7 209
订阅者
-524 小时
-397 天
-7530 天
帖子存档
7 205
"وكما اكتشف القادة العسكريون، من جورج واشنطن إلى نابليون، لا يمكن كسب الحرب من دون ملح.
وخلال اندحار نابليون عن روسيا، مات الآلاف من جنوده بسبب جروح طفيفة لأنه افتقر إلى الملح اللازم لتطهيرها. ويلزم الملح لأكل الجنود ودوائهم، وكذلك لكي تقتات منه جياد الخيالة وأحصنة الجر، التي تنقل الإمدادات والمدافع والمواشي التي يعيش عليها الإنسان.
وقد شكَّل الملح جزءًا دائمًا من راتب الجندي الكونفدرالي (الجنوبي). ففي العام 1864، شمل التموين الشهري لكل جندي 5.4 كيلوغرام من قديد الخنزير، و11.8 كيلوغرام من القمح الخشن، و3.2 كيلوغرام من الطحين أو البسكويت، و1.36 كيلوغرام من الرز، و680 غرامًا من الملح، مع خضروات موسمية، والحال أن تلك القائمة بقيت قائمة أحلام، ونادرًا ما تحققت فعليًا".
(كيرلانسكي، مارك، (2005) تاريخ الملح في العالم، ترجمة أحمد حسن مغربي، عالم المعرفة، الكويت، ص 203).
7 205
"ووجه المؤرخون العرب، الذين جاءوا بعد الدولة الأموية وكتبوا في ظل أُسَر خَلِفَت الأمويين، همهم إلى الحط من شأن البيت المخلوع.
فامتنعوا عن إطلاق لقب "خلفاء" على معاوية ومن جاء بعده من الحكام، وأخذوا بعد زمن علي يتكلمون عن "ملك" معاوية وباقي حكام الأمويين، باستثناء عمر الثاني الورع (٧١٧–٧٦٠م) الذي فاز، دون باقي الأمويين، بلقب "خليفة".
ولم يستعد حاكم المسلمين لقب "خليفة" إلا عند قيام العباسيين سنة ٧٥٠م. ومع أن تهمة "النزعة الدنيوية" هذه أساسًا من الصحة، فيجب علينا المبالغة في تقديرها.
نعم، لقد أولى معاوية وخلفاؤه الناحية السياسية والاقتصادية لحكمهم أهمية متزايدة، إلا أن العامل الديني، على الرغم من إحلاله المكان الثاني، كان لا يزال عظيم الأثر. وقد استغله معاوية بمهارة في حلاته المتوالية ضد البيزنطيين، التي مكنته من أن يبدو حامي ذمار المسلمين وقائد الحرب المقدسة، وأن يطالب معظم العرب بأن يمنحوه ولاءهم الديني وأن يفوز بكسبه".
(لويس، برنارد، (٢٠١٩)، العرب في التاريخ، تعريب نبيه أمين زايد، مراجعة وتقديم: معتز أبو قاسم، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص ٨٣)
7 205
أشهر القواعد السياسية السخيفة في العالم العربي!
١- لا يمكن لأي دولة أن تدعم عدوًا لها. هذه قاعدة ساذجة والواقع السياسي يرفضها، لقد دعمت أمريكا فصائج (ج) في أفغانستان، ضد السوفييت، وهذه الفصائل تحولت لاحقا إلى تهديد مباشر لأمريكا، والقاعدة السياسية هنا هي ترجيح إضعاف عدو مباشر مقابل خطر مستقبلي، فالخطر المستقبلي لا بأس به إذا حقق مكسبًا آنيًا بإزاحة خطر أكبر منه. كما دعمت أمريكا صدام في حربه ضد إيران قبل أن تبدأ بحربه فيما بعد!
٢- الدول لا تتخلى عن حلفائها، والتخلي هنا خيانة. هذه أيضا من أكثر القواعد الرائجة رداءةً، إذ تخلت أمريكا مؤخرًا عن حلفاء معتبرين لها في سوريا وهم الأكراد، لاقتناعها بأداء خصمهم الأول في تحقيق أهدافها، التحالف ليس عقدًا اخلاقيًا هو مجرد وظيفة مؤقتة. لذلك فالتحالف بين أمريكا وبريطانيا والسوفييت، انتهى بانتهاء وظيفته المؤقتة وهي القضاء على المحور بانتهاء الحرب العالمية الثانية.
٣- السيطرة العسكرية تعني حسم الصراع. هذه أيضا من القواعد الشائعة وهي نتيجة استعجال الشعور بنشوة النصر، الواقع السياسي قد يفرض أن السيطرة العسكرية مجرد مرحلة مؤقتة، من ينتصر هو الأقدر على صياغة مساحة للمناورة في ظرف مناسب، لذلك جاءت جبهة التحرير بعد قرن من السيطرة الفرنسية، وحسمت الصراع لصالح انتصار الجزائر.
٤- تحديد مصالح أي دولة بشكل واضح. وهذا من أكثر الأمثلة شيوعًا، وهي ادعاء سهولة تحديد مصالح أي دولة وادعاء ثباتها، وهو غير واقعي، مصالح روسيا كانت مع ألمانيا، ثم مع الحلفاء، ثم مع ثنائية القطب خلال الحرب الباردة، فهي غير ثابتة.
