es
Feedback
📍قناة | هنا متكأ 📓✒️

📍قناة | هنا متكأ 📓✒️

Ir al canal en Telegram
1 613
Suscriptores
+224 horas
+67 días
+3330 días
Archivo de publicaciones
كلّ إِتِّكاء على حائطٍ بشرِيٍّ هو سقوطٌ مُؤَجَّل. البشر مثلنا، يتعبون، ويميلون، ويغيبون. وحين يتداعى الجدار الذي استندت عليه بكل ثقلك، لن يكون السقوط مجرد ارتطام عابر، بل سيكون عميقاً موجعاً بقدر حجم اتكائك.

​أن تُولَع برأيك كأنه الحقيقة المطلقة، أو تفتح قلبك دفعةً واحدة كأنك لم تعرف الخذلان يوما، يعني أنك تخلع دروعك قبل المعركة. ​الإفراط ليس دليلاً على صدق الشعور، بل هو غيابٌ للعقل؛ فكل نهرٍ يفيض بلا ضوابط، يغرق أرضه أولاً.

"إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ" إنها الفتنُ ذاتها.. تَعصِفُ بالبعضِ فتُزلزلُ إيمانهم، وتُثبِّتُ البعضَ الآخرَ فتهديهم رُشدهم. ​فسبحانَ مَن جعلَ في جوفِ البلاءِ طوقاً للنجاة، ومِن شدّةِ الفتنِ سبباً للهدى.

الخوف هو العورة الأشد سرّية في النفس البشرية، الستر الأخير الذي يتدثر به كبرياؤنا ليواجه العالم بوقار مُستعار. في اللحظة التي يعلم فيها المرء أنك أبصرت فزعه الخفيّ، يسقط بينكما جسر الأمان إلى الأبد، ولا يعود الإنسان كما كان. إنه لا يعاديك بالضرورة، بل يعادي "الذكرى" التي تجمعك بضعفه؛ يصبح وجودك حوله تذكيراً مستمراً بهزيمته الداخلية. حين تنكشف مخاوفنا، ننطفئ.. ونبتعد عن الشاهد الوحيد على ارتعاشنا، ليس كُرهاً فيه، بل رغبةً في استعادة الستر الذي سُلب منا.

الجبناء لا يملكون في معارك الحياة سوى حناجرهم، مستعدين دائماً لسرَد حكايات وهمية عن مواقف لم يخوضوها. إنهم ظاهرة صوتية تحاول سد فجوة العجز الداخلي بضوضاء خارجية، بينما الشجاعة الحقيقية فعلٌ صامت، لا تحتاج إلى ميكروفون لتثبت وجودها، بل تظهر في الخطوة التي تتقدم للأمام حين يتراجع الجميع. في النهاية، تسقط الأقنعة وتصمت الخطابات الرنانة، وتبقى المواقف وحدها هي الحَكم؛ فالشجاعة لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال خلف الجدران، بل بالثبات الذي يظهر في عمق العاصفة، ومَن كان يملك الفعل... استغنى عن الكلام.

من فقه الموازنات: حين التفتَ عقلاءُ قومِ قارون إلى ترفه الطاغي، لم يطالبوه بالانخلاعِ من مالِه أو أن يعيش حياة الزاهدِ المتقشف؛ لعلمهم أنَّ نَفساً استغرقت في النعيمِ يصعبُ فطامها دفعةً واحدةً دون أن تنكسر. وهنا تجلّت رحمةُ الخطابِ القرآني ومرعاته لطبيعة النفس البشرية في قوله تعالى: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا). فالقرآنُ لم يُنكر على الغنيِّ غناه، ولم يُطالب المترَفَ بأن يعيشَ عيشةَ البؤساءِ ليثبتَ تقواه، بل دعاه ليستمتعَ بحلاله، شريطة أن يجعل من هذا الثراء مركبا يعبرُ به إلى الآخرة وألا يبتغي الفساد في الأرض.

