📍قناة | هنا متكأ 📓✒️
رفتن به کانال در Telegram
1 622
مشترکین
+124 ساعت
-17 روز
-830 روز
آرشیو پست ها
1 622
يتضح في السلوك الإنساني قاعدة بسيطة ومؤكدة؛ أنه كلما ضعُفَت تجارب الإنسان وقلت حصيلته، بالغ في الاحتفاء بأي شيء جديد يصادفه. فالعقل الذي يعيش في قحط معرفي لا يملك معايير يقيس بها الأشياء، فيتحول أول كتاب يقرؤه، أو أول فكرة تعجبه، إلى مركز الكون وحقيقته الكبرى، لأنه لا يعرف سواها. هذا التسويق المستمر لشيء واحد لا يعبر عن عظمته، بل يترجم شعوراً خفياً بالفقر والخواء، حيث يحاول صاحبه أن يملأ فراغه الداخلي بالحديث المكرر عن مكسبه اليتيم. أما الإنسان المليء بالمعرفة والتجارب، فلا يطيش عقله عند الومضات العابرة، ولا يصرخ طرباً عند أول فكرة، لأنه يدرك بسعة أفقه أن الجمال أكبر بكثير من أن يُحصر في زاوية واحدة، وأن كثرة الجلبة والترويج الدائم لشيء وحيد غالباً ما تكون دليلاً واضحاً على قلة الرصيد.
1 622
قد يكون قدرك أن تستجلب رحماتِ اللهِ بشتّى القُرُباتِ التي قرأتَ أثرَها في قِصَصِ الصّالحين.. لكنَّ الجوابَ يتباطأ، والليلَ يتطاول..
فأحسن الظن بمولاك، فالفرجُ قادمٌ على قدْر حكمته لا على قدْر عجلتك!
1 622
عُقد النفس وآفات القلوب
تعدّ من أدق الفتن المعرفية والأخلاقية في زماننا، تلك اللحظة التي يُرفع فيها الغطاء عن الذنب القلبي، فيُخلع عنه اسمه الشرعي القائم على المكابرة، ويُكسى بدلاً منه رداءً ناعماً من المصطلحات النفسية المادية. في هذه اللحظة يتحول الفرد من موقع "الفاعل المسؤول" المطالَب بالتوبة والمجاهدة، إلى موقع "الضحية غير المكلفة" التي تطالب العالم بالاستيعاب والشفقة؛ وفي هذا التحول الخفي يفقد الإنسان أعظم دافع للشفاء الحقيقي، لأن النفس التي تجد لآفاتها غطاءً نفسياً يبرر سلوكها لن تسعى أبداً إلى التزكية.
تنشأ هذه الأزمة حين يُستورد النموذج النفسي الغربي المنبت عن الغيب والتكليف، ليُسقط على الظواهر الأخلاقية والروحية. فحين يُفسّر "الحسد" بأنه مجرد "قلق استحقاق ناتج عن ترومات الطفولة"، ويُصنّف "الكبر" على أنه "آلية دفاعية لحماية الذات الهشة"، يحدث تخدير شامل للضمير الإنساني. إن الشعور بالذنب هو المحرك الأول للرجوع إلى الله، وإذا أُلغي الشعور بالمسؤولية والإرادة، استبدل الفرد "التوبة والمجاهدة" بـ "التكيف والتقبل غير المشروط" للعيوب السلوكية، وهو عين ما حذر منه القرآن الكريم حين بيّن أن الإنسان أدرى بدخائل نفسه مهما زخرف لها من المبررات وقدّم الأعذار: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}.
إن الشريعة المطهرة لم تجعل القلب مجرد عضو ينبض ولا متلقياً سلبياً للانفعالات، بل جعلته أمير الجوارح، ومحل الابتلاء والمؤاخذة. فالإنسان غير معذور على آثامه القاطنة في صدره من كبر وحسد وغِلّ، بل هو مأمور بمجاهدتها وتصفيتها؛ قال الله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}.
