رِوَاقُ ٱلْقَيِّمِ
Open in Telegram
سَمِعْتُ كَلِمَةً فَنَفَعَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً. -زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
Show more269
Subscribers
-124 hours
-27 days
-330 days
Posts Archive
إِنَّ عَوْنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، فَمَنْ تَمَّتْ نِيَّتُهُ فِي الْخَيْرِ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ، وَمَنْ قَصُرَتْ نِيَّتُهُ قَصُرَ مِنَ الْعَوْنِ بِقَدْرِ مَا قَصُرَ مِنْهُ، وَالسَّلَامُ.
سَالِمُ بْنُ عُمَرَ : ‹ الزُّهْدُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ›
قُوَى الحُبِّ مَتَى انْصَرَفَتْ إِلَىٰ جِهَةٍ، لَمْ يَبْقَ فِيهَا مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهَا، وَمِنْ أَمْثَالِ النَّاسِ: "لَيْسَ فِي القَلْبِ حُبَّانِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ رَبَّانِ".
ابنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ : ‹ رَوْضَةُ المُحِبِّينَ ›
ٰ مَا طَلَبْتُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا قَطُّ فَوَلِيَ لِي، حَتَّى لَقَدْ رَكِبْتُ مَرَّةً حِمَارًا فَلَمْ يَمْشِ، فَنَزَلْتُ عَنْهُ وَرَكِبَهُ غَيْرِي فَعَدَا.
قَالَ: فَأُرِيتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي: لَا يُحْزِنْكَ مَا زُوِيَ عَنْكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِأَوْلِيَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ.
قَالَ: فَسُرِّيَ عَنِّي.
أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيّ : ‹ صِفَةُ الصَّفْوَةِ ›
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأَ: ٢٢-٢٣].
فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَخَذَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَجَامِعَ الطُّرُقِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ، وَسَدَّتْهَا عَلَيْهِمْ أَحْكَمَ سَدٍّ وَأَبْلَغَهُ! فَإِنَّ الْعَابِدَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْبُودِ لِمَا يَرْجُو مِنْ نَفْعِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَرْجُ مِنْهُ مَنْفَعَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ قَلْبُهُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ مَالِكًا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْفَعُ بِهَا عَابِدَهُ أَوْ شَرِيكًا لِمَالِكِهَا، أَوْ ظَهِيرًا وَوَزِيرًا وَمُعَاوِنًا لَهُ، أَوْ وَجِيهًا ذَا حُرْمَةٍ وَقَدْرٍ يَشْفَعُ عِنْدَهُ.
فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَطَلَتْ، انْتَفَتْ أَسْبَابُ الشِّرْكِ وَانْقَطَعَتْ مَوَادُّهُ.
ابنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ : ‹ الْصَّوَاعِقُ ›
لَوْ صَلَّى العَبْدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَدَدِ أَنْفَاسِهِ لَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًّا لِحَقِّهِ.
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ : ‹ جَلَاءُ ٱلْأَفْهَامِ ›
وَمِمَّا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ﷺ: مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَائِمِ الشِّيَمِ، فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي أَخْلَاقِهِ وَشِيَمِهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهَا خَيْرُ أَخْلَاقِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَعْلَمَ الْخَلْقِ، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَحْلَمَهُمْ،
وَأَجْوَدَهُمْ وَأَسْخَاهُمْ، وَأَشَدَّهُمْ احْتِمَالًا، وَأَعْظَمَهُمْ عَفْوًا وَمَغْفِرَةً.
وَكَانَ لَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَأَرْحَمُ الْخَلْقِ وَأَرْأَفُهُمْ بِهِمْ، وَأَعْظَمُ الْخَلْقِ نَفْعًا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَأَفْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَحْسَنُهُمْ تَعْبِيرًا عَنِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْوَجِيزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ.
وَأَصْبَرُهُمْ فِي مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَأَصْدَقُهُمْ فِي مَوَاطِنِ اللِّقَاءِ، وَأَوْفَاهُمْ بِالْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ، وَأَعْظَمُهُمْ مُكَافَأَةً عَلَى الْجَمِيلِ بِأَضْعَافِهِ، وَأَشَدُّهُمْ تَوَاضُعًا، وَأَعْظَمُهُمْ إِيثَارًا عَلَى نَفْسِهِ.
وَأَشَدُّ الْخَلْقِ ذَبًّا عَنْ أَصْحَابِهِ وَحِمَايَةً لَهُمْ وَدِفَاعًا عَنْهُمْ، وَأَقْوَمُ الْخَلْقِ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَأَتْرَكُهُمْ لِمَا يَنْهَى عَنْهُ، وَأَوْصَلُ الْخَلْقِ لِرَحِمِهِ.
