fa
Feedback
باسم بشينية

باسم بشينية

رفتن به کانال در Telegram
7 445
مشترکین
-224 ساعت
-127 روز
-3730 روز
آرشیو پست ها
منذ ما يقارب ٨ أشهر، شرعت في قراءة كل كتب طه عبد الرحمن، وقاربت على الفراغ من وضع القلم عن تقييد جل الأفكار التي طرحتها مؤلفاته، إلى جانب ما كتبه عدد من المؤلفين في نصرة أطروحاته والدفاع عنها. وهي من الأعمال التي لا تكتمل قراءتها إلا بإخضاعها لمساءلة صلاحياتها المعرفية عبر جملة من الحقول، من المنطق وعلم الكلام، إلى التاريخ والحداثة والاقتصاد والأخلاق والفكر السياسي، وما يتصل بذلك من امتدادات عدة. وما يمكن قوله، في هذا المقام، أنها اشتملت على قدر وافر من التأسيس، بالقدر الذي يجعلها مفتوحة على المراجعة، وقابلة للمساءلة والاختبار....

photo content

عجزنا أمام مواجهة تاريخنا وكتَّابه، لا يعوضه أي استعمال لفضائح الآخرين، ولا يمكن أن يرمِّم أفيون الانتشاء بفضائح الغير هشاشتنا في تناول تاريخنا العربي والإسلامي. تاريخنا ليس فقيرًا ولا هو نادر في التدوين، هو تاريخ مزدحم بالرواة الذين كتبوا في كل شيء، المجد، السلطة، الانحراف، اللذة، والعنف، وحتى المجالس التي كانت بين رجل وزوجته في قصر عليه حرس! الدور الذي أسند إلى شق واسع من كتاب تاريخنا العربي والإسلامي بأن يكونوا وسطاء الذاكرة بين المتقدمين وبيننا، كان يلعب جزء واسع منه في مهمة تصوير جل أكابر الفاتحين والفاعلين من الرموز التاريخيين على أن كلًا منهم هو إبستين لوحده، لا بدافع التوثيق ولا ضمن إطار محايد، جل هذا كان ضمن سياق الخصومة السياسية، فالراوي كثيرًا ما يكون هو الخصم مع أنه آخر الفاعلين، وهي نزعة التشهير التي وجدت ملاذها في الرواية، وهي المادة التي طبعت في الذاكرة العامة وصارت تتداول على أنها من بديهيات التاريخ. وفي الحديث عن الخلاف [الداخلي] يستحضرون لك أقذر ما انطوت عليه المرويات في حق عديد من رجال التاريخ الفاعلين، الأمويين منهم على وجه الخصوص، وما أن تستدعى مقارنة مع الخارج، حتى تضحى تلك الأحداث المدَّعاة شيئا هينًا لا يذكر، وليس هذا وقته، فهم من يحددون لك متى وأين وماذا يقال، بما يضمن دائمًا أن تكون ضحية انتقاء يحرك ما يُشتَهى عند الخصومة الداخلية، ويخمد ما يُشتهى عند خوف الوقوع في الازدواجية. عندما يستحضر اليوم اسم إبستين يعامل انكشاف استثنائي، لكنه يبقى ضمن دائرة تتحمل مسؤولية المساءلة والتسمية، ومع ذلك لا يلتفت في أوساطنا العربية، لكون أن جزءا واسعًا من تاريخنا المدون قد استهلك بالطريقة نفسها، ولكن كذخيرة اتهام، غير أن تلك المسؤولية التي تلازم الفعل الحاضر، قد أزيحت عن أعناق من يعاملون تلك الروايات في تاريخنا بكل صدر رحب ما دامت موجهةً ضد عروش تاريخية بعينها، لذلك غاب السؤال على خلفية الأحداث الأخيرة: لماذا ندقق حين يدان حاضر الغرب، وتعطل كل أدوات النقد أمام تاريخنا، مع أنه أولى بنا، ونحن أولى به! يمكن الحديث عن فضائح الغرب بلا حرج، فهي ليست سرًا ولا اكتشافًا متأخرًا؛ لقد كتبوا عنها منذ قرون، من داخل مدارس فكرية متعارضة، يسارية ومحافظة وماركسية، غربية وعربية، وغيرها. غير أن تداول هذه الوقائع داخل دوائر متشابهة في الرأي لا ينتج معرفة، بخلاف ما لو كنت على رأس مؤسَّسة إعلام غربية، فبهذا يفرق حماسك فقط، غير أن صرف الأنظار عن واقعك، وتاريخك، ووعيك التاريخي، وذاكرتك، لن يفيدك في مواجهة الغرب وأفكاره، ولا في تأسيس حاضرك! عكس ما يحدث على وجه الدقة، هو يجعل منك جثة مليئة من التشوهات الفجة، بلا اقتصاد، ولا تكنولوجية، ولا فاعلية سياسية، ولا منظومة عقوبات مؤثرة، ولا تحالفات كبرى، تحفل في كل محفل بأنك المتفوق، في ماذا؟ الأخلاق!

بعض الناس حين يقرأ رأيًا، يشعرك أنه مقيَّد، روبوت، يشتغل بذهنية التوجيه والأمر-نفِّذ، لا يطيق باله سعةً أن يرى الرأي وغيره، وجهة النظر وغيرها، دومًا يواجهك بالسؤال الجوكر: إذن ما المطلوب منا حسب كلامك؟ يا صديقي لا يطلب منك شيء، فالأمر أهون من ذلك، لا تعامل الرأي وغيره كمن يقف أمام البحر ليتأكد أن أمواجه تلتزم التعليمات. والبعض يقرأ، وهو يستحضر نفسية الجبهة. آخر ما تمثله منشورات مواقع التواصل خواطر ووجهات نظر سريعة لا تعاليم معسكرات ولا عمل ضمن مشروع كبير لتتصور أنك ضمنه، وأن هنالك من ينغص عليك جهدًا أنت لم تبذله أصلا.