وهنا يبرز التلاعب بالمصطلحات كأحد أشد السلوكيات خطورة؛ فلأن النفس تأنف بطبيعتها أن تُوصم بفساد القصد لما فيه من انكسار الذات، فإنها تلجأ إلى الحيل الدفاعية والالتفاف اللفظي، لإعادة صياغة المعصية والآفة القلبية بأسماء برّاقة ومخففة تخفف وطأة الذنب؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وباب الحيل المحرمة مَدارُهُ على تسمية الشيء بغير اسمه، على تغيير صورته مع بقاء حقيقته"
غير أن الميزان الإلهي لا ينخدع بهذا التغيير للمسميات، بل يحاكم الباعث الباطن والحقيقة الكامنة في الفؤاد لا الادعاء الظاهر.
وهنا يبرز المعيار الفاصل بين الاضطراب النفسي الذي يُعذر صاحبه ولا يملك دفعه، وبين المرض القلبي المستحكم الذي صاحبَه غير معذور؛ والضابط الأساسي هو "موقف القلب من العرض". فالاضطراب يجعل صاحبه متألماً من أفكاره وانفعالاته كارهًا لها ويحاربها، فهذا دليل إيمانه وعذره. أما المرض القلبي، فيكون صاحبه متلذذاً بالآفة، مسوّغاً لها، ومتبنياً إياها دون أدنى انكسار.
ومتى ما كُشف زيف الحيلة للإنسان بوضوح وتبيان رفيق، ثم أصرّ على مسلكه واتخذ تشخيصه النفسي درعاً لممارسة الوقاحة أو الحسد، ههنا يسقط العذر الشرعي بالكلية، ويتحول إلى مرض قلبي موجب للمقت.
إن المطلوب ليس إلغاء الاستفادة من العلوم النفسية النافعة التي تعين على فهم السلوك والطبائع، وإنما منع هيمنتها على مساحة التكليف والأخلاق، وحماية أمراض القلوب من أن تُذاب في بوتقة الأعذار. يبدأ الشفاء من استعادة صوت "النفس اللوامة" الشجاعة التي تقرّ بالذنب لتعالجه؛ وتلجأ إلى الله بالدعاء النبوي : «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا».
1 622
قراءة في سيكولوجية الإنسان المقهور..
غالباً ما يُطرح مفهوم التخلف في الأوساط التنموية والسياسية باعتباره ظاهرة مادية بحتة، تُقاس بمعدلات النمو الاقتصادي، ومستوى الدخل، وحجم البنية التحتية، أو مدى استهلاك التكنولوجيا الحديثة. غير أن هذا الطرح السطحي يتجاهل الجوهر الفعلي للظاهرة؛ فالتخلف ليس مجرد أرقام وإحصاءات، بل هو نمط وجود كامل وبنية متكاملة تحكم النفس والعقل والعلاقات الاجتماعية. وفي كتاب "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، يغوص الدكتور مصطفى حجازي في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان الذي يعيش هذه الوضعية، مؤكداً أن أعتى مظاهر التخلف ليست تلك المسجلة في دفاتر الاقتصاد، بل تلك القابعة في أعماق البنية النفسية للحرية والكرامة الإنسانية.
تتشكل هذه البنية النفسية للإنسان المقهور تحت وطأة القهر المزدوج؛ فهو يخضع من جهة لقسوة الحياة في ظل عجز أدواته عن مواجهتها، ويقع من جهة أخرى تحت قسوة القوى الاجتماعية والاستبدادية التي تسلبه إرادته. وينتج عن هذا الواقع المأزقي ثلاثية نفسية تحكم رؤية الفرد لذاته وللعالم، تبدأ بالانعدام الجذري للأمن وشعور التهديد المستمر، مروراً بعقدة النقص الناتجة عن امتصاص تقييمات المتسلط الظالمة والاقتناع الداخلي بالدونية والعار، وصولاً إلى اضطراب مفهوم الزمن وشلل المبادرة، حيث يغدو الزمن لديه مجرد لحظة ممتدة للحفاظ على البقاء اليومي، دون قدرة على التخطيط البعيد الأجل في واقع يحكمه الاعتباط.
ولا يتوقف أثر القهر عند حدود المشاعر والوجدان، بل يمتد ليتشرب داخل البنية الذهنية وطرق التفكير؛ إذ يستعيض العقل تحت القمع عن أدوات التحليل العلمي بأدوات الهروب النفسي. ويظهر ذلك في القصور عن التفكير الجدلي والشمولي، والميل للنظرة الجزئية والسطحية التي تتعامل مع الأعراض بدلاً من الجذور، إضافة إلى سيادة التفكير الانفعالي ؛ فحين يغيب العقل المنهجي، تسود العاطفة وتصبح الانفعالات هي المحرك للتفسير والسلوك، مما يمهد الطريق لتفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية بالعين والحسد والحلول السحرية بدلاً من وضعها في نصابها العلمي المركب.