٥- من ليس معنا فهو ضدنا. قالها جورج بوش في لقاء، وترددت في أوساط الإسلاميين بشكل واسع، وأضحت ذهنية بل طريقة تفكير، لكن جورج بوش نفسه لم يتعامل بالمقولة بصرامة، باكستان مثلا كانت حاضنة لكثير ممن هم (ضد) أمريكا يومها بالمفهوم الذي قصده بوش (الإسلاميون) لكن بقيت باكستان شريكا اضطراريا لأمريكا، وقدمت لها كثيرا من الدعم. سلطنة عمان حياد يجعل كلا من أمريكا وإيران لا يعتبرانها عدوًا، ولا يصنفانها كدولة معادية. أسبانيا لم تكن مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ولم تكن من مشاركة في الحرب إلى صف دول المحور أيضا وتبنت ما عرف بالحياد الرسمي، ليس كل من لم يكن مع محوَر أو شبكة حلفاء، هو مع عدوهم بالضرورة! فهذا في الحروب على مستوى الدول، فكيف بالنقد والتحليل على مستوى الأشخاص المتابعين!
7 205
عندما يتكلم المنطقي والمتكلم!
واحد من أكثر الأشياء فجاجة هي المشاركة في التاريخ من خلال منطق (علم الكلام) لن تر سوى كمية ضخمة من الإلزامات والمقاييس، وإن قلتم قلنا، فيقال لهم، لن يتم بحث حقيقة مسألةٍ واحدة، اللهم النجاة والسلامة من الافحام، فليس لدى هذا النوع الفج، غير اللوازم والفرضيات. لكن سؤال (بعيدً عن كل شيء، ماذا حدث؟) مستحيل أن يسأل.
ولك أن تتخيل انتقال هذا السلك إلى السياسة، وتحويل قضايا موضوعية من قبيل: من يسيطر؟ من حليف من؟ من يمتلك خطوط إمداد؟ أو حتى من يمتلك القدرة على المبادأة، أو على الاستمرار، إلى: ماذا يلزم من قولك؟ ما الذي يترتب عليه لو سلمنا به؟
من أمثلة الصداع الذي قد يصيبك عند حوار هذا السلك، الذي لا يزال يرى العالَم من محفوظات السلم المنورق، أنك لو حللَّت وضعًا بأن دولةً ورَّطت غيرها ثم اختارت طريق المفاوضات، قد يقال لك، لو سلمنا بأنها ورَّطت غيرها، فإما أن يكون عن قصد أو عن اضطرار، فلو كان عن قصد، فهي فاعل مختار، والمختار مسؤول، والمسؤول يمتنع أن يفاوض إلا عن ضعف، والمفاوضة عن ضعف يلزم عنها العجز، والعاجز غير ملام، وإن كان عن اضطرار لا عن قصد، فالمضطر يفعل ما لا يباح عند لأنه في مقام اضطرار.
مع أن السياسة لم تكن يوما نسقًا منقطيًا مغلقًا أو ساذجًا هكذا كالقضايا الكلامية السخيفة، هي في الحقيقة حقل احتمالات مفتوح، فقد تكون تلك (الدولة) قاصدة لتوريط غيرها ومضطرة في نفس الوقت، أو قوية وتفاوض في نفس الوقت، أو تورط محيطها وتنسحب سريعًا لنقل الجبهة إلى خارج حدودها. فالواقع، مثله مثل الواقع السياسي لا يخضع لقانون إما/أو.
في السياسة لا توجد لوازم حتمية (إن سلمنا بكذا، لزم كذا) القرار السياسي لا ينتج عن قانون منطقي ثابت، لذلك يقال دائما (السياسي والمبادئ/الوعود) لأن مبادئ الحزب نفسه، قد تنكس أحيانًا لأن الظرف تطلب ذلك، لذا يصدم الجمهور بإخلاف السياسي لوعوده في أحيان كثيرة، بعد وضعه خلال الدعاية للوازم حتمية (لو فزت، سأفعل...)، فلو حصل (أ) فالبنسية للسياسي لن يحصل بالضرورة (ب)، قد يتجه بباسطة إلى تقدير داخل سياق معين يجعل بعض الخيارات أرجح من غيرها، أي لا يوجد حتمية، بل عدة نتائج ممكنة، ويبقى أحدها أقوى احتمالًا تبعًا للظروف. قد تتغير (أ) أصلا، قبل الوصول إلى (ب).
الخطاب الكلامي، أو طريقة تفكير المتكلم، أو المنطقي، هي طريقة تجريدية، مبنية على أساس غير سياقي، حتى في علم الكلام، اعتماد تقطيع الواقع، فصله عن بعضه، عدم اعتبار السياق، لذلك يعطي المتكلم للكلمة معنى ابتداء، ثم يحاكم السياق لها، لا العكس. الخطاب الكلامي يفترض دوما لحظة ثابتة.
لكن السياسة، كونها أعلى ممارسات الواقع هي عبارة عن سلسلة زمنية، سياسية، هي فن الممكن، هي فن التعامل مع شبكة متغيرة من الفاعلين، والفرص، مع التغير بدل الثبات، مع التشابك بدل الفصل، مع الزمن بدل اللحظة، والأهم مع الإمكان بدل الضرورة.
لأن المنطقي، الذي يحتاج دومًا لأشياء ثابتة لأجل البناء عليها، سيجد العناصر السياسية نفسها، كالدول والتحالفات تتغير أثناء التحليل باستمرار، فالنتائج اللازمة محض هراء، لأنها مبنية على معطيات غير مستقرة.
لقد تحالف الشيوعي مع الرأسمالي، العدو الألماني أصبح حليفًا للسوفييت دون أن تتغير أيديولوجيته، التحالفات لم تعكس المبادئ، العدو لم يبق عدوا دائما، لقد حُرِّرت فرنسا من ألمانيا في ١٩٤٤ بجنود السوفييت التي حاربتهم فرنسا في ١٩١٨، هذا في السياسية مفهوم، هو الأصل، لكن لدى المنطقي عبارة عن شق وادٍ في مرتفع، تناقض!
أي، لا يمكن أن تقترح مقاسيس كلامية لمن يحلل، لأنه يحلل لحظةً بلحظة، أيُّ لازم تستنتجه منطقيًا لتجعل التحليل ضمن سياق جدلي معين، قد يتهاوى بالكامل في لحظة يتغير فيها التحالف فجأة، ولأنك لا تسأل "ماذا حدث" أنت تسأل "كيف أجعل ما حدث متسقًا مع قواعدي" ستضطر دائمًا لصرف الأنظار عما حدث، إلى قواعدك، التي لا وجود لها في ساحة الواقع، وأي تصور مختلف لما (حدث) ستعتبره هجومًا على قواعدك!
لهذا ترى أن حرب الشرق الأوسط على قدم وساق، حول مضيق هرمز، البرنامج النووي، ضرب منشئات نفطية، مضيق باب المندب، عودة دول آسيوية للفحم، ارتفاع الهيليوم بنسبة ١٠٠٪، بنيات تحتية تحت التهديد لعدة دول، دول كبرى فرضت غلق المحلات بعد الساعة ٢١:٠٠ ليلا توفيرا للشحنات، لكن في الأوساط هنا تجد نقاشًا فيه ١٪ مما سبق، ثم ينجر سريعا إلى إلزامات منطقية، ثم العودة إلى المقررات والحواشي، وفجأة تبدأ معارك (نسخ/لصق) من الشاملة حمايةً للقواعد، التي لا تأثير لها في بعوضة!
كن منطقيًا أو متكلمًا، أو فقيها، لك ذلك، كن فيزيائيا يا أخي، المشكلة ليست في أي من هذه العلوم، المشكلة في تطبيقها خارج مجالها، في التشدق بمقاييسها، التي لم توضع لغير بنيتها الضيقة، والتبجح بها في كل حدث سياسي، أو طاقوي، أو اقتصادي.
7 205
الشاملة حمايةً للقواعد، التي لا تأثير لها في بعوضة!
كن منطقيًا أو متكلمًا، أو فقيها، لك ذلك، كن فيزيائيا يا أخي، المشكلة ليست في أي من هذه العلوم، المشكلة في تطبيقها خارج مجالها، في التشدق بمقاييسها، التي لم توضع لغير بنيتها الضيقة، والتبجح بها في كل حدث سياسي، أو طاقوي، أو اقتصادي.
7 205
عندما يتكلم المنطقي والمتكلم!
واحد من أكثر الأشياء فجاجة هي المشاركة في التاريخ من خلال منطق (علم الكلام) لن تر سوى كمية ضخمة من الإلزامات والمقاييس، وإن قلتم قلنا، فيقال لهم، لن يتم بحث حقيقة مسألةٍ واحدة، اللهم النجاة والسلامة من الافحام، فليس لدى هذا النوع الفج، غير اللوازم والفرضيات. لكن سؤال (بعيدً عن كل شيء، ماذا حدث؟) مستحيل أن يسأل.
ولك أن تتخيل انتقال هذا السلك إلى السياسة، وتحويل قضايا موضوعية من قبيل: من يسيطر؟ من حليف من؟ من يمتلك خطوط إمداد؟ أو حتى من يمتلك القدرة على المبادأة، أو على الاستمرار، إلى: ماذا يلزم من قولك؟ ما الذي يترتب عليه لو سلمنا به؟
من أمثلة الصداع الذي قد يصيبك عند حوار هذا السلك، الذي لا يزال يرى العالَم من محفوظات السلم المنورق، أنك لو حللَّت وضعًا بأن دولةً ورَّطت غيرها ثم اختارت طريق المفاوضات، قد يقال لك، لو سلمنا بأنها ورَّطت غيرها، فإما أن يكون عن قصد أو عن اضطرار، فلو كان عن قصد، فهي فاعل مختار، والمختار مسؤول، والمسؤول يمتنع أن يفاوض إلا عن ضعف، والمفاوضة عن ضعف يلزم عنها العجز، والعاجز غير ملام، وإن كان عن اضطرار لا عن قصد، فالمضطر يفعل ما لا يباح عند لأنه في مقام اضطرار.
