368
Subscribers
-124 hours
-17 days
No data30 days
Posts Archive
" بعد رحيل إبن رشد ( ابن تيمية و ابن عربي ) مشروعان لتسطيح عقل الأمة وتخديرها "
الشيخ الدكتور أيمن عبدالخالق المصري
« "العجزُ عن المداركِ الضروريّ علمها في حياة الإنسان ووجوده، منها ما هو عجزٌ بإطلاق أي ليس في طبيعة العقل أن يدركه بما هو عقل ومنها ما هو عجزٌ بحسب طبيعة صنف من الناس. وهذا العجزُ إمّا أن يكون في أصل الفطرة، وإمّا أن يكون لأمرٍ عارضٍ من خارج، من عدمِ تعلُّم. وعلمُ الوحي رحمةٌ لجميع هذه الأصناف »
-
القاضي إبن رشد
الفيزيائية الرشديةفإن القاضي الأكبر يؤكد بشكل صارم على إستقلالية الطبيعة عن التفسيرات الميتافيزيقيا ، حيث إن القاضي يرى الطبيعة بيّنة الوجود بنفسها ، داخل حقل العلم الطبيعي ، فهي إذن مبدأ أول ذاتي للجسم الطبيعي ، يشمل الأسباب العامة الأولى مثل المادة الأولى والمحرك الأقصى دون حاجة لعلم إلهي أعلى لإثباتها ، قال القاضي الأكبر في تفسير ما وراء الطبيعة : « إن تبرهنت فإنما تبرهن من الأمور المتأخرة التي في هذا العلم أعني العلم الطبيعي ، ولو تبرهنت في العلم الإلهي لوجب أن تبرهن من أمور هي أقدم منها » حيث يرى ابن رشد خطأ الشيخ الرئيس في اعتبار الطبيعة ممكنة الوجود يعنى بها غير ضرورية ، مما يفتح باب هيمنة الميتافيزيقا على الفيزياء ، بينما الرؤية الرشدية تركز على العلاقة العلية الضرورية بين الجزئيات كثابتة داخل العلم الطبيعي نفسه .
عند ابن رشد ، العقل يعمل أفضل ما يكون في العالم الطبيعي وفي تحليل الموجودات وأسبابها ، وتقرير ذلك فإنه يربط المعرفة الصحيحة بالبحث عن العلل والأسباب ، لأن إدراك الشيء بأسبابه هو جوهر الفهم العقلي ، كما يرى أن العقل لا يُعطَّل في المعرفة ، بل هو أساس الأهلية والتكليف ، وذلك كون الإنسان لا يكتمل إدراكه إلا به ، لكن العقل غير قادر على فهم كل شيء دون الادراك الحسي والتجربة ، فيرى الشيخ الحفيد ان هنالك مقولات في العقل تفرزن وتحلل هذه المعلومات الحسية والتجريبية لفهم ما في الطبيعة ، حيث أن القاضي قد أهتم في المادة أكثر من الهيئة الصورية التي تأتي للذهن ، ليس كمثل باقي الفلاسفة الذين سبقوه وبدورهم قد أقروا : لا حقيقة تدرك إلا بالعقل ، وهذا دليل واضح على تقديم الذهن على الواقع المادي ، ويعود هذا التقديم على أساس سبب تأثرهم بالأفلاطونية المحدثة ، الذي نهى عنها الحفيد بشكل قاطع وقد كان قاسيًا بنقده تجاه المتأثرين بالأفلاطونية .
وتوقف العقل عند ابن رشد يتوقف عند المجالات التي لا يملك فيها برهانًا يقينيًا ، مثل كثير من مسائل الغيب والتصورات التي لا تنالها الملاحظة ولا البرهان ولا التجربة ، وفي هذه الحالة لا يحق للعقل أن يدّعي الإحاطة النهائية ، بل يجب أن يميّز بين ما يقدر عليه وما يتجاوزه ، ولا شك في كلامنا هذا إن تقاطع مع مفهوم الميتافيزيقيا عند الحفيد وبالتحديد تلخيصه ورسالته وتفسيره لما وراء الطبيعة ، فالماورائيات عند الحفيد لها إطار خاص ودقيق لا تخرج خارجه إطلاقا ودورها مقتصر وبسيط في الواقع المادي ما جعل الشيخ القاضي يضعها في إطار صغير بجانب التفسيرات الأخرى .
