en
Feedback
ينابيع الارتواء من سير أعلام النبلاء

ينابيع الارتواء من سير أعلام النبلاء

Open in Telegram

قناة متخصصة في نشر فوائد منتقاة وفرائد مستقاة من معين سير أعلام النبلاء، نهتدي فيها بهديهم، ونقتفي سبيلهم.

Show more
1 098
Subscribers
-224 hours
-17 days
-1430 days
Posts Archive
تتمة سيرة وكيع بن الجراح رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال أحمد بن سنان: رأيتُ وكيعًا إذا قام في الصلاة، ليس يتحرك منه شيءٌ، لا يَزولُ ولا يَميلُ على رجلٍ دون الأخرى. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعًا يقول: ما نعيش إلا في سترةٍ، ولو كُشِفَ الغطاءُ، لكُشِفَ عن أمرٍ عظيمٍ، الصدقُ النِّيَّةُ. قال الفلَّاس: ما سمعت وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوءٍ قَطُّ. قلتُ: مع إمامته، كلامه نَزْرٌ جدًّا [يعني قليل جدا] في الرجال . . . وقيل: إن وكيعًا وصل إنسانًا مرةً بصُرَّة دنانير؛ لكونِه كتب من مَحبَرَة ذلك الإنسان، وقال: اعْذُرْ، فلا أمْلِكُ غيرَها. . . . علي بن خشرم: سمعت وكيعًا يقول: لا يَكمُلُ الرجلُ حتى يكتبَ عمَّن هو فوقَه، وعمَّن هو مثلَه، وعمَّن هو دونَه . . . قال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعًا يقول: مَن زعم أن القرآن مخلوقٌ، فقد زعم أنه مُحدَثٌ، ومَن زعم أن القرآن مُحدَثٌ، فقد كَفَرَ. قال علي بن عثام: مرض وكيعٌ، فدخلنا عليه، فقال: إنَّ سفيان [يعني الثوري] أتاني فبشَّرني بجِواره، فأنا مُبادِرٌ إليه. قال أبو هشام الرفاعي: مات وكيع سنة سبعٍ وتسعين ومائةٍ، يوم عاشوراء، فدفن بفيد - يعني: راجعًا من الحج - . . . قلت: عاش ثمانيًا وستين سنةً، سوى شهرٍ أو شهرين. سير أعلام النبلاء (٩ / ١٥٧ - ١٦٦).

من سيرة محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبدالله، الشيباني. العلَّامة، فقيه العراق، أبو عبدالله الشيباني، الكوفي، صاحب أبي حنيفة. وُلد: بواسط، ونشأ بالكوفة. وأخذ عن أبي حنيفة بعضَ الفقه، وتَمَّمَ الفقهَ على القاضي أبي يوسف. وروى عن: أبي حنيفة، ومسعر، ومالك بن مِغول، والأوزاعي، ومالك بن أنس. أخذ عنه: الشافعي - فأكثَرَ جدًّا - . . . غلب عليه الرأي، وسكن بغداد. قلتُ: ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف. وكان - مع تَبَحُّرِه في الفقه - يُضرَبُ بذكائه المَثَل. كان الشافعي يقول: كتبتُ عنه وِقر بَختي [يعني بعير]، وما ناظرتُ سمينًا أذكى منه، ولو أشاءُ أن أقولَ: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلتُ؛ لِفصاحتِه. وقال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمتُ عند مالكٍ ثلاث سنين وكسرًا، وسمعتُ من لفظه سبعمائة حديثٍ . . . قال إبراهيم الحربي: قلتُ للإمام أحمد: مِن أين لك هذه المسائل الدِّقاق؟ قال: مِن كتب محمد بن الحسن. قيل: إن محمدًا لما احتُضِرَ، قيل له: أتبكي مع العلم؟! قال: أرأيتَ إن أوقَفَني الله، وقال: يا محمد! ما أقدَمَك الرَّيَّ؟ آلجهادُ في سبيلي؟ أم ابتغاءُ مَرضاتي؟ ماذا أقول؟ قلتُ: توفي إلى رحمة الله سنة تسعٍ وثمانين ومائةٍ، بالرَّيِّ. سير أعلام النبلاء (٩ / ١٣٤ - ١٣٥).

