نقشُ القلَم | مُحمد عاطِف
رفتن به کانال در Telegram
كاتب مُنذ الرابع والعشرين من أيَّار، عام ثلاثةٍ وألفين ”لم أعِش كثيراً لأكتُب، ولكِن ما عِشتهُ كان يستحقُّ الكِتابة” 🇸🇩 https://linktr.ee/penpattern @Muhvamvd -مُحمد عاطِف-™
نمایش بیشتر2 244
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
-37 روز
-2930 روز
آرشیو پست ها
تصيح الدِيَكَة، فتَصحو مِن نومك الهانئ، وتظُن أن كل شيء على ما يُرام، كما ترى عيناكَ ويُبصر عقلك، فالسماءُ تُمطِر كعادتها، والعصافيرُ تُزقزق، والزهور تتهادى والأشجارُ تتراقَص، ومظاهر السعادةُ ترتسِم على حدود شفتيكَ وأطراف خَدِّك، فَتحتسي كوب قهوتك ريثما تُغازِل صُحفَ الصباح، ويَجذِبُكَ عنوان الصحيفة الرئيسي، الذي يتحدث عن دور القهوة في تحسين المزاج، فترعى عيناك السطورَ بِلهفة بحثاً عن التَفاصيل، وتتوقفَ حينما تُدرِك أنك قد تأخرت عن مَوعِدك المُهم، فتُراقِب عقارب ساعتك الثمينةِ بِقلق، وترتدي بدلتك الحمراء على عجل، وتَقودْ سيارتك الفارِهة بِسرعة آملاً أن تَصِل في الموعد.
تظُنُّ أنها عادة وطبيعة كُل البَشر، لأنَكَ لا تَقطُن بِذاك الجانب، حيثُ تَصيحُ القذائف لتُقاطِع اِضطراب النوم، وحيثُ تُمطرِ السماءَ كعادتها بالشُهداء، وتتهادى المباني فوق الرؤوس، هُناك حيثُ تُزيُّن الدموع وجوهَ الأطفالِ والشيوخ على حدٍ سواء؛ مِن هول الحالِ والمَشهد، وحيثُ تُراقَبُ الساعات، لتُحْسَبُ مواعيدُ الاِحتضار والفِراق، وحيثُ تُرتَدى البدلات التي يُحِيكها المُعتدي بالدِماء ويُزيِّنها بالجِراح، هُناك حيثُ تتسابَقُ سياراتُ الإسعافِ أملاً في النَجاة.
هذه حَقيقةُ ما يحدث هُناك، وهذا هو حالَهم، لن تجِد ذلك بعناوين الصُحفِ، ولن تستشعِر عُمقَ مأساتهم أبداً، وهذا لأنَّ عادَتكَ اليومية هي أحدُ أحلامهم.
-مُحمد عاطِف-
تَعاقَبَتْ الأيامُ وَتَوالَتْ اللحظاتُ، وما زِلْتُ أعلقُ بذاك اليوم وتِلك اللحظة؛ حينَما عوَّضَتْ الأطيافُ الأجسادَ، وحلَّ الغيابُ دون التلاقي، وتوادَعنا دون اِرادتنا، وَاِفْتَرَقْنا دون رغبتنا، وتعاكست طُرُقَنا فتنافرت ظِلالُنا؛ كُلُّ ظِلٍ إلى طريق، وكُلُّ ذِكرى إلى حُضور؛ فَغَشَتْ الذِكرياتُ هدوءَ عَقلي وَأَوْرَثَتْهُ الضجيج، وغَشَتْ سلامَ قلبي وَأَوْرَثَتْهُ الحنين، وحتى لا يؤذي الضجيجُ العقولَ والحنينُ القلوبَ؛ خَلَقَ البارِئُ بِمساحاتِ التخيُّلِ أحداثَ الحضورِ ومشاهِدَ اللُقى، وغرَسَ بِحُقُولِ الأحلامِ أجسادَ الأحِبّة، فمكَّننا مِن لُقياكم رَغْمَ البُعدِ، وصوَّر لنا مَلامِحَ حُسْنَكُمْ رَغْمَ الغيابِ.