تلخيص ذلك : يمكن القول إن حدود العقل عند ابن رشد لا نعني بها حدًا ضد العقل ، بل نقول : حدًا للعقل نفسه حتى لا يتجاوز وظيفته ، وهو بالذات عقلٌ قوي في تفسير العالم ، وتجريد الكليات ، وكذلك بناء البرهان ، لكنه في العموم ليس عقلًا مطلقًا يدعي معرفة كل شيء بلا دليل .
من ديوان أهل البيت للشيخ علي حيدر المؤيد نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلامعَتَبْتُ عَلَى الدُّنْيَا وَقُلْتُ إِلَى مَتَى فَكُلُّ شَرِيف مِنْ سُلَالَةِ هَاشِم فَقَالَتْ نَعَمْ يَأَبْنَ البَتُولِ لِأَنْنِي تجورِينَ بِالهَمُ الَّذِي لَيْسَ يَنْجَلِي يَكُونُ عَلَيْهِ الرزق غير مسهل حَقَدْتُ عَلَيْكُمْ حِينَ طَلِّقَنِي عَلِي
صح هذا الكلام موجود بكتاب مناهج الأدلة ، لكن الدكتور اهنا يعني لا اعلم حقا اين الامانة العلمية وربما غفل الله اعلم ، هذا كلام ابن رشد صحيح وموجود في كتاب مناهج الادلة في كشف عقائد الملة ، اللي انتهى منه سنة 1179 ميلادي ، وصح هيج گال ، لكن الرجل عاد بعد سنة ورد على الغزالي بهاي المسألة وفي علم الله ، واساسا انتقد الطرفين بهاي المسألة ابن سينا والغزالي ووياهم المتكلمين بمسالة ان علم الله جزئي او كلي او قديم او حادث ، وحلها بعقبرية بعد سنة اللي هي بعد كتاب مناهج الادلة سنة 1180 ميلادي ، وحجيت عن هذا الموضوع ببحث كتبته عن فلسفة ابن رشد الالهية وما ملخصه من كلامي « وفق هذا أقول : إنَّ الشيخ ابن رشد قد تجاوز الكلي والجزئي ، بناءً على ذلك ، يرفض ابن رشد القول بأن علم الله كلي والسبب لأن الكلي مفهوم عقلي مجرد أو جزئي والسبب لأن الجزئيات متغيرة زمانياً ، فإن علم الله أسمى من هذا التصنيف ؛ هو علم محيط بأصول الأشياء وتفاصيلها إحاطة المبدع بصنعته ، دون أن يتأثر أو يتغير بتغيرها ، لأن علمه أزلي ثابت ، والمتغير هو المخلوقات في عالم الزمان »
وهذا إذا يدل ؛ يدل على عبقرية ابن رشد بحل هاي المسألة ونقطة تنحسبله ، والدكتور نعذره اذا غفل عن هذه القضية ، لكن المفروض يكون دقيق أكثر ، المشكلة هو ابن رشد تأخر عن حل هذه المسألة سنة وحدة وهي علم الله وغفل عنها الدكتور بسبب عدم البحث الدقيق ..
« وقفتُ على باب ِ الأحبة ِ باكيا
فقد باتَ مَنْ في القلب ِ يا قلبُ نائيا
لمَسْتُ غبارَ البيتِ ثم شمَمْتهُ
فما زالَ مِنْ ريح ِ الأحبة ِ زاكيا
سَمِعْتُ وراءَ السّور ِ شهْقة َ وَرْدَة ٍ
ونهْدَة َ عصفور ٍ يَصيحُ مُناديا
تنهَّدَ بابُ الدار ِ حين لَمَسْته
ومالَ نخيلُ البيت ِ يَهْمِسُ راجيا
أنادي، وما في البيتِ إلا عَناكِبٌ
وأطيافُ أشباح ٍ تحُوْمُ ورائيا
على هَوْجَة ِ الغربان ِ فرَّتْ يَمامتي
فبات حَمامُ الأيكِ يَبكي لِحاليا
وكنتُ إذا ما مَرَّ طيرٌ مهاجرٌ
أُحَمِّله العُتبَى لمَنْ بات ناسياكتبتُ
على الجدران ِ بعضَ قصائدي
لعلَّ خيالا منه في البيت ِ باقيا
وقلتُ لها يا دارُ جِئتك ِ عاتبا
فقد سافرَ الأحبابُ دون وداعيا
إلى أين ساروا والليالي مطيرة ٌ؟!
إلى أين فرّوا حاملين فؤاديا؟!
