fa
Feedback
مَلاذٌ آمِن

مَلاذٌ آمِن

رفتن به کانال در Telegram

حِينَ تَبْدَأ بِقِراءةِ القُرْآن؛ تُؤجَر حتَّى عَلَى سَكَتَاتِك💚:') للتواصل: @thana26

نمایش بیشتر
1 181
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
-37 روز
-930 روز
آرشیو پست ها
صلُّوا عليه..
صلُّوا عليه..

وأخيرًا شاف الشمس أكبر وأوضح حاجة في الكون، قالهم: لا بقى (هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ)، لكن لما غابت، أقام عليهم الحُجة وأعلنها صريحة وقال: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ)، مفيش إلـٰه بيروح ويجي، الإلـٰه لازم يكون واحد، ثابت، قوي، موجود ومابيغبش! ​وهنا قال الكلمة اللي بتلخّص الحقيقة المُطلقة: (إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) يعني أنا ظبطت بوصلة قلبي، ووجّهت اعتمادي وتعلُّقي الكُلي للخالق الثابت اللي مابيغيبش ولا بيتغيّر، وبعدين قال: (حَنِيفًا) يعني مايل للحق، ومستقيم عليه، وساب كل التعلُّقات ورا ضهره، (وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ) مِش بس عبادة الأصنام! لا، هو مُعرِض عن كل حاجة ممكن تِشغله عن التفكير والتسليم لرب العالمين. تعالى بقى علشان فيه وقفة عايزة أشعة، وماينفعش نعدّيها أبدًا: كلمة (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) دي مِش مُجرد رد في مُناظرة تاريخية، دي روشتة نفسية لعلاج أخطر مرض بيدمَّر نفسيتنا: وهو التعلُّق المَرضي! ​الآفلين دول مِش النجوم والكواكب بس! الآفلين همّا كل حاجة بتغيب، بتتغيّر، بتمشي، وبتسيبنا، وإحنا للأسف بنتعلَّق بيها تعلُّق أعمى، وممكن التعلُّق يكون صاحب، أو شريك حياة، أو جمال، أو مَنصب، أو مكان أو بِيزنس كنت هتموت عليه، ولمّا راح منّك جالك اكتئاب ويأس! ​كل دول في قاموس القرآن آفلين، حاجات ممكن في أي لحظة تِغيب، وسيدنا إبراهيم من آلاف السنين ظبَّط بوصلة قلبه على (الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ​علشان لمّا شخص يبيعك أو يسيبك، أو نعمة تزول من إيدك؛ تِزعل زعل بشري وتاخد وقتك الطبيعي، وتقوم ترجع؛ لأن قلبك مِتشعلَق في حِبال الله الكريم.

اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وهو ده التوازن المفقود في حياتنا.
٢​. المحطة التانية - بداية سورة الأنعام:
بعد سورة المائدة، بندخل بقلبنا وعقلنا على سورة الأنعام، السورة دي ليها وضع استثنائي ومُهيب جدًا؛ لأنها نزلت مرّة واحدة في الليل، وكان بيشيَّعها ويزفّها ٧٠ ألف مَلَك بيسبحوا بحمد ربنا في مشهد كوني غير مسبوق! ​السورة دي نازلة علشان تعمل فورمات لدماغك، وبتعيد مفاهيم كتير في علاقتك مع ربنا، وبتصلَّح عقيدتك، وبتاخدك في رحلة تأمُّل لكل تفصيلة في الكون، علشان تُدرِك يقينًا إن ده كله مش صُدفة أو عَبث، وإن محدش يستحق العِبادة والخضوع والتوكّل غير الله! طيب هو إيه علاقة البقر والغنم والإبل بالعقيدة والكون، وليه اتسمّت كدا؟ ​الأنعام زمان كانت هي عصب الحياة ومحور حياة الناس، هي أقرب حاجة للإنسان بيشوفها كل يوم، بياكل لحمها، وبيشرب لبنها، وبيستفيد من صوفها وجلدها، كائنات خُلقت بقدرة ربنا العجيبة، ومُذللة لينا بأمر الله كدليل يومي شايفينه بعنينا، وبيفكّرنا بالرزق والرحمة والتدبير الإلـٰهي. ​بس أهل الجاهلية وقتها سابوا شُكر المُنعِم، وبدأوا يخترعوا أحكام وتشاريع على مزاجهم! يعني يقولوا مثلاً: البهايم دي هنعبدها، والأنعام دي هناكلها، والإبل دي هنركبها، ودي حرام، ودي حلال بمزاجهم! حاجات غريبة جدًا، كأنهم همّا اللي بيشرَّعوا وبيديروا الكون! فربنا نزّل سورة الأنعام علشان تهدم كل الأساطير دي، وتوضّح حقيقة مُطلقة: إن التشريع لله فقط، وإنك كإنسان ماينفعش تعيش في الدنيا بدماغك، لازم تعيش بكتالوج ودُستور العظيم الخالِق. وعلشان ربنا ينسف العبث ده، السورة بتبدأ بآية مُطمئنة علشان تعالج مرض موجود عند أغلبنا ؛ وهو الخوف من بُكرة ومدعَكة الأوڤر ثينكينج: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وبعد إعلان الحقيقة الكونية دي، السورة بتفتح حوار عقلي مُباشر بين ربنا والإنسان، وربنا -سُبحانه وتعالى- بيطرح حقائق وأسئلة زِلزالية علشان تراجع نفسك: (قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ) وآية (قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) برغم إن الآيات دي واضحة وإجاباتها بديهيّة جدًا إلا إننا في زحمة الحياة والضغوط والمشاكل بننسى البديهيّات دي، وبنعتمد على ذكاءنا وتخطيطنا الشخصي، وبننسى تدبير الخالق! وتلاقي الخوف من بكرة، أو الخوف من مدير أو مسؤول بياكل فينا من جوا، وبننسى إن المدير والمسؤول عبيد زيِّنا عند ربنا، وهو فاطر السماوات والأرض والمُتحكم فيهم وفي الدنيا كلها. ​وللأسف الشديد، بنشوف ناس بتعيش حياتها مرعوبة على أكل عيشها، لدرجة إنهم ممكن يتنازلوا عن مبادئهم -وأحيانًا- دِينهم، وبيربطوا رزقهم بالبشر أو بالمكان، مع إن اللي سخّر الأنعام وذلِّلها ورزق بيها أهل الأرض من آلاف السنين، قادر يسوقلك رزقك لحد باب بيتك من غير ما تِذل نفسك لمخلوق! المقصود هنا إنك تفكّر في حدود طاقتك، وكل ما عقلك يوزَّك، والخوف والتفكير الزيادة يسيطر عليك اقرأ سورة الأنعام علشان تعيش في ولاية (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
٣. المحطة التالتة - رحلة سيدنا إبراهيم:
بعد ما السورة صحَّحِت حدود تفكيرنا، بتاخدنا لقصة من أعظم مشاهد التدبر في القرآن رحلة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- العقليّة! سيدنا إبراهيم كان عقلية فريدة، مُفكِّر بالفطرة، ومبيقبلش التقليد الأعمى، رغم إنه نشأ في بيئة بتعبد الأصنام، لكنه بدأ يشغّل عقله: إزاي حتة حجر أصغر مني وأنا اللي ناحته بإيدي يكون إله؟ ​وهنا القرآن بيعرضلنا مشهد مُبهر لمُناظرة سيدنا إبراهيم مع قومه، ولمّا أقولك «مُناظرة» ده علشان نظبط حتّة في العقيدة، سيدنا إبراهيم مكَنش عنده شكّ في وجود ربنا أبدًا، حاشاه! لكنه كان بيستخدم أذكى أسلوب عبقري في المناظرة اسمه (مُجَارَاة الخِصم) يعني بيمشي معاهم تاتا تاتا لحد ما يجيب آخرهم، علشان يزنقهم ويثبتلهم الإلـٰه الحقيقي. وسيدنا إبراهيم جابها معاهم من أصغر حاجة بيشوفوها في الكون الكبير، ف​ربنا بيقول: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا) شاف كوكب بيلمَع في السماء بالليل، فقال لقومه: (هَـٰذَا رَبِّى)، لكن الليل بينتهي: (فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ) لمّا الكوكب ده غاب واختفى، قالهم: الإلـٰه مابيغيبش، وأنا مابحبّش الحاجات اللي بتغيب! ​بعدين شاف القمر منوّر، فقال بنفس الطريقة: (هَـٰذَا رَبِّى)، لكنه غاب بردو، فقال: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) يعني المُبعدين عن الحقيقة، فرفض الفكرة تمامًا.