ومع ذلك أفتقِدُ تِلك اللُقى التي سَبقت الوداع، حينما كُنّا سُعَداءَ لا نَشْكُو مِن عِللِ الحنينِ وتجارب الألمِ.
-مُحمد عاطِف-
وإن مَكَثْتُ أُهْدِيكِ الهوى جُلَّ دَهْرِي، ما اسْتَطَعْتُ أنْ أُمَلِّكَكِ حَقيقةَ حُبِّي وأسرارَ لوعتي، فَالاِسْتِثْناءُ لا يُهْدَى العادة، والتَعقيدُ لا يُقابَلُ بالبساطة، ولِذا أعجَزُ أن أصِفَ هوايَ فأُتْقِن، وأن أرعى حِسانَكِ فأُنْصِف، فلا اللسانُ يقوى، ولا القلبُ يَقْدِر.
فَهذا الهوى لا يُحْسَبْ، وذاك الحُسنُ لا يُعَدَّدْ، لذا أُهْدِيكِ ما قد تَسْتَطِيعُهُ الحُرُوفُ، وَتَقْوَى عليه الكلِماتُ؛ وأقولُ أهواكِ؛ والفعلُ يَهوى ليس سِوَى فِعلٍ بَسيط، لا يُعَبِّرُ عن تَعقيد حُبي، وكمُّ لوعتي؛ ولكن بساطةُ اللُّغة أجبرتني والقوافِي ألزَمتني، فالتمِسكِ عُذراً على عجز اللُغةِ وعجزي.
وكمْ أَوَدُّ أن أُمَلِّكَكِ مقاديرَ الهوى وموازينَ الوُدِّ، ولكِن بالقلبِ مُعلَّقاتٌ تَأْبَى التشكُّلَ والخروج، وبالعقلِ مُؤَلَّفاتٌ يَرْفُضُها المَنْطِقُ لِتَعْقِيدِها والواقِعُ لِتَداخُلِها، فأكْذِبُ وأقُولُ أهواكِ ببساطة، وأنا أهِيمُ بكِ بِكُلِّ تعقيد.
-مُحمد عاطِف-
وَتَبْحَثُ عن دليلٍ يُطَمْئِنُ قَلْبَكَ المَكْلُوم، ويُخبِرُكَ أنك كُنتَ يوماً ما هُناك؛ تُجاوِرُ تراب الوطنِ وأجسادَ الرِفاق، فتغوص بِبُحُورِ الأمسِ وأعماقِ الماضي، لِتَنْتَشِلَ بَعض الذِكْرَياتِ، وتَستعيد بَعضاً مِن السعادة والسرور؛ مَع أنَّ السُرُورَ بَغير أراضي الوطنِ لا يُباع، ودونَ حُدُودِهِ لا يُشْتَرَى، ولكِن باِطمئنان القلوبِ قد تَسْعدُ النُفُوسُ ولو قليلاً.
فَبِاللّٰهِ عَلَيْكَ يا موطني أن تَنسى فَتَنْسانِي، فأنا أحْمِلُكَ بِفِكْرِي ما تَعاقَبَت الليالي وتوالت الأيامُ، وأُسْكِنُكَ بِقلبي ما تناوب عليه الأحِبَّةُ والعُشَّاقُ، فأنت وجهتي إن تَبايَنَتْ السُبُلُ، وَفَحْوَى دعائي إن كثُرَتْ الأُمْنِيّاتُ، سأظلُّ هنا وستظلَّ أنت كذلك هنا، لن أنساكَ أبداً ما دُمتُ أتذكّر، وسأتذكَّرُكَ دوماً ما دُمْتُ أنسى، فأنتَ حاضرٌ رَغْمَ الغيابِ، وما عداكَ غائِبٌ رَغْمَ الحُضُورِ.
وبالغدِ حتماً سَنَلْتَقِي؛ عِندما تُشْفَى جِراحُكَ فَأُشْفَى أنا، وحينما يَسْتَجِيبُ القدر.