فأجهشَ ينظرُ لي وكَفكَفَ قائلا
هو البحرُ يا ويْلاهُ ضَمَّ الغواليا
فيا ليتني طيرٌ يَفِرُّ مُغرِّبَا ً
ولكنَّ سيفَ البُعْد ِ قصَّ جناحيا »
« إنــي منذ عرفــت وجــودي ومسؤوليتـــي في هـــذه الأمـــة بذلـــــــت هــذا الوجـود من أجل الشيعـيّ والسنّـــي على سـواء.. حيــــث دافعـت عــن الرسالـــة الّتي توحّدهــم جميعاً وعن العقيــدة الّتي تهمهـم جميعاّ، ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام طريق الخلاص وهدف الــجـمـيــــع »
- محمد باقر الصدراليوم هو ذكرى إستشهاد السيد محمد باقر الصدر ، وافق في هذا اليوم الذكرى 46 سنة موافقًا لعدد سنواته التي قضاها في هذه الدنيا دفاعًا عن الحق دون المسميات الآخرى ، 46 سنة خلد في ذكرنا وسيخلد إلى الأبد .. باقر الصدر منا سلاما اي باغٍ سقاك الحماما أنت ايقضتنا كيف تغفو أنت أقسمت أن لن تناما ١٩٨٠/٤/٩ ذكرى إستشهاد المرجع الكبير والمفكر الفيلسوف الشهيد السيد محمد باقر الصدر وأخته العلوية آمنة بنت الهدى (رضوان الله عليهما ) .
وفق هذا أقول : إنَّ الشيخ ابن رشد قد تجاوز الكلي والجزئي ، بناءً على ذلك ، يرفض ابن رشد القول بأن علم الله كلي والسبب لأن الكلي مفهوم عقلي مجرد أو جزئي والسبب لأن الجزئيات متغيرة زمانياً ، فإن علم الله أسمى من هذا التصنيف ؛ هو علم محيط بأصول الأشياء وتفاصيلها إحاطة المبدع بصنعته ، دون أن يتأثر أو يتغير بتغيرها ، لأن علمه أزلي ثابت ، والمتغير هو المخلوقات في عالم الزمان .
ثانيًا : التفصيل الدقيق في صفة الإرادة
نقول : تخبط المتكلمون في الإرادة ؛ وإنما الأشاعرة جعلوها اختياراً عشوائياً بلا مرجح لإثبات القدرة المطلقة ، وأما المعتزلة جعلوها محدودة بـ الصلاح والأصلح لدرجة تقييد الإله .
وأما الشيخ القاضي كما أسلفنا سابقًا ، فإنه قد ضرب بيده على إن صدور النقص عن الكامل محال ، فإن أبن رشد يربط الإرادة بالعلم والحكمة برباط وثيق بدوره ، فإن الإرادة عنه هي العناية الإلهية المحيطة .
تفصيل ذلك : الله يعلم أزلاً بعلمه المطلق الكامل بإن ذلك النظام الأكمل والأفضل للوجود ، وبما أنه كامل الحكمة ، فإنه "يريد" هذا النظام الأكمل بالضرورة الذاتية أعني صدور النقص عن الكامل محال ، إذن ، العالم فاض عن الله بإرادة هي عين حكمته وعلمه بما هو خير ، وليس باختيار عبثي بين بدائل متساوية ، الإرادة هنا لا تقيد الله قطعا ، بل تعبر عن كمال نظامه الذي لا اعتباط فيه ولا صدفة .
ثالثًا : التفصيل الدقيق في صفة الكلام
ولهذا نقول قد انقسم الناس في كلام الله ، بما من هم قالوا هل هو قديم أزلي م أم مخلوق حادث .
وأما أبن رشد يعود إلى أصل الوجود ، الكلام في حقيقته المعنية هو توصيل المعاني من المتكلم إلى السامع ، بالنسبة لله ، كلامه يتمثل في أمرين وهما :
من جهة المبدأ أعني القديم : كلام الله هو إرادته وعلمه المحيط الفياض ، هذا العلم الإلهي القديم يتنزل على عقل وقلب النبي ويعنى بواسطة الملك أو الإلهام ، هذا هو الجانب الإلهي الأزلي الذي لا يُحد بصوت ولا لغة .
من جهة المتلقي أعني الحادث : كي يفهم البشر هذا العلم الأزلي ، يجب أن يُترجم إلى نظام لغوي بشري أعني أصوات وحروف وكلمات عربية ، هذا النظم اللفظي الذي يُسمع ويُكتب هو مُحدث ومخلوق .