مع أن السياسة لم تكن يوما نسقًا منقطيًا مغلقًا أو ساذجًا هكذا كالقضايا الكلامية السخيفة، هي في الحقيقة حقل احتمالات مفتوح، فقد تكون تلك (الدولة) قاصدة لتوريط غيرها ومضطرة في نفس الوقت، أو قوية وتفاوض في نفس الوقت، أو تورط محيطها وتنسحب سريعًا لنقل الجبهة إلى خارج حدودها. فالواقع، مثله مثل الواقع السياسي لا يخضع لقانون إما/أو.
في السياسة لا توجد لوازم حتمية (إن سلمنا بكذا، لزم كذا) القرار السياسي لا ينتج عن قانون منطقي ثابت، لذلك يقال دائما (السياسي والمبادئ/الوعود) لأن مبادئ الحزب نفسه، قد تنكس أحيانًا لأن الظرف تطلب ذلك، لذا يصدم الجمهور بإخلاف السياسي لوعوده في أحيان كثيرة، بعد وضعه خلال الدعاية للوازم حتمية (لو فزت، سأفعل...)، فلو حصل (أ) فالبنسية للسياسي لن يحصل بالضرورة (ب)، قد يتجه بباسطة إلى تقدير داخل سياق معين يجعل بعض الخيارات أرجح من غيرها، أي لا يوجد حتمية، بل عدة نتائج ممكنة، ويبقى أحدها أقوى احتمالًا تبعًا للظروف. قد تتغير (أ) أصلا، قبل الوصول إلى (ب).
الخطاب الكلامي، أو طريقة تفكير المتكلم، أو المنطقي، هي طريقة تجريدية، مبنية على أساس غير سياقي، حتى في علم الكلام، اعتماد تقطيع الواقع، فصله عن بعضه، عدم اعتبار السياق، لذلك يعطي المتكلم للكلمة معنى ابتداء، ثم يحاكم السياق لها، لا العكس. الخطاب الكلامي يفترض دوما لحظة ثابتة.
لكن السياسة، كونها أعلى ممارسات الواقع هي عبارة عن سلسلة زمنية، سياسية، هي فن الممكن، هي فن التعامل مع شبكة متغيرة من الفاعلين، والفرص، مع التغير بدل الثبات، مع التشابك بدل الفصل، مع الزمن بدل اللحظة، والأهم مع الإمكان بدل الضرورة.
لأن المنطقي، الذي يحتاج دومًا لأشياء ثابتة لأجل البناء عليها، سيجد العناصر السياسية نفسها، كالدول والتحالفات تتغير أثناء التحليل باستمرار، فالنتائج اللازمة محض هراء، لأنها مبنية على معطيات غير مستقرة.
السوفييت كانوا خصوما لألمانيا ووقعت الحرب الأهلية الإسبانية بوكالتهما، دعم السوفييت الجمهوريين ودعم الألمان قوات فرانكو القومية، ثم بعد ١٩٣٩ صاروا حلفاء ضمن اتفاقية مولوتوف ريبنتروب، بعدها جاء الغزو الألماني للسوفييت، ثم تحالف السوفييت مع أبرز الأعداء، بريطانيا وأمريكا، الغرب! الذي نشأت الماركسية نفسها على نقده ونقد مظاهره، وفرنسا التي شاركت في التحالف ضد السوفييت بدعمها للجيش الأبيض، ضد البلاشفة، عام ١٩١٨، باتت محررة من الغزو الألماني بعد تدخل السوفييت لإنقاذها عام ١٩٤٤.
لقد تحالف الشيوعي مع الرأسمالي، العدو الألماني أصبح حليفًا دون أن تتغير أيديولوجيته، التحالفات لم تعكس المبادئ، هذا في السياسية مفهوم، هو الأصل، لكن لدى المنطقي عبارة عن شق وادٍ في مرتفع، تناقض!
أي، لا يمكن أن تقترح مقاسيس كلامية لمن يحلل، لأنه يحلل لحظةً بلحظة، أيُّ لازم تستنتجه منطقيًا لتجعل التحليل ضمن سياق جدلي معين، قد يتهاوى بالكامل في لحظة يتغير فيها التحالف فجأة، ولأنك لا تسأل "ماذا حدث" أنت تسأل "كيف أجعل ما حدث متسقًا مع قواعدي" ستضطر دائمًا لصرف الأنظار عما حدث، إلى قواعدك، التي لا وجود لها في ساحة الواقع، وأي تصور مختلف لما (حدث) ستعتبره هجومًا على قواعدك!