#نفس_بلا_رتوش المتهم دائما.. تخيل شخصاً يدخل إلى مكتبه في الصباح، يلقي التحية بصوتٍ دافئ، لكن زميله المشغول لا يرد عليه أو يكتفي بإيماءة عابرة. في تلك اللحظة بالذات، وبدلاً من أن يكمل يومه بشكل طبيعي، تبدأ في رأس هذا الشخص محاكمة علنية! سيل من الأسئلة الجارفة: "ماذا فعلت؟ هل أخطأت في حقه بالأمس؟ هل نقل أحدٌ عنه كذبة ضدي؟" هذا الإنسان لا يعرف كيف "يطنش" كبقية البشر، ولا يستطيع أن يمرر المواقف العابرة. إذا وقعت مشكلة في محيطه ـ حتى لو كانت عامة أو مبهمة ـ يشعر تلقائياً بأنه المستهدف الأول، وأنه الشخص الوحيد المرئي تحت كشاف ضوئي مسلط عليه وحده. تجده دائماً في حالة استنفار؛ يسارع لتقديم التبرير، يدافع عن براءته قبل أن يُتهم، ويقدم الولاء والطاعة، إنه يعيش مدفوعاً برعب داخلي خفي، فما هي حقيقة هذه المعاناة؟ ومن أين جاء هذا الثقل الذي تنوء به النفس؟ هذه المشاعر المرهقة لا تولد مع الإنسان كسمة وراثية، بل هي "برمجة نفسية" قاسية تم زرعها في الطفولة عبر بيئة تربوية افتقرت للأمان. وتتشكل هذه الحالة غالباً من ثلاثة أنماط: ●في بعض البيئات الأسرية، يتم اختيار طفل معين لتحميله مسؤولية إحباطات الوالدين أو مشاكل المنزل. يكبر هذا الطفل وقد استقر في نفسه قانون جائر يقول: "أي مشكلة تحدث، فأنا المذنب الأول فيها". ●الحب المشروط والقبول الهش حيث ينشأ الطفل وهو يشعر بأن أمانه العاطفي مهدد دائماً. فإذا أخطأ أو لم يعجب تصرفه الوالدين، يُعاقب بالهجر العاطفي أو الصمت العقابي المخيف. هنا يتعلم الطفل أن "المسارعة بالتصحيح والتبرير وتقديم الطاعة" هي السبيل الوحيد لاستعادة الأمان المفقود. ●العيش مع والدين ذوي مزاج متقلب أو حاد، يجعل الجهاز العصبي للطفل في حالة طوارئ دائمة كالسير على قشر البيض، يتعلم فيها قراءة الملامح والتنبؤ بالعاصفة، فيصبح التبرير الاستباقي بمثابة درع واقٍ يحميه من الانفجار. إن هذه الآلية الدفاعية تظهر بوضوح مؤلم في العلاقات: ●في البيئة المهنية تظهر على شكل خوف مرعب من سلطة المدير، وصعوبة بالغة في قول "لا"، وتحمل أعباء فوق الطاقة خوفاً من أن يُفسر الرفض بأنه تقصير، بالإضافة إلى كتابة إيميلات وتبريرات مطولة لأخطاء عادية يمكن حلها بكلمتين. ●في العلاقات الشخصية والاجتماعية تظهر من خلال التموضع في دور "المضحي الدائم" الذي يبحث عن رضا الشريك أو الأصدقاء على حساب كرامته وسلامه النفسي، والوقوع السهل في فخ الابتزاز العاطفي. كيف يفكك الإسلام هذه المشكلة؟ تتلخص النظرة الإسلامية لعلاج هذه الحالة في الانتقال من رعب إرضاء المخلوق إلى أمان التوحيد، وذلك عبر ثلاث ركائز أساسية: ●"الأصل براءة الذمة": فالإنسان ليس متجهاً للمحاكمة بطبعه، وعيشه في دور المتهم الدائم الذي يسارع لإثبات براءته هو تكليف للنفس بما لم يوجبه الله، والله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. ●مواجهة الأوهام بعقيدة القدر: مَن يعاني من هذه المشكلة يظن أنه سبب كل مصيبة، بينما الإيمان بالقدر يمنحه السكينة بأن نواصي العباد بيد الله وحده، ورضاهم ليس معياراً للوجود. قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ».  ●النهي عن الظن ومحاولة "قراءة الأفكار" تخيل أنك مستهدف والكل يراقبك هو من "الظن" الذي يمرض النفس وينهى عنه الدين: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الإسلام يقرر: قطع الرغبة القهرية في إرضاء الناس بتقديم رضا الله؛ لقوله ﷺ: {من التمس رِضا اللهِ بسخَطِ الناسِ ؛ رضِيَ اللهُ عنه ، وأرْضى عنه الناسَ ، ومن التَمس رضا الناسِ بسخَطِ اللهِ ، سخِط اللهُ عليه ، وأسخَط عليه الناس} خاتمة بلا رتوش: إن العيش في محكمة وهمية يكون فيها الإنسان هو المتهم والمحامي والجلاد في آن واحد، هو استنزاف هائل للروح. والتحرر من هذا السجن يبدأ أولاً بـ فصل الماضي عن الحاضر؛ بتذكير النفس بلطف عند كل أزمة: "أنا الآن شخص بالغ وواعي، ولستُ ذلك الطفل الضعيف، ومساحتي الآمنة أصنعها بنفسي ولم تعد مرهونة برضا الآخرين"، والتدريب التدريجي على الصمت وتأخير التبرير، وقبول فكرة أننا لسنا محور الكون في كل مشكلة تحدث. وإدراك أن "التغافل" ليس دليلاً على اللامبالاة، بل هو أسمى درجات السلام النفسي. https://t.me/E1443

