الميّاس
Open in Telegram
372
Subscribers
-124 hours
-27 days
+130 days
Posts Archive
372
الرسالة الأخيرة:
عزيزي:
لم أتوقع أنني سأكتب آخر رسائلي إليك آخر رسالة يحملها اسمي إليك لا أعلم كيف تُكتب الرسائل الأخيرة ولا كيف يُصاغ فيها الوداع وكيف تُرتّل الكلمات حين يكون القلب مثقلًا بما لا يريد قوله ولا كيف تستطيع الكلمات أن تخفف من وطأة وحشته أحاول منذ أيام أن أكتب لك هذه الرسالة وكلما بدأت بها توقفت وكأنني أبحث عن طريقةٍ أقل ألمًا لأقول أن هذه ستكون النهاية، حين أعود بذاكرتي إلى أول رسالة أجد أنني قطعت معك طريقًا طويلًا دون أن أشعر بدأت من إجازة قصيرة في جازان في فناء منزلنا وإخوتي وهم يلعبون بالكرة و الانضمام إليهم ، ثم اجتمعت العائلة وامتلأ البيت بالأطفال والضحكات والسهر، وجاء العيد بكل فوضاه الجميلة، ثم بدأت الإجازة تنتهي شيئًا فشيئًا، وبدأت أستعد للعودة إلى مكة وبدأت مرحلة الاختبارات الأخيرة كتبت لك وأنا ذاهبة إلى أول اختبار في سنتي الأخيرة ثم كتبت لك في آخر أسبوع من الجامعة وأنا أعيش خليطًا غريبًا من الخوف والفرح والحزن إلى أن جاءت اللحظة التي أصبحت فيها (خريجة)
احتفلت بتخرجي وحصلت على مرتبة الشرف واحتضنت دكتوراتي وبكيت مع صديقاتي في آخر يوم وخرجت من آخر قاعة وأنا أدرك أنني لن أعود إليها طالبةً مرة أخرى كانت فرحةً ممزوجةً بحزنٍ غريب كأنني ربحت شيئًا طالما تمنيته وفقدت في اللحظة نفسها شيئًا أحببته ثم خرجت من الجامعة وأنا أحاول أن أستوعب أن سنوات طويلة من حياتي انتهت في يوم واحد، وبعد كل تلك النهايات عُدت مرةً أخرى إلى جازان الحبيبة فعادت معها العائلة، والقهوة، والكتب، والتلوين، وأحاديث جدي، وضحكات الأطفال، والطرقات التي تحمل ذكريات قديمة زرت العارضة وتذكرت طفولتي، ووقفت أمام جبال العبادل، وتمنيت لو أنك ترى ما رأته عيناي وتلتقط بعدستك تلك المناظر التي أحببتها وها أنا الآن أقف عند آخر الطريق،
آخر أيامي في جازان وآخر ما سأحدثك عنه هُنا لا أخفي عليك أنني كلما حاولت كتابة هذه الرسالة شعرت بغصة في حلقي وكأن سلاسل من حديد محمّى تطوق عنقي وتمنعني من الكلام،أكتب سطرًا ثم أبكي وأعود فأمسح دموعي وأكمل وكأنني بذلك أؤجل لحظة الوداع قليلاً ، سأغادر جازان وسأعود إلى مكة، إلى حياتي وروتيني وأيامي التي تنتظرني و سأنغمس فيها كما ينبغي لي ،سأترك خلفي هذا البيت بكل أصواته، وهذه الأماكن بكل ذكرياتها، وأترك كذلك هذه الرسائل التي حملت إليك تفاصيل أيام ربما لن تتكرر بالطريقة نفسها مرة أخرى،سأضع هذه الرسالة مع أخواتها، وأغلق الدفتر وأترك لكل شيء مكانه في ذاكرتي دون أن أحاول تغييره أو إنكاره وربما بعد أعوام حين أعود إلى هذه الصفحات لن أتذكر كل الكلمات لكنني سأذكر مشاعري وأنا أكتبها وسأعرف أنني عشت تلك الأيام كما أحببت بكامل قلبي أما أنت يا عزيزي فسأتركك في آخر هذه الصفحات كما كنت في بدايتها، شخصًا أكتب له عن أيامي ثم أعود لأعيشها ولعل هذا يكفي والآن، حان وقت أن أطوي دفتري وداعًا يا عزيزي.
أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، وأستودع عنده كل ما لم أستطع قوله.