-مُحمد عاطِف-
سُبْحانَ مَنْ خَلَقَ الحُسْنَ والجمال فوهبكِ مُعْظَمُهُ، وسُبحانَ مَنْ زيَّنَ العقولَ بالألفاظِ والألسُن بالكلِمات، حتى يُجارَى حُسْنُكِ بالحُرُوف، ويُبَسِّطُ تعقيدُ عَيْنَيْكِ بالعِبارات، لِذا أكتُبُ إليكِ متى ما سَنَحت الفُرَص، أو تبادرت حِسانُكِ على أذْهانِي؛ وبما أَنَّكِ تَسْكُنِينَ مِنازِل قلبي ومفاصِلَ فِكْري؛ أَكْتُبُ إليكِ دوماً دونَ توقُّفٍ ولا اِنْقِطاع؛ فَالقَلَمُ يأبَى أن يَخُوضَ فِيما عداكِ، واللسانُ لا يَقْوَى على تِرْدادِ سِواكِ؛ لِأَنَّكِ أنتِ المَقْصَدُ وَالوِجْهَةُ، وَفَحْوَى الأحلامِ وَالأُمْنِيّات.
أكتُبُ إليكِ حُرُوفَ رسالتي، مُتَمَنِّياً لو كُنتُ أحدَ هذه الحروف، حتى أُهاجِرَ عبر البَريد وألْتَقِيكِ، أو كُنْتُ نصاً أو بَيْتَ شِعرٍ لِتَنْتَشِلَنِي عيناكِ الواسعتان، وأُصْنَعُ على بهاءِ شفاهكِ، وأُتْلَى بِصَوْتَكِ العذْب، فأُغْرَسُ بِبُسْتانِ مُخيَّلَتَكِ كوردة ذات أريجٍ فوَّاح.
-مُحمد عاطِف-
لا يتَعلَّقُ الأمرُ بالرحيلِ والغيابِ أبداً، وَإِنَّما بما يَخْتارُ البقاءَ والحضورَ بعد ذلك؛ مِن ذكرياتٍ وأطْيافٍ، تَغشى هدوءَ عُقُولِنا ومِساحاتِ أَحْلامِنا، لِتُخْبِرَنا أن الأمسَ قد وَلَّى ولن يعود أبداً، وأن الأحِبَّةَ قد رحلوا ولن يَرْجِعُوا ثانيةً، فالعقولُ لا تَصْنَعُ بِخَيالاتِها أمراً، إِلّا وقد حالت أحكامُ الحقيقةِ وقوانينُ الواقِعِ دون تَحْقِيقِهِ؛ فتعْقِدُ اللُقى مَع الغائبين، وتُعِيدُ الحياةَ لِمَن فَنَوْا وَتُوُفُّوْا، لِنُدْرِكَ نحنُ حينها مَرارةَ الحقيقةِ وَمَأْساةَ الحالِ، الحقيقةُ التي تَقول أنَّ مَن كانَ هنا يَصْنَعُ السَعادة، ويُثْرِي الأوقات، صارَ هُناكَ يُصْنَعُ بالخيالاتِ، وتُثْرَى بهِ الذِكْرَياتُ.
تغيَّرت أسماء الإشارة التي تَصِفُنا؛ فَهنا أصبحت هُناك، وتغيَّرَت كذلك الأفعال مِن المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ؛ فَيَصْنَعُ صارت يُصْنَعُ، فبَعْدَ رَحِيلِكَ تَغيَّر كُلُّ شيء، عدا منازلَكَ بِقلبي؛ ثابِتَة كما هي لا تَتَغَيَّرُ.
-مُحمد عاطِف-
اِسْعَ وجاهِدْ مِن أجلِ أحلامك وَأُمْنِيّاتِكَ، فما بُثَّتْ الأحلامُ بسوادِ الأَعْيُنِ عبثاً، وما بُسِطَتْ الطُرُقُ مِن فراغ، ولا يُلهِمُ الجبارُ العقولَ لأمرٍ إلا وقد وهبها القدرة على تحقيقِه، وزيَّن لها السُبُلَ ومهَّد لها الطُرُق، فَيَتْرُكَ لكَ الخيارَ بين يديك؛ إما تسعى فتسعد، أو تتكاسَل فتَيْأس، وما أَجْمَلَ أن تَتَحَقَّقَ السعادة بِلَذَّةِ النجاح والوصول!
