فَاطِمَة عَلْي
رفتن به کانال در Telegram
أقدم طفلة ترتكز على الشعِر كلما تعثرت.. أُسَّسَت القناة: ٢٠ تَموز ٢٠١٨م بأدارة: فاطمة علي
نمایش بیشتر371
مشترکین
+124 ساعت
+37 روز
-130 روز
آرشیو پست ها
+6
شغفي بالسينما العربية أكبر بكثير من السينما الأجنبية.
الألوان، زوايا التصوير، الموسيقى، وحتى اللهجة والمفردات، الشعر، والنكات... كلها تأخذني إلى جو أجمل وأمتع بكثير.
ورغم بساطة الإنتاج وتواضعه أحياناً مقارنة بالسينما الغربية، إلا أن الفايب العربي يظل الأقرب إلى القلب؛ ربما بسبب دفء اللهجة، أو بسبب عمق السيناريو وقربه من واقعنا.
إذا أردت شيئًا بشدة فأطلق سراحه، فإن عاد إليك فهو ملكك إلى الأبد، وإن لم يعد فهو لم يكن لك منذ البداية.
عندما عرفت قيس بن الملوح وقرأت قصته، انتابني شعور غريب بالغموض رغم أنني من أشد المعجبين بقصائده. وتعمق هذا الشعور حين قرأت ذات مرة رأي الناقد عبد الفتاح كيليطو عنه، والذي تلخص بما معناه:
"إن حب قيس للشعر كان أقوى من حبه لليلى؛ والدليل أنه لو أراد ليلى حقاً، لامتنع عن إشهار حبه لها علناً، لأنه يعلم أن التغني بها سيكون السبب الأكبر وراء منع زواجهما، وتركه يتعذب طوال هذه السنين."
لكن في المقابل، يلوح في خاطري رأي مضاد يدافع عن حقيقة مشاعر قيس؛ وفحواه أن ما فعله هذا الشاعر ما هو إلا نتيجة امتلاء الحب بداخله حتى أفاض.
قيس لم يكن يملك ترف الاختيار ليمتنع عن النطق؛ لقد وصل إلى مرحلة عجز فيها عن كبت مشاعره وحبسها، فأعلنها للعالم أجمعه. هذا الإعلان وسيلة لإثبات استثنائية الحب وبرهاناً أبدياً يثبت للبشرية جمعاء أن حبه لليلى لم يكن يوماً حباً عادياً.
طالما فكرت في البعد النفسي لهذه القصة الأشهر في التاريخ العربي، وهي الأبعاد التي رسمتها بدقة حلقة (سعدني) تفكيكاً لأسبابها العميقة ليصل الموضوع الى تأثير السياسة في نفس قيس بن الملوح والشعراء من شاكلته.
الأجمل من ذلك كله، هو كيف يمكن لهذه القصة أن تكون البوادر الأولى للتصوف _ليس بمعناه الإسلامي فقط — بمفهومه الإنساني الأوسع:
كيف للإنسان أن ينشغل بالفكرة (أو المحبوب) لدرجة الذوبان فيها، فينعزل بها وعنها عن العالم أجمعه.
"تحول المحبوب إلى رمز" هذه الحالة تجسدت تماماً في المثل العربي المشهور الذي نردده دائماً: "كلٌّ يغني على ليلاه"، حيث أصبحت "ليلى" من امرأة في بادية نجد محبوبة أحد الشعراء الى رمزاً للمبتغى الخاص، والهوس الذاتي الذي يخص كل إنسان وحده، ويعيش لأجله معزولاً عن بقية البشر.
من رسمتها مرت هواي مشاهد ببالي عن الطيور بس أهمها:
مَتَى يَشْتَفِي مِنْكَ الفُؤَادُ المُعَذَّبُ
وَسَهْمُ المَنَايَا مِنْ وَصَالِكَ أَقْرَبُ
فَبُعْدٌ وَوَجْدٌ وَاشْتِيَاقٌ وَرَجْفَةٌ
فَلَا أَنْتَ تُدْنِينِي وَلَا أَنَا أَقْرَبُ
كَعُصْفُورَةٍ فِي كَفِّ طِفْلٍ يَزُمُّهَا
تَذُوقُ حِيَاضَ المَوْتِ وَالطِّفْلُ يَلْعَبُ
فَلَا الطِّفْلُ ذُو عَقْلٍ يَرِقُّ لِمَا بِهَا
وَلَا الطَّيْرُ ذُو رِيشٍ يَطِيرُ فَيَذْهَبُ
وَلِي أَلْفُ وَجْهٍ قَدْ عَرَفْتُ طَرِيقَهُ
وَلَكِنْ بِلَا قَلْبٍ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ
الطيرُ الذي يقفُ على الغصنِ لا يثقُ بالغصن، إنما يثقُ بجناحيهِ حتى لو انكسرَ الغصن.
نَضَت عَنها القَميصَ لِصَبِّ ماءِ
فَوَرَّدَ وَجهَها فُرطُ الحَياءِ
وَقابَلَتِ النَسيمَ وَقَد تَعَرَّت
بِمُعتَدِلٍ أَرَقَّ مِنَ الهَواءِ
وَمَدَّت راحَةً كَالماءِ مِنها
إِلى ماءٍ مُعَدٍّ في إِناءِ
فَلَمّا أَن قَضَت وَطَراً وَهَمَّت
عَلى عَجَلٍ إِلى أَخذِ الرِداءِ
رَأَت شَخصَ الرَقيبِ عَلى التَداني
فَأَسبَلَتِ الظَلامَ عَلى الضِياءِ
فَغابَ الصُبحُ مِنها تَحتَ لَيلٍ
وَظَلَّ الماءُ يَقطِرُ فَوقَ ماءِ
فَسُبحانَ الإِلَهِ وَقَد بَراها
كَأَحسَنِ ما تكونَ مِنَ النِساءِ
- أبو نؤاس
حلقة سعدني "في الحضارة" عن ريا وسكينة نقلت القصة من كونها قضية جنائية الى وثيقة تاريخية تدون تاريخ مصر السياسي والاقتصادي من آواخر القرن التاسع عشر الى مطلع القرن العشرين وعن أهمية الحادثة في بيان آثار الحرب والاستعمار وما يخلفه من فقر وجوع وحرمان وتشرد وعشوائية من رحم هذه الحياة القاسية والمروعة ولدت العصابة الأكثر رعباً في التاريخ لكن الأرعب من العصابة ذاتها، حياة الناس البسيطة والمهمشة والرخيصة آنذاك.
يكشف النص عن مغالطة كبيرة في تناول الصحافة لتلك الحادثة؛ ويوضح المفكر والمؤرخ صلاح عيسى في كتابه الشهير أن دور "ريا وسكينة" اقتصر في الحقيقة على استدراج النساء فقط، بينما تولى الرجال عمليات القتل والدفن كاملة.
وهذا ما يفسر اختيار عنوان كتابه: "رجال ريا وسكينة"، ليعيد الأمور إلى نصابها التاريخي والجنائي.
أنا لا انظر من ثقب الباب الى وطني لكن، انظر من قلب مثقوب وأميز بين الحب الغالب والحب المغلوب.
-يوسف الصائغ
