ما لا يُقال
Open in Telegram
193
Subscribers
No data24 hours
-27 days
-1030 days
Posts Archive
193
Repost from نـنـتـظر القـائـم
خُذ رُوحِي وأعگِدها يَم بيَبّانك
وأتُوَبها مِن عِصْيَانِك وأدِبها يحَسّين.
193
بِحق هذه الليالي، أَعْرِفها جيداً، تلك التي يقف فيها المرء حائراً بين طرق متشعبة، لا يدري أيها يسلك، ولا من يصحبه في رحلته. أيام يكون فيها الإنسان وحيداً وحيداً، كسفينة بلا دفة في لجة مظلمة، تتقاذفها الأمواج وهو ينازع في أعماق نفسه هزيمة صامتة. في هذه الأحْيان، يستسلم المرء لقدره، ليس ضعفاً ولكن إدراكاً لحدِّ القُدرة. يتعايش مع الواقع المر، ويواصل مسيرته، وإن ببطء. غير أن في أعماق قلبه يخفق أمل واهن، ثقيل كحجر، حزين كذكرى بعيدة. يتمنى في سرِّه: لو أن ثمَّة وجهة واحدة واضحة، مهما كانت بعيدة، لاتجه نحوها بكل ما فيه من إرهاق وتعب. لو أن ثمَّة قلباً واحداً يفهم صمته، لركض إليه حاملاً أثقاله كلها، ليجد في حضنه ملجأً وسكينة. عندئذ، لأصبحت الحياة مختلفة. لانقشع عن النفس سحاب القنوط، ولاستقر فيها طمأنينة عميقة، كالسكينة التي تسود البحيرة بعد عاصفة عنيفة. هذه هي السكينة التي يتلهف عليها كل كائن، سكينة القلب المطمئن والنظر المستقر.
193
أُداري الناسَ عَمّا بي وأُخفيهِ فَما يَخفىٰ
وأَعَيشُ بِتّعب فلا يَعلمُ إلا اللهُ ما ألقىٰ.
193
كنت أظن أنني أعيش كما يعيش الجميع، أستيقظ، أعمل، أضحك، أتحدث، وأملأ يومي بما أستطيع من ضجيج، حتى لا أسمع ما يدور في داخلي. كنت أهرب من الصمت كمن يهرب من هاوية مفتوحة. كنت أظن أن الانشغال علاج، وأن التعب دليل حياة، لكن شيئاً في أعماقي كان ساكناً بشكل مريب، كأنه ينتظر مني اعترافاً مؤجلاً. كلما جلست وحدي، شعرت أني غريب عن نفسي، كأنني أراقب شخصاً آخر يرتدي وجهي ويتحدث باسمي. أحاول أن أكتب لأفهم ما يحدث، لكن الكلمات تخونني، تخرج بلا حرارة، كأنها لا تخصني. أفتح الكتب، أتابع الناس، أملأ الهاتف بالأصوات والصور، ومع ذلك يظل الفراغ يتسع في داخلي، كأنني أحشو حفرةً بلا قاع. أضحك أحياناً كي لا يلاحظ أحد أني متهالك، وأقول إنني بخير كي لا أشرح ما لا يمكن شرحه. في الليل، حين يهدأ كل شيء، أشعر بخفةٍ مزعجة، كأنني فقدت وزني المعنوي، كأنني حاضر في الحياة بجسدي فقط، أما روحي فصارت تراقبني من بعيد، تنتظر اللحظة التي أجرؤ فيها على النظر إليها والاعتراف: أنني لم أعد أشعر بشيء منذ زمن طويل.
193
أؤمنُ بأنّ في الإنسان حنينًا دفينًا إلى أيامه الماضية، لا لأنها كانت أجمل، بل لأنّه كان فيها أقلّ إدراكًا وأكثر صفاءً. كانت الدنيا أرحب في عينيه، وأقلّ تعقيدًا في نفسه. لم تكن قد أثقلت فطرته همومُ الكبار، ولا شغلته أسئلة الغد. كان يعيش اللحظةَ ببساطة الطفولة وبراءتها. كان يضحك من قلبه لأسباب تافهة، ويصنع من اللعبة عالمًا، ومن الوهم حقيقة. لم تكن قد مسّته بعدُ جراح المعرفة، ولا عرف كمّ الخفايا والتناقضات التي تحملها الحياة. اليوم، بعد أن اتسعت مداركه، صار يرى ما وراء السطور. صار يحمل عبء الفهم، وثقل المسؤولية. ففقدت الحياة بريقها الساذج، وابتعد عنه ذلك الطُّرْف الخفيف الذي كان يملأ أيامه. إنّ هذا الحنين ليس إلاّ شوقًا إلى تلك الذات البسيطة التي كانت ترى العالم من خلال قلبها قبل عقلها. إلى ذلك السلام الداخلي الذي لم تكن تعرف بعد كيف تفقده.
193
اسِيرُ نَحوَ المَجهّول غَيرَ مُرتَعِدِ
مَا عُدتُ مُكْتَرِثََا إِنْ أَمْطَرَتْ أَلَمََا ..