إن المداراة المستمرة لمن لا يعرف قدرك والتبسم في وجه من يستبيح حدودك، ليس من النبل في شيء، بل هو هوانٌ يرتدي ثوب اللطف زيفاً. المروءة الحقيقية تقتضي أن تتقن فن الصدّ بنفس البراعة التي تتقن بها فن الوصل. ليس هذا كبراً ولا غلظة قلب، بل لتضع حداً حازماً لمن يستبيح كرامتك، ويُعلّم الآخرين أن قربك مِيزة وليس حقاً مُشاعاً. فالمسافات لم تخلق دائما للقطيعة، بل أحيانا لتبقى الكرامة في مأمن من الابتذال.

"ربنا ما خلقت هذا باطلاً.. سبحانك!" سبحانك، ما كان هذا الصنع البديع ليكون بلا غاية، وما كان هذا الإحكام ليمضي هباءً. إنه الحق الذي يملأ القلوب هدى ويقينًا، ويقود الأرواح إلى رحاب عظمتك، طامعة في مغفرتك، ومستجيرة بعفوك: «فقنا عذاب النار».

تأمل في قصة ذلك الشيخ المريض، جندب بن ضمرة، حين سمع آيات الهجرة وهو في فراش مرضه بمكة. لم يجد لنفسه عذرًا في رخصة الضعف، ولم يداهن قلبه بالتسويف. تحركت في داخله حقيقة الإيمان، فقال كلمته الكاشفة: "والله لا أبيت بمكة".. سار في طريقه، يدفعه شوقه الخفي، لا يلتفت لصعوبة الطريق، ولا يلتفت لألمه، ولا يلتفت لما تركه وراءه من دار ومال. فارق مكة بجسده، لكن روحه كانت قد سبقت. لم يبلغ المدينة.. مات في "التنعيم"، على مشارف مكة! في حسابات البشر المادية: هو لم يصل، لم يقطع المسافة، ولم يبلغ المأمن. ولكن وقع الأجر الإلهي حاسمًا يتلى إلى قيام الساعة: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. لقد وصل! وصل قبل أن تطأ قدمه أرض المدينة. لماذا؟ لأن الله لا يقيس خطى الصادقين بأميال الأرض، بل بنبضات القلوب. الصادق يختصر مسافات الزمان والمكان بصدق طويته. علامة صدقه أنه انقطع بكليته إلى الله، فلم يعد يبصر سواه، ولم يعد يرجو غيره، فلما صدق في الخروج وقطع حبال الالتفات، طوى الله له الدرب، واستقبله بأجر الوصول وهو لَمّا يبرح مشارف البداية. الصدق هو أن تخرج من "بيتك"؛ من حظوظ نفسك، من مألوفاتك، ومن مخاوفك، مهاجرًا بقلبك إلى الله. ليس عليك أن تضمن وعورة الطريق، وليس عليك أن تملك كامل القوة، عليك فقط ألا تلتفت، وأن تعقد العزم وتخطو.. فإذا أدركك الموت أو العجز في منتصف الدرب، فثق أنك قد وصلت، لأن من كان الله وجهته، فكل خطواته -وإن تعثرت- هي عين الوصول.