تتمة سيرة علي بن حمزة الكسائي رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: تلا عليه: أبو عمر الدوري، وأبو الحارث الليث، . . . ومِن النَّقَلَة عنه: يحيى الفرَّاء، وأبو عُبَيْدٍ، وخلف البزَّار. وله عدَّة تصانيف، منها: (معاني القرآن)، وكتابٌ في القراءات، وكتاب (النوادر الكبير)، ومُختَصَرٌ في النحو، وغير ذلك. وقيل: كان أيام تلاوته على حمزة يَلْتَفُّ في كساءٍ، فقالوا: الكِسائي. . . . قال الكسائي: صليتُ بالرشيد، فأخطأتُ في آيةٍ ما أخطأ فيها صبيٌّ، قلتُ: لعلهم يرجعِين، فوالله ما اجترأ الرشيد أن يقول: أخطأتَ، لكن قال: أيُّ لغةٍ هذه؟ قلت: يا أميرَ المؤمنين! قد يَعثُرُ الجواد. قال: أما هذا فنَعم. . . . عن الفراء: سمعت الكسائي يقول: ربما سَبَقَني لساني باللَّحْن. وعن خلف بن هشام: أن الكسائي قرأ على المنبر: ﴿أنا أكثرُ منك مالًا﴾ بالنصب، فسألوه عن العلة، فثُرْتُ في وجوهِهم، فمَحَوْه، فقال لي: يا خلف! مَن يَسلَمُ من اللَّحْن؟ وعن الفراء قال: إنما تعلَّم الكسائيُّ النحوَ على كِبَرٍ، ولزم معاذًا الهراءَ مدةً، ثم خرج إلى الخليل. قلتُ: كان الكسائي ذا منزلةٍ رفيعةٍ عند الرشيد، وأدَّب ولدَه الأمينَ، ونال جاهًا وأموالًا . . . سار مع الرشيد، فمات بالري، بقرية أرنبوية، سنة تسعٍ وثمانين ومائةٍ، عن سبعين سنةً. سير أعلام النبلاء (٩ / ١٣٢ - ١٣٤).

من سيرة علي بن حمزة الكسائي رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: الإمام، شيخ القراءة والعربية، أبو الحسن، علي بن حمزة بن عبدالله بن بَهمن بن فيروز الأسدي مولاهم، الكوفي، الملقب: بالكِسائي؛ لكِساءٍ أَحرَمَ فيه. تلا على: ابن أبي ليلى عرضًا، وعلى حمزة . . . وتلا أيضًا على: عيسى بن عمر المقرئ. واختار قراءةً اشتُهِرَتْ وصارت إحدى السبع. وجالَسَ في النحو الخليلَ، وسافر في بادية الحجاز مدةً للعربية، فقيل: قَدِمَ وقد كتب بخمس عشرة قِنِّينَةِ حبرٍ . . . قال الشافعي: مَن أراد أن يَتَبَحَّرَ في النحو، فهو عيالٌ على الكسائي. قال ابن الأنباري: اجتمع فيه أنه كان أعلم الناس بالنحو، وواحدَهم في الغريب، وأوحدَ في علم القرآن، كانوا يُكثِرون عليه، حتى لا يضبط عليهم، فكان يجمعهم، ويجلس على كرسيٍّ، ويتلو، وهم يضبطون عنه، حتى الوقوف. قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت الكسائي يقرأ القرآنَ على الناس مرتين. وعن خلف قال: كنت أحضر بين يدي الكسائي وهو يتلو، ويُنقِّطون على قراءتِه مَصاحِفَهم. سير أعلام النبلاء (٩ / ١٣١ - ١٣٢).

من سيرة المُعافى بن عمران رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: المُعافَىٰ بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة الأزدي. الإمام، شيخ الإسلام، ياقوتة العلماء، أبو مسعودٍ، الأزدي، الموصلي، الحافظ. وُلد: سنة نيِّفٍ وعشرين ومائةٍ . . . قال يزيد بن محمد: صنَّف المعافى في الزهد، والسُّنَن، والفِتَن، والأدب، وغير ذلك. قال أحمد بن يونس: كان سفيان الثوري يقول: المُعافى بن عمران ياقوتة العلماء . . . . . . بشر بن الحارث: سمعت المُعافى يقول: سمعت الثوري يقول: إذا لم يكن لله في العبد حاجةٌ، نَبَذَه إلى السلطان . . . قال بشر الحافي: كان المُعافى صاحب دنيا واسعةٍ، وضِياعٍ كثيرةٍ، قال مرةً رجلٌ: ما أشدَّ البردَ اليومَ! فالتفت إليه المعافى وقال: أَستَدفَأتَ الآن؟! لو سَكَتَّ لكان خيرًا لك! قلتُ: قول مثل هذا جائزٌ، لكنهم كانوا يكرهون فُضول الكلام. واختلف العلماء في الكلام المباح: هل يكتبه المَلَكان؟ أم لا يكتبان إلا المستحبَّ الذي فيه أجرٌ، والمذمومَ الذي فيه تَبِعَةٌ؟ والصحيح: كتابة الجميع؛ لعموم النص في قوله تعالى: ﴿ما يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلّا لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ﴾ [ق: ١٨] . . . توفي المُعافى . . . سنة خمسٍ وثمانين ومائةٍ . . . ومما رواه المُعافى بن عمران، عن سفيان، عن حجاج بن فرافصة، عن بديل قال: - مَن عَرَفَ اللهَ ﷻ أَحَبَّه، - ومَن أبصَرَ الدنيا زَهِدَ فيها، - والمؤمنُ لا يلهو حتى يغفلَ، فإذا تذكَّرَ حَزِنَ. سير أعلام النبلاء (٩ / ٨٠ - ٨٥).

