبادئُ، كيفَ تصيرُ معروفةً، وما الاستعدادُ الذي بهِ نعرفُ، فسيصيرُ واضحًا مما يلي. ولنبدأْ مما يوجبُ الحيرةَ فيها؛ فقد تبينَ فيما سبقَ أنهُ لا يمكننا أن نعلمَ شيئًا بالبرهانِ ما لم يكن عندنا معرفةٌ بالمبادئِ الأولِ المباشرةِ. ولكن قد يتحيّرُ امرُؤٌ في نحوِ معرفتنا بالمباشرةِ: هل هو النحوُ عينه أو لا؟ وما إذا كان لأحدهما علمٌ، وللأخرى جنسٌ ما آخرُ؟ وأيضًا: ما إذا كانت الاستعداداتُ تتشكلُ فينا بعدَ أن لم تكنْ؟ ما دمنا لا نجدها فينا، أو هي فينا ولكن لا نلتفتُ إليها. ولكن من المحالِ أن نكونَ مالكينِ لها من أولِ الأمرِ، وإلا لزمَ أن يكونَ لدينا معارفُ هي أكملُ من البرهانِ من دونِ أن نكونَ ملتفتينَ إليها. ثم، إذا لم نكن مالكينِ لها من أولِ الأمرِ، فكيفَ أمكنَ لنا —إذنْ— أن نصيرَ عارفينَ بها ونتعلمها من دونِ أن يكونَ لدينا معرفةٌ سابقةٌ؟ فهذا، كما قلنا في بحثِ البرهانِ، محالٌ. فإذن: من البيّنِ —من جهةٍ— امتناعُ أن نكونَ مالكينِ لها من أولِ الأمرِ، ومن البينِ من جهةٍ أخرى، امتناعُ صيرورتها لنا بينما نحن فاقدونِ بنحوٍ مطلقٍ للمعرفةِ ولا نملكُ أيَّ استعدادٍ. وإذا كان كذلكَ، فالنتيجةُ إذن هي ضرورةُ أن يكونَ لدينا استعدادٌ ما ولكن لا بالنحوِ الذي يجعلُ منه أكملَ من تلكَ المبادئِ. وهذا بالضبطِ ما يظهرُ في جميعِ الحيواناتِ؛ فجميعها تملكُ استعدادَ تمييزٍ فطريٍّ، وهو ما يسميه الناسُ بالإدراكِ الحسيِّ. ولكن بينما تملكُ جميعها الإدراكَ حسيٍّ، فإن بعضها يملكُ ما يخوله الاحتفاظَ بما يدركهُ بالحسِ، أما البعضُ الآخرُ فلا يملكُ ذلكَ. والتي لا تملكهُ لا تعرفُ خارجَ عمليةِ الإحساسِ، إما مطلقًا، أو خصوصَ ما لا ينحفظُ. وبعضُ التي تعرفُ تملكُ شيئًا آخرَ في النفسِ، بحيثُ عندما يتكررُ وقوعُ ذلكَ بكثرةٍ، تصلُ النوبةُ إلى اختلافٍ آخرَ، حيثُ يكونُ لدى بعضِ الحيواناتِ ما تستعدُ بهِ، في طولِ احتفاظها بتلكَ الأمورِ، لأن يقعَ لديها ما هو بيانُ الشيءِ. فالنتيجةُ إذن —كما قلنا—: هي أنّ الإدراكَ الحسيَّ يتبعهُ احتفاظٌ بما أدركَ، ثُمَّ مِنْ تكثرِ المحفوظاتِ عن الشيءِ عينهِ، تتشكلُ التجربةُ؛ وذلك أنّ المحفوظاتِ الكثيرةَ العددِ عن الشيءِ عينهِ تشكلُ تجربةً واحدةً. ثمّ، بعدَ التجربةِ، أو قل بعدَ وقوفِ النفسِ على الكلِّ الكليِّ، وهو الأمرُ الذي تشتركُ به الكثرةُ بوصفهِ واحدًا وبالذاتِ فيها جميعًا، تبلغُ منه إلى تلكَ التي هي مبادئُ للصناعةِ والتعليمِ، للصّناعةِ في الأشياءِ من حيثُ إنّها تعملُ؛ وللتعليمِ في الأشياءِ من حيثُ إنّها تكونُ. وَمِنْ ثَمَّ: من البيّنِ أنّ امتلاكنا لهذه الاستعداداتِ لا يكونُ مفصلًا من أولِ الأمرِ، ولا هو يحصلُ بتوسطِ استعدادٍ آخرَ أكملَ، بل تصيرُ لدينا من الحسِ بالنحوِ الذي يستعيدُ به الجيشُ ثباتهُ عقيبَ التقهقرِ، حيثُ يصمدُ جنديٌّ فيتبعهُ آخرُ ثم آخرُ حتى يعودوا إلى الحالةِ الأولى؛ فالنفسُ شيءٌ مستعدٌ لجريانِ شيءٍ من هذا القبيلِ عليها. ولتوضيحِ ما قيلَ للتوِ ولا زالَ غيرَ واضحٍ كفايةً، أقولُ مرةً أخرى: إنّه عندما تقفُ النفسُ على واحدٍ من الأشياءِ غيرِ المنفصلةِ بالذاتِ عن بعضها البعضِ، يكونُ لدى النفسِ الكليُّ الأوّلُ، فمعَ أنّنا نواجهُ بالحسِ الأشخاصَ، إلا أن الإدراكَ يكونُ للكليِّ، أي الإنسانِ، وليس لإنسانٍ زيدٍ، ثم تقفُ ضمنَ هذا من جديدٍ على أشياءَ، حتى تبلغَ إلى أشياءَ لا جزءَ لها وكليةٍ، مثل مَنْ هذا الضربُ من الحيوانِ على الحيوانِ؟ ثم يجري الأمرُ بالنحوِ عينهِ على هذا. وبهذا يتبينُ أن الانقيادَ إلى المعرفةِ بالأوائلِ يجبُ أن يقعَ في طولِ الاستقراءِ؛ إذ بهذا النحوِ ننقادُ عبرَ الحسِ إلى استقرارِ الكليِّ. والآن، بما أن الاستعداداتِ الذهنيةَ التي نملكها ويقعُ لنا من خلالها الحقُ، بعضها يوقعُ الحقَ دائمًا، بينما يمكنُ للبعضِ الآخرَ أن يغلطَ، مثل الرأي والفكر، بخلافِ العلمِ والعقلِ، فهما يوقعانِ الحقَ دائمًا، وليس من بينِ استعداداتِ إيقاعِ الحقِ نوعٌ أكملُ من العلمِ إلا العقلُ، وحيثُ إنّ مبادئَ البرهانِ أعرفُ من البراهينِ، وكلُّ علمٍ يشتملُ على بيانٍ، والعلمُ لا يكونُ للمبادئِ، وليس إلى جانبِ العلمِ ما يمكنُ أنْ يُوقِعَ الحقَ سوى العقلِ، فمن البينِ إذن أنّ العقلَ هو الذي يكونُ للمبادئِ، سواء انطلقنا من ملاحظةِ الأمورِ التي ذكرناها، أو اكتفينا بقولِ: "كما أن مبدأَ البرهانِ ليس برهانًا فكذلكَ مبدأُ العلمِ ليس علمًا".