تحدث ابن كثير عن الوليد بن عبد الملك، فنقل قوله "قال الوليد: ولولا أن الله ذكر قوم لوطٍ في القرآن، ما ظننت أنَّ ذكرًا يفعل هذا بذكر". قال ابن كثير: "قلت: نفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة [...] وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والأمراء والتجَّار والعوام والكتَّاب والفقهاء والقضاة ونحوهم، إلا من عصم الله منهم". (البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ه‍، ١٩٨٨م، ج٩، ص١٨٤) وابن كثير علق عن كلام الوليد، لكن لاحظ تعميمه على من ابتلي بهذا: [إلا] من عصم الله. وهو [الاستثناء] فعن أي عصر يتكلم؟ كتب التاريخ تحكي أنه في عهد الأمين، صار لهم سوق، ترأسه هو، وغالى بثمنهم، وهو ما يحكيه غير واحد، كالطبري والسيوطي والذهبي ونحوهم، ففي العصر العباسي تحوَّل الاتجار بهم إلى اقتصاد منظَّم وتجاوز كونه سلوكًا فرديًا. وما سبق نقل عن ابن كثير، فيما يرويه من تاريخ. والحضارات التي تموت فعلًا، هي تلك التي تحتاج إلى إنكار تاريخها وعدم مواجهته، ومواجهة كتَّابه لكي تستمر رمزيًا. إن لم نتعرَّف على تاريخنا وكتَّابه، سنبقى في استهلاك فضائح الآخرين كأفيون أخلاقي، بينما نتغافل عن أن المشكلة ليست في الغرب ولا في إبستين، وإنما في وهم الحصانة الأخلاقية التلقائية لمجرد الانتماء لغير الغرب، فوقت العباسيين لا غرب ولا حداثة، وشروط إنتاج مثل هذا لا تحتاج لغرب، وإلا ما حصل هذا بشكل متكرر كـ [ظاهرة] في عالمنا العربي الحديث ولا القديم.

إبستين الذي في التاريخ! ملفات إبستين، يعجبني كيف يتناولها كثير من النَّاس في عالمنا العربي على أنها صدمة وجودية في الذاكرة الغربية، مع أنها تأتي في سياق (كشف السرية). مع أنه لطالما قيل ما هو أفدَح في حق رموز من تاريخك، الذي لم يسقط قيميًا لمثل ترويجها، بل في حق من كان يقال إنه (خليفة المسلمين) في قرون متقدمة! وكم أعيد تدوير ملفات شبيهة بتلك التي رفعت عنها السرية في وزارة العدل الأمريكية، على أنها إيميلات، تلقتها شخصيَّات عدَّة كان المرسل فيها يحمل اسم (جوفري إبستين)، وهو في زمن الرصد التقني لحسابه المباشر. لكن العجب أن ملفات إبستين في تاريخنا، تحمل صفة (التوثيق) لا (التسريب) حتى، وقد تكون الوساطة فيها مجهولة، ومع ذلك تجد السِّعاية في تثبيتها في حق الخصوم قد تبلغ أقصاها، وقد يكون الشَّغف بضمِّها إلى حقل المتداول (التَّاريخي) بمجرَّد أن يقال (سمعت خبرا فرويته) فالغرض منها أن (يقال) ما يخدش سمعة الخصوم، وأن يروَّج رغم أنه كذب، وتجد من يخاصم فئةً، شغوفًا بمثل هذا، يرويه، ويستأنس به، ويدافع عن جعله قطعةً من تاريخه، ولكنه ما أن يرى له مثيلًا في تاريخ أو حاضر الغرب، يجعله دليلًا على صدمة حضارية، وهو الذي ما ترك من تاريخه ولا رجال تاريخه بطلًا ولا رمزًا إلا وكرَّر في حق مساره كل سقطة قيمية. وهو ما تجده في مثل كتاب يحمل عنوان (الأغاني) ومثل كتاب يحمل عنوان (العقد الفريد) ومثل كتاب (المخشري)، وغيرها حتى إن طرفًا من هذا يشتمل عليه كتاب (البلاذري)، وطرف منها هنا وهناك، في كتب التاريخ، إذ تروى حادثة جنسانية تشعرك بالقرَف على لسان رجل من الرعيل الأول، فتح ٦ دول في القرن الأول، يقول عن نفسه أنه وليد ست رجال، تحاموا على رحم واحد، في يوم واحد، فيروي هذا وهو راضٍ بما قسم له، أو كتلك الروايات التي لم تبرر فشلًا في السياسة لفريقها، إلا بجعل الخصم ابنًا غير شرعي لخصم آخر! وهو يتكرر اليوم في كل سجال حول التاريخ السياسي العربي والإسلامي، على أنه من بديهيات الأخبار. في القرن الثالث، ألف الجاحظ كتابًا يحمل عنوان (مفاخرة الجواري والغلمان) وهو كتاب يحكي لك مناظرةً بين مريد الجواري والإماء، وبين مريد الغلمان من الذكور والصبيان، يسوق كل طرف حججًا، بل ويستدل الواحد منهما على فواحشه بآيات من القرآن. وهذا من الكتب التي صنِّفت كمرآة اجتماعية، تكشف تصور المجتمع العباسي عن الجسد واللذة وغير ذلك.