تتمة سيرة جعفر البرمكي رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال الخطيب: كان جعفر عند الرشيد بحالةٍ لم يُشارِكه فيها أحدٌ، وَجُودُه أشهرُ من أن يُذكَر، وكان من ذوي اللسان والبلاغة . . . قيل: اعتذر إلى جعفر رجلٌ، فقال: قد أغناك اللهُ بالعذر منَّا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودَّة لك عن سوء الظنِّ بك . . . قد اختُلِفَ في سبب مَصرَع جعفر على أقوالٍ . . . وسُئل سعيدُ بن سالمٍ عن ذنب البرامكة، فقال: ما كان منهم بعضُ ما يُوجِبُ ما فعل الرشيدُ، لكن طالت أيامُهم، وكلُّ طويلٍ يُمَلُّ . . . وقيل: رُفِعَتْ قُصَّةٌ إلى الرشيد فيها: قل لأمين الله في أرضه ... ومَن إليه الحَلُّ والعَقْدْ هذا ابنُ يحيى قد غَدا مالكًا ... مِثلَكَ ما بينكما حَدْ أمرُك مردودٌ إلى أمرِه ... وأمرُه ما إن له رَدْ وقد بنى الدارَ التي ما بنى الـ ... ـفُرس لها مِثْلًا ولا الهندْ الدُّرُّ والياقوتُ حصباؤها ... وتُربُها العنبر والنَّدْ ونحن نخشى أنه وارثٌ ... مُلكَك إن غيَّبك اللحدْ فقرأها، وأثَّرت فيه. وقيل: إن أختَه قالت له: ما رأيتُ لك سرورًا منذُ قتلتَ جعفرًا، فلِمَ قتلتَه؟ قال: لو علمتُ أن قميصي يعلم السببَ، لمزَّقتُه. سير أعلام النبلاء (٩ / ٦٤ - ٦٩).

من سيرة جعفر البرمكي رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: البرمكي أبو الفضل جعفر الوزير الملك، ابن الوزير الكبير أبي علي يحيى ابن الوزير خالد بن برمك الفارسي . . . وما أدراك ما جعفر؟ له نبأٌ عجيبٌ، وشأنٌ غريبٌ، بقي في الارتقاء في رتبةٍ شَرِكَ الخليفةَ في أمواله ولذَّاته وتصرُّفه في الممالك، ثم انقلب الدَّسْتُ [يعني منصب الوزارة] في يومٍ، فقُتِلَ، وسُجِنَ أبوه وإخوته إلى الممات، فما أجهلَ مَن يغترُّ بالدنيا! وقال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دُوَلٌ، والمالُ عاريةٌ، ولنا بمَن قبلَنا أُسوةٌ، وفينا لمَن بعدَنا عِبرةٌ . . . قيل: إن ولدًا ليحيى، قال له وهُم في القيود: يا أبتِ، بعد الأمر والنهي والأموال صِرنا إلى هذا؟! قال: يا بنيَّ! دعوةُ مظلومٍ غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها . . . فأما جعفر، فكان مِن مِلاح زمانه، كان وسيمًا، أبيضَ، جميلًا، فصيحًا، مُفوَّهًا، أديبًا، عذبَ العبارة، حاتِميَّ السَّخاء . . . وكان يقول: إذا أقبلت الدنيا عليك، فأعطِ؛ فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت، فأعطِ؛ فإنها لا تبقى. سير أعلام النبلاء (٩ / ٥٩ - ٦٤).

من سيرة أبي إسحاق الفزاري رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: أبو إسحاق الفَزاري إبراهيم بن محمد. الإمام الكبير، الحافظ، المجاهد، إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصن . . . الفَزاري، الشامي. ولِجدِّهم خارجة: صحبةٌ، وهو أخو عيينة بن حِصن . . . . . . قال الحميدي: قال لي الشافعي: لم يُصنِّفْ أحدٌ في السِّيَر مثلَ كتاب أبي إسحاق. وقال أبو حاتم: اتفق العلماء على أن أبا إسحاق الفزاري إمامٌ يُقتدى به بلا مُدافَعَةٍ. قال: وقال الحميدي: جاء رجلٌ إلى ابن عيينة، فقال: حدَّثني أبو إسحاق عنك بكذا. فقال: ويحك! إذا سمعت أبا إسحاقٍ يُحدِّث عني، فلا يَضُرُّك أن لا تسمعَه مني. وقال أحمد العجلي: كان ثقةً، صاحب سنةٍ، صالحًا، هو الذي أدَّب أهلَ الثغر، وعلَّمهم السنةَ، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغرَ رجلٌ مبتدعٌ أخرجَه، وكان كثيرَ الحديث، وكان له فقهٌ، أمر سلطانًا ونهاه، فضربه مائتي سوطٍ، فغضب له الأوزاعي وتكلم في أمره . . . قال أبو داود: مات سنة خمسٍ - وقال البخاري: سنة ستٍّ - وثمانين ومائةٍ . . . قال أبو مسهر: قدم أبو إسحاق الفزاري دمشق، فاجتمع الناس ليسمعوا منه، فقال: اخرج إلى الناس، فقل لهم: مَن كان يرى القَدَرَ، فلا يحضر مجلسَنا، ومَن كان يرى رأي فلانٍ، فلا يحضر مجلسَنا. فخرجتُ فأخبرتُهم . . . ويُروى: أن هارون الرشيد أخذ زنديقًا ليقتلَه، فقال الرجل: أين أنت من ألف حديثٍ وضعتُها؟! قال: فأين أنت - يا عدوَّ الله - من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، يَتَخَلَّلانِها، فيُخرِجانِها حرفًا حرفًا؟! . . . إبراهيم بن سعيد الجوهري: قلت لأبي أسامة: أيهما أفضل: فضيل بن عياض، أو أبو إسحاق الفزاري؟ فقال: كان فضيل رجل نفسِه، وكان أبو إسحاق رجل عامَّةٍ. سير أعلام النبلاء (٨ / ٥٣٩ - ٥٤٣).