أغلبنا قرأ الجزء السابع من القرآن، والجزء ده هو أعظم علاج نفسي لمرضى التفكير المُفرط، والرد المُفحِم على كل الشُكوك والوَساوِس اللي ممكن تُخطر على بالك! عندنا في الجزء ده ٣ محطات أساسية، حقيقي لو فهمناهم هنعيش وهنتعامل بعقليّة تانية خالص:
​١. المحطة الأولى - دموع صادقة:
في أواخر سورة المائدة، القرآن بيعرضلنا مشهد تاريخي في قمة الرِّقة والجمال، علشان تفهمه لازم نرجع بالزمن شوية، لمّا الصحابة في مكّة اتعرضوا لأبشع أنواع التضييق والأذى، النبي ﷺ أمرهم يهاجروا لـ الحبشة، وقالهم إن فيها مَلك عادل مبيظلِمش حد أبدًا، والمَلِك ده هو (النَّجَاشي) -وكان وقتها نصراني مُتديّن جدًا- ومُلِم بالكتاب المُقدّس، وعلفكرة الحبشة دي حاليًا هي إثيوبيا وإريتريا في شرق أفريقيا. ولمَّا الصحابة راحوا هناك، قُريش مَسِكتِتش، وبعتوا وراهم رُسُل بهدايا ورشاوي للنَّجَاشي علشان يُطردهم ويِسلمهم لقُريش، ومن ضمن الرُسُل دول وقتها: (عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة) -قبل الإسلام-، وقالوا للنَّجَاشي: دول شوية شباب هاربين من ديننا، وبيقولوا على عيسى وأمُّه كلام خطير! شايف إنت التسخينة دي! وهنا النَّجاشي المَلِك الحكيم جاب الصحابة وسألهم: إنتو بتقولوا على عيسى وأُمّه إيه؟ فقام المُتحدّث باسم المُهاجرين: (جعفر بن أبي طالب)، وشوف بقى الحِنكة والذكاء وحُسن الاختيار، قام قارئ عليهم بدايات سورة مريم، وعينك ما تشوف إلا الروعة والجمال والحلاوة! اللحظة دي بقى القرآن بيخلِّدها في بدايات الجزء السابع وبيوصف حالة النَّجَاشي والقَساوِسة والعُلماء اللي كانوا قاعدين معاه، أول ما سمعوا بداية سورة مريم: (تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) إيه ده؟ حاسّك مِستغرب ومُنتظر حركات من بتوع قوم موسى، لكن لا الموضوع هنا مُختلف، الناس دي من كتر ما قلوبها كانت حيّة ومؤمنة وصادقة، أول ما كلام ربنا لَمَس طبلة وِدانهم، مقدروش يِمسكوا نفسهم، وعيونهم فاضِت بالدُّموع؛ لأنهم مُتديِّنين وعِرفوا الحقّ ولقوه مُطابق لكتابهم السَّماوي، مش الكُتب المِتعدّلة. وهنا اللقطة دي بتدّينا مؤشّر خطير عن مِقياس نبضات القلب هو إحنا قلبنا بيتذوّق القرآن بجد؟ ولا هو مجرد "شاهد التلاوة التي هزّت الشريان التاجي" وشكرًا؟ وهل فعلاً لمّا الآية بتلمِسك وإنت مُذنب ومُقصّر، بتفيض من الدمع؟ ولا القلب خلاص عايش على أجهزة! كتير جدًا مننا بيفتكر إن البُكاء من خشية الله رياء أو عيب أو ضعف، بس حبيبك النبي ﷺ قال: «عينان لا تمسَّهما النار، ومنهما: عينٌ بَكَت من خشية الله»، والحقيقة إن الدموع دي أعلى درجات الفِطرة البشرية السليمة، وأكبر دليل إن قلبك شغّال ومحتاج تلميعة بس هو إنك بتستشعر ده دلوقتي وبتحاول تِفهم القرآن علشان تِصَلَّح نفسك. ​شوف بقى كرم ربنا وردُّه السريع على دموع النَّجاشي واللي معاه: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) بُشرى وتِيكيت سريع للجنّة؛ لمجرد بس إنهم سِمعوا وعِرفوا الحق وصدّقوه ومكابروش ولا عاندوا! وعلى النقيض، ربنا بيكمّل اللقطة العكسية المُرعبة للمُعاندين اللي شافوا الحق ورفضوه، قال عنهم: (أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) علشان تعرف إن العِناد والكِبرياء مع ربنا آخرته هيتحِجزلك مَقعد مُلتهِب في جهنّم. بعد المشهد العظيم والروحانيات العالية دي، فيه فخ إبليساوي بيُقع فيه بعض المُتأثرين والمُتحمّسين بزيادة! وبعض الصحابة وقتها من كُتر تأثرهم بالآيات وحُبُّهم في ربنا، الحماس أخدهم لدرجة إنهم قالوا: إحنا هنصوم كل يوم ومش هنفطر، وهنصلي طول الليل ومش هننام، ومش هنتجوز، ولا هناكل لحوم ولا أكل من اللي قلبك يحبّه -كنوع من الرهبانية وجلد الذات والزهد- وا​فتكروا إن كل ما يِضيقوها على نفسهم دا هيكون أقرب وأحبّ لله! وهنا بينزل الرد الإلـٰهي الصارم علشان يِعدل الميزان اللي هيتقِلب، ويعمل فورمات لمفهوم مغلوط جدًا عند شباب وبنات كتير النهاردة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)، فيه ناس فاهمة إنك علشان تكون زاهد وقريب من ربنا؛ لازم تجيبلك صفقة قُمصان طويلة، وصفقة جلاليب مِقطّعة، وتدّيها ١١١ على قورتك، وحارم نفسك من مُتَع الدنيا، لكن ده بيحصل في الأفلام بس، إنما الآية دي بتسيَّح الأفكار دي تمامًا، وربنا بيقول: متحرِمش نفسك من الطيِّبات اللي أنعمت بيها عليك، واستمتِع بيها واشكرني، يعني اِلبس أحلى لِبس، وكُل أنضف أكل، واِنجح واِبدع في شُغلك، واِركب أفخم عربية، واِتفسَّح وعيش حياة جميلة، بس بشرط واحد بس: (وَلَا تَعْتَدُوا) طالما في الحلال وبدون تبذير، يعني متحرّمش على الناس المُباحات، ولا تُبالغ في التشديد وجلد الذات لأن ربنا سمَّاه في الآية دي اِعتداء، وقال: (إِنَّ

‏هما طريقان.. الأوّل: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) الثاني: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فاختر لنفسك طريقًا -أذكَاركم حِصنكم�
‏هما طريقان.. الأوّل: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) الثاني: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فاختر لنفسك طريقًا
-أذكَاركم حِصنكم💛

-شهر فضل الله بِهِ أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، شهر جعله الله مِصْبَاح العَام وواسطة النظام وأشرف قَوَاع
-شهر فضل الله بِهِ أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، شهر جعله الله مِصْبَاح العَام وواسطة النظام وأشرف قَوَاعِد الْإِسْلَام المشرف بِنور الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام، شهر أنزل الله فِيهِ كِتَابه وَفتح للتائبين فِيهِ أبوابه فَلَا دُعَاء فِيهِ إِلَّا مسموع وَلَا عمل إِلَّا مَرْفُوع وَلَا خير إِلَّا مَجْمُوع وَلَا ضَرَر إِلَّا مَدْفُوع، شهر السَّيِّئَات فِيهِ مغفورة والأعمال الْحَسَنَة فِيهِ موفورة وَالتَّوْبَة فِيهِ مَقْبُولَة وَالرَّحْمَة من الله لملتمسها مبذولة والمساجد بِذكر الله فِيهِ معمورة وَقُلُوب الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِيهِ مسرورة♥️
ص215 - كتاب بستان الواعظين ورياض السامعين - فضل رمضان

​وقت الفِتن والمواقف الصعبة اللي محتاجة ثبات وقوّة وموقف واضح، هتلاقي الصنف المريض ده بيعمل إيه؟ (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ)، بيجروا على الباطل ويقفوا في النُص خايفين مُتردّدين، وعايزين يمسكوا العصاية من النُص، لا معاك ولا عليك، هو مع المصلحة أينما كانت، علشان كل الأطراف ترضى عنه. ​بس الدين للأسف مفيهوش منطقة رمادية، هو يا أبيض يا أسود، يا حقّ يا باطل. إيّاك تُقف في النُص، خليك واضح ونفِّذ عهودك مع الله ومع النّاس، وقول دايمًا: (سَمِعنَا وأطَعنَا).