وكي يستطيع الإنسان البقاء في بيئة طاردة للكرامة، فإنه يبتكر منظومة من الآليات الدفاعية غير السوية للتعايش مع أزمته. وتتنوع هذه الآليات بين الانكفاء على الذات والتراجع للخلف عبر التمسك المطلق بالأشكال القديمة والهروب إلى الماضي للتحصن به ضد ضغوط الحاضر، والتماهي بالمتسلط من خلال تقليد القاهر في تسلطه وقيمه ولغته سعياً للوصول إلى شعور وهمي بالقوة واتقاء لشرّه. كما تلجأ النفس المقهورة إلى السيطرة الخرافية والاستسلام كعذر دائم للإفلاس عن العمل والتغيير، فضلاً عن تفريغ العنف في الحلقة الأضعف، فعندما يعجز المقهور عن مجابهة مصدر القهر الأصلي، يوجه شحنات غضبه نحو زوجته أو أطفاله أو الفئات الأقل قدرة في المجتمع.
وتتجلى هذه الأزمة النفسية بأوضح صورها في وضعية المرأة داخل المجتمع المتخلف، حيث تخضع لما يمكن تسميته بالاستلاب الثلاثي: الاستلاب الاقتصادي عبر التبعية المادية المطلقة، والاستلاب الجنسي باختزال كينونتها الإنسانية ووظيفتها في الدور الجسدي والخدمي، والاستلاب العقائدي بتبنيها هي نفسها للقيم التسلطية التي تشرعن قهرها وتمريرها للأجيال القادمة. وتضطر المرأة في هذه الوضعية للجوء إلى آليات دفاعية مضادة، كالتضخم النرجسي في أدوار معينة أو ممارسة السيطرة غير المباشرة من خلف الكواليس لإثبات ذاتها المستلبة.
إن الرسالة الأهم التي يضعها هذا التحليل النفسي والاجتماعي أمام خبراء التنمية وصناع القرار، هي أن أي مشروع نهضوي يركز على العمران المادي والمؤسسات الشكلية ويغفل تحرير الإنسان من قهر ذاته وواقعه هو مشروع محكوم عليه بالفشل. فبناء الطرق والمصانع لا يعني شيئاً إن كان من يُديرها إنساناً مكسوراً من الداخل، يستدمج عجزاً ويتنفس خرافة. إن التحرر الحقيقي وتبديل بواطن التخلف يبدآن من إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان، وتوفير بيئة أمنية وسياسية واجتماعية تتيح للعقل أن يفكر بحرية، ولالإرادة أن تتشكل بمسؤولية.
1 622
النفس الإنسانية بطبيعتها تأنف أن تُوصم بفساد القلب أو خسة المقصد؛ لأن الاعتراف بوجود "الحسد" أو "الكبر" أو "الرياء" يترتب عليه انكسار الذات، واستشعار الإثم، ولزوم التوبة والمجاهدة. ولذا، تطور النفس مسارات ملتوية للهروب، وهو ما نص عليه القرآن الكريم بدقة: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14-15].
1 622
Repost from تيسير الذِكْر
▫️▫️▫️▫️▫️▫️▫️▫️▫️▫️▫️
امتدادًا لبركةِ القرآن الكريم، وتوسيعًا لأثر تيسير الذكر، يسرُّنا إطلاق مُبادرة
➰قصد السبيل➰
وهي مبادرة قرآنية معرفية، تُقدِّم سلسلة من اللقاءات التي تستكشف هداية القرآن في بناء الإنسان، بما يُعيد وصل المعرفة القرآنية بالحياة، ويُعين على اتخاذ القرآن هاديًا في النظرِ والسلوكِ والعمل.
يُقدِّم هذه اللقاءات الأستاذ فايز بن سعيد الزهراني، الباحث والمؤلف في القضايا التربوية والقرآنية.