تتمة سيرة القاضي أبو يوسف رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال يحيى بن يحيى التميمي: سمعتُ أبا يوسف عند وفاتِه يقول: كلُّ ما أفتيتُ به، فقد رجعت عنه، إلا ما وافَقَ الكتابَ والسنةَ. وفي لفظٍ: إلا ما في القرآن، واجتمع عليه المسلمون. قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف: من طلب المال بالكيمياء: أَفلَسَ، ومن طلب الدين بالكلام: تَزَندَقَ، ومن تَتَبَّعَ غريبَ الحديث: كَذَبَ . . . . . . بكار بن قتيبة: سمعت أبا الوليد، قال: لما قدم أبو يوسف البصرةَ مع الرشيد، اجتمع الفقهاء والمُحدِّثون على بابه، فأشرَفَ عليهم، وقال: أنا من الفريقين جميعًا، ولا أُقدِّمُ فِرقةً على فِرقةٍ. قال: وكان قاضيَ الآفاق، ووزيرَ الرشيد، وزميلَه في حجِّه. . . . الحسن بن أبي مالك، سمعت أبا يوسف يقول: لا نصلي خلف مَن قال: القرآن مخلوق، ولا يُفلِحُ مَن استحلى شيئًا من الكلام. قلتُ: بلغ أبو يوسف من رئاسة العلم ما لا مَزيدَ عليه، وكان الرشيد يُبالِغُ في إجلاله . . . قال بشر بن الوليد: توفي أبو يوسف يوم الخميس، خامس ربيع الأول، سنة اثنتين وثمانين ومائةٍ، وقال غيره: مات في غرة ربيع الآخر، وعاش تسعًا وستين سنةً . . . وما أَنبَلَ قولَه الذي رواه: جماعةٌ، عن بشر بن الوليد: سمعتُ أبا يوسف يقول: العلم بالخصومة والكلام: جهلٌ، والجهل بالخصومة والكلام: عِلمٌ. قلتُ: مِثالُه: شُبَهٌ وإشكالاتٌ من نتائج أفكار أهل الكلام، تورَدُ في الجدال على آيات الصفات وأحاديثها، فيُكفِّرُ هذا هذا، وينشأ الاعتزالُ، والتَّجَهُّمُ، والتجسيمُ، وكلُّ بلاءٍ، - نسأل الله العافية -. سير أعلام النبلاء (٨ / ٥٣٧ - ٥٣٩).

سيرة القاضي أبو يوسف رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري. هو الإمام، المجتهد، العلَّامة، المُحدِّث، قاضي القُضاة، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بُجير بن معاوية، الأنصاري، الكوفي . . . مولد أبي يوسف: في سنة ثلاث عشرة ومائة . . . وكان أبوه فقيرًا، له حانوتٌ ضعيفٌ، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبا يوسف بالدراهم، مائةً بعد مائةٍ. فروى علي بن حرملة التيمي، عنه، قال: كنت أطلب العلم وأنا مُقِلٌّ، فجاء أبي، فقال: يا بني! لا تَمُدَّنَّ رجلك مع أبي حنيفة، فأنت محتاجٌ [يعني لا تذهب إلى الحلقة]، فآثرتُ طاعةَ أبي، فأعطاني أبو حنيفة مائة درهمٍ، وقال: الزم الحلقةَ، فإذا نفذَتْ هذه فأعْلِمْني، ثم بعد أيامٍ أعطاني مائةً . . . قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبتُ الحديث، اختلفتُ إلى أبي يوسف، وكان أمْيَلَ إلى المُحدِّثين من أبي حنيفة ومحمد. قال إبراهيم بن أبي داود البرلسي: سمعت ابن معين يقول: ما رأيتُ في أصحاب الرأي أثبتَ في الحديث، ولا أحفظَ، ولا أصحَّ روايةً، من أبي يوسف. . . . عن ابن معين: أبو يوسف صاحب حديثٍ، صاحب سنةٍ. وعن يحيى البرمكي قال: قدِم أبو يوسف، وأقلُّ ما فيه الفقهُ، وقد ملأ بفِقْهِه الخافِقَيْن. قال أحمد: كان أبو يوسف مُنصِفًا في الحديث. وعن أبي يوسف قال: صحبتُ أبا حنيفة سبع عشرة سنةً. وعن هلال الرأي قال: كان أبو يوسف يحفظ التفسيرَ، ويحفظ المغازي، وأيامَ العرب، كان أحدَ علومِه الفقهُ. وعن ابن سماعة قال: كان وِرْدُ أبي يوسف في اليوم مائتي ركعةً. سير أعلام النبلاء (٨ / ٥٣٥ - ٥٣٧).