قد تسْقُط أثناءَ سَعْيكَ وتِرْحَالِك، وقد يُراهِن الجميع على فَشَلِكَ، ولكِنْ تذكَّر أنّ السقوط دليل المُحاوَلَة، والفَشلُ ليس سِوَى خطوة نحو النجاح، فكما مَهَّد لك الجَبّارُ مُعظمَ الطُرُقِ، وزيَّنَ لك أغْلَبَ السُبُلِ، قد وضع لكَ بَعض العقباتِ والعراقيلِ لِيَقِيسَ مَدَى صَبْرِكَ وقَدْر إيمانِكَ بِنفسك، فإنْ مَهَّدَ لكَ جُلَّ الطُرُقِ وعبَّدَها؛ كيف لك أن تَسْتَشْعِرَ لَذَّةَ النجاحِ وَتَسْعَدَ بالوصول؟
وما وُضِعَتْ العقباتُ إلا لِتُتَجَاوَز، وما خُلِقَتَ القِمَمُ إلا لِتُبْلَغ، وإن تَبادَرَ لِذِهْنِكَ وَصْفُ حُلْمَكَ بِالاِسْتِحالَة، تذكَّرْ أن الاِستحالةَ وَصْفٌ لا مكانَ لهُ تحت ظِلالِ الشَمْسِ.
-مُحمد عاطِف-
أَخْشَى يا عزيزتي أنْ تَسْرِقَ الأزمانُ رَوْنَقَ لُقانا، وأن تُلقي بنا المسافات بعيداً، ويسلك كلٌّ مِنا سَبيلاً يُوصِلُهُ إلى مُدُنِ البُعْدِ وقُرَى الغياب، وأن تتوازَى الطُرُقُ، فتستحيلُ اللُقى، أَخْشَى أن أنساكِ وتَنْسِيني، وأن أفْتَقِدُكِ وتفتقِدينَي، وأن يَحِلَّ الفِرَاقُ قبل أوانِهِ، ويُعوَّض الغياب الحضور؛ فَتغيبُ السعادةُ بِدَوْرِها، وتحِلُّ دونها الأحزان، أَخْشَى وكذلك أهابُ أن نَفْتَرِق قبل أن تكْتَمِلَ أَحادِيثُنا، وتَكْتَفِي بِالأَهْواءِ قُلُوبُنا.
لِذا أُهْدِيكِ وَعْداً غَيْرَ مَشْرُوط، وعَهْداً دون حُدُود؛ أَنَّنِي إنْ حَلَّ ما أهابُ وأخْشَى، سَأُجاهِدُ بِلا هَوادَة طُغيانَ الأزمانِ وجَوْرَ المسافات، حتى لو كَلَّفَنِي الجِهادُ سِنِينَ عُمْرِي؛ فكُلُ الأمورِ نظيرَ هواكِ تَهون.
-مُحمد عاطِف-
أُجاهِدُ الأحزانَ وحْدِي والآلامَ بِمُفْردَِي، فرَغْمَ زِحامِ وضجيج هذا العالم، قدْ قُدِّرَ لي أن أعيشَ بالفراغِ والهدوء، لا يُسْأَلُ عن حالي، ولا أسْأَلُ عنْ حالِ أحد؛ فصارَتْ الأحزانُ تُسائِلُ وتُؤانِسُ بَعضها، وأنا عالِقٌ بأواسَطِ كُلّ ذلك؛ فلا سبيل للهربِ مِن الواقِع ولا سَبيل للخلاص مِنْ الحال.
أكتُبُ على حوافِ وسُطُورِ الورقِ، وأُحادِثُ فراغها، عَلَّنِي أُفرِغُ بالكتابةِ بَعضَ أحزاني، وأُفارِق وحدتي بِمُناجاتِي للورقَ؛ وبما أنّ الحِبرَ ليس بِمَقْدُورِهِ وصفُ الغُمُوضِ ومَظاهر التعقيد، تُسانِدُهُ قطراتُ الدموعِ، حتى يتمكَّنَا مِن رَسْمِ ملامِحِ الحُزْنِ ووصفِ فَدَاحَةِ الألمِ.