فَهُوَ أَحَقُّ بِقَوْلِ الْقَائِلِ:
بَرْدٌ عَلَى الْأَدْنَى وَمَرْحَمَةٌ
وَعَلَى الْأَعَادِي مَازِنٌ جَلْدُ
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: ‹ جَلَاءُ الْأَفْهَامِ ›
اعْتِرَافُ المُذْنِبِ بِذَنْبِهِ مَعَ النَّدَمِ عَلَيْهِ تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ.
ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيّ : ‹ لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ ›
ٰ يَا مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ: أَيْنَ قَلْبُكَ؟ يَا زَمَانَ الْخَيْفِ: هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ؟ إِنْ كُنْتَ فَقَدْتَ قَلْبَكَ فَلَا تَيْأَسْ مِنْ وُجُودِهِ.
فَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لَا تَلَاقِيَا
سِرْ بِوَادِي الطَّلَبِ، مُسْتَغِيثًا بِلِسَانِ الطَّرَبِ.
رُدُّوا عَلَيَّ لَيَالِيَ الَّتِي سَلَفَتْ ... لَمْ أَنْسَهُنَّ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمِ
ابْنُ الْجَوْزِيّ : ‹ اللَّطَائِف ›
تَأَمَّلْتُ وُقُوعَ الشَّدَائِدِ بِالْمُؤْمِنِ، وَوَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَوَجَدْتُ الْمُرَادَ إِقَامَةَ الْقَلْبِ عَلَى بَابِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَالشَّدَائِدُ تُوجِبُ اللُّجُوءَ وَالتَّضَرُّعَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِالْمُبْتَلِي، وَكُلَّمَا اشْتَدَّتْ؛ زَادَ اللُّجُوءُ، وَقَوِيَ الِانْقِطَاعُ إِلَيْهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَإِذَا كَشَفَ الشَّدَائِدَ أَوْجَبَ ذَلِكَ الْكَشْفُ قِيَامَ الْقَلْبِ عَلَى بَابِ الشُّكْرِ.
وَلَوْلَا الشَّدَائِدُ مَا عُرِفَ أَثَرُ زَوَالِهَا؛ فَإِنَّ الْعَافِيَةَ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهَا إِلَّا عِنْدَ الْمَرَضِ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَلَوْلَا الْهَجْرُ مَا حُمِدَ التَّدَانِي
فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ النِّعَمَ فِي الشَّدَائِدِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَسْرَحُ فِي تَأْدِيَةِ السَّلَامَةِ غَافِلًا عَنِ الْمُنْعِمِ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فَبِقَلْبٍ غَافِلٍ، وَإِنْ شَكَرَهُ فَلَا عَنْ حُرْقَةٍ، وَالْبَلَايَا تُزْعِجُ إِزْعَاجًا، وَالشُّكْرُ عَلَى زَوَالِهَا يُوجِبُ قِلَّةَ حُضُورٍ وَإِخْلَاصِ حَمْدٍ، هَذَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى الْبَلَاءِ لِلْمُؤْمِنِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ فِي طَيِّ اعْتِسَافِهِ إِسْعَافُهُ، فَافْهَمْ هَذَا، وَقَدْ زَالَ التَّأَفُّفُ بِالنَّوَازِلِ.
ابْنُ الْجَوْزِيّ : ‹ صَيْدُ الْخَاطِرِ ›
ذُكِرَ عَنْ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَتَابَ إِلَيْهِ، فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ؛ وَعَنْ إِبْلِيسَ أَبِي الْجِنِّ -لَعَنَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ أَصَرَّ مُتَعَلِّقًا بِالْقَدَرِ، فَلَعَنَهُ وَأَقْصَاهُ.
فَمَنْ أَذْنَبَ وَتَابَ وَنَدِمَ فَقَدْ أَشْبَهَ أَبَاهُ، وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ.
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : ‹ مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى ›
إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ وَلِيًّا وَهُوَ لَكَ مُحِبًّا، فَدَعِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيهِمَا، وَفَرِّغْ نَفْسَكَ مِنْهُمَا، وَأَقْبِلْ بِوَجْهِكَ عَلَى اللهِ، يُقْبِلِ اللهُ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ، وَيَلْطُفْ بِكَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا يَحْيَى، إِنِّي قَضَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يُحِبَّنِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي أَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ، إِلَّا كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَغَّضْتُ إِلَيْهِ الِاشْتِغَالَ بِغَيْرِي، وَأَدَمْتُ فِكْرَتَهُ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَهُ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارَهُ.
يَا يَحْيَى، أَنَا جَلِيسُ قَلْبِهِ، وَغَايَةُ أُمْنِيَّتِهِ وَأَمَلِهِ، أَهَبُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، فَيَتَقَرَّبُ مِنِّي وَأَتَقَرَّبُ مِنْهُ، أَسْمَعُ كَلَامَهُ وَأُجِيبُ تَضَرُّعَهُ، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَبْعَثَنَّهُ مَبْعَثًا يَغْبِطُهُ بِهِ النَّبِيُّونَ وَالْمُرْسَلُونَ.