تتمة سيرة أبي بكر بن عياش رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: عن أبي بكر بن عياش قال: أدنى [فائدة] السكوت: السلامة، وكفى به عافيةً، وأدنى ضرر المَنطِق: الشُّهرة، وكفى بها بَلِيَّةً . . . وعن أبي بكر بن عياش قال: الدخول في العِلم سهلٌ، لكن الخروج منه إلى الله شديدٌ . . . قال أبو العباس بن مسروق: حدثنا يحيى الحماني، قال: لما حضرت أبا بكرٍ الوفاةُ، بكت أختُه، فقال لها: ما يُبكيكِ؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوكِ فيها ثمانية عشر ألف ختمةً. قال سفيان بن عيينة: قال لي أبو بكر بن عياش: رأيتُ الدنيا في النوم عجوزًا مُشوَّهةً. . . . قال أبو بكر بن عياش: وددتُ أنه صُفِحَ لي عمَّا كان منِّي في الشباب، وأنَّ يَدَيَّ قُطِعَتا . . . وكان الإمام أبو بكرٍ قد قطع الإقراءَ قبل موتِه بنحوٍ من عشرين سنةً، ثم كان يروي الحروف، فقيَّدها عنه يحيى بن آدم عالم الكوفة، واشتهرت قراءة عاصمٍ من هذا الوجه، وتَلَقَّتْها الأمةُ بالقبول، وتَلَقَّاها أهل العراق . . . قال يوسف بن يعقوب الصفار وغيره، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل: مات أبو بكرٍ في جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وتسعين ومائةٍ. قلتُ: عاش سِتًّا وتسعين سنةً. سير أعلام النبلاء (٨ / ٥٠١ - ٥٠٧).

من سيرة أبي بكر بن عياش رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، الحنَّاط - بالنون -، المُقرِئ، الفقيه، المُحدِّث، شيخ الإسلام، وبقية الأعلام، مولى واصل الأحدب، وفي اسمه أقوالٌ، أشهرُها: شعبة . . . قال هارون بن حاتم: سمعتُه يقول: وُلدتُ سنة خمسٍ وتسعين. قرأ أبو بكرٍ القرآنَ وجوَّده ثلاث مراتٍ على: عاصم بن أبي النجود . . . قال أبو حاتم: سمعت علي بن صالح الأنماطي، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: القرآن كلام الله، ألقاه إلى جبريل، وألقاه جبريل إلى محمدٍ ﷺ، منه بدأ، وإليه يعود. وقال ابن المبارك: ما رأيتُ أحدًا أسرعَ إلى السنة من أبي بكر بن عياش . . . قلتُ: فأما حالُه في القراءة، فقيِّمٌ بحرف عاصمٍ، وقد خالفه حفصٌ في أزيدَ من خمسمائة حرفٍ، وحفصٌ أيضًا حجَّةٌ في القراءة، ليِّنٌ في الحديث . . . . . . حدثنا يحيى بن سعيد، قال: زاملتُ أبا بكر بن عياش إلى مكة، فما رأيتُ أورعَ منه، لقد أهدى له رجلٌ رطبًا، فبلغه أنه من بستانٍ أُخِذَ من خالد بن سلمة المخزومي، فأتى آل خالدٍ، فاستَحَلَّهم، وتصدَّقَ بثمنِه . . . وقال بشر الحافي: قال عيسى بن يونس: سألت أبا بكر بن عياش عن الحديث، فقال: إن كنتَ تحبُّ أن تُحدِّثَ، فلستَ بأهلٍ أن تُؤتَى، وإن كنتَ تكرهُ أن تُؤتَى، فبِالحَرِيِّ أن تنجو . . . قال أبو بكر بن عياش للحسن بن الحسن بالمدينة: ما أبْقَتْ الفتنةُ منك؟ فقال: وأي فتنةٍ رأيتَني فيها؟ قال: رأيتهم يُقبِّلون يدك ولا تَمنَعُهم. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٩٥ - ٥٠٠).