جفَّ حِبرُ الأقلام، ونَشِفَتْ دُمُوع المآقي، ولا يزالُ الحُزْنُ كما هو؛ غيرُ قابلٍ للوصفِ، وباقٍ لا يَزول.
-مُحمد عاطِف-
ستتقاطع طُرُقُنا، وتتشابَهُ مواقِعُنا يوماً لا مَحاَلَة، وسيلتقي الحُبُّ بالهوى، والشوقُ بالحنين فلا مُستحيلَ ما دامت ذاتُ الشمسِ تَظُلَّنَا ونَفسُ الأرضِ تَضُمُّنا، ولا غيابٌ ما دامَت ذِكْراكِ تَغشى الأذهان، وطيْفُكِ يزورَ وَحْشَةَ الليالي، فالبُعد قد أُثبِتَ بِقياساتِ المسافة، ودُحِضَ بِحساباتِ الخيال؛ فأنتِ بِخيالي أقربُ مِما يُمْكِنُ ويَكُنْ.
لكنني رَغْمَ قُرْبكِ وحضوركِ بالخيالاتِ والأفكار، أفتقِدُ حركةَ شِفاهَكِ وهي تَصْنَعُ حروف اِسمي، وذاكَ الخالُ الذي اِسْتَقَرَّ على خَدَّكِ وزَعْزَعَنِي، أفتقِدُ كذلك جُلَّ الأشياءِ التي تَصْعُبُ على بَساطة فِكري صُنْعَها؛ كالتَعقيدِ الذي يَقْبَعُ بين رَمْشَيْكِ، وآياتِ حُسْنَكِ التي لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ.
-مُحمد عاطِف-
أنا هُنا حين يَبْتَعِدُ الجَميع، وَتخْذُلَكِ الحياة، أنا هُنا ما دام القلبُ يهوى والفِكْرُ يُميِّز، لنْ تُبْعِدَنِي مَسافاتُ الأرضِ عن سَبيلك، ولن تُنْسيني الأزمَانُ وعودي؛ والوعدُ أن أبقى بِقُرْبَكِ ما دُمْتُ أحيا، وأن أهْواكِ ما دُمْتُ أعيش.
أنا هُنا رَغم البُعدِ والغياب، حاضِرٌ بِنَبْضاتِ قلبكِ المُتسارِعَة، وَمَوْجُودٌ بِأصواتِ فِكْرَكِ الصاخِبَة؛ فالحُبُّ يَسْتَوْجِبُ غَزْوَ هدوءِ القلوبِ وزيارةَ سُكُونِ الخيالات.
إن دَقَّقْتِ النَظرَ في حُرُوفِ رِسالَتي يا عَزِيزَتِي، سَتَجِدِينَ أنَّ عِبارة أنا هُنا ذُكِرَتْ ثلاثاً، ليس عبثاً؛ وَإِنَّما لِلإِبْلاغِ أولاً وَلِلتَأْكِيدِ ثانياً، وَلِلتَذْكِيرِ ثالثاً كَيْلا تَنْسِي.
-مُحمد عاطِف-
أُرسِلُ إلى تُرابِ الوطنِ التحيَّة، وللأحِبَّة والرِفاق الشوقَ والسلام، وكُلِّي أَملٌ أن تَتَخَطَّى التحايا والأشواقُ حدود الأرضِ وزِحام الطُرُقِ، وتَصِلَ إليهم.
طالَ الفِراقُ وَاِسْتَصْعَبَتْ اللُقى، ومَا باليدِ حِيلة، سِوى أن نزرع بِخُصُوبَةِ الخَيالِ أحداث التلاقي، وَنَصْطَنِعَ الحُضور لِبَنِي الغياب، فَنَلْتَقِي حينَما تَتَعانَقُ الأجْفانُ، وَتَغْشَى الأحْلامُ سَوادَ العُيُون، وَنَفْتَرِقُ فَوْرَ فراغِ الأجْفانِ مِنْ العِناقِ والأطيافِ مِنْ الزيارة، لِنَعُودَ مُجَدَّداً لِمَرارَةِ الحقيقة وبُؤْسِ الواقِع؛ اللَّذانِ فَرَضا البُعْدَ والغيابَ على الأَحِبَّة، وأوْجَبا الشوقَ والحنينَ علينا ضَرِيبَةً لِحُبِّنا، ما يَجْعَلُنا نَتَمَنَّى لو كان الواقِعُ يُماثِلُ أحْلامَنا، وكانَتْ أحْلامُنا ليست سِوَى كَوابِيسَ مُزْعِجَة.