لهذا ترى أن حرب الشرق الأوسط على قدم وساق، حول مضيق هرمز، البرنامج النووي، ضرب منشئات نفطية، مضيق باب المندب، عودة دول آسيوية للفحم، ارتفاع الهيليوم بنسبة ١٠٠٪، بنيات تحتية تحت التهديد لعدة دول، دول كبرى فرضت غلق المحلات بعد الساعة ٢١:٠٠ ليلا توفيرا للشحنات، لكن في الأوساط هنا تجد نقاشًا فيه ١٪ مما سبق، ثم ينجر سريعا إلى إلزامات منطقية، ثم العودة إلى المقررات والحواشي، وفجأة تبدأ معارك (نسخ/لصق) من
7 205
مع قصة المشايخ مع الحروب؟ أحدهم كأنما قدم إحصائية حصرية، دراسة قياسية كميَّة، كشف فيها أن ما نسبته ٥٠٪ من الشعب الإيراني قد (ألحد). والآخر يرى (بناء على أي مؤشر يا ترى) تحالفًا عربيًا إسلاميا وشيكًا، مع أنه بعد أسبوع من الحرب قررت رئاسة وزارته شل الاقتصاد الليلي برمته توفيرًا للكهرباء.
من أين تأت تحليلات ودراسات هؤلاء؟ 🤔
7 205
يحكم الواقع بالهزيمة، على كل من يجعل تاريخًا مثقلًا بالإخفاقات
مرجعًا ونموذجًا يحتذى. هذا هو الدرس الذي يفترض أن يكون واضحًا!
7 205
منذ ما يقارب ٨ أشهر، شرعت في قراءة كل كتب طه عبد الرحمن، وقاربت على الفراغ من وضع القلم عن تقييد جل الأفكار التي طرحتها مؤلفاته، إلى جانب ما كتبه عدد من المؤلفين في نصرة أطروحاته والدفاع عنها.
وهي من الأعمال التي لا تكتمل قراءتها إلا بإخضاعها لمساءلة صلاحياتها المعرفية عبر جملة من الحقول، من المنطق وعلم الكلام، إلى التاريخ والحداثة والاقتصاد والأخلاق والفكر السياسي، وما يتصل بذلك من امتدادات عدة.
وما يمكن قوله، في هذا المقام، أنها اشتملت على قدر وافر من التأسيس، بالقدر الذي يجعلها مفتوحة على المراجعة، وقابلة للمساءلة والاختبار....
7 205
عجزنا أمام مواجهة تاريخنا وكتَّابه، لا يعوضه أي استعمال لفضائح الآخرين، ولا يمكن أن يرمِّم أفيون الانتشاء بفضائح الغير هشاشتنا في تناول تاريخنا العربي والإسلامي. تاريخنا ليس فقيرًا ولا هو نادر في التدوين، هو تاريخ مزدحم بالرواة الذين كتبوا في كل شيء، المجد، السلطة، الانحراف، اللذة، والعنف، وحتى المجالس التي كانت بين رجل وزوجته في قصر عليه حرس!
الدور الذي أسند إلى شق واسع من كتاب تاريخنا العربي والإسلامي بأن يكونوا وسطاء الذاكرة بين المتقدمين وبيننا، كان يلعب جزء واسع منه في مهمة تصوير جل أكابر الفاتحين والفاعلين من الرموز التاريخيين على أن كلًا منهم هو إبستين لوحده، لا بدافع التوثيق ولا ضمن إطار محايد، جل هذا كان ضمن سياق الخصومة السياسية، فالراوي كثيرًا ما يكون هو الخصم مع أنه آخر الفاعلين، وهي نزعة التشهير التي وجدت ملاذها في الرواية، وهي المادة التي طبعت في الذاكرة العامة وصارت تتداول على أنها من بديهيات التاريخ.
وفي الحديث عن الخلاف [الداخلي] يستحضرون لك أقذر ما انطوت عليه المرويات في حق عديد من رجال التاريخ الفاعلين، الأمويين منهم على وجه الخصوص، وما أن تستدعى مقارنة مع الخارج، حتى تضحى تلك الأحداث المدَّعاة شيئا هينًا لا يذكر، وليس هذا وقته، فهم من يحددون لك متى وأين وماذا يقال، بما يضمن دائمًا أن تكون ضحية انتقاء يحرك ما يُشتَهى عند الخصومة الداخلية، ويخمد ما يُشتهى عند خوف الوقوع في الازدواجية.
عندما يستحضر اليوم اسم إبستين يعامل انكشاف استثنائي، لكنه يبقى ضمن دائرة تتحمل مسؤولية المساءلة والتسمية، ومع ذلك لا يلتفت في أوساطنا العربية، لكون أن جزءا واسعًا من تاريخنا المدون قد استهلك بالطريقة نفسها، ولكن كذخيرة اتهام، غير أن تلك المسؤولية التي تلازم الفعل الحاضر، قد أزيحت عن أعناق من يعاملون تلك الروايات في تاريخنا بكل صدر رحب ما دامت موجهةً ضد عروش تاريخية بعينها، لذلك غاب السؤال على خلفية الأحداث الأخيرة: لماذا ندقق حين يدان حاضر الغرب، وتعطل كل أدوات النقد أمام تاريخنا، مع أنه أولى بنا، ونحن أولى به!