تتمة سيرة سفيان بن عيينة رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال محمد بن يوسف الفريابي: كنت أمشي مع ابن عيينة، فقال لي: يا محمد، ما يُزهِّدُني فيك إلا طلبُ الحديث. قلتُ: فأنتَ يا أبا محمد! أيَّ شيءٍ كنت تعمل إلا طلبَ الحديث؟! فقال: كنتُ إذ ذاك صبيًّا لا أَعقِلُ. قلتُ: إذا كان مثلُ هذا الإمام يقول هذه المقالة في زمن التابعين أو بعدَهم بيسيرٍ، وطلب الحديث مضبوطٌ بالاتفاق، والأخذ عن الأثبات الأئمة..فكيف لو رأى سفيان - رحمه الله - طَلَبَةَ الحديث في وقتنا، وما هم عليه من الهنَّات والتخبيط، والأخذ عن جَهَلَةِ بني آدم، وتسميع ابن شهر . . . وعن ابن عيينة قال: الوَرَعُ: طلب العلم الذي به يُعرَفُ الوَرَعُ. روى سليمان بن أيوب: سمعتُ سفيان بن عيينة يقول: شهدتُ ثمانين موقفًا [يعني موقف عرفة في الحج]. ويروى: أن سفيان كان يقول في كل موقفٍ: اللهم لا تجعلْه آخِرَ العهدِ منك، فلما كان العامُ الذي مات فيه، لم يَقُلْ شيئًا، وقال: قد استحييتُ من الله تعالى . . . قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت ابن عيينة يقول: مَن عمل بما يعلم، كُفِيَ ما لم يعلم. وعن سفيان بن عيينة قال: مَن رأى أنه خيرٌ من غيرِه، فقد استَكبَرَ، ثم ذَكَرَ إبليسَ. وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لسفيان بن عيينة: ما الزهدُ في الدنيا؟ قال: إذا أُنعِمَ عليه فشَكَرَ، وإذا ابتُلِيَ ببَلِيَّةٍ فصبر، فذلك الزهدُ. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٦٣ - ٤٦٨).

من سيرة سفيان بن عيينة رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهِلالي، مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم، الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام، أبو محمد الهلالي، الكوفي، ثم المكي. مولده: بالكوفة، في سنة سبعٍ ومائةٍ. وطلب الحديث وهو حَدَثٌ، بل غلامٌ، ولقي الكبار، وحمل عنهم علمًا جَمًّا، وأتقن، وجوَّد، وجمع، وصنَّف، وعُمِّرَ دهرًا، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علوُّ الإسناد، ورُحِلَ إليه من البلاد، وأَلحَق الأحفاد بالأجداد . . . ولقد كان خلقٌ من طلبة الحديث يتكلَّفون الحج، وما المُحرِّك لهم سوى لُقِيٍّ سفيان بن عيينة؛ لإمامته وعلوِّ إسناده، وجاوَرَ عندَه غير واحدٍ من الحفاظ. ومن كبار أصحابه المُكثِرين عنه: الحميدي، والشافعي، وابن المديني، وأحمد، وإبراهيم الرمادي. قال الإمام الشافعي: لولا مالكٌ وسفيان بن عيينة، لذَهَب علم الحجاز. وعنه قال: وجدتُ أحاديث الأحكام كلَّها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلَّها عند مالكٍ سوى ثلاثين حديثًا. فهذا يُوضِّحُ لك سعة دائرة سفيان في العلم؛ وذلك لأنه ضَمَّ أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين. وارتَحَلَ، ولقي خلقا كثيرًا ما لقيهم مالك، وهما نظيران في الإتقان، ولكن مالكًا أجلُّ وأعلى . . . قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما رأيتُ أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أَكَفَّ عن الفُتيا منه، قال: وما رأيتُ أحدًا أحسنَ تفسيرًا للحديث منه. قال عبدالله بن وهب: لا أعلم أحدًا أعلمَ بتفسير القرآن من ابن عيينة . . . وقال ابن مهدي: عند ابن عيينة من معرفته بالقرآن وتفسير الحديث، ما لم يكن عند سفيان الثوري. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٥٤ - ٤٥٩).

تتمة سيرة الفضيل بن عياض رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال أبو عبيد، وابن المديني، وابن معين، وابن نمير، والبخاري، وآخرون: مات سنة سبعٍ [وثمانين ومائة] بمكة . . . قلتُ: وله نيِّفٌ وثمانون سنةً. وهو حُجَّةٌ، كبير القَدْر، ولا عِبرةَ بما نقله أحمد بن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض؛ لأنه روى أحاديثَ أزرى على عثمان بن عفان. قلتُ [الذهبي]: فلا نَسمَعُ قول قطبة، ليتَه اشتَغَلَ بحاله، فقد قال البخاري: فيه نَظَرٌ، وقال النسائي وغيره: ضعيفٌ. وأيضًا: فالرجل صاحب سنةٍ واتباعٍ [يعني الفضيل]. قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا عبدالصمد بن يزيد الصائغ، قال: ذُكِرَ عند الفضيل - وأنا أسمعُ - الصحابةُ، فقال: اتَّبِعوا فقد كُفيتُم: أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٌّ - رضي الله عنهم -. قلتُ: إذا كان مثلُ كبراء السابقين الأوَّلين قد تَكَلَّمَ فيهم الروافض والخوارج، ومثلُ الفضيل يُتكلَّمُ فيه، فمَن الذي يَسلَمُ مِن ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامةُ الرجل وفضلُه، لم يَضُرَّه ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء مُفتقِرٌ إلى وزنٍ بالعدل والوَرَع. وأما قول ابن مهدي: لم يكن بالحافظ، فمعناه: لم يكن في علم الحديث كهؤلاء الحُفَّاظ البحور، كشعبة، ومالك، وسفيان، وحمَّاد، وابن المبارك، ونظرائهم، لكنه ثَبْتٌ قَيِّمٌ بما نَقَلَ، ما أُخِذَ عليه في حديثٍ [يعني لم يخطئ في حديث] فيما علمتُ. وهل يُرادُ من العلم إلا ما انتهى إليه الفضيل رحمة الله عليه؟! سير أعلام النبلاء (٨ / ٢٤٧ - ٢٤٨).