(إعادة نشر) لماذا تقام دراسات غربية بشكل دائم حول تفاصيل الامبراطورية الرومانية؟ كثير من مواضيع أوروبا الحديثة، تجري الأكاديمية الغربية أبحاثًا دؤوبة حولها، تتسم الأبحاث بالتجديد المستمر وسد الثغرات بشكل جدي مع كل حقبة دراسية، وليس بمنكر أن نرصد فكرة الاسترجاع الانتقائي في الأبحاث الغربية وهي تحاول تفكيك كل جذر متعلق بثقافتها الحالية بالعود إلى تحليل شكل السلطة والمجتمع والقانون والاقتصاد في ظل الإمبراطورية التي يجد الأوروبي منذ عصر النهضة إلى اليوم نفسه في كل تفاصيلها. ألم تقم الثورة على النظام الاقطاعي لصالح النظم التي سادت في الحقبة الرومانية؟ هل استحدث الثوار على القرون الوسطى أفكارًا مثل: الجمهورية، الديمقراطية، مجلس الشيوخ، الحرية الدينية، الفصل بين السلطات، الديكتاتورية، القانون المدني، وتطوير برلمان، من تلقاء رؤوسهم؟ لم يكن ذلك بصحيح، وإن كانت هذه المفاهيم قد شهدت تطويرا وبناء مستمرَّين، لكننا نجد أن روما قبل تحولها إلى امبراطورية في 27 ق.م، كانت جمهورية، تنطوي على مجلس شيوخ، تتمظهر فيه فكرة (حكم الشعب) وإن كانت ديمقراطية تمثيلية، وخلال القرون التالية، مع أواخر العصور الوسطى، تعود أفكار الجمهورية بشكل تدريجي في مثل فلورنسا، وجمهورية البندقية، وجمهورية سيينا. وحتى عودة الحرية الدينية، أو المرافعات حولها خصوصا في عصر التنوير أو السنوات التي مهَّدت له، كان لها جذور رومانية وفق ما سمي بمرسوم ميلانو الذي أطلقه قسطنطين الكبير، المرسوم الذي كان يسمح لجميع مواطني روما، بحرية الاعتقاد، على خلفية حرب التطهير الكبرى التي تعرض لها المسيحيون. فيما يتعلق بالقناصل ومجالس الشيوخ والمجالس الشعبية، فإن السلطة في روما توزعت بشكل نسبي بينها وإن كان الحكم قد ظل مركزيا، وهي الفكرة التي سنجد إحياءها مع كتابات مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) والتي ستلقى صداها بين رواد الطبقة البرجوازية خلال الثورة الفرنسية، نفس الأمر مع القانون المدني، والديكتاتورية. يكتب لورانس ليسيج في كتابه عن تفاصيل الامبراطورية “عندما نقرأ هذه الأحداث معا، نلاحظ أوجه تشابه مذهلة بين اخفاقاتنا والاخفاقات التي أدَّت إلى تدمير الجمهورية الرومانية” تلك الدراسات مثل بعض ما قدمه ستيفن شتراوس، لم تتسم بمجرد البحث في الانتقاء الاسترجاعي للنظم، بل تناولت أيضا أوجه التشابه بين الأخطاء الحديثة والأخطاء الرومانية القديمة، من موضوع التمويل المشبوه للحملات الانتخابية، إلى نقاش أثر الحرب المستمرة وغير هذا من الدراسات كثير، على سبيل المثال، نجد كتابًا لوالتر شيدل، من جامعة ستانفورد، بعنوان (الهروب من روما، فشل الامبراطورية والطريق إلى الرخاء، 2019) وكتاب (علم التاريخ الروماني، علم الأحياء والمناخ ومستقبل الماضي، سنة 2018)، كلها تعكس قراءة الواقع الأوروبي على خلفية الإرث الروماني، وإن كانت الدراسات التاريخية الكلاسيكية ذات الطابع السردي لا تزال مستمرة، لكن التحليل يظل متقدًا مع كل دراسة حديثة. إن تلك الدراسات، تذعن لتراكمية الفن السياسي، عبر آلاف من السنين، لا يزال الوعي السياسي، بحاجة إلى دراسة مختلف البرامج والاستراتيجيات والخطوات التي سعى الرومان لتحقيقها ورؤية نتائجها، واستخلاص الوعي السياسي منها بصفتها تمثل الهوية التاريخية لتلك الأقطار، مع فارق اللغة، والأعراق، والهويات الدينية، والأديولوجيات، وتفاصيل كثيرة. لكن تبقى فكرة القطيعة مع تاريخ أمة فكرة جد ضحلة ومستبعدة على مستوى كل الدوائر، بل حتى مسائل غير أخلاقية ترافع عنها برلمانات أوروبية عدة، مثل مسألة (الشذ/وذ) هي تخضع بالدرجة الأولى إلى (استرجاع انتقائي) من التاريخ الروماني، وتضحى وفقا لهذا شخصيات مثل يوليوس، ونيرون، وهادريان، وإيلاجابالوس، وغيرهم من الأباطرة والملوك الرومان الذين كانوا شو/اذًا مثارًا لإعادة إحياء نقطة كامنة في اللا وعي الجمعي للمجتمع الأوروبي.