​لأنك لمَّا تكون على الحق، والمُجتمع اللي قدامك مريض وجاهز ينهش فيك ومُتحفِّز يغلطك، الدفاع عن النفس بيكون تضييع وقت واستهلاك للروح أحيانًا السكوت وتفويض الأمر لله بيكون أقوى رد، وربنا هو اللي بيتولى الدفاع عنَّك، ​وبالفعل هي مردّتش وأشارت للولد الرضيع عيسى، فاستغربوا جداً وقالوا بسخرية واستهزاء: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)؟ وهنا بتنزل الصاعقة تفلِق دِماغهم، والطفل الرضيع بيتكلم في المهد وينطق بأول وأعظم حقيقة: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) أول كلمة قالها سيدنا عيسى في حياته هي (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) علشان يقطع الشكّ باليقين، ويسد الباب قدام أي حد هييجي بعدين يغالي فيه ويدّعي إنه إلـٰه أو ابن الإلـٰه، ونطق علشان يبرَّأ أمُّه، ويُثبت رسالته للدنيا كلها. ​طيب، شافوا طفل بيرضع وبيتكلم هيؤمنوا بقى؟ طبعاً لا ، بقولك عندهم جينات قديمة والعِناد كمّل معاهم، ولما كَبَر سيدنا عيسى وبدأ دعوته، اصطدم بـ كِبار الكهنة اللي كانوا وقتها بيحرَّفوا الدين وعاملين منه سُلطة وبِيزنس لمصالحهم الشخصية، سيدنا عيسى كشف أوراقهم وبدأ يدعو للحق، فقرَّروا يعملوا معاه المكيدة العُظمى ويتخلَّصوا منه للأبد. ​راحوا للحاكم الرُوماني وقتها وسخِّنوه عليه وقالوله: ده بيفسِد علينا الناس ولازم نِخلَص منه قدام الناس وهنا الحاكم وافق تحت الضغط، وأصدر قرار بتنفيذ الحُكم علنًا. ​وهنا بتيجي الآية اللي بتأسس عقيدة كل مُسلم على وجه الأرض، وتصحح أكبر تزييف حصل في التاريخ، همّا خططوا ورتِّبوا وجهِّزوا كل حاجة، وفعلاً نفِّذوا الحُكم الباطل ده، بس نسيوا إنهم بيتعاملوا مع (الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ) وإنه مابيسيبش أولياءَه، والراجل اللي جابوه دا مكانش سيدنا عيسى (وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ). ​ماهو أنا قايلك إن القوي العزيز مابيسيبش أولياءَه، وربنا ألقى شَبَه سيدنا عيسى على راجل تاني (قيل إنه الخاين اللي دلُّهم عليه)، فأخدوه ونفذوا فيه الحُكم وهمّا مُقتنعين ومَخدوعين. ​طيب وسيدنا عيسى؟ (بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) ربنا نجَّاه، ورفعه للسماء حيّ، علشان يحميه من شرُّهم، ويأجل موعِده لآخر الزمان، في وقت هينزل يملى الأرض عدل ويُنفذ علامات الساعة الكُبرى. ​وافتكر إن لو الدنيا كلها اجتمعت علشان تدبَّرلك مكيدة، وإنت في مَعِيّة الله وعلى الحق. والله مكرهم كله تحت رِجلك، ومش هيضرك غير اللي ربنا كتبه (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
​٣. المحطة التالتة - بداية سورة المائدة:
بندخل بقى بقلبنا على سورة المائدة، والسورة دي بالذات ليها هَيبة ورَهبة مش طبيعية، ليه؟ لأنها تُعتبر "وثيقة الوداع" بين كلام ربنا وبين الأمَّة، السورة دي نزلت في أواخر حياة النبي ﷺ، وفيها آخر الأحكام وآخر التكاليف، تِحس إنها بتلَمْلِم كل اللي فات، ومحتاجة منك تركيز مضاعف، بدليل إنها أكتر سورة في القرآن اتكرر فيها نداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ١٦ مرة يا مؤمن يعني ركّز وانتبه، الكلام ده ليك إنت شخصيًا! ​العنوان العريض للسورة وأول أمر فيها هو أتقل كلمة على النفس البشرية: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) الكلمة دي بتعمل فورمات لأي فكرة عن الفهلوة والخِداع في ديننا، والعقود هنا مش ورقة بتمضيها في شغل أو مصلحة أو شقّة، لكن العقد ده هو عهدك مع ربنا أولاً، وبعد كدا هي كل العقود والعهود اللي بتاخدها مع الناس، سواء كلمة وعدت بيها حد ولازم تعملها، أو عهد الزواج الغليظ اللي بين الأزواج وماينفعش يِتخان، وهكذا كل العقود والعهود اللي مافيهاش شيء مُحرّم. ​ومن أعظم اللقطات في السورة دي، آية تُعتبر هي تَاج النعيم، آية بتخلي قلبك يطير من الفرحة، لدرجة إن أهل الكتاب قالوا لسيدنا عُمر بن الخطاب: لو الآية دي نِزلت علينا، كنّا هنعمل اليوم دا عيد: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). يا الله! الآية دي جميلة بتقولك: خلاص الدين اكتَمَل، والدستور اتختم بالكمال والمثاليّة، إحنا مش محتاجين أفكار مُستوردة، ولا قوانين شرعية متعدّلة، كل حلال ربنا أحله ليك فهو لمصلحتك، وكل حرام اتحرّم عليك فهو لحمايتك ونجاتك. ​نيجي بقى لأخطر لقطة في السورة كلها: ربنا -سُبحانه وتعالى- بيفضح صنف من أهل الكتاب، بدَّلوا كلام ربنا ولعبوا في الأحكام علشان تناسب أفعالهم ومصالحهم: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) يعني مش بس بيكدبوا، لا، دول بيطوّعوا الدين على مزاجهم، والمصيبة يا جماعة إن الصنف ده موجود وسطنا تلاقيه بيختار من الدين اللي يعجبه، واللي مايعجبوش يقولك: ده حديث ضعيف، ورأي قديم ومحتاجين نجدد! والناس دي رفضت حُكم ربنا علشان يرضوا أهواءهم، فربنا سَلَب منهم نور الهداية، لأن اللي بيرفض شرع ربنا ده إنسان مُجرم، وميستحقش نِعمة الهُدى.

أغلبنا قرأ الجزء السادس من القرآن، الجزء اللي بيعمل أشعة مَقطَعيّة على القلوب، علشان نشوف أكتر مرض خبيث ممكن يُصاب بيه الإنسان؛ وهو العِناد والمُكابرة! ​في الجزء ده بنختم سورة النِّساء، وبندخل على سورة المائدة اللي هي وثيقة الوداع وآخر ما نزل من الأحكام، وعندنا ٣ محطات أساسية لازم تفهمهم كويس، علشان الأشعة بتاعتك تطلع سليمة بإذن الله:
١. المحطة الأولى - الجِدال والعِناد:
في أواخر سورة النساء، القرآن بيورّينا مشهد عجيب جدًا عن العِناد الأعمى، لمّا المُشركين وأهل الكتاب في زمن النبي ﷺ شافوا مُعجزات تقشعر الأبدان، فكان لازم ينزلهم مُعجزة مخصوصة بتلمس واقعهم، وهمّا أصلاً كانوا صنايعية في اللغة العربية، فالقرآن نزل يتحدّى صنعتهم وفصاحتهم، والتحدّى كان إنه بس يجيبوا ولو سورة واحدة بنفس فصاحة وبيان ودقّة القرآن وعجزوا تمامًا! ​بس لأن قلوبهم مقفولة ومريضة بالعِند والكبر، سابوا التحدّي اللي في ملعبهم، وراحوا يطلبوا طلب في قمة الاستفزاز والبجاحة، وقالوا للنبي ﷺ: إحنا مش مُقتنعين بالكلام ده، ولو عايزنا نؤمن بجد خلِّي ربنا ينزل علينا كتاب جاهز ومكتوب من السماء قدام عنينا علشان نمسكه بإيدينا (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ). ​والرد الإلـٰهي في الآية دي هيكشفلنا إن العِناد عندهم جينات متوارثة، وربنا -سُبحانه- طَمَّن النبي ﷺ علشان ميزعلش ولا يستغرب، وقاله دول أجدادهم طلبوا من مُوسى طلب أبجح وأعجز من كدا بكتير، دول قالوله: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) يعني إحنا عايزين نشوف ربنا بعنينا كدا وجهًا لوجه علشان نصدق! ​والنتيجة؟ (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) لأن اللي بيشوف مُعجزة ويفضل يِجادل ويُراوِغ ويُكابر ويُطلب طلبات تعجيزية ده بيتسلَّى، ومبيفكرش أصلاً في الهُدى، ودي جينات وأمراض متوارثة وبتزيد مع الوقت والزمن. ​تعالى بقى أورّيك لقطة مُرعبة علينا إحنا، وماحدش بياخد باله منها: إحنا بنشوف ناس حوالينا -وممكن نكون إحنا نفسنا- بنقع في الفخ وبنجادل في ثوابت الدين الواضحة وضوح الشمس، والآيات بتكون صريحة وقاطعة والسُنّة الشريفة بتكون مفسّراها بوضوح؛ سواء في المواريث، أو الحجاب، أو الربا، أو غض البصر، أو الزواج، وتلاقي الحُكم مفيهوش ذرة شكّ، ويطلعلك واحد مُحنّك على السوشيال ميديا أو التلفزيون ويقولك: النص دا محتاج قراءة عصرية، أصل الزمن اتغيّر والقرآن بيخاطب البيئة الصحراوية! وتطلعلك واحدة شديدة الحناكة وتقول: أصل ربنا ربّ قلوب، ومُستحيل يعاقبنا على حتة قُماشة على الراس أو معاملة بنكيّة! ​الناس دي يا جماعة همّا الامتداد الطبيعي لـ (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) هو مُشكلته مش في إن الآية مش واضحة، ولا إن الحُكم محتاج تفسير، لأن القصور عندنا إحنا، لكن هو مشكلته الحقيقية إن الحُكم مش جاي على مقاس دماغه، فبيلف ويدور ويجادل، لدرجة إن أغلبهم بيصنّف نفسه مُفكّر ومُثقّف علشان الهبدة تبقى مُحكَمَة وليها قِيمة! ​ولازم نقتنع تمامًا إن اللي قلبه سليم وبيدوّر على الحقّ بصِدق هتكفيه إشارة واحدة أو دليل واحد بس علشان يطاطي راسه ويقول: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). ​لكن المُجادل والمُكابر المريض بالعِناد والكِبر هيفضل يطلب تبريرات ويجادل بالباطل ولو نزِّلتِله مُعجزة من السماء وشافها بعينه، هيقولك ده سِحر وتهيؤات، وهيفضل يراوغ لحد ما الصاعقة تلسعه، والصاعقة ممكن تكون انتكاسة في دينه أو حياة تعيسة، مش شرط كارثة مرئية. ​إيّاك حبيبي تِجادل في ثوابت الدين، سَلِّم تَسْلَم لأن العِناد مع ربنا آخرته مُهلكة، والدين مينفعش أبدًا يكون تفصيل، ولو فيه حُكم خالِف هواك؛ إنت مش في مجلس الشعب علشان تناقِش وتتفاوض، تأدَّب أنت في حضرةِ ربِّ العالمين.
​٢. المحطة التانية - المَكيدة العُظمى:
في نفس سياق العِناد اللي اتكلِّمنا عنه، أواخر سورة النساء بتعرضلنا قمة الفُجور في الخصومة، وبتحكيلنا قصة (السيدة مريم وسيدنا عيسى عليهما السلام) علشان تصحح وتثبِّت عقيدتنا. ​أُمِّنا السيدة مريم -أطهر نساء العالمين- ربنا اختارها لمعجزة محصلتش قبلها ولا هتحصل بعدها، وهي ولادة سيدنا عيسى بدون أب، زي ما ربنا خلق آدم بدون أب ولا أم علشان يُثبت طلاقة قدرته المُطلقة، وكالعادة المُعاندين بدل ما يشوفوا المعجزة ويسجدوا لله، عملوا إيه؟ عملوا أكبر حملة تشويه في التاريخ، واتهموا السيدة مريم اتهام بشع، وخاضوا في عِرضها وهي من بيت النبوة الطاهر: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا).​وهنا لازم نُقف وقفة مؤثرة جدًا، السيدة مريم كانت في موقف مُرعب لوحدها، والمُجتمع كله بيهاجمها وبيغتابها بأبشع الاتهامات، بس هنا ربِّ العزة مابيسيبش أولياءَه في المِحن، ربنا ألهمها بالسكوت.