من سيرة علي بن الفضيل بن عياض رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: وكان ابنُه: علي بن الفضيل بن عياض التميمي، من كبار الأولياء، ومات قبل والده . . . قلتُ: خرج هو وأبوه مِن الضعف الغالب على الزُّهَّاد والصوفية، وعُدَّا في الثقات إجماعًا. وكان عليٌّ قانتًا لله، خاشعًا، وَجِلًا، ربَّانيًّا، كبيرَ الشأن. قال الخطيب: مات قبل أبيه بمدةٍ، من آيةٍ سمعها تُقرأ، فغُشي عليه، وتوفي في الحال . . . . . . حدثنا عبد الصمد بن يزيد، سمعت الفضيل يقول: أشرفتُ ليلةً على عليٍّ، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار! ومتى الخلاص من النار؟ وقال لي: يا أَبَةِ! سَلِ الذي وَهَبَني لك في الدنيا، أن يَهَبَني لك في الآخرة. ثم قال: لم يَزَلْ مُنكَسِرَ القلب حزينًا. ثم بكى الفضيل، ثم قال: كان يساعدني على الحزن والبكاء، يا ثمرةَ قلبي، شَكَرَ اللهُ لك ما قد عَلِمَه فيك. . . . عن سفيان بن عيينة قال: ما رأيتُ أحدًا أخْوَفَ من الفضيل وابنه. . . . عن شهاب بن عبَّاد قال: كانوا يعودون علي بن الفضيل وهو يمشي، فقال: لو ظننتُ أني أبقى إلى الظهر، لشَقَّ عليَّ. وعن الفضيل قال: اللهم إني اجتهدتُ أن أُؤَدِّبَ عليًّا، فلم أقدِرْ على تأديبِه، فأدِّبْه أنت لي. [وهذا الدعاء قبل أن يصير من العُبّاد الزهَّاد] سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٤٢ - ٤٤٥).

تتمة سيرة الفضيل بن عياض رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: . . . إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعتُ الفُضيل يُخاطِبُ نفسَه: ما أُراهُ أخرجَك من الحِلِّ فدَسَّكَ في الحرم إلا ليُضعِّفَ عليك الذنب، أما تستحي تذكر الدينارَ والدرهمَ وأنت حولَ البيت، إنما كان يأتيه التائبُ والمستجيرُ. وعن الفضيل قال: المؤمن يَغبِطُ، ولا يَحسِدُ، الغِبطة من الإيمان، والحَسَد من النفاق. قلتُ: هذا يُفسِّرُ لك قولَه ﷺ: «لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالًا يُنفِقُه في الحق، ورجلٍ آتاه الله القرآنَ، فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار». فالحسد هنا معناه: الغِبطة، أن تَحسِدَ أخاك على ما آتاه الله، لا أنك تَحسِدُه بمعنى: أنك تودُّ زوالَ ذلك عنه، فهذا بَغْيٌ وخَبَثٌ . . . وعن ابن المبارك قال: إذا نظرتُ إلى الفُضيل، جَدَّدَ لِيَ الحزنَ، ومَقَتُّ نفسي، ثم بكى . . . قال الأصمعي: نظر الفضيل إلى رجلٍ يشكو إلى رجلٍ، فقال: يا هذا! تشكو مَن يَرحَمُك إلى مَن لا يَرحَمُك؟! قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أبو عبد الله الأنطاكي، قال: اجتمع الفضيل والثوري، فتَذاكرا، فرَقَّ سفيان وبكى، ثم قال: أرجو أن يكون هذا المجلس علينا رحمةً وبركةً. فقال له الفضيل: لكني يا أبا عبدالله أخاف أن لا يكونَ أضرَّ علينا منه، ألستَ تخلَّصتَ إلى أحسن حديثك، وتخلَّصتُ أنا إلى أحسن حديثي، فتزيَّنتَ لي، وتزيَّنتُ لك؟! فبكى سفيان وقال: أحيَيتَني، أحياك الله. وقال الفيض: قال لي الفضيل: لو قيل لك: يا مُرائي، غَضِبتَ وشَقَّ عليك، وعسى ما قيل لك حقٌّ؛ تزيَّنتَ للدنيا، وتصنَّعتَ، وقصَّرتَ ثيابك، وحسَّنتَ سَمْتَك، وكففتَ أذاك، حتى يُقالَ: أبو فلانٍ عابدٌ، ما أحسنَ سَمْتَه، فيُكرِمونك، ويَنظُرونك، ويَقصِدونك، ويُهدونَ إليك. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٣٧ - ٤٣٩).