أُرسِلُ للغائبينَ الحاضِرينَ جَمِيعَهُمْ، حروفَ هذهِ الرسالة، وأشواقَ هذا القَلب، وَمُنَى هذا الفؤاد بأنْ يَعُودَ لنا سُرُورُنا بِحُدُوثِ لُقانا.
-مُحمد عاطِف-
لم أكُن أؤمِن بوجود الحُبِّ وَسِحْرِهِ، ولم أُعايِشْ مشاعرَ الشوقِ وأحاسيسَ الحنينِ يوماً، حتى زارني مَلِيحٌ ذاتَ مرةٍ على عجلٍ، وطَرَقَ أبواباً لم تُطْرَق مِنْ قبل، وعَبَثَ بكيمياء قلبي وفيزياء فِكري؛ فأغْرَقَ القلبَ بِهَواهُ، والفِكْرَ بِذِكْراهُ، وتلاعَب بِقَناعاتِي وحالاتِي؛ فصَنعَ الهُيامَ بِحُضُورِهِ والاِشْتِياقَ بِغيابِهِ، فمَن كان يَظُنُّ أنَّ هذا القَلب سيهوى حتى يُغْرَم، وأن هذا الفِكر لن يَشْغِلهُ سِواكِ!
لم تَكُنْ مَعرفتي بِخصائص الحُبِّ قَبْلَ زِيارتَكِ ومَجِيئَكِ، سِوَى عِباراتٍ تَذْخَرُ بها كُتُبُ الأُدَبَاءِ والشُعَراءِ، وَتَعْرِيفاتٌ تُزَيُّنُ مَعاجِمَ اللُغَةِ، وها أنا ذا الآن أَدْحَضُ بَعدَ هَواكِ جُلَّ العِبارات، وأنفي كُلَّ التعاريف، فالحُبَّ كَمَا يَقول المَنْطِقُ وكما أرى أنا، هو أن تَخْذِلَكَ الحُرُوفُ إن تَحَدَّثْتَ مُغازِلاً، وأن تَجُورَ عليكَ البلاغةُ إن نَطَقْتَ واصِفاً، وأنا أعشَقُ عَجْزِي عِنْدَ الكِتابةِ إليكِ، والكِتابةَ إليكِ، ومَنْ يَعُودُ عليهِ الضَمِيرُ الكافِ في إلَيْكِ.
-مُحمد عاطِف-
أُهْدِيكِ يا موطِنَ العطفِ وَمَنْبَعَ الحنانِ، الحُبَّ على وَقْعِ الحروفِ وسِحْرِ الكلمات، علَّكِ تُدْرِكِينَ مقاديرَ الحُبِّ والهوى التي تُسيطِرُ على مَفاصِلِ قَلبي، وكمُّ فضائلكِ وحِسانكِ التي تَقعُ على عاتِقِي، أُهديكِ كلماتي وغرضي ليس إِنصافَكِ، فقد عجزت أثْمَنُ الهدايا والهِباتِ عن الوفاء بِحَقَّكِ يا أُمي، فكيفَ لِما بين الألِفِ والياءِ مِن حُروف أن تفعلَ ذلك، لكِنِّي مع ذلك سأظلُّ أبحثُ عن طُرُق سعادَتَكِ ورِضَاكِ ما حَيِّيْتُ، علَّي أصِلُ يوماً، وهأنذا أسْتَهِلُّ الخُطَى نحو تِلكَ الطُرُقِ؛ بأن أُطلِعكِ على صِدْقِ شُعُورِي وعِظَم فَضلكِ بِنَهْجِ الكتابةِ والأدب.