يمكن الحديث عن فضائح الغرب بلا حرج، فهي ليست سرًا ولا اكتشافًا متأخرًا؛ لقد كتبوا عنها منذ قرون، من داخل مدارس فكرية متعارضة، يسارية ومحافظة وماركسية، غربية وعربية، وغيرها. غير أن تداول هذه الوقائع داخل دوائر متشابهة في الرأي لا ينتج معرفة، بخلاف ما لو كنت على رأس مؤسَّسة إعلام غربية، فبهذا يفرق حماسك فقط، غير أن صرف الأنظار عن واقعك، وتاريخك، ووعيك التاريخي، وذاكرتك، لن يفيدك في مواجهة الغرب وأفكاره، ولا في تأسيس حاضرك! عكس ما يحدث على وجه الدقة، هو يجعل منك جثة مليئة من التشوهات الفجة، بلا اقتصاد، ولا تكنولوجية، ولا فاعلية سياسية، ولا منظومة عقوبات مؤثرة، ولا تحالفات كبرى، تحفل في كل محفل بأنك المتفوق، في ماذا؟ الأخلاق!
7 205
بعض الناس حين يقرأ رأيًا، يشعرك أنه مقيَّد، روبوت، يشتغل بذهنية التوجيه والأمر-نفِّذ، لا يطيق باله سعةً أن يرى الرأي وغيره، وجهة النظر وغيرها، دومًا يواجهك بالسؤال الجوكر: إذن ما المطلوب منا حسب كلامك؟ يا صديقي لا يطلب منك شيء، فالأمر أهون من ذلك، لا تعامل الرأي وغيره كمن يقف أمام البحر ليتأكد أن أمواجه تلتزم التعليمات.
والبعض يقرأ، وهو يستحضر نفسية الجبهة. آخر ما تمثله منشورات مواقع التواصل خواطر ووجهات نظر سريعة لا تعاليم معسكرات ولا عمل ضمن مشروع كبير لتتصور أنك ضمنه، وأن هنالك من ينغص عليك جهدًا أنت لم تبذله أصلا.
7 205
تحدث ابن كثير عن الوليد بن عبد الملك، فنقل قوله "قال الوليد: ولولا أن الله ذكر قوم لوطٍ في القرآن، ما ظننت أنَّ ذكرًا يفعل هذا بذكر".
قال ابن كثير: "قلت: نفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة [...] وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والأمراء والتجَّار والعوام والكتَّاب والفقهاء والقضاة ونحوهم، إلا من عصم الله منهم".
(البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ه، ١٩٨٨م، ج٩، ص١٨٤)
وابن كثير علق عن كلام الوليد، لكن لاحظ تعميمه على من ابتلي بهذا: [إلا] من عصم الله. وهو [الاستثناء] فعن أي عصر يتكلم؟
كتب التاريخ تحكي أنه في عهد الأمين، صار لهم سوق، ترأسه هو، وغالى بثمنهم، وهو ما يحكيه غير واحد، كالطبري والسيوطي والذهبي ونحوهم، ففي العصر العباسي تحوَّل الاتجار بهم إلى اقتصاد منظَّم وتجاوز كونه سلوكًا فرديًا. وما سبق نقل عن ابن كثير، فيما يرويه من تاريخ.
والحضارات التي تموت فعلًا، هي تلك التي تحتاج إلى إنكار تاريخها وعدم مواجهته، ومواجهة كتَّابه لكي تستمر رمزيًا.
إن لم نتعرَّف على تاريخنا وكتَّابه، سنبقى في استهلاك فضائح الآخرين كأفيون أخلاقي، بينما نتغافل عن أن المشكلة ليست في الغرب ولا في إبستين، وإنما في وهم الحصانة الأخلاقية التلقائية لمجرد الانتماء لغير الغرب، فوقت العباسيين لا غرب ولا حداثة، وشروط إنتاج مثل هذا لا تحتاج لغرب، وإلا ما حصل هذا بشكل متكرر كـ [ظاهرة] في عالمنا العربي الحديث ولا القديم.
7 205
إبستين الذي في التاريخ!
ملفات إبستين، يعجبني كيف يتناولها كثير من النَّاس في عالمنا العربي على أنها صدمة وجودية في الذاكرة الغربية، مع أنها تأتي في سياق (كشف السرية).
مع أنه لطالما قيل ما هو أفدَح في حق رموز من تاريخك، الذي لم يسقط قيميًا لمثل ترويجها، بل في حق من كان يقال إنه (خليفة المسلمين) في قرون متقدمة!
وكم أعيد تدوير ملفات شبيهة بتلك التي رفعت عنها السرية في وزارة العدل الأمريكية، على أنها إيميلات، تلقتها شخصيَّات عدَّة كان المرسل فيها يحمل اسم (جوفري إبستين)، وهو في زمن الرصد التقني لحسابه المباشر.
لكن العجب أن ملفات إبستين في تاريخنا، تحمل صفة (التوثيق) لا (التسريب) حتى، وقد تكون الوساطة فيها مجهولة، ومع ذلك تجد السِّعاية في تثبيتها في حق الخصوم قد تبلغ أقصاها، وقد يكون الشَّغف بضمِّها إلى حقل المتداول (التَّاريخي) بمجرَّد أن يقال (سمعت خبرا فرويته) فالغرض منها أن (يقال) ما يخدش سمعة الخصوم، وأن يروَّج رغم أنه كذب، وتجد من يخاصم فئةً، شغوفًا بمثل هذا، يرويه، ويستأنس به، ويدافع عن جعله قطعةً من تاريخه، ولكنه ما أن يرى له مثيلًا في تاريخ أو حاضر الغرب، يجعله دليلًا على صدمة حضارية، وهو الذي ما ترك من تاريخه ولا رجال تاريخه بطلًا ولا رمزًا إلا وكرَّر في حق مساره كل سقطة قيمية.