ملفات إبستين في (الغرب) هي حدث قيمي، وقانوني أيضا، لكن تحويلها إلى دليل انهيار، وتحديد سقوط الغرب بناء على معايير لم يعرفها، هذا هو التعامل المبتذل مع الأحداث، فالغرب لا يشاركك نفس التاريخ القيمي، ولا نفس الأحكام التاريخية، ولا نفس الذاكرة (الجنسانية) حتى. الغرب تاريخيًا، ولو رجعنا إلى روما، وهي منطلق الذاكرة السياسية والاجتماعية للغرب، سواء كان أوروبا، أو أمريكا، حتى إن كارل بولاني لما ألف كتابه، التحول الكبير، قال أن الغرب قبل ١٠٠ سنة، وصل بالكاد لما كانت عليه روما في عز مجدها، هل هو يعني السياسة فقط؟ أم كل شروط مجد روما؟ اجتماعية، وأسرية، وحتى التفاصيل القيمية أيضا؟ روما في المخيال الغربي، لا يرتبط وصفها الحضاري بالمجد الأخلاقي أصلًا، صحيح أن مفاهيم تاريخية عدَّة أحيتها أوروبا وأمريكا من صميم الذاكرة التاريخية لها (روما) ولامَس ذلك مجالات تكنولوجية حتى، مثل مفهوم الأوراكل. لكن قيميًا أيضًا، ستجد أن روما، وهي ذاكرة الغرب الذي نهدد بزواله بسبب فضائح قيمية، كان يتفشى فيها الشذ، بشكل مفرط، لدرجة أن سمح برلمان روما ليوليوس قيصر أن يمارس مع كل نساء ورجال وأطفال روما، عقب نجاحه في كل حروبه. روما كذاكرة مرجعية عميقة للغرب، لم تبن يومًا شرعية وجودها السياسي على الطهر الأخلاقي، والتدوينات التي تبشِّر بانهيار سياسي لوجود انهيار خلقي أو قيمي، كالذي كشفته ملفات إبستين، هي تجهل أن الانهيار قد يحصل فقط في حين تبنى الشرعية السياسية على قواعد أخلاقية، وذلك ما سيؤدي إلى انكشاف التناقض بين الخطاب والممارسة، وهو ما سيزعزع الأساس الرمزي والمثل العليا للشرعية السياسية، وهذا في السياسة الغربية منعدم. لأن ملفات كهذه، مصيرها أن تستوعب ضمن أدوات احتواء؛ محاكم، إعلام، ونحو ذلك، ومن الأمور التي تحتاج الكتابة بشكل جدي. هي بقاء المؤسسات على حالها، بعد فضائح قيمية كهذه! وحتى على مستوى المؤسسات التي تدعي القيمية العليا، كالكنيسة، المتورطة في ملفات اعتداء فاضحة ومتكررة حتى على أطفال، لم تسقط بالكاد الفاتيكان، لأنه ما عاد يمثل شيئا في إسداء الشرعية على النظم السياسية في الغرب، فالفضائح يجري احتواء جميعها ضمن نفس النظام وبقواعده، السياسة، الإعلام، والمحاكم، بما يعزز سردية الغرب عن نفسه، قصص الشفافية واستقلال القضاء ونحو ذلك.