قَال تعالى: "أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ"  فيه تنبيهٌ على أنَّ السَّلامةَ في البَرِّ نِعمةٌ عَظيمةٌ تَنسَونَها، فلو حدَث لكم خَسفٌ لهَلَكتُم هَلاكًا لا نجاةَ لكم منه، بخِلافِ هَولِ البَحرِ، ولكِنْ لَمَّا كانت السَّلامةُ في البَرِّ غيرَ مُدرَكٍ قَدْرُها، قَلَّ أنْ تَشعُرَ النُّفوسُ بنِعمَتِها وتَشعُرَ بخَطَرِ هَولِ البَحرِ؛ فينبغي التدَرُّبُ على تَذكُّرِ نِعمةِ السَّلامةِ مِن الضُّرِّ، ثمَّ إنَّ محَلَّ السَّلامةِ مُعرَّضٌ إلى الأخطارِ" تفسير ابن عاشور

"وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ " طهر الله قلبها بيقين الإيمان والتصديق، وحفظ جوارحها من المعاصي والخطرات. إن الله إذا أراد أن يملأ قلباً بنوره، طهّره أولاً من كل كَدَر. فكان "الطُّهر" دليل البراءة لمريم عليها السلام ضد ألسنة الخلق، وحكماً إلهياً قاطعاً ومسبقاً، ينسف كل فرية قبل أن تُنطق، ويُثَبِّت قلبها الطاهر أمام عواصف الإتهام.

#نفس_بلا_رتوش ■■■ ماذا خلف الخواء؟ يدخل المكان فيلفت الأنظار، ليس بجاذبية حضوره، بل بحدة هيبته المصطنعة، ينظر إلى من حوله بنظرات شزرة، كمن ينظر من شرفة عالية إلى عابرين في زقاق ضيق. كلماته منتقاة لتقول دائماً: "أنا هنا"، يستعرض إنجازاته بمناسبة وبلا مناسبة، ويتعامل مع خطأ الآخرين بحدة وقسوة، بينما يرى خطأه تميزاً لا يفهمه العوام! تبدو عليه علامات القوة والترفع، ويهابه البعض ظناً منهم أنه يملك ثقة حديدية بذاته. لكن، لو نزعنا هذا القناع السميك، وجلسنا مع هذه النفس "بلا رتوش".. فماذا سنرى خلف هذا الجدار العالي؟ هل الكبر طبعٌ أصيل، أم درعٌ واقٍ؟ هل هو مرضٌ نفسيّ، أم سلوكٌ تمليه البيئة وتغذيه الثقافة؟ الكبر في حقيقته النفسية عكس ما يوحي به المظهر الخارجي من قوة وفوقية، بل هو أدل دلالة على الضعف الداخلي، وأوضح مؤشر على الخواء النفسي والشخصية المهزوزة. إننا أمام إنسان يعاني من "عقدة نقص" عميقة وجرح غائر في تقديره لذاته. ينشأ الكبر كآلية دفاعية تلجأ إليها النفس لتعويض شعور العجز أو الدونية. المتكبر لا يتحرك بدافع القوة، بل بدافع خوف مرعب من أن يكتشف الناس حقيقته أو يلمحوا ضآلته التي يراها هو في مرآته الداخلية. الكبر هنا هو محاولة بائسة لردم هذا الخواء وتفريغ هذه الشخصنة على الآخرين. ويمكننا فهم دوافع الكبر عبر أبعاد رئيسية: ●الأنا المثالية: يرتبط الكبر بمفهوم "الذات المثالية"حيث يبني الفرد صورة وهمية متضخمة عن نفسه ليتجاوز واقعه المرير. هذا الصنف لا يملك اكتفاءً ذاتياً، بل يعتمد كلياً على تقييم الآخرين له. ولأنه يخشى الانتقاد أو التهميش، فإنه يبادر بالتعالي كوسيلة هجومية استباقية؛ لسان حاله: "سأترفع عليكم قبل أن ترفضوني". ●الإسقاط النفسي: يمارس المتكبر عملية "إسقاط" مستمرة؛ فهو يرى في الآخرين الضعف أو الحرمان الذي يراه في نفسه، فيحتقرهم ليوهم عقله بأنه في مرتبة أعلى. وصدق القائل: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونُهُ وصدّق ما يعتاده من توهم. وفي الميزان الإسلامي، يُصنف الكبر باعتباره من مهلكات النفس التي تقطع حبال الوصل مع الخالق ومع الخلق. فالإسلام يفرق بدقة بين "الاعتزاز بالنفس" وبين "الكبر" القائم على احتقار الناس ورفض الحق، مذكراً الإنسان الدائم بحقيقته وضعفه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. على الضفة الأخرى من الجانب النفسي، يقف الشخص "الممتلئ من الداخل"، والمشبع عاطفياً وفكرياً:"المتواضع" لماذا يتواضع الممتلئ؟ لأنه ببساطة يملك تقديراً ذاتياً مستقراً. هو لا يحتاج إلى "إذن" أو اعتراف مستمر من أحد ليشعر بقيمته؛ قيمته نابعة من الداخل، مستمدة من وعيه بنفسه بمميزاتها وعيوبها. التواضع هنا ليس ضعفاً أو إنكاراً للموهبة، بل هو "ترفع عن الحاجة للاستعراض". الشخص الواثق يملك رحابة صدر وسعة نفسية تجعله يحتفي بنجاحات الآخرين دون أن يشعر بتهديد، لأن مكانه الداخلي آمن ومستقر وثابت الأركان. خاتمة بلا رتوش: العلاج الحقيقي للكبر لا يبدأ من قمع السلوك الخارجي، بل من رحلة شجاعة مع النفس لإعادة البناء المعرفي ومواجهة هذا الخواء الداخلي بالعلم والإيمان.