عزيزتك المخلصة دائمًا والمحبة لك دائماً:ميّاس
372
صباح الخير "أما بعد"
محمد المقحم يوضح مدى تأثير «المحبه» على النفسية ويقول:
"يا زين الشعور إللي يجي فيك لا حبيت أنا قمت أحس بطهر روحي وبإيماني
وأحس أن كل شيء يبتسم لي ليا لديت وأحس نور الصبح يطلح على شاني"
372
الساعة العاشرة صباحاً:
الجميع هُنا نائمون لا يوجد أحد مستيقظ سوايّ ،أمارس روتيني المعتاد، أعُد ليّ مشروب الماتشا و أراقب قطع الكوكيز حتى تنضج و أتناولها وكذلك زقزقة العصافير تشاركني هذا الصباح و أستمتع بما تبقى ليّ من أيام قليلة بجازان الحبيبة قبل أن أعود إلى إدراجي و روتيني بمكة الحبيبة.
372
والله ما أرهقني البكاء، بل أرهقني كتمان البكاء. وما أوجعني الفقد وحده، بل أوجعني أن أتظاهر بعده بأنّ شيئًا لم يحدث. وما هدّني الحزن، بل هدّني أنني في كل مرةٍ كنت أرمّم نفسي بيدي، ثم أخرج إلى الناس بوجهٍ هادئ، كأن في داخلي مدينةً لم تأكلها النيران قبل لحظات.
372
"لكن هذا القلب العاقَ الغريرَ رغم الوصايا
يقع في الحماقاتِ نفسها
ماذا أفعلُ؟
إذا كان هذا القلِبُ لا يريدُ أنْ يكبرَ"
372
لا تنسون قراءة سورة الكهف و الصدقة لو بشق تمره ،ولا تنسوني و جدة شوشو و أبلة نوره من دعائكم و ان الله يربط على قلوبنا جميعاً وان يرحم موتانا وجميع موتى المسلمين ويشفي مرضانا وجميع مرضى المسلمين
372
الرسالة العاشرة:
صباح الخير يا عزيزي:
أكتب لك هذه الرسالة في هذا الصباح العذب والجميل من جازان حيث أقضي إجازتي بهدوء كما تمنيت دائمًا أيامي تمضي بسلاسة، لا شيء إستثنائي يحدث فيها ومع ذلك أشعر أنها من أجمل الأيام التي عشتها منذ مدة،أيامي هنا بسيطة لكنها مليئة بالحياة نستيقظ ثم نجتمع كل يوم، نتبادل الأحاديث ،ونجتمع على القهوة، ونتناول الحلوى، ثم يجمعنا الغداء على سفرة واحدة، وأدرك في كل مرة أن أجمل النعم هي تلك التي نعيشها كل يوم دون أن ننتبه لعظمتها،أحب هذا الروتين كثيرًا وأحب أن أجلس مع جدي وأستمع إلى قصصه التي أحفظها عن ظهر قلب ومع ذلك أستمع إليها في كل مرة وكأنها تُروى لأول مرة وأحب أيضًا أن أشارك الأطفال ألعابهم، فأحاول أن أكون الكبيرة العاقلة، لكنني في النهاية أجد نفسي أركض معهم وأضحك أكثر منهم،أما أنا، فما زلت أغرق في الأشياء التي أحبها أقرأ، وألوّن في دفتر التلوين حتى يصفو ذهني، و أُعد قهوتي وأجلس بها في فناء المنزل لأستمتع بطعهما، وأدخل المطبخ مع أختي لنصنع الكوكيز وما زلت أحاول أن أتقن ذلك النوع الذي أخبرتني أنك تحبه، وأكتب لك الكثير من الرسائل، أحدثك فيها عن جازان، وعن أيامي هنا، وعن الأماكن التي زرتها، وعن التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لي تستحق أن تُكتب لك ورغم كل هذا الهدوء أعترف أنني أشتاق إلى أبي الحبيب و العزيز، وإلى مكة، وإلى صديقاتي، وإلى تفاصيل الحياة هناك ،يبدو أن الإنسان قادر على أن يحب مكانًا، ويشتاق إلى مكان آخر في الوقت نفسه، لا أعلم كيف أختم رسالتي هذه لكن يبدو أن الجميع بدأ يتجمع من جديد، ولا أريد أن أفوت هذه الجلسة، أما أنا فعليّ أيضًا أن أذهب لأتناول دوائي قبل أن يتمكن من المرض كما فعل بيّ في الأيام السابقة.
أودعتك في ودائع الرحمن يا عزيزي
عزيزتك المُخلصة دائمًا و المُحبة: ميّاس
372
"فما طلَعَتْ عَلَيَّ الشمسُ إلا
وأنْتَ مَحَلّ ذِهْنِي وانشِغَالِي
أرَاكَ بصَحوَتِي أَبَدًا ونومي
وتخطُرُ كلّ ثانيَةٍ بِبِاِلِي
يلُوعُ القلبَ نحوكَ كلُّ سِرٍ
فكيفَ أغيب عنك ولا أبالي؟!"