وإذا لمْ تصلْ مباشرةً إلى شيءٍ لا جزءَ لهُ، وإلى حدٍّ أوسطَ واحدٍ فقطْ بلْ إلى أكثرَ مِنْ واحدٍ، فسيكونُ في البينِ سلسلةُ أسبابٍ. ومِنْ ثَمَّ قدْ يتحيرُ في تحديدِ الحدِّ الأوسطِ الذي يجبُ عدهُ سببًا للجزئياتِ، هلْ هوَ الأوسطُ الأولُ مِنْ جهةِ الكليِّ، أوِ الأولُ مِنْ جهةِ الجزئياتِ؟ ولكنْ مِنَ البينِ أنهُ الحدُّ الأقربُ إلى الذي لهُ السببُ؛ لأنَّ هذا الحدَّ هوَ الذي يبينُ لماذا يندرجُ الحدُّ الأولُ تحتَ الكليِّ. ومثالهُ أنْ تكونَ "س" سببُ انتسابِ "ب" إلى "د"؛ ومِنْ ثَمَّ يكونُ سببُ انتسابِ "أ" إلى "د" هوَ "س"، وإلى "س" هوَ "ب"، وإلى "ب" هذهِ ذاتُها. [أرسطو، السّبيل، ص104].

[في العلمِ بالسّبب بطريق العلم بما له السّبب، أيمكننا العلمُ بالسّبب من خلال أثِرِه ومعلوله متوسّطًا له؟ أو لا يمكننا ذلك؟] [2] ولكنْ، ألا يمكنُ ألا يكونَ للشيءِ عينهِ السببُ عينُه في جميعِ المواردِ، بلْ يكونُ شيئًا ما آخرَ، أوْ لا؟ أوْ أليسَ هذا ممتنعًا عندما لا يكونُ السببُ مجردَ علامةٍ أوْ سببًا بالعرضِ، وتكونُ الصفةُ مبرهنةً بالذاتِ؛ ذلكَ أنَّ ما يبينُ الحدَّ الأقصى هوَ الحدُّ الأوسطُ، بخلافِ ما إذا كانَ كذلكَ فيمكنُ حينها؟ إذنْ: معَ أنَّهُ مِنَ الممكنِ لنا أنْ نقصرَ نظرَنا على الصفةِ المسببةِ وعلى الشيءِ الذي هوَ موضوعٌ لها بالعرضِ، إلا أنَّ الطلبَ لا يتعلقُ بهذا؛ ومِنْ ثَمَّ لا بدَّ في غيرِ هذا الحالِ مِنْ أنْ يكونَ الحدُّ الأوسطُ موازيًا، بحيثُ إذا كانتْ مشتركةً بما يتعددُ حدُّهُ، فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ متعددَ الحدِّ، أما إذا كانتْ مشتركةً بالجنسِ فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ بنحوٍ موازٍ أيضًا. فعلى سبيلِ المثالِ، إذا سألنا عنْ سببِ حصولِ التناسبِ في الزيادةِ في كلِّ واحدٍ مِنَ الخطوطِ والأعدادِ، فسيكونُ سببهُ في الأولِ مختلفًا عنهُ في الثاني، ولكنْ سيكونُ في الوقتِ نفسه واحدًا، إذْ سيكونُ الاختلافُ مِنْ حيثُ إنّهُ يحدثُ هنا في الخطوطِ مثلًا، وستكونُ الوحدةُ مِنْ حيثُ تضمنِها جميعًا للنحوِ عينهِ مِنَ التزيدِ، وكذا الحالُ في سائرِ المواردِ. وفي المقابلِ، إذا سألنا عنْ سببِ التشابهِ في الألوانِ، فسيكونُ سببُ التشابهِ فيهِ مختلفًا عنْ سببِ التشابهِ في الأشكالِ؛ فكما كانَ التشابهُ المستعملُ فيهما متعددَ الحدِّ، فكذلكَ سببهُ؛ فالتشابهُ في الشكلِ تناسبُ الأضلاعِ وتساوي الزوايا مثلًا، أما في الألوانِ، فإحداثُ الإحساسِ عينهِ (أوْ شيءٌ آخرُ مِنْ هذا القبيلِ). ومِنْ ثَمَّ: الأوصافُ التي يتعددُ حدُّها تكونُ حدودُها الوسطى متعددةً بالحدِّ أيضًا. وبهذا يكونُ قدْ تبينَ لنا كيفَ يكونُ التلازمُ بينَ السببِ والصفةِ المسببةِ والموضوعِ المتصفِ بها. فكلما أخذتِ الموضوعاتُ المشتركةُ بالصفةِ أخذًا منفصلًا، كانتِ الصفةُ المسببةُ أعمَّ مِنْ كلِّ واحدٍ منها (مثلَ امتلاكِ زوايا خارجيةٍ مساويةٍ لأربعِ زوايا قائمةٍ، فإنَّهُ أعمَّ مِنَ المربعِ ومِنَ المثلثِ)، أما إذا أخذتْ معًا، فستكونُ مساويةً لها (فهيَ تشملُ كلَّ شيءٍ لهُ زوايا خارجيةٌ مساويةٌ لأربعةِ زوايا قائمةٍ)، وكذا الحالُ بالنسبةِ إلى الحدِّ الأوسطِ. فالحدُّ الأوسطُ حدٌّ بنحوٍ ما للحدِّ الأكبرِ؛ ولهذا السببِ كانتِ العلومُ تتشكلُ بتوسطِ الحدِّ. فعلى سبيلِ المثالِ، معَ أنَّ تناثرَ الورقِ يحدثُ لورقِ الكرمةِ ولغيرِها، ولشجرةِ التينِ وغيرِها، ومِنْ ثَمَّ هوَ أعمُّ مِنْ كلِّ واحدةٍ منها منفصلةً، إلا أنَّهُ ليسَ أعمَّ منها جميعًا بلْ مساوٍ لها؛ ومِنْ ثَمَّ، إذا أخذنا الحدَّ الأوسطَ الذي مِنْ جهةِ الحدِّ الأكبرِ، فسيكونُ عبارةً عنْ حدِّ تناثرِ الورقِ (فهناكَ حدٌّ أوسطُ آخرُ مِنْ جهةِ الأصغرِ، وهوَ حدُّ كلِّ واحدٍ مِنَ الأشياءِ ماذا يكونُ)، ومِنْ ثَمَّ، سيكونُ الحدُّ الأوسطُ مِنْ جهتهِ: جفافُ النسغِ، أوْ شيئًا ما آخرُ مِنْ هذا القبيلِ؛ وإذا سألنا عنْ تناثرِ الورقِ ماذا يكونُ، فسنجيبُ: جفافُ النسغِ داخلَ العروقِ. أما بيانُ الأمرِ، بنحوٍ جامعٍ، لِمَنْ يدرسُ التلازمُ بينَ السببِ وذاكَ الذي لهُ السببُ، فيكونُ على الشكلِ التالي: فلتكنْ "أ" لكلِّ "ب" و "ب" لكلِّ "الدالات"، ولتكنْ "ب" متخطيةً للواحدِ منها، فتكونُ "ب" منتسبةً بنحوٍ كليٍّ لكلِّ واحدٍ مِنْ "د"؛ فأنا أقولُ "كلي" للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ، وكليٍّ بنحوٍ أوليٍّ للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ منفردةً ولكنْ تنعكسُ عليهِ مجتمعةً وتقالُ معهُ. والآنَ، "ب" سببُ انتسابِ "أ" إلى كلِّ "الدالات"؛ ومِنْ ثَمَّ يجبُ لـ"أ" ألا تكونَ عامةً فيها بنحوٍ أوسعَ مِنْ "ب" وإلا لما كانتْ هيَ السببُ لها بدلًا منها. وحينئذٍ، إذا كانتْ "أ" منتسبةً إلى كلِّ "الهاءات"، فستكونُ هذهِ جميعًا شيئًا واحدًا بالحدِّ مختلفًا عنْ "ب"؛ إذْ إنْ لمْ تكنْ كذلكَ، فكيفَ أمكنَ أنْ نقولَ بأنَّ "أ" تنتسبُ إلى كلِّ ما تنتسبُ إليهِ "هـ" ولكنْ ليسَ كلُّ ما تنتسبُ إليهِ "أ" تنتسبُ إليهِ "هـ"؟ ولماذا لا يكونُ سببٌ ما كما في انتسابِ "أ" إلى جميعِ "الدالات"؟ فإذنْ: كلُّ "الهاءات" شيءٌ واحدٌ بالحدِّ، ويلزمُنا أنْ ننظرَ في هذا، وليكنْ "ج". ومِنْ ثَمَّ مِنَ الممكنِ أنْ يكونَ في البينِ أكثرُ مِنْ سببٍ للشيءِ عينهِ ولكنْ ليسَ للشيءِ عينهِ بالنوعِ، وذلكَ مثلَ أنْ يكونَ "فقدُ المرارة" لـ"طولِ العمرِ في الحيواناتِ الرباعيةِ الأرجل"، وجفافُ المزاجِ أوْ شيءٌ ما آخرُ "في الطيور". [أرسطو، السّبيل، ص100-103].