وهو ما تجده في مثل كتاب يحمل عنوان (الأغاني) ومثل كتاب يحمل عنوان (العقد الفريد) ومثل كتاب (المخشري)، وغيرها حتى إن طرفًا من هذا يشتمل عليه كتاب (البلاذري)، وطرف منها هنا وهناك، في كتب التاريخ، إذ تروى حادثة جنسانية تشعرك بالقرَف على لسان رجل من الرعيل الأول، فتح ٦ دول في القرن الأول، يقول عن نفسه أنه وليد ست رجال، تحاموا على رحم واحد، في يوم واحد، فيروي هذا وهو راضٍ بما قسم له، أو كتلك الروايات التي لم تبرر فشلًا في السياسة لفريقها، إلا بجعل الخصم ابنًا غير شرعي لخصم آخر! وهو يتكرر اليوم في كل سجال حول التاريخ السياسي العربي والإسلامي، على أنه من بديهيات الأخبار.
في القرن الثالث، ألف الجاحظ كتابًا يحمل عنوان (مفاخرة الجواري والغلمان) وهو كتاب يحكي لك مناظرةً بين مريد الجواري والإماء، وبين مريد الغلمان من الذكور والصبيان، يسوق كل طرف حججًا، بل ويستدل الواحد منهما على فواحشه بآيات من القرآن. وهذا من الكتب التي صنِّفت كمرآة اجتماعية، تكشف تصور المجتمع العباسي عن الجسد واللذة وغير ذلك.
7 205
(إعادة نشر)
لماذا تقام دراسات غربية بشكل دائم حول تفاصيل الامبراطورية الرومانية؟
كثير من مواضيع أوروبا الحديثة، تجري الأكاديمية الغربية أبحاثًا دؤوبة حولها، تتسم الأبحاث بالتجديد المستمر وسد الثغرات بشكل جدي مع كل حقبة دراسية، وليس بمنكر أن نرصد فكرة الاسترجاع الانتقائي في الأبحاث الغربية وهي تحاول تفكيك كل جذر متعلق بثقافتها الحالية بالعود إلى تحليل شكل السلطة والمجتمع والقانون والاقتصاد في ظل الإمبراطورية التي يجد الأوروبي منذ عصر النهضة إلى اليوم نفسه في كل تفاصيلها.
ألم تقم الثورة على النظام الاقطاعي لصالح النظم التي سادت في الحقبة الرومانية؟ هل استحدث الثوار على القرون الوسطى أفكارًا مثل: الجمهورية، الديمقراطية، مجلس الشيوخ، الحرية الدينية، الفصل بين السلطات، الديكتاتورية، القانون المدني، وتطوير برلمان، من تلقاء رؤوسهم؟
لم يكن ذلك بصحيح، وإن كانت هذه المفاهيم قد شهدت تطويرا وبناء مستمرَّين، لكننا نجد أن روما قبل تحولها إلى امبراطورية في 27 ق.م، كانت جمهورية، تنطوي على مجلس شيوخ، تتمظهر فيه فكرة (حكم الشعب) وإن كانت ديمقراطية تمثيلية، وخلال القرون التالية، مع أواخر العصور الوسطى، تعود أفكار الجمهورية بشكل تدريجي في مثل فلورنسا، وجمهورية البندقية، وجمهورية سيينا.
وحتى عودة الحرية الدينية، أو المرافعات حولها خصوصا في عصر التنوير أو السنوات التي مهَّدت له، كان لها جذور رومانية وفق ما سمي بمرسوم ميلانو الذي أطلقه قسطنطين الكبير، المرسوم الذي كان يسمح لجميع مواطني روما، بحرية الاعتقاد، على خلفية حرب التطهير الكبرى التي تعرض لها المسيحيون.
فيما يتعلق بالقناصل ومجالس الشيوخ والمجالس الشعبية، فإن السلطة في روما توزعت بشكل نسبي بينها وإن كان الحكم قد ظل مركزيا، وهي الفكرة التي سنجد إحياءها مع كتابات مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) والتي ستلقى صداها بين رواد الطبقة البرجوازية خلال الثورة الفرنسية، نفس الأمر مع القانون المدني، والديكتاتورية.