تتمة سيرة الفضيل بن عياض رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: قال محمد بن عبدويه: سمعت الفضيل يقول: - ترك العمل من أجل الناس رياءٌ، - والعمل من أجل الناس شركٌ، - والإخلاص أن يُعافِيَك الله عنهما . . . قال الفضيل: والله ما يحل لك أن تؤذي كلبًا ولا خنزيرًا بغير حقٍّ، فكيف تؤذي مسلمًا؟! وعن فضيل: لا يكون العبد من المُتَّقين حتى يأمنَه عدوُّه. وعنه: بقدر ما يَصغُرُ الذنبُ عندك، يَعظُمُ عند الله، وبقدر ما يَعظُمُ عندك، يَصغُرُ عند الله . . . قال الفضيل: لو خُيِّرتُ بين أن أعيش كلبًا وأموت كلبًا، ولا أرى يوم القيامة، لاخترتُ ذلك . . . عبد الصمد بن يزيد: سمعت الفضيل يقول: . . . إذا أحبَّ اللهُ عبدًا، أكثَرَ غمَّه، وإذا أبغض عبدًا، وسَّع عليه دنياه. وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: مَن أحَبَّ أن يُذكَرَ لم يُذكَرْ، ومَن كَرِهَ أن يُذكَرَ ذُكِرَ. وسمعته يقول: وعِزَّتِه، لو أدخلني النارَ ما أيِسْتُ. وسمعته - وقد أفضنا من عرفات - يقول: واسَوْأَتاه - واللهِ - منك وإن عفوتَ . . . قال فيض بن وثيق : سمعت الفضيل يقول: إن استطعتَ أن لا تكونَ مُحدِّثًا، ولا قارئًا، ولا مُتكلِّمًا؛ ← إن كنتَ بليغًا، قالوا: ما أبلَغَه، وأحسنَ حديثَه، وأحسنَ صوتَه، فيُعجِبُك ذلك، فتنتفِخُ. ← وإن لم تكن بليغًا ولا حَسَنَ الصوت، قالوا: ليس يُحسِنُ يُحدِّثُ، وليس صوتُه بحَسَنٍ، أحزَنَكَ ذلك، وشَقَّ عليك، فتكون مُرائِيًا. ➢ وإذا جلستَ، فتكلمتَ، فلم تُبالِ مَن ذَمَّكَ ومَن مَدَحَك، فتَكَلَّمْ. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٢٧ - ٤٣٣).

من سيرة الفضيل بن عياض رحمه الله: قال الذهبي رحمه الله: الفُضَيْل بن عِياض بن مسعود بن بِشر التميمي. الإمام، القدوة، الثَّبْت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي، اليربوعي، الخراساني، المُجاوِرُ بحرم الله. وُلد: بسمرقند، ونشأ بأبيوَرْد، وارتحل في طلب العلم . . . . . . عن الفضل بن موسى، قال: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيوَرْد وسرخس، وكان سبب توبتِه أنه عَشِقَ جاريةً، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَم يَأنِ لِلَّذينَ آمَنوا أَن تَخشَعَ قُلوبُهُم لِذِكرِ الله وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما سَمِعَها قال: بلى يا ربِّ، قد آنَ. فرجع، فآواه الليل إلى خربةٍ، فإذا فيها سابلةٌ [يعني قافلةٌ]، فقال بعضهم: نرحلُ، وقال بعضهم: حتى نُصبِحَ؛ فإنَّ فُضيلًا على الطريق يقطع علينا. قال: ففكَّرتُ، وقلتُ: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقومٌ من المسلمين هاهنا يخافوني، وما أرى اللهَ ساقني إليهم إلا لأرتدعَ، اللهم إني قد تبتُ إليكَ، وجعلتُ توبتي مُجاوَرَةَ البيت الحرام . . . . . . عن ابن المبارك قال: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضلُ من الفضيل بن عياض. . . . إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقهَ الناس، وأورعَ الناس، وأحفظَ الناس: وكيعًا، والفضيل، وابن المبارك . . . قال عبدالصمد مردويه الصائغ: قال لي ابن المبارك: إن الفضيل بن عياض صَدَقَ اللهَ، فأجرى الحكمةَ على لسانه، فالفضيل مِمَّن نَفَعَه علمُه . . . وقال إبراهيم بن الأشعث: ما رأيتُ أحدًا كان اللهُ في صدره أعظمَ من الفضيل، كان إذا ذكر اللهَ، أو ذُكِرَ عندَه، أو سمع القرآن، ظهر به مِن الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى، حتى يرحمه مَن يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة. ما رأيت رجلًا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبُغضه وحبه، وخِصاله كلِّها غيره. كنا إذا خرجنا معه في جنازةٍ، لا يزال يَعِظُ ويُذكِّرُ ويبكي، كأنه مُودِّعٌ أصحابَه ذاهبٌ إلى الآخرة، حتى يبلغَ المقابرَ، فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يُخبِرُ عنها. سير أعلام النبلاء (٨ / ٤٢١ - ٤٢٦).