كل يوم الدعاء نفسه، اليقين ذاته، العين مُعلَّقة، والقلب مُتلهِّف، والأيدي ممدودة، والأقدام واقفة بثبات على باب الإله وقد عاهدت ألا تبرحه إلا وقد بلغت حاجتها يا ربّ، عبيدك في ملكوتك، يقيدهم الخوف منك، ويدفعهم الرجاء فيك، ليس لهم سواك ليس لهم سواك ليس لهم سواك! يا ربّ، اقضِ حاجتنا، وحقق غايتنا، وبلّغنا آمالنا، وبارك سعينا، ولا ترد واحد منّا إلا وقد رضيت نفسه، وجبرت قلبه، وأفضت عليه من واسع فضلك. يا ربّ، يا واسع يا كريم يا حنّان يا منّان، يا ذا الجودِ والإحسان!💗

- ​(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ): المُنافق فاكر نفسه ذكي، بيلعب على كل الحِبال ومحدّش واخد باله! تلاقيه بِوشّين، يقعد معاك تحسّه ملاك، ويروح يقعد مع اللي بيكرهوك ويدحرج معاهم أحلى التَمَاسي، فاكر إنه بيكسب بُنَط، لكن الحقيقة إنه بيخدع نفسه، وربنا كاشفه وهيفضحه. - (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ): لحظة بس هو المُنافِق بيصلِّي؟ أيوة وبيصوم وبيزكّي وبيحِج كمان! بس شوف ربنا وَصَفُه بالاستثقال والكسل والتعب من العِبادة، والصلاة عندة مش أولويّة، هي مجرّد إثبات حُضور وانصراف قدام النّاس، والعبادة بالنسباله دعاية مش عقيدة. - (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ): تلاقيه ​معاك معاك عليك عليك! شخص مُذبذب وعايش في المراجيح، ملوش مبدأ ولا كلمة، دينه هو مصلحته فقط! وتلاقيه كلامنجي وبيعرف يرسمها ويِحبُكها طول ما الدنيا أمان ومفيش خساير، لكن وقت الشدة والأزمات.. أول واحد يبيعك ويهرب. - نهاية المُنافق المُرعبة: ربنا -سُبحانه وتعالى- توعّد ليه وعيد مخصوص: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) يعني في قاع جهنّم، تحت أبو لهب والصُحبة اللئيمة. علشان كده النبي ﷺ كان دايمًا بيستعيذ من النِّفاق، ف​اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، واهدنا وعلِّمنا وفهِّمنا وأدِّبنا بآياتك، واحفظ بيوتنا من كل سوء.

(حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ) يعني في غياب زوجها هي أسد بيحمي عِرضه، وماله، وأسرار بيته، ومشاكلها مابتخرجش برا العتبة، ومابتخونش ثقته فيها، وهي دي الست اللي الراجل بيشيلها فوق راسه. طيب لو الزوجة اتغيّرت، ومابتسمعش الكلام و و و؟ اسمها ناشِز، والنُشوز مش معناه إنها حرقت الأكل أو قصّرت في شغل البيت، النُشوز هو التعالي والتمرُّد المُتعمّد وهدم أساسيات الحياة الزوجية، لو ده حصل، ربنا سُبحانه وتعالى حطّ لينا روشتة مُتدرّجة من ٣ أدوية، وبتتاخد بالترتيب جوا البيت علشان نعالِج: » العلاج الأول .. (فَعِظُوهُنَّ): الشرع والطِب النفسي اتفقوا إن البداية بتكون بالكلام واللين، يعني نفكّر بعض بفضل ربنا علينا، وإننا اتجمّعنا ومرينا بتفاصيل وحكايات ولحظات حلوة، ونتكلّم عن الحلال والحرام، نعاتب بحُب ونحُط النقط على الحروف من غير إهانة ولا تجريح. » العلاج التاني .. (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ): لو الكلام اللين والعتاب مجابش نتيجة ولسه النُشوز موجود.. الشرع بيقول إنك تدّي مساحة هُدنة بذكاء، مساحة تهدّي الأجواء وتراجع نفسها، يعني مثلاً: تجنّبها في النوم جوا الأوضة، وبيّن استياءك بأدب، لكن ماتسيبش البيت ولا تقاطعها بالشهور، ودا أقوى رسالة نفسية، ومعناها: أنا زعلان جدًا ورافض تصرّفاتك. » العلاج التالت .. (وَاضْرِبُوهُنَّ): وهنا هدّي أعصابك وافهم قبل ما تِسخَن، الخطوة دي كتير من الجَهَلَة والفَسَدَة بيفسّروها بالهوى، ودا جهل وتعدّي على حُدود الله! الخُطوة دي بتيجي لمّا تكون العلاقة على حافة الهاوية، والنشوز وصل لمرحلة هيتخِرب فيها البيت، سيدنا النبي ﷺ اللي هو المُشرِّع بإذن الله والمُفسِّر للقرآن قيّد الكلمة دي وقال: (ضرباً غير مُبرِّح)، وعُمره ﷺ ما مَد إيده على امرأة قط! وحَبْر الأمَّة ابن عباس فسّرها بإنها: (الضرب بالسِّوَاك).. إنت متخيل؟ يعني بعود فرشة الأسنان، إذن ده مش اللي في بالك خالص. والمقصد الشرعي هنا مِش الأذى الجسدي إطلاقاً -دا مُحرّم-، والمقصد هو إظهار قمّة الاستياء والرفض؛ وكأنك بتفوّق الإنسان دا إننا في خطر والبيت بيضيع. وأي راجل بيستغل الآية دي ويفصّلها علشان يِمِد إيده ويهينها؛ فهو جاهل، ومُخالِف لشرع الله، والنبي ﷺ بريء من فِعله. والـ ٣ أدوية اللي فاتوا دول بياخدوا وقت، ممكن ٣ شهور أو ٦ شهور أو حتى سنة، أو أكتر أو أقل؛ لأن أي مرض بياخد وقت في العلاج، طيب إذا الحال استمر على ما هو عليه، بنخرج من العلاج الفردي وندخل على العلاج اللي بعده: ​» العلاج الرابع .. تدَخُّل الحُكماء: هنا نلجأ للحل قبل الأخير (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) الشرع هنا واضح وجميل، مبنروحش محاكم، ومبننشرش غسيلنا على الفيسبوك، ومبنجيبش قرايب مشحونين ومتحيّزين يزوّدوا الطين بَلّة! إحنا بنختار راجل عاقل وحكيم من أهله، وراجل زيّه من أهلها بس فيه هنا جزئية في غاية الخطورة، والسّر كله في الحتّة دي: (إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) يعني التوفيق وحلّ المشكلة مرهون بنيَّة الحَكمين، ولو نيتهم وأسلوبهم وكلامهم بيهدّي النفوس، وينصر المظلوم ويعقّل الظالم ربنا هينزل عليهم السَكِينة ويحلّها من عنده. » العلاج الأخير .. الإمساك أو الطلاق: لو استنفذنا كل الأدوية، ومفيش فايدة واستحالت العِشرة.. هنا الشرع بيتَدَخَّل بعملية جراحيّة لإزالة الأذى، وهي الطّلاق. يلا بقى نُنشر الغسيل؟ مفيش غسيل أصلاً، كل دا جَهل وتعدّي على الشرع، والإسلام أمرنا بأدب الخِلاف: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) نمشي باحترام، ندّي كل واحد حقّه، لا أذى، لا تشهير، لا محاكم، لا نستخدم العيال ككروت ضغط ومسخرة! ​بالله عليكم شُفتوا عظمة وشُمولية في التشريع زي دي؟ دين بيعالج أدَق تفاصيل مشاعرنا، وبيحط أسوار تِحمي بيوتنا من الانهيار والعادات والأعراف اللي خربت عُقول الشباب والبنات والأهالي، اتمسّكوا ببيُوتكم، وافهموا مقاصد رب العزّة، وعدّي واتغافل علشان المراكب تِمشي.
​٣. المحطة التالتة والأخيرة - فيروس النفاق:
بعد ما السورة حطّت قوانين تنضَّف بُيوتنا من المشاكل، بتاخدنا علشان ننضَّف دايرتنا ومُجتمعنا من أخطر فئة ممكن تتعامل معاها في حياتك، وهمّا المُنافقين! ​النفاق ده مرض وفيروس خطير جدًا، والمُنافق أخطر عليك من العدو الواضح! لأن العدو الواضح إنت عارفه وعارف نيّته، لكن المُنافق ده عايش معاك، وبياكل معاك، وممكن يكون بيصلي جنبك وبيتكلم بلُغتك، لكن جوَّاه كُره وحقد وخيانة، ومستني أقرب فرصة يِعلِّم بيها عليك! ​تعالى نشوف السورة كشفت وشوشهم إزاي، وخد بالك علشان الصفات دي موجودة في ناس كتير حوالينا النهاردة:

أغلبنا هيقرأ النهاردة الجزء الخامس من القرآن، الجزء ده بيمثّل الكتالوج الحقيقي لإدارة البُيوت والعلاقات، وهتلاقي فيه روشتّة للتعافي من الذنوب، والسورة مليانة أحكام وتشريعات علشانك إنت، ومع كل حُكم بتلاقي التركيز كله تقريبًا على حاجتين: (العدل والرحمة)، وإن شاء الله هتفهم سورة النِّساء بشكل تاني خالص! ​الجزء ده بياخدنا لـ ٣ محطات أساسية، وكالعادة لو فهمناهم كتير جدًا من مشاكلنا هتتحل؛ لأننا بنستخرج الأحكام والحلول من دُستور ربِّ العالمين:
​١. المحطة الأولى - الضعف البشري:
فيه شعور كده متأكد إنه مُشترك بنّا أحيانًا بنحس إننا بايخين أوي مع ربنا من كُتر الذنوب! أو إننا كل مرة نتوب وخلاص دي آخر مرة، وهوب نفس الغلطة هي هي! فالاحباط واليأس من ضعفك بيركبك وبتقول: أنا مفيش مني رجا، كدا كدا ضايع! أهو الشعور باليأس وجلد الذات ده هو أكبر زوحليقة بيعملهالك الشيطان، وعلشان كده في بداية الجزء ده ربنا نزِّل آيات زي البلسم على قلبك وبيعمل معاك مُكاشفة نفسية جميلة ومُرعبة: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ركّز كدا في كلمة (يُرِيدُ)، ربنا مش بس هيقبل تَوبتك، لا هو الودود -سُبحانه- اللي يريد إنه يتوب عليك، حابب رجوعك مهما عكّيت وغِبت، بابُه مفتوح ومفيش بينك وبينه حواجز ولا واسطة! وفي نفس الآية بيحصل زوم خطير على العُصاة الغرقانين: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)، إيه ده مين دول يا رب؟ دول صُحبة السُوء، وصُنّاع التريندات الفاسدة إلحق فلان اتجوّز، إلحق فضيحة فلانة، والبيئة اللي بتزيّنلك الحرام والشهوات! الناس دي ذكيّة جدًا، اليأس ركبهم حرفيًا وغرقانين في الوحل وشهواتهم سايقاهم، فهمّا عايزينك معاهم في نفس الوحل علشان مايحسّوش بعقدة النقص، ودا صراع إرادة قوي لازم تُدركه علشان بمجرد ما تقعد على طرف الزوحليقة زقّة صغيرة هتنزل الوحل. ولأن ربنا الخالق العظيم يعلم تركيبتنا، ختم المعنى بآية بتغسل القلب: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) ياااه على الجَمال والرحمة! ربنا بيقولك: أنا الخالق، وأعلم إنك ابن آدم مِش مَلاك، وأعلم بتركيبتك البشرية اللي فيها ضعف قدام شهوة عابرة، ضعيف وقت الغضب، ضعيف قدام الفلوس أو كلمتين حلوين في الحرام ولأني أعلم الضعف ده، أنا هخفف عنّك، وهشرَّعلك اللي يسند ضعفك. وده مش مُبرِّر علشان نستحلى الضعف ونقول: يلا بقى ما إحنا ضُعاف! لا ده طوق نجاة وقت الذنب علشان تهرب لربنا وترجع، مِش تتمادى!
٢. المحطة التانية - بيوت المُسلمين:
مبدأيًا مفيش بيت مفيهوش مشاكل، وده طبيعي ومُتوقع؛ لأننا شخصيات مُختلفة، جايين من بيئات وتربية وتجارب مُختلفة، وبنحط ده كله في خلاط واحد وتحت سقف واحد! حتى بيت النبي ﷺ اللي هو أطهر بيت على وجه الأرض حصل فيه غِيرة وخلافات زوجية، والسيدة سَودة بنت زمعة في وقت من الأوقات خافت على العلاقة وتنازلت عن يومها وحقّها للسيدة عائشة حبًّا في النبي ﷺ وحفاظاً على بيتها ومكانتها معاه في الجنة، فالمُشكلة عُمرها ما كانت في وجود الخلاف، المُشكلة كلها في إزاي بنتعامل مع الخلاف؟ و​سورة النساء حطّت لينا المَنهج والكتالوج اللي يحمي أي بيت من الخراب، وبدأت بتأسيس الهيكل التنظيمي للبيت، وهنا هنقابل أكتر مُصطلح بيتفهم غلط: ​- القوامة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ): حبيبي الرجل المُسلم، القوامة تكليف ومسؤولية مُرعبة، مِش تشريف ولا رُخصة لأغراض استعراضية، وبعض الرجّالة -للأسف الشديد- فاكر إن القوامة هي نموذج سي السيد، وخشونة الحنجرة، والتطاول، وزفارة اللسان، وإلغاء شخصيّة الزوجة! لكن القوامة جايّة من القيام على الأمر بكل جوانبه، يعني إنت الضهر والسند، والقلب اللي بيحتوي، إنت الشقيان المطحون في الدنيا علشان توفّر الأمان المادي والنفسي والمعنوي لأهل بيتك، وإنت الشيخ اللي بيسأل عن الصلاة والعبادة، وإنت الأستاذ اللي بتعلِّم أهلك، وإنت الأسد الحامي للأعراض، وإنت المؤدِّب والمُوجّه بما أمَرَك الله، وإنت القائد الحكيم لشؤون البيت، على الجانب الآخر، بعض البنات بتشوف إن القوامة سُلطة وظُلم وتهميش! بس لو شيلتي النضارة السودا دي وركّزتي هتلاقي إن الإسلام أعفاكي من مسؤولية الإنفاق الإجباريّة والحماية وأي تكاليف مادية وجسدية، وكلِّف الراجل بكل الأعباء المُرهِقة، وأي مؤسسة ناجحة لازم يكون ليها مُدير وقائد حكيم ومُوجّه ومُصدِر للقرارات، والقوامة حماية للمرأة، فلازم تتقبلي شرع ربنا بصدر رحب علشان تُطبّقي شعار (سَمِعنَا وأَطَعنَا). ​- الزوجة الصالحة (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ): القرآن هنا بيرسم صورة الزوجة السويّة المسؤولة اللي جايّة تبني بيت؛ (قَانِتَاتٌ) يعني مطيعة لربها ولزوجها في المعروف، مِش نِد بِنِد، وعِند ومُكابرة!

كم من بابٍ بقي مقفلًا طيلة العام، ثم جاء رمضان يحمل المِفتاح، فدعاءُ رمضان مسموعٌ مرفوع، فحدِّد أدعيتك، ولا تضيع مواطن الإجابة، وادع وألح على ربك ولا تيأس ولا تعجل، وفضل الله واسع، والله يرزق من يشاء بغير حساب♥️