[في العلمِ بالسّبب بطريق العلم بما له السّبب، أيمكننا العلمُ بالسّبب من خلال أثِرِه ومعلوله متوسّطًا له؟ أو لا يمكننا ذلك؟] [1] وإذ أتينا إلى علاقةِ السببِ بالشيءِ الذي له السببُ، فقد يتحيرُ المرءُ فيما إذا كانَ مِن الضروريِّ: إذا كانَ الأثرُ كانَ السببُ أيضًا (بحيثُ إذا تناثرَ ورقُ الشجرِ مثلًا، أو حصلَ كسوفٌ، فسيكونُ سببُ الكسوفِ أو تناثرِ الورقِ أيضًا، كأنْ يكونَ لهذا كونُ الورقِ عريضًا، وللانكسافِ كونُ الأرضِ في الوسطِ؛ إذ إنْ لم يكن هذانِ، فسيكونُ في البينِ أشياءُ أخرى هيَ أسبابُ هذه الأشياءِ)، وإذا كانَ السببُ كانَ الأثرُ معه أيضًا (بحيثُ إذا توسطتِ الأرضُ مثلًا، انخسفَ القمرُ، أو إذا كانتِ الأوراقُ عريضةً تناثرتْ)؛ إذ إنْ كانتِ العلاقةُ على هذا النحوِ، فسيكونانِ معًا، وسيمكنُ إثباتُ أيٍّ منهما بتوسطِ الآخرِ. فلنجعلْ "أ" بدلَ تناثرِ الورقِ، و "ب" بدلَ ورقهِ عريضٌ، و "ج" بدلَ الكرمةِ، فإن كانتْ "أ" لـ "ب" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ ما ورقهُ عريضٌ يتناثرُ ورقهُ)، وكانتْ "ب" لـ "ج" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ كرمةٍ ورقها عريضٌ)، فالنتيجةُ هيَ أنَّ "أ" لـ "ج" (أيّ أنَّ كلَّ كرمةٍ يتناثرُ ورقها)، وتكونُ "ب" السببُ والحدُّ الأوسطُ. وسيمكنُ أيضًا أن نبرهنَ الأمرَ بشكلٍ معاكسٍ، فنقولُ: الكرمةُ عريضةُ الورقِ، بتوسطِ أنَّ ورقها يتناثرُ: فلتكنْ "د" بدلَ عريضِ الورقِ، و"هـ" بدلَ ورقه يتناثرُ، و"ز" بدلَ الكرمةِ؛ فتكونُ "هـ" لـ"ز" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ كرمةٍ تنثرُ ورقها)، وتكونُ "د" لـ"هـ" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ ما ينثرُ ورقه فورقهُ عريضٌ)، فالنتيجةُ هيَ أنَّ الكرمةَ ورقها عريضٌ، وتناثرُ الورقِ هوَ السببُ. ولكنْ إذا كانَ لا يمكنُ لشيئينِ أن يكونا سببينِ لبعضهما البعضِ (فالسببُ أوليٌّ على مسببهِ، وتوسطُ الأرضِ هوَ السببُ للكسوفِ وليسَ الكسوفُ سببًا لتوسطِ الأرضِ)، وإذا كانَ البرهانُ من خلالِ السببِ يعطي لماذا كانَ شيءٌ لشيءٍ آخرَ، أما البرهانُ على محضِ كونِ شيءٍ لآخرَ، فلا يتضمنُ السببَ (فيعرفُ مثلًا أنَّ الأرضَ واقعةٌ في الوسطِ، من دونِ أن يعرفَ لماذا توسطتْ؛ لأنَّ الخسوفَ ليسَ سببًا لتوسطِ الأرضِ، بلْ هذا الأخيرُ هوَ سببُ الكسوفِ، نظيرًا إلى أنَّ توسطَ الأرضِ متضمنٌ في بيانِ الخسوفِ)، فمنَ البينِ إذنْ أنَّ الأخيرَ هوَ الذي يعرفُ بتوسطِ ذاكَ، لا أنَّ ذاكَ يعرفُ بتوسطِ هذا. ولكنْ ألا يمكنُ للشيءِ الواحدِ أن يكونَ له أكثرُ من سببٍ؟ إذ إنْ أمكنَ ذلكَ أمكنَ لشيءٍ واحدٍ أن يكونَ محمولًا على أكثرَ من موضوعٍ أوليٍّ له، مثلَ أن تكونَ "ب" موضوعًا أوليًّا لـ "أ"، وتكونَ "ج" كذلكَ موضوعًا أوليًّا له، ويكونُ هذانِ في الوقتِ نفسه أيضًا محمولانِ، أحدهما على "د" والآخرُ على "هـ"، فتكونُ "أ" لـ "د" ولـ "هـ"، وتكونُ "ب" سببَ كونها لـ "د"، و "ج" سببَ كونها لـ "هـ". وإذا صحَّ هذا، فإذنْ: إذا كانَ السببُ كانَ الشيءُ المسببُ لا محالةَ، أما إذا كانَ الشيءُ المسببُ فلا يجبُ أن تكونَ جميعُ أسبابهِ، بلْ يجبُ أن يكونَ أحدها فقط. ولكنْ، ألا يمكنُ في المقابلِ، إذا كانَ لا بدَّ للمطلوبِ أن يبينَ بنحوٍ كليٍّ، أن يكونَ في البينِ سببٌ جامعٌ، وأن يكونَ المسببُ أمرًا كليًّا؟ فعلى سبيلِ المثالِ، تناثرُ الورقِ يكونُ لأمرٍ جامعٍ، بحيثُ، معَ أنه ذو أنواعٍ، إلا أنه يكونُ لها جميعًا بنحوٍ كليٍّ، إما للنباتِ مطلقًا، أو لنباتٍ خاصٍ، وفي هذهِ الحالِ، سيكونُ السببُ والمسببُ متساويانِ ومنعكسانِ. فعلى سبيلِ المثالِ، قد نسألُ: لماذا تنثرُ الأشجارُ أوراقَها؟ فإن كانَ ذلكَ بسببِ جفافِ رطوبتها، فهذا يعني أنه حيثُ تناثرَ ورقها فقد جفتْ رطوبتهُ، وحيثُ جفتْ رطوبةُ ورقِ الشجرِ (لا ورقِ أيِّ شيءٍ آخرَ)، فمنَ الضروريِّ حينها أن يتناثرَ.