يكتب لورانس ليسيج في كتابه عن تفاصيل الامبراطورية “عندما نقرأ هذه الأحداث معا، نلاحظ أوجه تشابه مذهلة بين اخفاقاتنا والاخفاقات التي أدَّت إلى تدمير الجمهورية الرومانية” تلك الدراسات مثل بعض ما قدمه ستيفن شتراوس، لم تتسم بمجرد البحث في الانتقاء الاسترجاعي للنظم، بل تناولت أيضا أوجه التشابه بين الأخطاء الحديثة والأخطاء الرومانية القديمة، من موضوع التمويل المشبوه للحملات الانتخابية، إلى نقاش أثر الحرب المستمرة
وغير هذا من الدراسات كثير، على سبيل المثال، نجد كتابًا لوالتر شيدل، من جامعة ستانفورد، بعنوان (الهروب من روما، فشل الامبراطورية والطريق إلى الرخاء، 2019) وكتاب (علم التاريخ الروماني، علم الأحياء والمناخ ومستقبل الماضي، سنة 2018)، كلها تعكس قراءة الواقع الأوروبي على خلفية الإرث الروماني، وإن كانت الدراسات التاريخية الكلاسيكية ذات الطابع السردي لا تزال مستمرة، لكن التحليل يظل متقدًا مع كل دراسة حديثة.
إن تلك الدراسات، تذعن لتراكمية الفن السياسي، عبر آلاف من السنين، لا يزال الوعي السياسي، بحاجة إلى دراسة مختلف البرامج والاستراتيجيات والخطوات التي سعى الرومان لتحقيقها ورؤية نتائجها، واستخلاص الوعي السياسي منها بصفتها تمثل الهوية التاريخية لتلك الأقطار، مع فارق اللغة، والأعراق، والهويات الدينية، والأديولوجيات، وتفاصيل كثيرة.
لكن تبقى فكرة القطيعة مع تاريخ أمة فكرة جد ضحلة ومستبعدة على مستوى كل الدوائر، بل حتى مسائل غير أخلاقية ترافع عنها برلمانات أوروبية عدة، مثل مسألة (الشذ/وذ) هي تخضع بالدرجة الأولى إلى (استرجاع انتقائي) من التاريخ الروماني، وتضحى وفقا لهذا شخصيات مثل يوليوس، ونيرون، وهادريان، وإيلاجابالوس، وغيرهم من الأباطرة والملوك الرومان الذين كانوا شو/اذًا مثارًا لإعادة إحياء نقطة كامنة في اللا وعي الجمعي للمجتمع الأوروبي.
7 205
ملفات إبستين في (الغرب) هي حدث قيمي، وقانوني أيضا، لكن تحويلها إلى دليل انهيار، وتحديد سقوط الغرب بناء على معايير لم يعرفها، هذا هو التعامل المبتذل مع الأحداث، فالغرب لا يشاركك نفس التاريخ القيمي، ولا نفس الأحكام التاريخية، ولا نفس الذاكرة (الجنسانية) حتى.
الغرب تاريخيًا، ولو رجعنا إلى روما، وهي منطلق الذاكرة السياسية والاجتماعية للغرب، سواء كان أوروبا، أو أمريكا، حتى إن كارل بولاني لما ألف كتابه، التحول الكبير، قال أن الغرب قبل ١٠٠ سنة، وصل بالكاد لما كانت عليه روما في عز مجدها، هل هو يعني السياسة فقط؟ أم كل شروط مجد روما؟ اجتماعية، وأسرية، وحتى التفاصيل القيمية أيضا؟
روما في المخيال الغربي، لا يرتبط وصفها الحضاري بالمجد الأخلاقي أصلًا، صحيح أن مفاهيم تاريخية عدَّة أحيتها أوروبا وأمريكا من صميم الذاكرة التاريخية لها (روما) ولامَس ذلك مجالات تكنولوجية حتى، مثل مفهوم الأوراكل. لكن قيميًا أيضًا، ستجد أن روما، وهي ذاكرة الغرب الذي نهدد بزواله بسبب فضائح قيمية، كان يتفشى فيها الشذ، بشكل مفرط، لدرجة أن سمح برلمان روما ليوليوس قيصر أن يمارس مع كل نساء ورجال وأطفال روما، عقب نجاحه في كل حروبه.
روما كذاكرة مرجعية عميقة للغرب، لم تبن يومًا شرعية وجودها السياسي على الطهر الأخلاقي، والتدوينات التي تبشِّر بانهيار سياسي لوجود انهيار خلقي أو قيمي، كالذي كشفته ملفات إبستين، هي تجهل أن الانهيار قد يحصل فقط في حين تبنى الشرعية السياسية على قواعد أخلاقية، وذلك ما سيؤدي إلى انكشاف التناقض بين الخطاب والممارسة، وهو ما سيزعزع الأساس الرمزي والمثل العليا للشرعية السياسية، وهذا في السياسة الغربية منعدم. لأن ملفات كهذه، مصيرها أن تستوعب ضمن أدوات احتواء؛ محاكم، إعلام، ونحو ذلك، ومن الأمور التي تحتاج الكتابة بشكل جدي. هي بقاء المؤسسات على حالها، بعد فضائح قيمية كهذه!
وحتى على مستوى المؤسسات التي تدعي القيمية العليا، كالكنيسة، المتورطة في ملفات اعتداء فاضحة ومتكررة حتى على أطفال، لم تسقط بالكاد الفاتيكان، لأنه ما عاد يمثل شيئا في إسداء الشرعية على النظم السياسية في الغرب، فالفضائح يجري احتواء جميعها ضمن نفس النظام وبقواعده، السياسة، الإعلام، والمحاكم، بما يعزز سردية الغرب عن نفسه، قصص الشفافية واستقلال القضاء ونحو ذلك.