🔗للإنضمام إلى القناة:
https://t.me/QasdAlsabil
شاركونا الأجر، بنشرها🌼
1 622
قال الله تعالى: "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى"
قال الأصبهانيُّ: (سبحانَ اللهِ، ما أعظَمَ شَأنَهم! ألقَوا حِبالَهم وعِصِيَّهم للكُفرِ والجُحودِ، ثمَّ ألقَوا رؤوسَهم بعد ساعةٍ للشُّكرِ والسُّجودِ، فما أعظَمَ الفَرقَ بينَ الإلقاءينِ)
نظم الدرر للبقاعي
1 622
Repost from N/a
مكثتُ مدّةً مع كتاب النبوات لابن تيمية، فبدا لي أن مقولةً واحدةً عليها مدار الكتاب، وإن لم يجمعها المؤلف في فصلٍ واحد، ولم يسقها بهذا اللفظ؛ تراها مبثوثةً في تضاعيفه، ويردّ إليها الكلام كلما تشعّبت مسالكه: أن برهان النبوّة لا يُحبس في خرق العادة، ولا يُقصر على عصًا تنقلب حيّةً، أو بحرٍ ينفلق فِرَقًا؛ بل النبيُّ نفسه من أعظم براهين نبوّته: صفاته وأفعاله، وأمره وخبره، وسيرته في خاصته وعامته. يقول ابن تيمية: "وسيرة الرسول ﷺ من آياته، وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته".
وبعبارةٍ أخرى، لعلّ المألوف المتصل أبلغُ دلالةً من المعجز المنفرد؛ فالمعجزة تقع مرةً، فيشهدها قوم، ثم تستحيل خبرًا لمن وراءهم؛ أما السيرة فآيةٌ مقيمة، ومعجزةٌ مستأنفة في كل يوم: يشهد بعضُها لبعض، ويصدّق آخرُها أولَها، وتتساند دقائقها حتى ينتظم العمر كلُّه في برهانٍ واحد؛ فلا تعود الدلالة حادثةً خارجةً عنه، بل يغدو هو نفسه دليلًا على ما جاء به…
صدقته خديجة قبل انشقاق القمر؛ لم تستدل بحادثة غريبة، بل استدلت بمحمد على محمد: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"...يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويكون في مِهنة أهله؛ ويركب الحمار، ويُردف خلفه؛ ويمشي في الأسواق كما يمشي الناس؛ ويأكل مما يأكلون، ويجوع حتى يمر الشهر ولا توقد في بيته نار…
يخدمه أنس عشر سنين، وهي مدةٌ كافية لأن يسقط فيها تكلّف المتكلّف، ثم قال: ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟
وتأخذ الأَمَة بيده، فتمضي به في سكك المدينة حيث شاءت، فلا يستعلي عليها بقدره، ولا يستعجلها لشغله؛ وتستوقفه امرأة "في عقلها شيء"، فيهب لها من وقته، ويمضي معها في بعض الطرق حتى تنقضي حاجتها، ويجذبه الأعرابي من ردائه جذبةً تؤثر في عنقه، ثم يغلظ في المسألة، فيلتفت إليه ضاحكًا، ويأمر له بعطاء، ويبول آخر في المسجد، فيثور إليه الناس، فيكفّهم عنه، ثم يطهّر الموضع بدلو من ماء، ويمر بالصبيان فيبدأهم بالسلام، ويموت طائر أبي عمير، فيواسيه، ويحفظ للصغير حزنه، ويدخل الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء صبي فيخففها، وتغيب المرأة السوداء التي كانت تقمّ المسجد، فيفتقدها ويسأل عنها، ويصلي عليها؛ وينسى الناس جليبيبًا بين القتلى، فلا ينساه، ويقول: "لكني أفقد جليبيبًا"، ويمرض غلام يهودي كان يخدمه، فيذهب إليه عائدًا، ويجلس عند رأسه؛ وتمر به جنازة يهودي فيقوم لها، فلما عجبوا قال: "أليست نفسًا؟"، ويشفع لمغيث عند بريرة، فتقول: أتأمرني يا رسول الله؟ فيقول: "إنما أنا أشفع". فتأبى الرجوع، فلا يغضب لردّها، ولا يستعير سلطان النبوّة ليقهر امرأةً على اختيارها، ويمازح زاهرًا، وكان دميم الخِلقة، فيقول زاهر: تجدني كاسدًا، فيجيبه: "لكنك عند الله لست بكاسد"، ويغلظ عليه صاحب دَين، فيهمّ به أصحابه، فيقول: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالًا"، ويؤتى بشارب الخمر، فتقام عليه العقوبة، ثم يلعنه بعض القوم، فيقول: "لا تعينوا عليه الشيطان"، ويوم الطائف يأتيه الانتقام طائعًا، فيأبى مطاوعة الملك أن يطبق على القوم بجبلين، ويرجو الخير في أبناء من آذوه، ويوم حنين يجد الأنصار في أنفسهم، فلا يسفّه عتبهم، ولا يجبههم بفضل النبوّة عليهم؛ بل يخلو بهم دون الناس، ويسمع منهم، ويذكر فضلهم، ثم يملأ قلوبهم حتى يبكوا، ويوم الفتح يدخل مكة مطأطئ الرأس، حتى تكاد لحيته تمسّ رحله، ويموت ابنه إبراهيم، وتنكسف الشمس، فيقول الناس: كسفت لموته؛ قيرد قولهم، ويقول: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، وتُرمى عائشة في حادثة الإفك، ويتأخر الوحي، فلا يخترع خبرًا يريح قلبه، ولا ينسب إلى السماء ما لم تقله؛ بل يسأل ويستشير وينتظر حتى يحكم الله.
فهذه الأحوال ليست رقائقَ تُلحق بدلائل النبوّة، ولا أخبارًا يُستملح بها؛ إنما هي من صميم الدليل ولُباب البرهان: فالخارق يشهد للنبي مرة، وأخلاقه تشهد له في كل ساعة، حتى يغدو مجموع عمره آيةً على ما جاء به.
1 622
قال الله تعالى: "قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا"
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّه يَمُدُّ للظالمينَ في ضلالِهم، ذكَرَ أنَّه يَزيدُ المهتدينَ هدايةً مِن فَضلِه عليهم ورحمتِه، والهدى يَشمَلُ العِلمَ النَّافِعَ، والعمَلَ الصَّالِحَ؛ فكُلُّ من سلك طريقًا في العلمِ والإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، زاده الله منه، وسَهَّله عليه ويسَّرَه له، ووهب له أمورًا أُخَرَ لا تدخُلُ تحت كَسبِه "
السعدي رحمه الله
1 622
هل من التعبد لله المحافظة على المصطلحات الشرعية؟
لم تكن الألفاظ والمصطلحات في الشريعة الإسلامية يوماً مجرد قوالب لغوية شكليّة أو تحسينات لفظية عابرة، بل هي وعاء المضمون الشرعي، والحد الفاصل بين الحقائق والالتباسات. والعناية بالمصطلح الشرعي واستخدامه في موضعه الدقيق هو من صلب التعبد لله تعالى بصيانة الدين، وفهمه على مراد الشارع، وحفظ معالمه من الذوبان والتحريف.
وقد اعتنى الإسلام بضبط اللفظ عناية فائقة؛ لأن الحكم الشرعي يرتبط بالاسم والمسمى وجوداً وعدماً. ومن هنا جاء هدي القرآن والسنة حازماً في صيانة الألفاظ وحمايتها من التبديل؛ حيث نهى الله تعالى المؤمنين عن استعمال لفظ "راعنا" لما كان يحتمله من لبس أو إساءة استغلها غيرهم، وأمرهم باستبداله بلفظ محكم لا شبهة فيه، فقال عز وجل:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾، في دلالة قاطعة على أن اختيار اللفظ الدقيق والمحكم هو منهج قرآني لسد الذرائع وحماية الحقائق.
ولم يقتصر هذا الحرص على كتاب الله، بل امتد لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه عن استبدال المصطلحات الشرعية بالمصطلحات العرفية والشائعة بين الناس حتى لو لم تكن محرمة في ذاتها؛ صيانة للهوية اللفظية للعبادات. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ لحلابها»؛ فقد حرص النبوة هنا على بقاء الاسم الشرعي كما أنزله الله، وعدم الانسياق وراء الغلبة اللسانية للعرف العام الذي كان يسميها "العتمة"، ليؤكد أن حفظ الاسم الشرعي يورث حفظ الهيبة والمكانة للشعيرة في النفوس.