حَمَلْتِنِي بِجَوْفِكِ رَغَمْ العناءِ وَالمَشَقَّة، وَاِقْتَسَمْتِ لي بعضاً مِن أَنفاسكِ المُتصاعدة، وجُزْءاً مِن نَبَضَاتِكِ المُتَعاقِبَة، دون كللٍ ولا شكوى، ولذا أَحْمِلُكِ دوماً بِفكري وبينَ مَقاصِدِ دُعائِي وَأُمْنِيّاتِي؛ بأنْ يُطيلَ رَبِّي بَقاءَكِ بيننا، وأنْ يُلْهِمَنِي سُبُلَ إسْعادَكِ ورِضَاكِ.
كُلُّ القِصَصِ لها أَبْطالُها، وأنتِ بَطَلَةُ قِصَّتِي يا أُمي.
-مُحمد عاطِف-
أحْمِلُ بِيَسار صدري أثْقالاً أتْعَبَتْ قَلبي، وبعُمْقِ فِكْرِي كَوابِيسَ أزْعجَتْ خيالي، فالحُبُّ قد سُلِبْ والأحلامُ الوَرْدِيَّةُ قد تَبخَّرَتْ، وَاِنْتَهَتْ القِصَّةُ التي اِبْتَدَأَتْ بِوُعُودِ البقاءِ؛ بِالرَحِيلِ، وهأنذا أُلَوِّحُ بِيَدِي التي كان عليها أن تَحْتَضِنَ دِفْءَ جَسَدَكَ؛ مُوَدِّعاً، فنتوادع على أراضي الواقِع، ونَلتقي بأراضٍ أُخْرَى، لا تُحْكَمْ بِمقاديرِ المسافةِ التي تَفْصِلُنا ولا كَمْ الخِلافِ بيننا، فَمَنْ كان يَظُنُّ أنّ المُخيِّلَةَ التي اِعْتَادَتْ صُنْعَ أشعارِ الحُبِّ ونصوص الغَزَلِ، أن تَخْتَلِقَ الوُجُودَ للغائبين والرُحَّلْ؛ فَتَخْتَلِقَ وجودَكَ رَغْمَ غِيابكَ، وقُرْبكَ رَغْمَ بُعْدِكَ.
أَهْدَيْتُكَ نورَ العِشْقِ، فكافَأْتَنِي بظلامِ الهَجْرِ، وَسَلَكْتُ جُلَّ الطُرُقِ التي قد تَسُوقُنِي إلى هَواكَ، وسلكتَ أنتَ جُلَّ الطُرُقِ المُعاكِسَة التي قد تَسُوقَكَ إلى أَضْدادِ الهَوَى، فهل ذنبي يا تُرَى أنني أحْبَبْتُكَ وتماديتُ في حُبِّكَ، وهَوَيْتُكَ وَأَفْرَطْتُ في هَواكَ؟
مُحمد عاطِف-
أُهديِكِ يا مَوْطِن الجمالِ، وَمُلْتَقَى الحُسْن، الحُبَّ على وَقْعِ الحُرُوفِ وسِحر الكلمات، فَدَعِينا نُفارِقُ ضِيقَ الأرْضِ، ونَجُولُ بِفَسَحاتِ الوَرَقِ، حتى أُرِيكِ روعة مَسْكَنِكِ بَفِكْرِي، وأُطْلِعَكِ على حقيقة بَهائكِ بِقَلَمِي، وأُتَرْجِمُ نور مُحَيَّاكِ بالضَمِّ تارة وبالسكونِ تارةً أُخرى، مع أنَّ حُسْنَكِ وحُبِّي لا يُنْصَفَان بالفنِ واللُغات، ولكنني سأظلُّ أرْسُمُ بالأقلام، وأبْعَثُ لكِ بالرسائلِ على الدوام، علَّ حُبِّي وحُسْنَكِ يَخضعان لأحكام اللغة يوماً.