روابط الأخوَّة بين الشعوب والأمم! عندما تملأ النخب رأسك بجعل الأخوَّة بين شعبَين دليلًا على قابلية التسوية السريعة وتهميش السؤال السياسي، هي تعرب عن جهلها الأزلي بالتاريخ السياسي للأمم، بين ١٩٩١ و١٩٩٩، كان الخطاب الرسمي في يوغسلافيا ولعقود، يقوم على فكرة الأخوة والوحدة، وهو جزء من دستور ١٩٧٤، والذي وسم بشعار (Brotherhood and Unity) وهو ما كان معلنًا بشكل رسمي كسياسة تعامل بين الشعوب داخل يوغسلافيا، كان سائدًا في التعليم والإعلام، والمناشير، والجداريَّات. وما إن انهارت الدولة المركزية، حتى أطلَّ السؤال الجوهري: من يسوس؟ من يسيطر؟ ومن يرث الحكم؟ تراجع خطاب الأخوَّة لأن الشرعية السياسية لا يحسمها رمز، وكانت نتيجة سقوط السياسة المركزية وقوع مجازر جماعية وتطهير عرقي وتدمير مدن كاملة، في دولة كانت تسمى ببيت الشعوب الشقيقة. فالأخوَّة ليست مانع من الصراع السياسي بين الشعوب، تنهار فجأة، بمجرد أفول الخطابيات والاتجاه نحو سؤال السيادة وتوزيع السلطة والتحكم في الموارد والشرعية والأحقية في الحكم، ونحو ذلك. فرنسا وألمانيا حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان ينظر إليهما بوصفهما شعبين أوروبيين مسيحيين من نفس الفضاء الحضاري الغربي والنقطة الأرسخ أنهما المتقاسمين البارزان للإرث الروماني الجرماني، نخبهم الفكرية والفنية كانت تترجم لبعضها في كل شيء، الفلسفة، الشعر، الأدب، والموسيقى، إنه خطاب العائلة الأروبية، كانط كان يدرَّس في فرنسا، والألمان درسوا روسو ومونتسكيو. وفجأة بين ١٨٧٠ و١٨٧١ خاض الطرفان حربًا أدت لتحطيم فرنسا، بعدها الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية، أكثر من ٧٠ سنة من الصراع الوجودي بين شعبين شقيقين حضاريًا، الشراكة الثقافية عطرة، لكن من يقود أوروبا؟ من يحدد موازين القوى؟ ومن يملك حق التفوق الصناعي والعسكري؟ الشراكة الثقافية تجعل الصراع أكثر حدَّة لأنها تجعل التنافس على القيادة داخل الفضاء نفسه، رغم وحدة الدين، ووحدة القارة، ووحدة الإرث الثقافي، ورغم تشابك النُّخب. بين علي وابن الزبير، وبين معاوية وعلي، وبين الأمويين والعباسيين يلتقي الجميع في قصي، وهو الجد الأعلى الجامع لقريش. وبين العثمانيين والسلاجقة رابط الأخوة التركية والانتساب الإثني والسياسي نفسه، وقديمًا بين بكر وتغلب رابط النسب واللغة والحيز القبلي الواحد، وفي أوروبا القديمة بين الجرمان والرومان الفضاء القاري المشترك، والتداخل العسكري والثقافي، ثم لاحقًا المسيحية والإرث الإمبراطوري، وقبل سنوات روسيا وأوكرانيا، الشعب السلافي الذي كان قبل عقود يعيش في ظل دولة واحدة. الأخوَّة وروابط الأخوَّة تاريخيًا لا تلغي الصراع بقدر ما تحدِّد ساحته بشكل صارم. حين يكون الرابط مشتركًا يصبح الصراع صراع قيادة داخل البيت الواحد، لا صراع هوية، وهو نمط من أنماط الصراعات السياسية في التاريخ البشري، ولم يحسم التاريخ يومًا وحدة الجد، ولا وحدة القارة ولا الإقليم ولا الفضاء الجغرافي الضيق، وإنما المنطق السياسي المحض. الرأي الذي يجعل الأخوَّة بين الشُّعوب قرينةً على قابلية التسوية السريعة لا يقوم على قراءة سياسية للتاريخ. كل تسوية سياسية ناجحة هي نتاج تحديد دقيق للمسألة السياسية وحدود السيادة. الأخوَّة بين شعبين لا تجيب عن هذه الأسئلة، وإنما تؤجلها، وحين تؤجَّل لا تختفي، هي تتراكم، ثم تعود في صورة صدام أعنف. والأخوة لا تخفف الصراع داخل الفضاء الواحد، بل ترفعه إلى مستوى القيادة، إلى مستوى التمثيل القاري، والإقليمي، الحروب الأشد دمويَّة تاريخيًا هي حروب الأشقاء، فرنسا وألمانيا، الأمويون والعباسيون، بكر وتغلب. استدعاء لغة الوحدة لخفض التوتر الإعلامي قد يخلق هدنة مؤقتة، لكن لن ينتج تسوية ما لم يترجم إلى تحديد سياسي واضح، فالتاريخ يتحرك على أساس من يمتلك نفوذًا لا على أساس من نحب ومن نؤاخي. في حادثة رُوِيَت حول ما وقع سنة ٧٠ هجرية، يُقَال أن عمرو بن سعيد خلع عبدَ الملك، فحدَّثه عبد الملك عن الأخوَّة، فقيل أنهم اتفقوا على أن يكون عمرو الخليفة بعد عبد الملك، فلما تمكن عبد الملك منه، قام بتصفيته، قائلًا جملته التي تشهد لما سبق "قلما اجتمع فحلان في إبل إلا أخرج أحدهما صاحبه ثم قتله". فقد استجاب عمرو لخطاب الأخوة، لكن عبد الملك كان سياسيًا فاستجاب لقواعد الصراع! الصورة المرفقة، غلاف يحمل عنوان: Brotherhood & Unity – War in Bosnia and Herzegovina 1992–1995 وهي لعبة محاكاة تاريخية تحمل عنوان الشعار الشهير في يوغسلافيا، الرمز العلوي يمثل نجمة يوغسلافيا.

photo content

المرثيات المتناقضة لا تصنع فكر سياسي تاريخي! فكرة الدولة التاريخية مشوَّهة ومتناقضة بشكل حاد لدى الكثير، الأندلس كمثال، ألا ترى أنها محور بكائيات لعديد من الكتاب وصاحبي المحتوى، بشكل يفوق الحنين لأقطار كانت تعيش ازدهارًا لا يكاد يتناهى حده ولكنها ليست أروبية؟ وكأن عديدًا من تلك البكائيات تشرح أن الأندلس، وهي حاليًا قطعة من أروبا، تعبر عن شهادة بأننا كنَّا حيث أنتم الآن. الأندلس لمن يتجاهل، أمر عمر بن عبد العزيز بإجلاء المسلمين منها، نحو أفريقيا، لكن الضباط السابقون، والذين شاركوا في فتحها، والناس التي سكنتها، تمردت على القرار، وهو نفس ما رأى فعله في المشرق بأمر المسلمين بالنزوح دون ما وراء النهر، فرفضوا. مع أن الإفراط في مدح شخصية عمر بن عبد العزيز كرجل دولة، ومصلح سياسي، تفرض الإفراط في مدح مراسيمه الإدارية الكبرى مثل هذه، لكن البعض ينتقي، الأندلس الجميل، وعمر المصلح، معًا! ثم تجد نفس المتباكي يجرِّح دولة بني أمية، ويفاخر بعمران الأندلس وجامع قرطبة، مع أن الأندلس برمَّتها هي نتاج الإدارة الأموية بشكل خالص، سياسيًا وعسكريًا، وإداريًا، وثقافيًا، حتى أن عبد الكريم الشطي، لما كتب رحلته للمكسيك، قال وجدت نفسي في الشام، نسبة لشكل العمران، فمن بناها هم الأندلوسيون، الذين سكنوها بخلفية أموية، فتجسَّدت كل الآثار الأموية في انتقالهم، حتى سموا أول مدينة بنوها هناك، باسم الوليد، (Valladolid) وهو نقل لاسم المدينة الواقعة في مدينة قشتالة بالأندلس، وسميت في أسبانيا بهذا نسبة للوليد بن عبد الملك بن مروان، فنقلوا اسمها إلى أمريكا اللاتينية. لكن الرغبة في امتلاك ثمار الدولة دون تحمُّل أخلاقها الصلبة هو التناقض الأشهر في الثناء على قيادات وضباط فتحوا وساهموا في فتح الأندلس، وجعل المسؤولية على عاتقهم، مع أنهم كانوا مجرد تفصيل في إدارة أموية شاملة. مثل من يتغنى بفتوح خرسان وما وراء النهر، مع أن أول من بنى مسجدًا بخرسان، كان الحجاج بن يوسف، ووضع عليه الضَّحاك إمامًا. ثم يُعرَّض بإيمانه في روايات رجالها خراسنيون. المرثيات لا تصنع فكر سياسي تاريخي، ولا تصنع أخلاق دولة، ولا حتى حنين مؤطر ضمن مسؤولية سياسية، المرثيات التي تراها من أشخاص ذوي مواقف عاطفية وأخلاقية ساذجة، هي من أسباب ضياع هذه الأقطار.

photo content

من أنتَ لتتكلَّم؟ في أوروبا، هذا السؤال، كان بتعبير ميشيل فوكو، جزء من آليات ضبط الخطاب، كان معيار الكلام متعلقًا بموقع المتكلم داخل الشبكة كما يسميها فوكو. من يمتلك حق النطق؟ من يُسمَع؟ وهو ما تحدَّث عنه تفصيلًا في نظام الخطاب عن إقصاء المعرفة غير المرخصة، من الكنيسة، والدير، وغير ذلك. وفي عام ١٧٨٤م، نشر كانط مقالته الشهيرة [ما هو التنوير؟] وفيها صاغ تعريف القصور بوصفه عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه من غيره. وهو ما حوَّل الحق في الكلام مشروطًا بالانتماء، إلى الحق في الكلام مشروطًا بالحجة. ولهذا كانت أكثر الأوساط رجعيَّة هي أكثرها استعمالًا لسؤال من أنت للتكلَّم؟، هي تستعيد تراتبية وطبقية معرفية تعيد تدوير المسلَّمات، والأنكى أن يكون ذلك في مجالات هي الأكثر تجددًا وحركة، والتي يفترض أنها مجال صراع أفكار لا صراع مقامات!

التعزية الذاتية! بعض السذَّج يتصوَّر أنَّ أمريكا كتلة نظاميَّة بلا عقيدة، لأنه يتصور العقيدة في مجرد شكلها التعبوي البدائي، لكنه يعجز عن تصورها كبنية حكم، العقيدة السياسية ليست دائمًا أناشيد، وشعارات سقوط، وتعبئة عاطفية، وخطابات ثورية مباشرة، كخطابات اليسار الصبياني، كما كان يسميه لينين، هذه أدنى أشكال العقيدة السياسية. العقيدة النضالية في أعلى أشكالها، هي عقيدة هيمنة كونية، الاستثنائية، لا تمتلك قائد ملهم، لأنها مؤدلجة في مؤسساتها. هي في نموذج الليبرالية حيث تجتهد لتثبت أنت كمواطن عربي أنها ليست قدرًا حتميًا، السوق بوصفه نظامًا معياريًا، والقوة والهيمنة بوصفهما أدوات [تصحيح] للعالم. وهي عقائد تمارس وتعمل بشكل تلقائي، وتتكيف مع الفشل، وغير مرئية، وتحتكر وظيفة الضبط في النظام الدولي. العقائد البدائية تقال، وتهتف، ومملة، تحتاج استقطاب مستمر، وتنهار مع الهزائم، ظاهرة، منكشفة، صاخبة، ولا يمكن أن تصبح طبيعية لدرجة أن يصعب طرحها للنقاش. يطفح في كتابات الكثير من المدونين، خلط بدائي بين مفاهيم لا تجتمع، كمن يطرح قوانين جديدة للتاريخ والسلطة عبر منشور فيسبوك، في لحظة تأمُّل للفراغ المعرفي المحيط به، يقول فيه أنَّ أمريكا لا تهزم إلا عبر حل واحد وهو العقيدة النضالية. هذه هي عبارات التعزية الذاتية، وهي تأتي بشكل متسق مع نمط تفكير رجل المقهى الذي تتشكل تفاعلاته النفسية بشكل قطعي مع الأحداث التي يراها بعد يوم متعب على شاشة المقاهي. التاريخ لا يعمل وفقًا لمنطق الحل الواحد، التاريخ يعمل بتراكم، اقتصاد، حروب بالوكالة، إنهاك داخلي، رأي عام، إعلام، تحولات، انكسار خطوط إمداد، وحدة أيديولوجية. الإمبراطوريات لا تسقط بزر أحمَر، ولا بحل واحد. العقيدة النضالية كمنفذ أوحَد ما هي إلَّا خيالٌ رومنسي، كل حركة، حتى أكثرها بعدًا عن المركزيَّة، لا بد أن تكون لها قيادة فعلية، ومصادر تمويل، وبنية تنظيمية، وقرار استراتيجي، وغير هذا لا يزيد عن كونه جهلًا بعلم التنظيم السياسي، لذلك تجد أكثرهم فشلًا في الفكر والعمل الحزبي، أكثرهم ادعاء بأنَّ الجانب النظري والنظامي لا طائل من وراءه، ولذلك أفلست تجاربهم. أما كون العقيدة تتكيَّف فلا يقضى عليها، فالأيديولوجيات، من قبيل الشيوعية، والنا.. والقومية العربية بصورتها التعبويةالكلاسيكية، وحتى ما هو أعمق في التركيز على التغذية العقائدية، كالحركات التي نشطت عربيًا، كلها تحولت إلى أشباح، لأن الأفكار لا تعيش خارج الشروط المادية. الكتل النظامية، تهزم بصعوبة، هي تمتلك الموارد، والمؤسسات، بينما الحركات الأيديولوجية البحتة، يكفي تفكك السردية في تلاشيها، وطبيعي أنَّ من لا يمتلك بنية ماديَّة لوسائل القوة، أن يجد في التعزية النفسية بديلًا. لذلك تجد من يرى في سقوط عاصمة أو جيش أو رأس نظام غربي، كافيًا في زواله. وهذا التفكير، أضحى رجعيًا، لأن [عاصمة، جيش، أرض، رأس نظام] لم يعد صالحًا لوصف الهيمنة الأمريكية أساسًا، لأن القوة بنيوية، لا عسكرية ولا مادية ساذجة. هزيمة أمريكا، هي في فرض انهيار القدرة على إعادة إنتاج النفوذ، وفقدان السيطرة على سلاسل التوريد، التكنلوجيا والمعايير، اقتصاد العالم، ومضائقه، وطرقه وممراته، وعجزها عن فرض القواعد، والعقوبات، وتفكك منظومة تحالفاتها. وطالما هذه العناصر قائمة، فالهزيمة الميدانية متمثلةً في هزيمة [جيش، رأس نظام، أرض، عاصمة] ليس سوى مجرد تفصيل.

العالم حر، ديمقراطية ليبرالية، وفراغ دعايات الهيئات الدولية والأممية العالمية، خطاب حقوق الإنسان، مبدأ التدخل الإنساني، شرعية القانون الدولي، سيادة الدولة المشروطة، حرية السوق، استقلال القرار السياسي، حياد الإعلام، أخلاقيات الحرب، حماية الأقليات. كل هذه الأفكار التي يكتب بعض الإسلاميين أنها انكشفت اليوم وسقط القناع، لم تكن يومًا موجودة أصلًا في الواقع؛ بل سبق أن فكك بنيتها وكشف وظيفتها كارل ماركس حين بيَّن أنها ليسَت حقائق تاريخيَّة، وإنما بنيات فوقيَّة صيغَت لتضفي الشَّرعية الأخلاقية والقانونية على علاقات إنتاج غير متكافئة، وتعمل كخطاب تبريري يموه العنف الاقتصادي، ويحول الهيمنة الماديَّة إلى قيم كونيَّة، ويقدِّم مصالح الرَّأسمال بوصفها العقل العالمي المحايد، لا بوصفها قوة تفرض ذاتها بالقهر والتنظيم والربح. ولما لا نتعرف على أفكار الآخرين، ولا نعرف هذا كله من خلال التعلم –فالأعمال هذه انتهى ماركس من تأليفها عام ١٨٩٤م– يصبح مصيرنا هو أن نتحول نحن إلى تجربة هائلة، هائلة جدًا ونعاني كل أشكال العنف العالمي، حتى نقول نفس الجمل تلك!

"عندما تبدأ في محاورة أي إيديولوجي عربي فعليك قبل كل شيء أن تثبت له وجود العالم لأنه غير وارد ضمن معطياته". (العرب والسياسة أين الخلل، جذر العطل العميق، محمد جابر الأنصاري، دار الساقي، الطبعة الأولى ١٩٩٨م، ص٢٦).

لا يزال الشعب غير مهدَّد في حياته، الاقتصاد لم ينهر كليًا، مقومات العيش والبنية التحتيَّة والمستشفيات والمساكن ما زالت قائمة على نفس وضعها قبل اعتقال رئيس فنزويلا. ومع ذلك لا يقول عاقل إن فنزويلا انتصرت أمام أمريكا! لكن حين تمحى الحياة في مكان آخر وتسوَّى المدن بالأرض، ويعاد تعريف البقاء كإنجاز! يبدأ القتال ضد المعنى البديهي للهزيمة والانتصار.

وهذا الوضع يدل، في قراءته، على أن الميل إلى علي لم يكن بعد علامة قطيعة مذهبية، وإلا لما أمكن لهذه الروايات أن تعبر من هذه الطبقات إلى المتون الجامعة، فهي في أحيان كثيرة، إن لم تكن غالبة، تأتي من أوساط متعلقة بدفع من العباسيين بشكل مباشر، وقد وضع الكتاب لأجل هذا شواهد عدَّة لكثير من الأحاديث بأسناديها. مثل حديث المبيت في فراش النبي، ورواية محاربة بني أمية لإسم علي، ومثل رواية عن الأوزاعي أنه لم يأخذ أعطياته من بني أمية إلا بعد الشهادة بالنفاق على خصوم الأمويين، ومثل رواية أن معاوية منع ذكر فضل علي، وغيرها كثير طرحها الكاتب.