لقد كشف القرآن الكريم العلاقة الوثيقة بين أمراض القلوب والتلاعب بالألفاظ والمفاهيم، فجعل تحريف الكلم نتيجة لقسوة القلوب، وسبباً في زيغها وجفاف بركتها؛ حيث قال سبحانه في كتابة العزيز: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. فتسمية الأمور بغير مسمياتها الشرعية - كإطلاق "الفائدة" على الربا، أو "المشروبات الروحية" على الخمر، أو إفراغ مصطلحات كالتقوى والولاية من مضامينها الإيمانية - هو من باب تحريف المعاني الذي يكسو الباطل ثوب الحق، ويزيل الهيبة من النفوس، ويُعمي البصيرة عن الانتفاع بالهدى.وعليه، فإن سلامة القلب ورسوخ العلم يقترنان دوماً بالانقياد للتنزيل في لفظه ومعناه.
وتتدرج المصطلحات في التعامل معها بحسب طبيعتها؛ فما كان منها توقيفياً في العقائد والعبادات فالواجب فيه التعبد باللفظ والمعنى معاً وعدم التجرؤ عليه، وما كان من المصطلحات العلمية والأصولية الخادمة التي وضعها العلماء لتيسير الفهم كقواعد الفقه والعلوم، فالمعتبر فيها حفظ المعنى والغاية، بينما تُعرض المصطلحات الوافدة على معيار الشرع ليُقبل منها ما وافق الحق ويُرد ما خالفه.
بقاء الأمة متمسكة بمصطلحاتها الأصيلة ومفاهيمها الدقيقة هو الضمان الحقيقي لاستقرار المعرفة الفقهية، وحفظ علم الشريعة من الانحلال، والقيام بواجب البيان الذي أخذ الله الميثاق على أهل العلم والمربين بنشره وحراسته.
1 622
أزمة الخلط بين الرجولة والمروءة..
إن الإشكالية المتنامية في تقييم العلاقات المعاصرة لا تبدأ من الفجوة في التوقعات اليومية فحسب، بل تمتد لتصل إلى عمق التعاريف والمفاهيم التي تشكل وعينا الجمعي حول صورة الرجل؛ حيث يُلحظ خلط شائك بين مفهوم "الرجولة" كإطار عام للسيادة والمسؤولية القائمة على القوامة والسعي، وبين مفهوم "المروءة" ككمال أخلاقي وسلوك متجدد يتطلب جهاداً نفسياً وتزكية مستمرة. هذا الخلط الضمني صاغ صورة ذهنية يرسم فيها الرجل في قالب "البطل الخارق" المنقذ والمضحي والمتفاني، الذي يجمع دائماً بين قوة الشخصية، والحنان، والشجاعة، والتغافل، والاحتواء المطلق. وهي صورة لا تعكس واقع الطبيعة البشرية، بل تغفل عن حقيقة أن الرجل في أصله إنسان يعتريه ما يعتري الإنسان من الضعف والنقص واختلال المروءة في لحظات الإرهاق أو الضغط النفسي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28]؛ فالضعف أصل في الخلقة البشرية لا يستثنى منه رجل ولا غيره. وإن هذا القصور ليس نشازاً، بل هو طبيعة مطردة أكدها حديث النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، وهو دلالة صريحة على أن التقصير واختلال الكمال أمر يتكرر من البشر، والتعامل معه يكون بالتجاوز لا بإلغاء الأصل، مما يجعل اختزال الحياة الفطرية في مطالبة المثالية مجرد مطاردة لحلم وهمي لا وجود له في عالم الواقع.
تتجلى خطورة هذا التصور المنفصل عن الواقع في آثاره المزدوجة على طرفي العلاقة؛ يرتفع سقف التوقعات لدى الأنثى لتقيس الرجل بصورة معيارية غير منصفة، تصبح معها كل لحظة ضعف بشرية أو تقصير عابر في جانب من جوانب المروءة بمثابة انكسار للنموذج بأكمله، مما يورث خيبة أمل وشعوراً دائماً بالإحباط. وفي المقابل، يرزح الرجل تحت وطأة ضغط نفسي هائل ناتج عن مطالبته بالصلابة المطلقة طوال الوقت، فيضطر إلى إخفاء ضعفه وحاجته للتفهم والاحتواء خشية أن يُسلب عنه وصف الرجولة أو يُنظر إليه بنقص، في حين أن الصلابة الدائمة وهم ينافي الفطرة والتكوين الإنساني الذي يتنقل بطبعه بين القوة والضعف، والخطأ والصواب.