بيأمر الرجالة صراحةً: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) وكلمة (صَدُقَاتِهِنَّ) جاية من "الصِّدق"، يعني المهر دا مش تمن للبنت ولا هي سِلعة بتشتريها، والمهر دا إثبات لـ "صِدق" رغبتك فيها، وصِدق تحمُّلك للمسؤولية والرجولة، و​كلمة (نِحْلَةً) يعني المهر دا حقّها هي لوحدها، وتديهولها بالإتفاق عن طِيب نفس ورضا وحُب، سواء كان قليل أو كتير، ومحدش من أهلها له حق ياخد منه جنيه واحد إلا برضاها هي. بالله ​شُفتوا دين بيرفع من قدر البنت ويدلّلها ويحفظ كرامتها بالشكل ده، علشان كدا في الزواج والتعدّد فيه لقطة مهمّة لازم نفهمها وهي إن الدين اللي كرَّمها في البداية، مُستحيل يظلمها في النهاية. - التعدد: ربنا الخالق العالِم بنا بدأ بالمبدأ والأساس: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) يعني الأصل في الإسلام قبل الزواج أصلاً هو العدل وتحمُّل المسؤوليّة. ​» ​رسالة للبنات والزوجات: فيه فرق شاسع بين "الغيرة البشرية" وبين "رفض حُكم ربنا". الغِيرة دي فِطرة، أمهات المؤمنين وزوجات النبي ﷺ نفسهم غاروا! حقّك نفسيًا إن الموضوع يكون تقيل على قلبك، وحقّك تتمني وتدعي ليل نهار إن ربنا يرزقك زوج تكوني له قرة عينه، ومايشوفش غيرك كل دا حقّك المشروع ​لكن اللي مش حقك أبدًا إنك تدّعي المظلومية، أو تقتنعي بأفكار وتثوري على أوامر ربنا، هنا محتاجين وقفه إحنا قولنا في أول المصحف (سمعنا وأطعنا)، إياكي تنكري شيء معلوم من الدين بالضرورة؛ لمجرد إنها تقيلة على مشاعرك، هو دا جُل الاختبار، ومش كل الناس أصلاً هتُختَبر فيه! ​وببساطة خالص، التعدد رُخصة ربانية نزلت لحِكَم عظيمة جداً ومصالح مُجتمعية زي حماية الأرامل والمُطلقات، وحلول لمشاكل عدم الإنجاب وغيرها، فحاشا لله أن يكون ظلمًا، وافصلي بين طبعك البشري الغيور، وبين التسليم التام لشرع الله. ​» ​رسالة للشباب والأزواج: التعدد مش أداة بتترِفع في وِش مراتك وقت الخلاف، ولا هو قرار مزاجي مبني على نزوة أو هروب من مسؤولية بيتك الأولاني، ده شرع وليه شروط لازم تنطبِق، والتعدد شُرع لحل مُشكلة أيًّا كان سببها إيه، فهي مش لهدم بيت مُستقر أصلاً، فلو خوفت من عدم الوفاء بالسكن والمادّة والمبيت والوقت والمشاعر اِبعد واكتفي بواحدة، وإلا هتكون ظالم لنفسك ولغيرك، أمّا إن كنت مُستطيع والشروط مُنطبقة ولكَ حاجة؛ فأعانك الله وسددك على العدل والمسؤولية. - ​الجزء دا بيختم بتحذير شديد اللهجة من أكل أموال اليتامى والمواريث: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) ربنا قسّم الميراث بميزان دقيق جداً وفيه مصلحة لكل فرد، علشان حقوق الناس وخصوصًا النساء واليتامى ماتبقاش لعبة في إيد الطمّاعين والحرامية. ​بعد كده، ماينفعش حد يطلع يقولك: الإسلام ظَلم المرأة! لأن دا غالبًا مشافش سورة النساء قبل كدا.

الله وحفظه، وملكش دعوة بالنتيجة. وخدها قاعدة في حياتك ​كل ما الدنيا تِضيق عليك، وتحس إن المعادلة مُستحيلة، وإنك واقف بِطُولك وإمكانياتك ضعيفة في أي أزمة افتِكر (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).
٣. المحطة التالتة - درس أُحد:
بعد التمكين والانتصار في بدر، قريش مكانتش هتسكت، فقررت ترد وتسترد هيبتها، وجهّزت حشود ضخمة تتجاوز الـ ٣٠٠٠ واحد، واتحركوا ناحية المدينة، فالنبي ﷺ استشار الصحابة كالعادة، وكان رأيه إنهم يفضلوا جوا المدينة كنوع من الأمان والحِماية، لكن الشباب المُتحمسين اللي ماحضروش بدر قالوا: "لا يا رسول الله، نخرج نقابلهم برا المدينة". فاستجاب النبي ﷺ لرأي الأغلبية، وخرجوا عند جبل أُحُد، و​بدأت المواجهة، والمُسلمين كانوا مُتفوقين جداً في البداية، وقريش بدأت تتراجع وتسيب أرض المواجهة، وهنا حصلت "اللحظة الفاصلة" والنبي ﷺ كان حاطط ٥٠ واحد من الرجّالة -معاهم نِبَل - المُكلّفين بالحماية فوق الجبل، وإدّاهم أوامر صارمة: "مهما حصل، الدنيا بيضا أو سودا، ماتتحركوش من أماكنكم أبدًا". ​لكن لمّا الرجالة دول شافوا قُريش بتتراجع وسابوا وراهم الغنائم والمَكاسب، أغلبهم افتكروا إن المواجهة خِلصت، فنسيوا الأوامر ونزلوا يجمعوا الغنايم وسابوا أماكنهم! هنا خالد بن الوليد -كان لسه مش مُسلم وقتها- لَمَح الثغرة واستغلّ الفرصة، ولَف بسرعة من ورا الجبل، وجِه من ضهرهم وعمل ريمونتادا تاريخية! ​الدنيا اتقلبت، والصفوف ارتبكت، وفي عز الصدمة دي طلعت إشاعة مُرعبة هزّت قلوب المُسلمين: "ماتَ مُحمَّد" وكتير من الصحابة رموا اللي في إيديهم من الصدمة، وفقدوا الأمل تمامًا، وهنا ربنا نزِّل آية بتأسِّس العقيدة إلى يوم القيامة: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) يعني هو رسول يُتَّبَع مِش يُعبَد، ومش أول رسول ولا آخر واحد هيموت، وإوعى تربط إيمانك والتزامك بشخص مهما كان عظيم، حتى لو كان النبي نفسه! الناس كلها هتموت، لكن ربِّ الناس حيٌّ لا يموت، فخلّي التزامك وانتماءك لله فقط. ​طيب ليه الانتكاسة دي كلها تحصل في اللحظة الأخيرة؟ علشان غلطة واحدة، ذنب واحد بس، وهو مُخالفة صريحة لأمر النبي ﷺ، وبسبب الغلطة دي، المُسلمين فقدوا أغلى الصحابة وعلى رأسهم سيدنا "حمزة"، والنّبي ﷺ وِقع في حُفرة واتصاب إصابة شديدة في وجهه الشريف وكُسِر سِنّه. ​وهنا ربنا أراد إنه يربِّي الصحابة ويُعاتبهم، ويعلمنا إحنا كمان درس قاسي جدًا: (وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ) يعني ربنا نصركم، وفرَّحكم، ووراكم النتيجة اللي بتحبوها، وبدل ما تشكروا وتلتزموا بالأمر عصيتم وحبيتوا الدنيا! ولو أخدنا الآية دي علينا: كام مرة ربنا نجاك من أزمة، ورجعت عصيته؟ كام مرة ربنا شفاك من مرض، وبعد ما قومت على رجلك نسيت تُقف تصلّيله؟ كام مرة كان نفسك في شُغلانة أو زواج، وأول ما ربنا أعطاك عملت فرح فاجر مليان بلاوي بدل ما تشكره؟ كام مرة سيبنا أماكننا ومبادئنا علشان مصلحة دنيوية؟ ​أهكذا يكون ردّ الجَميل؟ (وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ)!وبرغم قسوة العتاب وصعوبة الأحداث، إلا إن رحمة ربنا واسعة، ومابيسيبش عباده المؤمنين مكسورين، فنزِّل آية تطبطب عليهم وتخفف عنهم نفسيًا وقال: (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لأن العتاب من ربنا بيكون للتربية والتوبة، مش للانتقام.
​٤. المحطة الرابعة - بداية سورة النساء:
بندخل على ثورة الحقوق والتسليم لأوامر الله، سورة نزلت مخصوص تكرَّم وتحمي شَقائِق الرجال، واتسمّت باسمهم: (سورة النِّساء). ​السورة دي بتعمل فورمات لأي مُجتمع بياكل حقّ الضعيف، وبتحط قوانين ربّانيّة لحقوق النساء واليتامى وتقسيم المواريث، بس الأهم إنها بتحطنا كلنا كرجالة وستات قدام أكبر اختبار حقيقي لمبدأ: (سَمِعنا وأطعنا). ​الدين مش بُوفيه مفتوح، بناخد منه اللي يجي على مقاسنا، إحنا مش من قوم سيدنا موسى، وأنا هنا بتكلّم بشرع ربنا وسُنّة الرّسول، فلو عندك مصادر تانية بشريّة الكلام ده مش هيكون مُفيد ليك، ولازم نفهم ديننا بميزان مُنضبط؛ لا إفراط ولا تفريط. ​السورة بتبدأ بإثبات إننا كلنا من أصل واحد: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ومفيش فرق بين رجل وامرأة، الأصل واحد، والكرامة والتقوى والعبادة واحدة، لكن كل واحد منهم ليه دُور وحقوق وواجبات. بعد كدا فيه كذا لمحة هنوقف عندها ​- تكريم المرأة والمهر: قبل ما ندخل في تفاصيل الزواج، زمان في الجاهلية الست كان بيتم توريثها كأنها جُزء من التركة! يعني لو جوزها مات، ييجي أهل جوزها يورثوها غصب عنها وياخدوها زيها زي العفش، كأنها جماد ملوش رأي! ولما كانت البنت تتجوز، كان أبوها أو أخوها ياخد مهرها ويحطه في جيبه، يعني بيعة وشروة، ​وهنا القرآن بينزل بآية تقلب الموازين، وتأسس للبنت ذمّة مالية مُستقلة، وتُثبت إنها غالية وليها كرامة، وربنا