برحلةِ البَحثِ عنْ كلماتٍ تَصِفُ مِقدار هَوايَ وعِظَم جَمالَكِ، تَعثَّرْتُ بِحُرُوفِ اِسْمَكِ، وضاعَ عن فِكري ثلاثةٌ وعشرون حَرفاً، فَضاعت بذلك ذخيرتي اللُغَوِيَّة وَفَصاحَتِي، فأَخَذْتُ أُرَدِّدُ بما تَبَقَّى لي مِنْ حُرُوفٍ؛ اِسْمُكِ بالجَهْرِ والسِرِّ، وعلى فراغِ الوَرَق.
-مُحمد عاطِف-
طالَ الغيابُ وتعذَّر اللِقاءُ، وَأَجْهَدَنِي ثُقْلُ ذِكْراكَ، وَأَتْعَبَنِي حنيني إليك، فأْغْلَقتُ عيناي حتى تهدأ أصواتُ الشوقِ، وتَسْكُنَ جلبةُ الحنين، مُتجاهِلاً حَقيقة أنَّ الغائبين يَقطنون بِسوادِ الأعْيُنِ ومَفاصلِ الأحلام، فلاحَتْ تَفاصِيلُ الذِكْرياتِ بِسوادَ عينيَّ، وغَزَتْ الأطيافُ بُؤْسَ أحلامي كذلك، وتعاظَم كمُّ الشوقِ، وتضاعفت مقاديرُ الحَنين مِمّا كانت عليه، فَصَحَوْتُ ومَفاصِلُ الشوقِ تُبَلِّلُ مُقْلَتَيَّ مُتمنياً لو كانت لي يدٌ على أحلامي، حتَى أُطيلَ آماد لُقانا، وألتَقِيكَ كيفما ومتى أُريد، وأَسُوقَكَ مِنْ ظلامِ الحُلْمِ إلى أنوارِ الحقيقةِ والواقِع، فأُعِيدُ لنَفسِي بذلك سَعادَتَها التي سلبتها عوامِلُ الزَمَنِ والمسافة، وجَعَلَتْها تَسْكُنُ بُعْدَ الماضي وعُمْقَ الأرض.
أُرسِلُ إليكَ رسالتي، مِن هُنا إليكَ هناك، وكُلي أمَلٌ أن تُدْرِكَ الحقيقة؛ حقيقة أنَّكَ حاضِرٌ بِفِكْرِي لا تُنْسَى، وحَيٌّ بِقَلْبِي لا تموت، فالسلامُ عليكَ وعلى مَرْقَدِكَ السلام.
-مُحمد عاطِف-
الوداعُ، كَلِمَةٌ رُباعِيَّةٌ بَسيطةٌ في تركيبها اللُغَوِي، مُعَقَّدَةٌ في فَحْواها، تَنْطَبِقُ وتَتَحَقَّقُ حِينما تَحينُ اللحظة التي تَتبدَّلُ فيها الأوصاف، وتخْتَلِفُ فيها أسماءُ الإشارة؛ فيتحوَّلَ القريبُ إلى بَعيد، ويُشارُ لِمَنْ كان هُنا بِهُناك، فتتنافرُ الظِلالُ، وتُجْبَرُ الأجسادُ على أن تَتَوادَعَ بمساحاتِ الواقِع، وتَتَآلَف الذكرياتُ، وتُجْبَرُ الأطيافُ على أن تَتَلاقَى بمساحاتِ الخيال، فَتُقايَضُ لُقى الواقِع بِلُقى الأحلام، وتُعَوَّضُ غياباتُ الآنِ باِستحضارِ ذِكريات الأمس.
ترحلُ المادِّيّاتُ وتبقى المَعْنَوِيّاتُ، ويَختفي الحالُ ويَظَلُّ الأثر، فَآلامُ الوداعِ ومآسيهِ لا تدورُ حولَ مَن سافَر واِرْتَحَلَّ، وإنما تدور حولَ ما أبَى السفرَ، وَاِخْتارَ البقاء لِيُداعِبَ مَفاصِلَ الذاكرة لَيْلَ نهار، مِنْ أحْداثٍ ولحظات، ولِذا يُصْنَعُ الألَمُ على قدِر أشواقِنا، وطِيبِ ذِكْراهُمْ.
-مُحمد عاطِف-