إن تفكيك هذه الأزمة يستلزم العودة إلى النظرة المتوازنة التي تميز بين التكليف والتخليق، وتتضح هذه التفرقة بين أصل الواجب وكمال الأخلاق جلية في تأصيل القوامة كإطار مسؤولية في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]؛ فالقوامة تكليف ورعاية وسعي وليست معصومية أخلاقية أو كمالاً مطلقاً، بينما تبرز المروءة كجهاد وتفاضل في حديث النبي ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»؛ إذ إن استخدام لفظ "لأتمم" يدل على أن الكمال الأخلاقي والمروءة معراج يرتقي فيه الإنسان بالتدريج والجهاد النفسي، وليس حالة ثابتة لا تتغير.وبذلك تتجلى الرجولة في أداء الواجبات الأساسية من حماية ورعاية وتحمل للمسؤولية، بينما تمثل المروءة مكتسباً أخلاقياً يسعى المرء لتحقيقه وفق استطاعته ونضجه النفسي، وتظل الإنسانية هي المساحة الفطرية الجامعة التي تمنح الفرد حق الضعف والاحتياج إلى الدعم. ومن هنا ينبثق المفهوم الحقيقي للتكامل والسكن بين الزوجين؛ إذ لا يتحقق البناء الأسري القويم بالبحث عن "سوبرمان" يقدم حلولاً إعجازية لكل التحديات، بل بالحياة الواعية مع "إنسان مسؤول" يمارس المروءة بجهده وطاقته، ويؤخذ بيده في لحظات ضعفه ونقصه، ليتأسس البناء على التراحم المتبادل والقبول الواقعي بالطبيعة البشرية بدلاً من مطاردة السراب.
1 622
وسعُك هو ميزانُك..
هل ينظر الإسلام إلى المتاح أم إلى الوِسع؟
مع تصاعد التوقعات والتكاليف، كثيراً ما يسأل الإنسان نفسه: "هل سأُحاسَب على ما لم أستطع بلوغه؟ أم على ما كان بين يدي وقصّرتُ فيه؟".
يقوم التكليف الإلهي على قاعدة أصلية مرنة ومباشرة هي الوسع والإمكان، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «ما نَهَيتُكُم عنه فاجتَنِبوه، وما أمَرتُكُم به فافعَلوا منه ما استَطَعتُم». إن هذا الميزان يعفي الإنسان تماماً من مشقة ما يتجاوز حدوده الطبيعية أو ظروفه القاهرة؛ فالواجبات تسقط أو تتخفف عند العجز، والمسؤولية تعود دائماً إلى الدائرة التي تملك فيها حرية الاختيار والإرادة.
وتتجلى فلسفة هذا الحساب الدقيق في أن المحاسبة والمساءلة تقعان حصراً على المساحة التي كانت في مقدورك وتحت إرادتك لكنك فرّطت فيها كسلًا أو تسويفاً، وليس على ما نُزع منك رغماً عنك. وفي مقابل ذلك، إذا طمحت النفس إلى فعل الخير وحال بينها وبين تطبيقه عدم الاستطاعة أو قلة الحيلة، فإن النية الصادقة تجبر هذا النقص، ويُكتب للمرء أجره كاملاً بفضل الله ورحمته، تأكيداً على أن التكليف الشرعي لم يُبْنَ على المشقة بل على الاستطاعة، وأن الأعمال تُقاس بالوسع الفعلي لا بالنتائج المثالية التي يفرضها النموذج الذهني للإنسان.
إن الاطمئنان إلى أن الحساب مرتبط بالوسع يحرر النفس من المبالغة في المقارنة مع الآخرين أو التحسّر على الفرص الممتنعة؛ فكل ما عليك هو أن تبذل أقصى ما يتيحه لك ظرفك الحالي، وتتيقن أن رب الموازين لا يطالبك إلا بما استطعت.