[في العلمِ بالسّبب بطريق العلم بما له السّبب، أيمكننا العلمُ بالسّبب من خلال أثِرِه ومعلوله متوسّطًا له؟ أو لا يمكننا ذلك؟] [2] ولكنْ، ألا يمكنُ ألا يكونَ للشيءِ عينهِ السببُ عينُه في جميعِ المواردِ، بلْ يكونُ شيئًا ما آخرَ، أوْ لا؟ أوْ أليسَ هذا ممتنعًا عندما لا يكونُ السببُ مجردَ علامةٍ أوْ سببًا بالعرضِ، وتكونُ الصفةُ مبرهنةً بالذاتِ؛ ذلكَ أنَّ ما يبينُ الحدَّ الأقصى هوَ الحدُّ الأوسطُ، بخلافِ ما إذا كانَ كذلكَ فيمكنُ حينها؟ إذنْ: معَ أنَّهُ مِنَ الممكنِ لنا أنْ نقصرَ نظرَنا على الصفةِ المسببةِ وعلى الشيءِ الذي هوَ موضوعٌ لها بالعرضِ، إلا أنَّ الطلبَ لا يتعلقُ بهذا؛ ومِنْ ثَمَّ لا بدَّ في غيرِ هذا الحالِ مِنْ أنْ يكونَ الحدُّ الأوسطُ موازيًا، بحيثُ إذا كانتْ مشتركةً بما يتعددُ حدُّهُ، فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ متعددَ الحدِّ، أما إذا كانتْ مشتركةً بالجنسِ فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ بنحوٍ موازٍ أيضًا. فعلى سبيلِ المثالِ، إذا سألنا عنْ سببِ حصولِ التناسبِ في الزيادةِ في كلِّ واحدٍ مِنَ الخطوطِ والأعدادِ، فسيكونُ سببهُ في الأولِ مختلفًا عنهُ في الثاني، ولكنْ سيكونُ في الوقتِ نفسه واحدًا، إذْ سيكونُ الاختلافُ مِنْ حيثُ إنّهُ يحدثُ هنا في الخطوطِ مثلًا، وستكونُ الوحدةُ مِنْ حيثُ تضمنِها جميعًا للنحوِ عينهِ مِنَ التزيدِ، وكذا الحالُ في سائرِ المواردِ. وفي المقابلِ، إذا سألنا عنْ سببِ التشابهِ في الألوانِ، فسيكونُ سببُ التشابهِ فيهِ مختلفًا عنْ سببِ التشابهِ في الأشكالِ؛ فكما كانَ التشابهُ المستعملُ فيهما متعددَ الحدِّ، فكذلكَ سببهُ؛ فالتشابهُ في الشكلِ تناسبُ الأضلاعِ وتساوي الزوايا مثلًا، أما في الألوانِ، فإحداثُ الإحساسِ عينهِ (أوْ شيءٌ آخرُ مِنْ هذا القبيلِ). ومِنْ ثَمَّ: الأوصافُ التي يتعددُ حدُّها تكونُ حدودُها الوسطى متعددةً بالحدِّ أيضًا. وبهذا يكونُ قدْ تبينَ لنا كيفَ يكونُ التلازمُ بينَ السببِ والصفةِ المسببةِ والموضوعِ المتصفِ بها. فكلما أخذتِ الموضوعاتُ المشتركةُ بالصفةِ أخذًا منفصلًا، كانتِ الصفةُ المسببةُ أعمَّ مِنْ كلِّ واحدٍ منها (مثلَ امتلاكِ زوايا خارجيةٍ مساويةٍ لأربعِ زوايا قائمةٍ، فإنَّهُ أعمَّ مِنَ المربعِ ومِنَ المثلثِ)، أما إذا أخذتْ معًا، فستكونُ مساويةً لها (فهيَ تشملُ كلَّ شيءٍ لهُ زوايا خارجيةٌ مساويةٌ لأربعةِ زوايا قائمةٍ)، وكذا الحالُ بالنسبةِ إلى الحدِّ الأوسطِ. فالحدُّ الأوسطُ حدٌّ بنحوٍ ما للحدِّ الأكبرِ؛ ولهذا السببِ كانتِ العلومُ تتشكلُ بتوسطِ الحدِّ. فعلى سبيلِ المثالِ، معَ أنَّ تناثرَ الورقِ يحدثُ لورقِ الكرمةِ ولغيرِها، ولشجرةِ التينِ وغيرِها، ومِنْ ثَمَّ هوَ أعمُّ مِنْ كلِّ واحدةٍ منها منفصلةً، إلا أنَّهُ ليسَ أعمَّ منها جميعًا بلْ مساوٍ لها؛ ومِنْ ثَمَّ، إذا أخذنا الحدَّ الأوسطَ الذي مِنْ جهةِ الحدِّ الأكبرِ، فسيكونُ عبارةً عنْ حدِّ تناثرِ الورقِ (فهناكَ حدٌّ أوسطُ آخرُ مِنْ جهةِ الأصغرِ، وهوَ حدُّ كلِّ واحدٍ مِنَ الأشياءِ ماذا يكونُ)، ومِنْ ثَمَّ، سيكونُ الحدُّ الأوسطُ مِنْ جهتهِ: جفافُ النسغِ، أوْ شيئًا ما آخرُ مِنْ هذا القبيلِ؛ وإذا سألنا عنْ تناثرِ الورقِ ماذا يكونُ، فسنجيبُ: جفافُ النسغِ داخلَ العروقِ. أما بيانُ الأمرِ، بنحوٍ جامعٍ، لِمَنْ يدرسُ التلازمُ بينَ السببِ وذاكَ الذي لهُ السببُ، فيكونُ على الشكلِ التالي: فلتكنْ "أ" لكلِّ "ب" و "ب" لكلِّ "الدالات"، ولتكنْ "ب" متخطيةً للواحدِ منها، فتكونُ "ب" منتسبةً بنحوٍ كليٍّ لكلِّ واحدٍ مِنْ "د"؛ فأنا أقولُ "كلي" للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ، وكليٍّ بنحوٍ أوليٍّ للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ منفردةً ولكنْ تنعكسُ عليهِ مجتمعةً وتقالُ معهُ. والآنَ، "ب" سببُ انتسابِ "أ" إلى كلِّ "الدالات"؛ ومِنْ ثَمَّ يجبُ لـ"أ" ألا تكونَ عامةً فيها بنحوٍ أوسعَ مِنْ "ب" وإلا لما كانتْ هيَ السببُ لها بدلًا منها. وحينئذٍ، إذا كانتْ "أ" منتسبةً إلى كلِّ "الهاءات"، فستكونُ هذهِ جميعًا شيئًا واحدًا بالحدِّ مختلفًا عنْ "ب"؛ إذْ إنْ لمْ تكنْ كذلكَ، فكيفَ أمكنَ أنْ نقولَ بأنَّ "أ" تنتسبُ إلى كلِّ ما تنتسبُ إليهِ "هـ" ولكنْ ليسَ كلُّ ما تنتسبُ إليهِ "أ" تنتسبُ إليهِ "هـ"؟ ولماذا لا يكونُ سببٌ ما كما في انتسابِ "أ" إلى جميعِ "الدالات"؟ فإذنْ: كلُّ "الهاءات" شيءٌ واحدٌ بالحدِّ، ويلزمُنا أنْ ننظرَ في هذا، وليكنْ "ج". ومِنْ ثَمَّ مِنَ الممكنِ أنْ يكونَ في البينِ أكثرُ مِنْ سببٍ للشيءِ عينهِ ولكنْ ليسَ للشيءِ عينهِ بالنوعِ، وذلكَ مثلَ أنْ يكونَ "فقدُ المرارة" لـ"طولِ العمرِ في الحيواناتِ الرباعيةِ الأرجل"، وجفافُ المزاجِ أوْ شيئًا ما آخرُ "في الطيور". [أرسطو، السّبيل، ص].

[في العلمِ بالسّبب بطريق العلم بما له السّبب، أيمكننا العلمُ بالسّبب من خلال أثِرِه ومعلوله متوسّطًا له؟ أو لا يمكننا ذلك؟] [1] وإذ أتينا إلى علاقةِ السببِ بالشيءِ الذي له السببُ، فقد يتحيرُ المرءُ فيما إذا كانَ مِن الضروريِّ: إذا كانَ الأثرُ كانَ السببُ أيضًا (بحيثُ إذا تناثرَ ورقُ الشجرِ مثلًا، أو حصلَ كسوفٌ، فسيكونُ سببُ الكسوفِ أو تناثرِ الورقِ أيضًا، كأنْ يكونَ لهذا كونُ الورقِ عريضًا، وللانكسافِ كونُ الأرضِ في الوسطِ؛ إذ إنْ لم يكن هذانِ، فسيكونُ في البينِ أشياءُ أخرى هيَ أسبابُ هذه الأشياءِ)، وإذا كانَ السببُ كانَ الأثرُ معه أيضًا (بحيثُ إذا توسطتِ الأرضُ مثلًا، انخسفَ القمرُ، أو إذا كانتِ الأوراقُ عريضةً تناثرتْ)؛ إذ إنْ كانتِ العلاقةُ على هذا النحوِ، فسيكونانِ معًا، وسيمكنُ إثباتُ أيٍّ منهما بتوسطِ الآخرِ. فلنجعلْ "أ" بدلَ تناثرِ الورقِ، و "ب" بدلَ ورقهِ عريضٌ، و "ج" بدلَ الكرمةِ، فإن كانتْ "أ" لـ "ب" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ ما ورقهُ عريضٌ يتناثرُ ورقهُ)، وكانتْ "ب" لـ "ج" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ كرمةٍ ورقها عريضٌ)، فالنتيجةُ هيَ أنَّ "أ" لـ "ج" (أيّ أنَّ كلَّ كرمةٍ يتناثرُ ورقها)، وتكونُ "ب" السببُ والحدُّ الأوسطُ. وسيمكنُ أيضًا أن نبرهنَ الأمرَ بشكلٍ معاكسٍ، فنقولُ: الكرمةُ عريضةُ الورقِ، بتوسطِ أنَّ ورقها يتناثرُ: فلتكنْ "د" بدلَ عريضِ الورقِ، و"هـ" بدلَ ورقه يتناثرُ، و"ز" بدلَ الكرمةِ؛ فتكونُ "هـ" لـ"ز" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ كرمةٍ تنثرُ ورقها)، وتكونُ "د" لـ"هـ" (نظيرًا إلى أنَّ كلَّ ما ينثرُ ورقه فورقهُ عريضٌ)، فالنتيجةُ هيَ أنَّ الكرمةَ ورقها عريضٌ، وتناثرُ الورقِ هوَ السببُ. ولكنْ إذا كانَ لا يمكنُ لشيئينِ أن يكونا سببينِ لبعضهما البعضِ (فالسببُ أوليٌّ على مسببهِ، وتوسطُ الأرضِ هوَ السببُ للكسوفِ وليسَ الكسوفُ سببًا لتوسطِ الأرضِ)، وإذا كانَ البرهانُ من خلالِ السببِ يعطي لماذا كانَ شيءٌ لشيءٍ آخرَ، أما البرهانُ على محضِ كونِ شيءٍ لآخرَ، فلا يتضمنُ السببَ (فيعرفُ مثلًا أنَّ الأرضَ واقعةٌ في الوسطِ، من دونِ أن يعرفَ لماذا توسطتْ؛ لأنَّ الخسوفَ ليسَ سببًا لتوسطِ الأرضِ، بلْ هذا الأخيرُ هوَ سببُ الكسوفِ، نظيرًا إلى أنَّ توسطَ الأرضِ متضمنٌ في بيانِ الخسوفِ)، فمنَ البينِ إذنْ أنَّ الأخيرَ هوَ الذي يعرفُ بتوسطِ ذاكَ، لا أنَّ ذاكَ يعرفُ بتوسطِ هذا. ولكنْ ألا يمكنُ للشيءِ الواحدِ أن يكونَ له أكثرُ من سببٍ؟ إذ إنْ أمكنَ ذلكَ أمكنَ لشيءٍ واحدٍ أن يكونَ محمولًا على أكثرَ من موضوعٍ أوليٍّ له، مثلَ أن تكونَ "ب" موضوعًا أوليًّا لـ "أ"، وتكونَ "ج" كذلكَ موضوعًا أوليًّا له، ويكونُ هذانِ في الوقتِ نفسه أيضًا محمولانِ، أحدهما على "د" والآخرُ على "هـ"، فتكونُ "أ" لـ "د" ولـ "هـ"، وتكونُ "ب" سببَ كونها لـ "د"، و "ج" سببَ كونها لـ "هـ". وإذا صحَّ هذا، فإذنْ: إذا كانَ السببُ كانَ الشيءُ المسببُ لا محالةَ، أما إذا كانَ الشيءُ المسببُ فلا يجبُ أن تكونَ جميعُ أسبابهِ، بلْ يجبُ أن يكونَ أحدها فقط. ولكنْ، ألا يمكنُ في المقابلِ، إذا كانَ لا بدَّ للمطلوبِ أن يبينَ بنحوٍ كليٍّ، أن يكونَ في البينِ سببٌ جامعٌ، وأن يكونَ المسببُ أمرًا كليًّا؟ فعلى سبيلِ المثالِ، تناثرُ الورقِ يكونُ لأمرٍ جامعٍ، بحيثُ، معَ أنه ذو أنواعٍ، إلا أنه يكونُ لها جميعًا بنحوٍ كليٍّ، إما للنباتِ مطلقًا، أو لنباتٍ خاصٍ، وفي هذهِ الحالِ، سيكونُ السببُ والمسببُ متساويانِ ومنعكسانِ. فعلى سبيلِ المثالِ، قد نسألُ: لماذا تنثرُ الأشجارُ أوراقَها؟ فإن كانَ ذلكَ بسببِ جفافِ رطوبتها، فهذا يعني أنه حيثُ تناثرَ ورقها فقد جفتْ رطوبتهُ، وحيثُ جفتْ رطوبةُ ورقِ الشجرِ (لا ورقِ أيِّ شيءٍ آخرَ)، فمنَ الضروريِّ حينها أن يتناثرَ.

[في العلمِ بالسّبب بطريق العلم بما له السّبب، أيمكننا العلمُ بالسّبب من خلال أثِرِه ومعلوله متوسّطًا له؟ أو لا يمكننا ذلك؟] [2] ولكنْ، ألا يمكنُ ألا يكونَ للشيءِ عينهِ السببُ عينُه في جميعِ المواردِ، بلْ يكونُ شيئًا ما آخرَ، أوْ لا؟ أوْ أليسَ هذا ممتنعًا عندما لا يكونُ السببُ مجردَ علامةٍ أوْ سببًا بالعرضِ، وتكونُ الصفةُ مبرهنةً بالذاتِ؛ ذلكَ أنَّ ما يبينُ الحدَّ الأقصى هوَ الحدُّ الأوسطُ، بخلافِ ما إذا كانَ كذلكَ فيمكنُ حينها؟ إذنْ: معَ أنَّهُ مِنَ الممكنِ لنا أنْ نقصرَ نظرَنا على الصفةِ المسببةِ وعلى الشيءِ الذي هوَ موضوعٌ لها بالعرضِ، إلا أنَّ الطلبَ لا يتعلقُ بهذا؛ ومِنْ ثَمَّ لا بدَّ في غيرِ هذا الحالِ مِنْ أنْ يكونَ الحدُّ الأوسطُ موازيًا، بحيثُ إذا كانتْ مشتركةً بما يتعددُ حدُّهُ، فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ متعددَ الحدِّ، أما إذا كانتْ مشتركةً بالجنسِ فسيكونُ الحدُّ الأوسطُ بنحوٍ موازٍ أيضًا. فعلى سبيلِ المثالِ، إذا سألنا عنْ سببِ حصولِ التناسبِ في الزيادةِ في كلِّ واحدٍ مِنَ الخطوطِ والأعدادِ، فسيكونُ سببهُ في الأولِ مختلفًا عنهُ في الثاني، ولكنْ سيكونُ في الوقتِ نفسه واحدًا، إذْ سيكونُ الاختلافُ مِنْ حيثُ إنّهُ يحدثُ هنا في الخطوطِ مثلًا، وستكونُ الوحدةُ مِنْ حيثُ تضمنِها جميعًا للنحوِ عينهِ مِنَ التزيدِ، وكذا الحالُ في سائرِ المواردِ. وفي المقابلِ، إذا سألنا عنْ سببِ التشابهِ في الألوانِ، فسيكونُ سببُ التشابهِ فيهِ مختلفًا عنْ سببِ التشابهِ في الأشكالِ؛ فكما كانَ التشابهُ المستعملُ فيهما متعددَ الحدِّ، فكذلكَ سببهُ؛ فالتشابهُ في الشكلِ تناسبُ الأضلاعِ وتساوي الزوايا مثلًا، أما في الألوانِ، فإحداثُ الإحساسِ عينهِ (أوْ شيءٌ آخرُ مِنْ هذا القبيلِ). ومِنْ ثَمَّ: الأوصافُ التي يتعددُ حدُّها تكونُ حدودُها الوسطى متعددةً بالحدِّ أيضًا. وبهذا يكونُ قدْ تبينَ لنا كيفَ يكونُ التلازمُ بينَ السببِ والصفةِ المسببةِ والموضوعِ المتصفِ بها. فكلما أخذتِ الموضوعاتُ المشتركةُ بالصفةِ أخذًا منفصلًا، كانتِ الصفةُ المسببةُ أعمَّ مِنْ كلِّ واحدٍ منها (مثلَ امتلاكِ زوايا خارجيةٍ مساويةٍ لأربعِ زوايا قائمةٍ، فإنَّهُ أعمَّ مِنَ المربعِ ومِنَ المثلثِ)، أما إذا أخذتْ معًا، فستكونُ مساويةً لها (فهيَ تشملُ كلَّ شيءٍ لهُ زوايا خارجيةٌ مساويةٌ لأربعةِ زوايا قائمةٍ)، وكذا الحالُ بالنسبةِ إلى الحدِّ الأوسطِ. فالحدُّ الأوسطُ حدٌّ بنحوٍ ما للحدِّ الأكبرِ؛ ولهذا السببِ كانتِ العلومُ تتشكلُ بتوسطِ الحدِّ. فعلى سبيلِ المثالِ، معَ أنَّ تناثرَ الورقِ يحدثُ لورقِ الكرمةِ ولغيرِها، ولشجرةِ التينِ وغيرِها، ومِنْ ثَمَّ هوَ أعمُّ مِنْ كلِّ واحدةٍ منها منفصلةً، إلا أنَّهُ ليسَ أعمَّ منها جميعًا بلْ مساوٍ لها؛ ومِنْ ثَمَّ، إذا أخذنا الحدَّ الأوسطَ الذي مِنْ جهةِ الحدِّ الأكبرِ، فسيكونُ عبارةً عنْ حدِّ تناثرِ الورقِ (فهناكَ حدٌّ أوسطُ آخرُ مِنْ جهةِ الأصغرِ، وهوَ حدُّ كلِّ واحدٍ مِنَ الأشياءِ ماذا يكونُ)، ومِنْ ثَمَّ، سيكونُ الحدُّ الأوسطُ مِنْ جهتهِ: جفافُ النسغِ، أوْ شيئًا ما آخرُ مِنْ هذا القبيلِ؛ وإذا سألنا عنْ تناثرِ الورقِ ماذا يكونُ، فسنجيبُ: جفافُ النسغِ داخلَ العروقِ. أما بيانُ الأمرِ، بنحوٍ جامعٍ، لِمَنْ يدرسُ التلازمُ بينَ السببِ وذاكَ الذي لهُ السببُ، فيكونُ على الشكلِ التالي: فلتكنْ "أ" لكلِّ "ب" و "ب" لكلِّ "الدالات"، ولتكنْ "ب" متخطيةً للواحدِ منها، فتكونُ "ب" منتسبةً بنحوٍ كليٍّ لكلِّ واحدٍ مِنْ "د"؛ فأنا أقولُ "كلي" للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ، وكليٍّ بنحوٍ أوليٍّ للحدِّ الذي لا تنعكسُ عليهِ منفردةً ولكنْ تنعكسُ عليهِ مجتمعةً وتقالُ معهُ. والآنَ، "ب" سببُ انتسابِ "أ" إلى كلِّ "الدالات"؛ ومِنْ ثَمَّ يجبُ لـ"أ" ألا تكونَ عامةً فيها بنحوٍ أوسعَ مِنْ "ب" وإلا لما كانتْ هيَ السببُ لها بدلًا منها. وحينئذٍ، إذا كانتْ "أ" منتسبةً إلى كلِّ "الهاءات"، فستكونُ هذهِ جميعًا شيئًا واحدًا بالحدِّ مختلفًا عنْ "ب"؛ إذْ إنْ لمْ تكنْ كذلكَ، فكيفَ أمكنَ أنْ نقولَ بأنَّ "أ" تنتسبُ إلى كلِّ ما تنتسبُ إليهِ "هـ" ولكنْ ليسَ كلُّ ما تنتسبُ إليهِ "أ" تنتسبُ إليهِ "هـ"؟ ولماذا لا يكونُ سببٌ ما كما في انتسابِ "أ" إلى جميعِ "الدالات"؟ فإذنْ: كلُّ "الهاءات" شيءٌ واحدٌ بالحدِّ، ويلزمُنا أنْ ننظرَ في هذا، وليكنْ "ج". ومِنْ ثَمَّ مِنَ الممكنِ أنْ يكونَ في البينِ أكثرُ مِنْ سببٍ للشيءِ عينهِ ولكنْ ليسَ للشيءِ عينهِ بالنوعِ، وذلكَ مثلَ أنْ يكونَ "فقدُ المرارة" لـ"طولِ العمرِ في الحيواناتِ الرباعيةِ الأرجل"، وجفافُ المزاجِ أوْ شيئًا ما آخرُ "في الطيور". [أرسطو، السّبيل، ص].