ثُمَّ آمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَلِيُّ اللهِ وَصَفِيُّهُ وَخَيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، دَعَاهُ إِلَى زِيَارَتِهِ لِيَشْفِيَ صَدْرَهُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَإِذَا جَاءَنِي رَفَعْتُ الْحِجَابَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَيْفَ شَاءَ، وَأَقُولُ: أَبْشِرْ، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَشْفِيَنَّ صَدْرَكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيَّ، وَلَأُجَدِّدَنَّ كَرَامَتَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَسَاعَةٍ.
فَإِذَا تَوَجَّهَتِ الْوُفُودُ إِلَيْهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمُتَوَجِّهُونَ، مَا ضَرَّكُمْ مَا فَاتَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِذَا كُنْتُ لَكُمْ حَظًّا، وَمَا ضَرَّكُمْ مَنْ عَادَاكُمْ إِذَا كُنْتُ لَكُمْ سِلْمًا.
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ : ‹ حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ ›
وَمِنْ إِعْجَازِ ٱلْقُرْآنِ صَنِيعُهُ بِٱلْقُلُوبِ وَتَأْثِيرُهُ فِي ٱلنُّفُوسِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْمَعُ كَلَامًا غَيْرَ ٱلْقُرْآنِ مَنْظُومًا وَلَا مَنْثُورًا، إِذَا قَرَعَ ٱلسَّمْعَ خَلَصَ لَهُ إِلَى ٱلْقَلْبِ مِنَ ٱللَّذَّةِ وَٱلْحَلَاوَةِ فِي حَالٍ، وَمِنَ ٱلرَّوْعَةِ وَٱلْمَهَابَةِ فِي أُخْرَى، مَا يَخْلُصُ مِنْهُ إِلَيْهِ، تَسْتَبْشِرُ بِهِ ٱلنُّفُوسُ، وَتَنْشَرِحُ لَهُ ٱلصُّدُورُ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْهُ، عَادَتْ مُرْتَاعَةً، قَدْ عَرَاهَا ٱلْوَجِيبُ وَٱلْقَلَقُ، وَتَغَشَّاهَا ٱلْخَوْفُ وَٱلْفَرَقُ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ ٱلْجُلُودُ، وَتَنْزَعِجُ لَهُ ٱلْقُلُوبُ، يَحُولُ بَيْنَ ٱلنَّفْسِ وَبَيْنَ مُضْمَرَاتِهَا وَعَقَائِدِهَا ٱلرَّاسِخَةِ فِيهَا، فَكَمْ مِنْ عَدُوٍّ لِرَسُولِ ٱللَّهِ – صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ رِجَالِ ٱلْعَرَبِ وَفَتَّاكِهَا، أَقْبَلُوا إِلَيْهِ يُرِيدُونَ ٱغْتِيَالَهُ وَقَتْلَهُ، فَسَمِعُوا آيَاتٍ مِنَ ٱلْقُرْآنِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا حِينًا وَقَعَتْ فِي مَسَامِعِهِمْ، أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ رَأْيِهِمُ ٱلْأَوَّلِ، وَأَنْ يَرْكَنُوا إِلَى مُسَالَمَتِهِ، وَيَدْخُلُوا فِي دِينِهِ، وَصَارَتْ عَدَاوَتُهُمْ مُوَالَاةً، وَكُفْرُهُمْ إِيمَانًا.
قِوَامُ ٱلسُّنَّةِ ٱلْأَصْبَهَانِيُّ : ‹ ٱلْحُجَّة ›
آيَاتُ الْقُرْآنِ تُحْيِي الْقُلُوبَ كَمَا تَحْيَا الْأَرْضُ بِالْمَاءِ.
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ : ‹ مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ ›
إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ.
الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ : ‹ مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا ›
أَيُّهَا العَبْدُ: حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي خَلْوَتِكَ، وَتَفَكَّرْ فِي انْقِرَاضِ مُدَّتِكَ، وَاعْمَلْ فِي زَمَانِ فَرَاغِكَ لِوَقْتِ شِدَّتِكَ، وَتَدَبَّرْ قَبْلَ الفِعْلِ مَا يُمْلَى فِي صَحِيفَتِكَ، وَانْظُرْ: هَلْ نَفْسُكَ مَعَكَ أَوْ عَلَيْكَ فِي مُجَاهَدَتِكَ؟
لَقَدْ سَعِدَ مَنْ حَاسَبَهَا، وَفَازَ ـ وَاللَّهِ ـ مَنْ حَارَبَهَا، وَقَامَ بِاسْتِيفَاءِ الحُقُوقِ مِنْهَا وَطَالَبَهَا، وَكُلَّمَا وَنَتْ عَاتَبَهَا،
وَكُلَّمَا تَوَاقَفَتْ جَذَبَهَا، وَكُلَّمَا نَظَرَتْ فِي آمَالِ هَوَاهَا غَلَبَهَا.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِيَّ).
ابْنُ الجَوْزِيّ : ‹ اليَاقُوتَة ›
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ».
فَهَذَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ زَكَاةٌ لِلْمُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالزَّكَاةُ تَتَضَمَّنُ النَّمَاءَ وَالْبَرَكَةَ وَالطَّهَارَةَ، وَالَّذِي قَبْلَهُ فِيهِ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ مَحْوَ الذَّنْبِ، فَتَضَمَّنَ الْحَدِيثَانِ أَنَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ تَحْصُلُ طَهَارَةُ النَّفْسِ مِنْ رَذَائِلِهَا، وَيَثْبُتُ لَهَا النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ فِي كَمَالَاتِهَا وَفَضَائِلِهَا.
وَإِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يَرْجِعُ كَمَالُ النَّفْسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا كَمَالَ لِلنَّفْسِ إِلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ مَحَبَّتِهِ وَمُتَابَعَتِهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ﷺ.
ابنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ : ‹ جَلَاءُ الْأَفْهَامِ ›
الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ حَيَاةُ مَنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالرَّسُولِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَحْيَاءُ وَإِنْ مَاتُوا، وَغَيْرُهُمْ أَمْوَاتٌ وَإِنْ كَانُوا أَحْيَاءَ الْأَبْدَانِ.
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ : ‹ الْفَوَائِد ›
خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمًا، فَلَمَّا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْغُرُوبِ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ».
فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَاقِلُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلْيَعْلَمْ أَيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي قَدْ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ فِي غُرُورٍ وَأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ، وَأَنَّهُ قَدْ بَاعَ سَعَادَةَ الْأَبَدِ وَالنَّعِيمَ الْمُقِيمَ بِحَظٍّ خَسِيسٍ لَا يُسَاوِي شَيْئًا، وَلَوْ طَلَبَ اللَّهَ تَعَالَى وَالدَّارَ الْآخِرَةَ لَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الْحَظَّ هَنِيئًا مُوَفَّرًا، وَأَكْمَلَ مِنْهُ،
كَمَا فِي بَعْضِ الْآثَارِ: «ابْنَ آدَمَ، بِعِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ تَرْبَحْهُمَا جَمِيعًا، وَلَا تَبِعِ الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا تَخْسَرْهُمَا جَمِيعًا».
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: ‹ الْوَابِلُ الصَّيِّبُ ›
إِذَا عُرِفَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الِابْتِلَاءِ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ قَدْ يَكُونُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ مَصْلَحَةً لِلْعَبْدِ أَوْ مَفْسَدَةً لَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَذَلِكَ كَانَ مَصْلَحَةً لَهُ، وَإِنْ عَصَاهُ كَانَ مَفْسَدَةً لَهُ = تَبَيَّنَ أَنَّ النَّاسَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ صَلَاحُهُ عَلَى السَّرَّاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ صَلَاحُهُ عَلَى الضَّرَّاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْلُحُ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصْلُحُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهَا.
وَالْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ قَدْ يَجْتَمِعُ لَهُ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْأَرْبَعَةُ فِي أَوْقَاتٍ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعٍ يُبْتَلَى بِهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السُّقْمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي، إِنِّي بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ».
فَكَمَا أَنَّ التَّنَعُّمَ الْعَاجِلَ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ بَلَاءً وَشَرًّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْصِيَةِ فِيهِ، وَالطَّاعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْ تَكُونُ حَابِطَةً وَسَبَبًا لِلشَّرِّ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَعَقَّبُهَا مِنْ رِدَّةٍ وَفِتْنَةٍ، فَكَذَلِكَ التَّأَلُّمُ الْعَاجِلُ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ خَيْرًا وَنِعْمَةً، وَالْمَعْصِيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْخَيْرِ بِاعْتِبَارِ التَّوْبَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يُعَقِّبُهَا مِنْ مِحْنَةٍ، لَكِنْ تَبَدُّلَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَبْدَ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَثْبِيتِ قَلْبِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هُودٍ: ٩-١٠]، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هُودٍ: ١١].
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : ‹ جَامِعُ الْمَسَائِلِ ›
مَفَاوِزُ الدُّنْيَا تُقْطَعُ بِالْأَقْدَامِ، وَمَفَاوِزُ الْآخِرَةِ تُقْطَعُ بِالْقُلُوبِ.
يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : ‹ حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ ›