أغلبنا هيقرأ النهاردة الجزء الرابع من القرآن، الجزء اللي بيجاوبك على تساؤلات كتير، وأنا بعتبره رُوشتة تعافي من الانتكاسات، وبيعمل إعادة ضبط مَفاهيم شبابنا وبناتنا الغاليات. عندنا ٤ محطات مُهمّة لو ركزت فيهم هتفهم أسباب ابتلاءات كتير بتحصَلّك وأنت مش فاهم حاجة:
​١. المحطة الأولى - كشف النوايا:
كلنا -بفضل الله- بنطلّع صدقات، بس أحيانًا بنحس إن قلبنا فيه حاجة، ومفيش البركة والأثر اللي بنسمع عنهم، والسر كله في أول آية بتقابلنا في الجزء ده: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، ربنا بيصحّح حاجة مغلوطة بنعملها دايمًا، وهي إننا فاهمين إن الصدقة هي الفكّة اللي بتطلعها من جيبك لمّا حد يقولك: "يا عمو هات جنيه! يا أبلة ربنا يخلّيلك عيالك!"، أو إننا مثلاً ندّي لربنا الأكل البايت والهُدوم المِقطّعة اللي أنت أصلاً مش محتاجها ونقول دا لوجه الله! بس البِرّ الحقيقي مبيجيش غير لمّا تتبرَّع وتخرَّج من أكتر حاجة بتحبّها ومتعلّق بيها بجد وشايف إنك مُستحيل تستغنى عنها.مثلاً يعني إيه أكتر حاجة بتحبّها؟ لو فلوس تِقدر تخرّج وتُنفِق منها لله! لو حاجة غالية عليك تِقدر تدّيها لحد محتاجها أكتر منك وتفرّحه! لو وقتك غالي ومضغوط تِقدر تُنفِق منه دقايق بسيطة تساعد بيها غيرك وتواسيه وتِطيِّب خاطره. طيب ليه ربنا بيطلب مننا نُنفق أغلى حاجة؟ لأن أي حاجة بتحبها بزيادة، في الغالب بتعلَّق قلبك بالدنيا وتخليك طمّاع ومش شايف غير نفسك، فلمَّا تتنازل عنها لله، إنت كدا بتحرَّر قلبك من حُبّ الدنيا وبتربطه أكتر بالآخرة. علشان كده أول ما الآية دي نزلت، الصحابي الجليل "أبو طلحة" كان عنده بُستان نخل عظيم اسمه (بَيْرُحَاء) كان بيعشقه وهو أحبّ أمواله ليه، تخيل عمل إيه؟ راح فوراً للنبي ﷺ وقاله: "يا رسول الله، أحب مالي إليَّ بَيرُحَاء، وإنها صدقة لله، فضعها حيث أراكَ الله". أول حاجة فكَّر يتصدق بيها؛ كانت أغلى وأقرب حاجة لقلبه، لأنه فِهم الدرس وعاش الآية بجد، وعلشان كدا مُجتمع الصحابة دول همّا أفضل البشر بعد الأنبياء.
​٢. المحطة التانية - مواجهة بَدر:
الموضوع بدأ بعد ما النبي ﷺ هاجر للمدينة، والمُهاجرين سابوا كل حاجة وراهم، بيوتهم، فلوسهم، وتجارتهم! وكل ده وَقع في إيد قريش اللي قَلِّبِتهم واستولت على المُمتلكات دي وبدأت تشغّلها وتستثمرها لنفسها كدا عيني عينك. ​لحد ما المُسلمين جالهم خبر في يوم، إن فيه قافلة تجارية ضخمة لقريش راجعة من الشام، بقيادة "أبو سُفيان"، ومُحمّلة بخيرات كتير جدًا من فُلوسهم اللي اتنهبت، وهنا المُسلمين أخدوا قرار: "إحنا مش هنسيب حقِّنا، ولازم نسترده"، فالنبي ﷺ خرج مع الصّحابة علشان يرجَّعوا جُزء من أموالهم اللي اتاخدت منهم ظُلم. ​تخيَّل معايا المشهد: ٣١٣ مُسلم، بإمكانيّات "على الله" بجد، ومعاهم حُصانِين بس! طالعين لمُهمّة بسيطة، وهي إنهم يرجّعوا حقهم من قافلة ضخمة مُحمّلة بالخيرات والأموال والبضائع، لكن أبو سُفيان كان راجل ذكي ومُحنّك، حَس بالخطر في الطريق فقام مِغيَّر خط سير القافلة، وبعت رسالة سريعة لمكّة يطلب فيها دعم قُريش. ​أول ما قُريش وصلهم الخبر، شاطوا من الغضب والكِبر ركبهم، وقالوا: إزاي مُحمّد وأصحابه يتجرأوا علينا كده؟ فخرجت قريش بحشود ضخمة تتجاوز الـ ١٠٠٠ واحد مُجهزين بأحدث الإمكانيات والخيول والجِمال، وفعليًا الموضوع مُنتهي، ألف واحد جاهزين من كله قدام ٣١٣ واحد مش هياخدوا في إيديهم ربع ساعة! ​ هنا النبي ﷺ الحبيب وقّف الرجّالة، واستشار الصحابة بمنتهى الشَّفافية، وقالهم: يا جماعة، القافلة فَلَتِت مِننا، واللي هيحصل دلوقتي مواجهة مصيرية مع كِبار قُريش مُستعدين؟ هنا الأنصار (أهل المدينة) اللي مكانوش مُلزمين بالخروج أصلاً، وقفوا وقالوا كلمتهم الخالدة للنبي ﷺ: "امضِ يا رسول الله لِمَا أمرك الله، فوالله لو خُضت بنا البحرَ لخُضناه معَك!" ​والمُسلمين فجأة لقوا نفسهم قدام مُواجهة صعبة مكانتش في الحُسبان أبدًا، مفيش تدريب كافي، ولا استعداد نفسي لحجم الموقف، ولا عدد يكفي، ولا إمكانيات مادّية، لكن كان معاهم قوة خفية مفيش قوة في الأرض تقدر تقف قدامها: "معيَّة الله". ​سيدنا النبي ﷺ دخل خيمته، وقعد طول الليل رافع إيده للسماء يبكي ويُلِح في الدعاء، وقال: "اللهُمَّ إن تُهلِك هذة العِصابة -يعني الـ ٣١٣ واحد اللي معاه- فلن تُعبَد في الأرض"، يعني يا رب همّا دول اللي باقيين معايا والدين قايم بيهم. وفجأة السماء استجابت والأرض ارتجِّت وجبريل نزل بالفرج والبُشرى (إني مُمِدّكم بألفٍ من الملائكة مُردفين). قُريش مكانتش عارفة إيه اللي بيحصلَّها، الملائكة نزلت تِساند المُسلمين وتثبتهم، والنتيجة؟ تفوُّق ساحِق وتمكين عجيب للمُسلمين رغم قِلة العدد وانعدام الإمكانيات! ​كِبار قريش سقطوا واحد ورا التاني، والمُستحيل في نظر الناس؛ اتحقق قدام عِنيهم، والمُسلمين اتعلِّموا الدرس الأهم: طالما قولت: (سَمِعنا وأطعنا) وتوكّلت على الله يبقى إنت في كَنَف

مُشكلتنا فِي تِلاوة القُرْآن هي مُعاملتنا له على أنُّه مُصحف (ورقات) وننسى أنَّه وحيّ مِن عِند الله
- د/فريد الأنصاري♥️