من خلال قراءتي لأولى الفصول في كتاب (ما تخفي العمامة) لمؤلفه يوسف سمرين، أحمد سلمان طرحَ مسألة المفارقة بين المتشيِّعة العلوية وبين العباسيين، على أنها أصيلة جوهرية في التفرقة بين الطوائف وبين بُعدِهم المذهبي، فأحمد سلمان، يتصور أن العلويين ومن صار يطلق عليهم (شيعة) كانوا مفاصلين أتمَّ المفاصلة للعباسيين كسلطة، وبهذا فسَّر سلمان طيف واسع من الرِّوايات، باعتبارها ذات منشأ غير سلطوي عباسي، وهذا التصور وإن بدا (شيعيًا) باعتبار مذهب أحمد سلمان، إلا أنَّ المطلع يعرف أنَّ الفهم القائل بأن العباسيين كسلطة، لم يكن لهم دخلٌ في الرواية ككل قد ينسحب عليه نفس الفهم. الفكرة المركزية، لدى أحمد سلمان، في هذا المسار، كانت تنطلق من جعل البيت العلوي عدوًا مشتركًا بين العائلتين: العباسية، والأموية. ثم هو يسحب الروايات التي انتحلت في علي بن أبي طالب، باعتبارها فضائل، على أنها خلت من دوافع سياسية أدَّت لترويجها. محطة النقد المركزية، كانت تقوم على أن العباسيين والعلويين التقوا تاريخيا في لحظة العدو المشترك وفي لحظة الحاجة إلى تجميع الرصيد حول آل البيت لإسقاط الشرعية الأموية. لذلك نشأ وضع سياسي يمكن فيه أن يكون المرء مع العباسيين بوصفهم أداة التغيير الواقعي، ومع العلويين بوصفهم عنوان الشرعية الرمزية، دون أن يرى في ذلك تناقضا. واستُنِدَ في ذلك إلى ملاحظة أن الخطاب العباسي المبكر لم يكن يعادي العلويين من حيث المبدأ، إذ كان يستثمر حضورهم داخل المخيال الإسلامي، ويستثمر فضائل علي بن أبي طالب كرافعة لكلفة الاعتراض على الدولة الجديدة. النقطة الأبرع، هي معالجة الكتاب لجزئية متعلقة برواية للأعمش، إذ كيف تتشكل مادة التشيع في كتب الحديث والتاريخ؟ عالج الكتاب من خلال رواية (أنا مدينة العلم وعلي بابها) من زاوية سنديَّة تشرح وظيفة تداولها في البيئة العباسية، فكيف نشأ هذا الحديث إذا قرأنا سياق رواجه؟ سند حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها) بدأه الكتاب من حيث مناقشة الهيئة السندية، التي اعتمدها أحمد سلمان عبر الحاكم، فالحاكم يروي الحديث بإسنادٍ يدور على "أبو العباس محمد بن يعقوب… ثنا محمد بن العباس… ثنا معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس…" لكن، النقد عرض مسار تشكُّل الرواية بعيدًا عن طريقة التدقيق الكلاسيكية، فإنَّ محور الدوران الفعلي في طبقة التابعين ومن بعدهم هو الأعمش، والثانية أن الضامن المتأخر الذي يراد تمريره بوصفه أمينا على الخبر هو أبو الصلت الهروي، لكن من أين جاءت شهرة هذا الحديث، ومن الذي احتاج إليه، وكيف صعد بهذه الصيغة؟ هذا الحديث ينفرد به عن مجاهد راوٍ واحد، وهو الأعمش، أما أبو الصلت، وهو الشخص الذي يكشف البعد السياسي وظيفتَه، فهو من أصحاب المأمون العباسي، وجاء في ترجمته أنه صحِبَ المأمون، وكان يتتبع هذه الأحاديث ويشتريها بالمال. لكن لمَ كان التمركز حول الأعمش؟ الأعمش هو أحد وجوه الكوفة، وهو واقع في بيئة تصلح لاستثمار فضائل علي سياسيًا دون أن تفهم بوصفها انشقاقًا مذهبيًا عن السلطة العباسية، فقد أدرك الأعمش ١٣ عامًا من تحالف العباسيين والعلويين في جبهة التشيُّع ضدَّ بني أمية، قبل أن يتصدَّع التحالف، فهو يروي ما كان يتفق مع دعاية العباسيين الذين كان يُنظَرُ إليهم على أنهم بنو هاشم فترة الثورة على بني أمية، وهم الذين أدركهم الأعمش ولم يدركهم مجاهد ثورتهم، مع أن الرواية غابت عن أصحاب مجاهد في مكة، فترة بقاءه فيها، وغابت أيضًا عن رواة الكوفة، ولم ينفرد بها سوى الأعمش. أبو الصلت الذي صحب المأمون، وكان يشتري هذه الأحاديث، لم يكن سوى معيدًا رفقة المأمون لصدى التحالف القديم بين المتشيِّعة بفرعيهم العلوي والعباسي، قبل أن يتصدَّع خلال الفجوة التي طرأت قبل وصول المأمون إلى الحكم، فرأى المأمون أن إذاعة هذا الحديث من خلال أبي الصلت، تحت حماية السلطة العباسية ورعايتها، علَّة لإثبات الصلحة بينهم وبين العلويين، فالحرب بين الأخوين، المأمون والأمين، وضعت المأمون أمام حالة ناقمة على بيت عباسي منقسم وهو ما جعل المأمون بحاجة إلى شرعية بديلة تتجاوز العصبية العباسية، فكان الصلح مع العلويين ضروريًا بنظره، بنفس المنطق الذي كانت تأتي من خلاله روايات الأعمش في الفترة التي لم يكن يتميَّز فيها علوي عن عباسي، أيام الثورة على بني أمية. وهو ما يشرح أنَّ كثيرا من الروايات المصنفة لاحقا بوصفها شيعية لا تأتي عبر أسانيد شيعية خالصة بالمعنى المتأخر، بل تمر عبر رواة يوصفون في كتب الرجال بأنهم يميلون إلى علي أو فيهم تشيُّع، مع كونهم في الوقت نفسه مقبولين عند جمهور المحدثين، أو على الأقل متداولين في أوساط أهل الحديث.

photo content