أعظم الحجب المانعة عن نور الهداية هي كلمة نفثها إبليس يوم طرد من الرحمة: "أنا خير منه". ليست مجرد كلمة قيلت في لحظة غضب، بل هي منهج يهوي بالعبد من مقامات القرب والصفاء إلى دركات الطرد والشقاء. حين يرى العبد نفسه بعين الرضا، وإلى إخوانه بعين الازدراء، يكون قد نصب نفسه حكماً في مملكة الله، ونسي أن المنة كل المنة لله ابتداء وانتهاء.

للحظة تظن أن علاج تعلق القلب بالبشر، وتسول الاهتمام من أعينهم، يكمن في هندسة المسافات، وتدريب النفس على صرف الانتباه والتناسي. تعالج المرض بعَرَضه، وتبني جدراناً باردة من الجفاء بينك وبينهم.. لكن البصيرة حين تأذن بالبزوغ، تسقط كل تلك الحيل الواهية، لتكشف للنفس عن جذر المسألة: التعلق ليس مشكلة نفسية تحل بالهرب من الناس، بل هي فاقة روحية لا تسد إلا بالإقبال على الله.. عندما ينشغل العبد بعمارة ما بينه وبين الله، وبما يرضيه، ينبثق في الصدر حمى آمن، لا تصله خيبات البشر، ولا تهتز أركانه لغيابهم. إنها "كفاية الله" التي تجعل المرء يعود إلى الناس حراً؛ يتعامل معهم من موقع الاستغناء لا الحاجة، فقد امتلأ قلبه بمن يكفيه..

اللذة ليست محصورة في لحظة الإنجاز الأخيرة، بل هي مبثوثة في تفاصيل السعي، في الصبر على العثرات، وفي النهوض بعد كل سقوط. "الوصول" ليس بقعة جغرافية نصل إليها في النهاية، بل هو "مجاهدة حثيثة" تهمس في قلبك: أنّ السير على طريق الوصول وصول.

"وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ● وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ" القلوب لا تعيش في فراغٍ أبدًا؛ إما أن يعمرها نور الرحمن، أو يتولاها ظلام الشيطان. تأمل معي هذا اللفظ العجيب: ﴿وَمَن يَعۡشُ﴾. الإعراض عن الله لا يبدأ دائمًا بعمىً كامل أو كفرٍ معلن، بل يبدأ بـ "العَشْو".. ذلك النظر الضعيف المتذبذب، والتغافل المتعمد، والإلتفات الخجول عن الحق. عندها تضعف البصيرة بفعل الإعراض، وتظلم العين بشهوات الدنيا، ويقع الإنسان في الفخ الأخطر فخ "التقييض". من مخيف ما تقرره الآية: أنّ العقوبة الربانية تنقلب إلى قانون مطرد: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. يُوكل إليه رفيق من الشياطين، يلازمه ملازمة الظل، يزين له القبيح، ويثبطه عن الفضيلة. والمصيبة الكبرى ليست فقط في وجود هذا القرين، بل في تلك الحالة من الخَدَر الإيماني التي تليها: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. إنها ذروة الخذلان؛ أن يسير الإنسان في طريق الهلاك، وهو يظن أنه يُحسن صنعًا، لأن الشيطان أعمى ما تبقى من بصيرته. نعوذ بك اللهمّ من غشاوة الران، ومن التعامي عن ضياء قرآنك.

«عيدٌ سعيدٌ وأيامٌ مباركةٌ وموعِدٌ يغمرُ الأرواحَ بالفرحِ تقبّل اللهُ منكم كلَّ صالحةٍ وخصَّكم بعظيمِ الأجرِ والمِنَحِ» كل عام وأنتم بخير، تقبّل الله صالح أعمالكم، وأكرمكم بإجابة دعواتكم.