ولا استوعبت قُدرته، فالمنع دا رحمة أصلاً: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
​٣. المحطة التالتة - صفقات ربّانية:
في الجزء ده ربنا بيعلّمنا درس في الاقتصاد الروحاني وإدارة الأموال، وبيحط قدامك طريقين للربح، واحد وهمي والتاني مضمون مليون في المية. - الربح المضمون (الصدقة): عايز فلوسك تزيد بجد؟ تاجر مع ربنا، هتزرع حبّاية واحدة بس، الحبّاية هتطلع ٧ سنابل، والسُنبلة الواحدة جوّاها ١٠٠ حبّاية، يعني الجنيه هيرجعلك ٧٠٠ ضِعف، وممكن أكتر كمان (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)، ومفيش أي بيزنس في العالم يقدر يديك هامش الربح المهول ده في تجارة عمرها ما تخسر أبداً. - الربح الفنكوش (الربا): أكبر فخ وباب لخراب البيوت والتعاسة والمَرض، اللي بيمشي في طريق الرِبَا والفوائد المُحرّمة وفاكر إنه ذكي وبيكسب وشايف دا على الورق، ربنا بيصدمه بحقيقة مرعبة (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) يعني بيشيل البركة من الفلوس تمامًا، وبتتصرف على الأمراض والمشاكل والمصايب ملهاش آخر، واسأل اللي جرّب.
​٤. المحطة الرابعة - آية الدَّين:
ودي أطول آية في القرآن كله، بتنظَّم المُعاملات المالية بين الناس بطريقة تحفظ الحقوق وتمنع الظُلم والنّصب، ورغم طول الآية؛ إلا إن كلها أحكام واضحة ودقيقة علشان تحمي كل الأطراف. وربنا أمرنا فيها إن لو حد أخد دَين -سُلفة- من حد، يبقى نجيب كاتب عدل يكتب إن فلان استلف من فلان مبلغ كذا، حتى لو المبلغ يجيب ساندوتش شاورما، ويكون فيه شاهِدين عدل علشان محدش ينسى أو يُنصب، وده للأسف اللي بنعاني منه في وقتنا الحالي، لكن لو فيه ثقة وسماحة بين الطرفين ممكن مانكتبش ده، لكن الأفضل الكتابة لضمان الحقوق ومنعًا للخلاف.
​٥. المحطة الخامسة - آل عمران:
بندخل بقى على النص التاني من الجزء التالت، وهو بداية سورة (آلِ عمران)، أو زي ما سيدنا النبي ﷺ سمّاها هي والبقرة (الزهراوين). ​طيب مين همَّا آلِ عمران دول وليه سورة كاملة تتسمى باسمهم؟ دي عيلة ربنا اصطفاها وفضَّلها على العالمين: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، ربنا اختارهم علشان التسليم المُطلق لله، وتوارث الطاعة في العيلة دي من جيل لجيل. وأعظم مثال للتسليم دا هي امرأة عِمران، الست دي كانت صالحة جداً، بس اتحرمت من الإنجاب فترة طويلة، ولمّا ربنا أكرمها وحَمَلِت بعد مُعاناة، فِرحت جداً بس شوف بقى قوّة إيمانها وحُبّها لله، قالت: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) يعني وهبَت المولود ده يكون خالصًا لله، ويخدم في بيت المَقدس، ومايكونش ليها فيه أي مصلحة دنيويّة، ودا قمّة الإخلاص! ​المفاجأة بقى إن ربنا رزقها مولودة بِنت، وهي كانت بتتمنى ومستنية وَلد، لأن اللي بيخدم في بيت المَقدس صبيان بس، هنا قالت بحزن وهي بتعتذر لربنا: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ)، وسمّيتها (مَرْيَمَ)، ورضيت بقضاء الله وقالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). وهنا يتدخّل الجبر الإلـٰهي وتدبير ربنا اللي فوق استيعاب البشر: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) والبنت دي كبرت وبقت "السيدة مَريم" أطهر نساء العالمين، وربنا اصطفاها علشان تجيب أعظم مُعجزة خالدة -سيدنا عيسى- عليه السلام، صحيح امرأة عمران مأخدتش اللي هي عايزاه أو اللي رسمته في خيالها، بس رضيت بيه، ونذرت بنتها لله رغم إنها كانت مُتخيّلة إن الولد هو اللي هينفع الدين أكتر، لكن ربنا إداها الأصلح والأعظم والأفيد ليها وللدين. فيه لقطة لازم كلنا ناخد بالنا منها: - شايفة الأُم الصالحة ممكن تعمل إيه! - شايف اختيار الزوجة وتكوين الأسرة الصالحة بيعمل إيه! - لازم نختار صح، ونربي أولادنا على الطاعة ونحطُّهم في بيئة صالحة، ونفضل ندعيلهم بالصلاح، ونكون قُدوة صالحة عمليّة ليهم. وأنا من هنا بقول: "يا ربِّ أولادي وأحفادي وذُرّيتي ليك، بارك فيهم وخد بإيديهم للطاعة، وانفع بينا واستخدمنا ولا تستبدلنا يا وهَّاب"

أغلبنا هيقرأ النهاردة الجزء الثالث من القرآن، الجزء اللي بيديلك حُقنة فيتامين في وريد إيمانك، وبيعمل فورمات لأي ذرّة شكّ أو يأس عندك! بعد ما عرفنا في الجزئين اللي فاتوا إزاي نكون خُلفاء في الأرض وندرّب نفسنا على الاستسلام لله، الجزء ده بقى جاي يطمّن قلبك علشان تكمّل الطريق وأنت مُطمئِن، وعندنا ٥ محطات مهمّة، لو فهمتهم نظرتك للحياة ولتدبير ربنا هتتغيّر تمامًا:
​١. المحطة الأولى - آية الكُرسي:
حافظينها وبنرددها كل يوم بس مِش مُدركين فضلها وأسرارها، لأن آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن، والسر إن الآية دي هي الآية الوحيدة في القرآن اللي من أولها لآخرها بتتكلّم عن الله وقُدرته وعظَمته وصِفاته، لا ذُكر فيها بَشر ولا حَجر ولا شَجر، وبتتكلّم عن التوحيد الخالص، وبتوصف قُدرة ربنا المُطلقة وعِلمه الواسع وحفظه لكل شيء، وربنا بيطمّنك إن هو (الحَيُّ القَيْوم) يعني القائم على شؤون الكون كله ومفيش ذرّة بتتحرك إلا بأمره، وكمان (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) يعني حتى الغفوة أو التعسيلة البسيطة بتاعتنا مُستحيل تحصل ومنفيّة في حق الله، فلمّا تقرأ الآية دي وتُدرك معناها إزاي هتنام وأنت شايل همّ بكرة؟ وإزاي تخاف من مكيدة فلان، واللي بيدبّر أمرك مُطّلع ولا يغفل لحظة؟ حصّن نفسك ونام وسيبها على الحيّ القيوم. وعلشان كدا سيدنا النبي ﷺ قال: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» أنت مُتخيّل إن اللي يُواظب عليها بعد كل صلاة؛ مفيش بينه وبين الجنّة غير الموت! وكمان اللي يقرأها قبل النوم، بيكون في حفظ الله لحد ما يُصبِح.
٢. المحطة التانية - حكايات بتنسف الشكّ من جذوره:
في الجزء ده ربنا بيعالج الشكّ والإحباط اللي بيجيلنا لمّا الأسباب الدنيوية تتقطع بينا، وعلشان كدا جابلنا ٣ قصص ورا بعض بيثبتوا إن قدرة ربنا فوق المنطق وقوانين الطبيعة: - ​القصة الأولى (المَلِك المغرور): النمرود دا كان مَلِك ظالم ومُتجبّر، لدرجة إنه اتغر بمُلكه وقُوته وافتكر نفسه إلـٰه، فلمّا عرف بدعوة سيدنا إبراهيم وتكسيره للأصنام، جابه علشان يجادله، فسيدنا إبراهيم بدأ الحوار وقاله: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)، النمرود جاهل ومغرور ومعذور بردو قاله: إيه ده ما أنا كمان أُحيي وأُميت! وقام جايب اتنين مسجونين، وأَمَر إن واحد منهم "يذهب للدار الآخرة" وساب التاني وعفا عنه، وقال بكل سذاجة: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ). سيدنا إبراهيم كان أذكى وأرقى من إنه يجادله، ولأنه عارف إنه بيكلّم عقلية سطحية، فقام قاله: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) يعني أنا ربي -سُبحانه- بيجيب الشمس من الشرق، هاتها إنت من الغرب! هنا النمرود بُهِت واتصدم واتخَرَس وماقدرش ينطق حرف، وهنا بنتعلم إن كلمة حق واحدة بس ممكن تزلزل عُروش الباطل. - القصة التانية (القرية الميِّتة): راجل صالح قيل (سيدنا عُزير) كان راكب حماره وماشي في أمان الله، فعدّى على قرية مُدمرة تمامًا، كلها أنقاض ومفيهاش أمل للحياة، فالراجل وِقف مذهول وقال لنفسه: (أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) يعني هو ممكن ربنا يرجَّع القرية دي تاني للحياة! فربنا خلاه يشوف الجواب بعينه، فأماته ١٠٠ سنة، وبعدين رجّعه تاني وقاله: (كَمْ لَبِثْتَ)، الراجل بص حواليه وقال: (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) هو فاكر إنه نام كذا ساعة أو النوم سرح شوية ونام يوم كامل. ربنا قاله: (بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)، وبدأ يديله الدرس العملي: قاله بص على أكلك وشربك (لَمْ يَتَسَنَّهْ) يعني لسه طازة زي ما هو، وبُص على حمارك لقاه اتحلل وبقى شوية عظام، وبعدين ربنا جمّع عظام الحمار ورجّعه تاني للحياة، وكسا العظام باللحم قدام عينيه، علشان يفهم إن الله قادر على إحياء الموتى في أي وقت وبأي طريقة. - ​القصة التالتة (الطُيور): سيدنا إبراهيم كان مؤمن تمامًا بقدرة ربنا، بس كان نفسه يشوف بعينه علشان قلبه يطمن أكتر ومايفكّرش، فسأل ربنا بكل أدب: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، ربنا قاله: (أَوَلَمْ تُؤْمِن؟)، فقال: (بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) يعني أنا مؤمن ومُستسلم تمامًا يارب، وسؤال إبراهيم هنا كان لزيادة اليقين، مش شكّ أو جِدال، والإيمان بيزيد بالمُشاهدة. فربنا أمره يجيب ٤ طيور، ويضمهم ليه ويروّضهم علشان يحفظ شكلهم وصفاتهم كويس، وبعدين يقسم أجزاءهم ويوزّع القِطع دي على قِمَمْ جبال مختلفة ومُتباعدة وبعدين ينادي عليهم، وفعلاً لمّا ناداهم حصلت المعجزة والأجزاء اتجمعت، والطيور رجعتله حيَّة وطايرة ومفيهاش خربوش! سبحان الله الحاجة المُشتركة بين الـ ٣ قصص دول هي: قُدرة ربنا اللي فوق المَنطق والعقل البشري، ولو قارنت دا مثلاً بتأخر استجابة دعاءك؛ هتلاقي إن المُشكلة مش في قدرة ربنا، المُشكلة في قدرتك إنت على تحمُّل الاستجابة أو النعمة، ويمكن لسه ماعرفتش ربنا كويس ولا فهمت الحِكمة