وبذا ، التفصيل الدقيق للحفيد حافظ على القدسية أعني المعنى الإلهي الأزلي أعني الوحي كعلم إلهي ، واعترف بحدوث اللفظ أعني القرآن كأصوات متلوة ، متبنياً نظرة حكمة إلهية رهيبة تبجل ظواهر النصوص وتنزه الخالق عن مشابهة الآلات الصوتية المادية كما عند الجانب الآخر من الفرق .
وبهذا المقام قد إنتهينا تلخيصًا في إلهيات الشيخ القاضي أبا الوليد أبن رشد ، ولله حمدا لا ينقطع ابدا ، وصل الله على خير خلقه المصطفى وآله الطاهرين ..
القسم الثاني : إلهيات أبن رشد
وحديثنا في البادئ سيعرض على أهم نقطة في إلهيات الشيخ الحفيد ، فنقول بذلك إن القاعدة التي عمل بها إبن رشد في توحيد الله وحكمته الإلهية ، وهي القاعدة التي سنستطبها من كلامه متجسدة بالقول القائل : « البساطة المطلقة للذات وعينية الصفات »
وأما كون الذات بسيطة أعني بها كونها غير مركبة من شيء ، ولا يتجزأ إلى أشياء ، ولا نعني بها سهلة ، وأما الإنسان يترتب عليه هذا القول بإنه غير بسيط بذاته بل مركب من عدة أشياء ، كالمادة والصورة والروح ، أما الله جل أسمه ، فهو عقل محض و فعل محض ، ليس فيه جهة قوة أعني إمكانوجهة فعل أعني تحقق ، بل هو متحقق الوجود بذاته ، وأما بعدها بناءً على هذه البساطة ، يستحيل أن تكون الصفات أشياء أو معاني تُضاف إلى الذات ، كما قولنا : تُضاف الحرارة إلى الماء ، لأن الإضافة تعني التركيب والافتقار ..
ثانيًا : الصفة هي عين الموصوف
وبما أن الذات بسيطة كما أسلفنا بقولنا ، فإن الصفات الإلهية عند الشيخ الحفيد ليست زائدة على الذات ، وليست منفية عنها ، بل هي عين الذات ، فعندما نقول إن الله عالمٌ فالعلم هو عين الذات ، كقولنا الله قادر ، ولكن لا بقدرة مضافة ، بل ذاته هي القدرة ، وكقولنا الله حي ، وذاته هي الحياة ، وليست الحياة هي من تضاف على الذات ، أعني الذات والصفة في حق الله حقيقة وجودية واحدة لا تتجزأ ، فمنتهى التنزيه عند الشيخ القاضي هو إدراك أن كمال الله ليس مستمداً من صفات تلحق به كما عند الأشاعرة وقد وضحنا نقد الشيخ لها ، بل هو كامل بذاته التي هي نبع كل كمال .
ثالثًا : التعدد الذهني والنسب الإضافية
فإذا ضربنا بيدنا على هذه المسألة لا بد أن يتسائل العقل : إذا كانت الذات واحدة بسيطة ، والصفة هي عين الذات ، فلماذا نطلق على الله أسماء وصفات متعددة أعني عليم ، قدير ، مريد ؟ ألا يدل تعدد الأسماء على تعدد المسميات ؟
وأما قد وضحنا هذا المطلب فيما سبق في نقد الأشعرية فإن المشكلة تكمن في المدرك العقلي لهذه الصفات ، فنقول : العقل الإنساني محدود ، ولا يمكنه إدراك الكمال الإلهي المطلق دفعة واحدة وبمفهوم واحد ، عقلنا مصمم لفهم الأشياء المجزأة والمركبة ، وهذا ما يتمثله في فهم الطبيعيات فنحن نجزأ الأشياءونحللها ، لذلك ، عندما نواجه هذا الكمال البسيط ، نقوم بتحليله ذهنياً إلى صفات متعددة لنستطيع استيعابه، يعنى بذلك إن الكثرة إذن هي في عقلنا نحن وليست في ذات الله ، فالعقل البشري عاجز عن فهم هذه الصفات الكمالية للإله دفعة واحدة .
فإننا في هذا المقام نقول : الذات الإلهية واحدة ، لكن أفعالها في الكون متعددة ، أعني بمثال : عندما تنسب الذات الإلهية إلى إيجاد الأشياء من العدم ، يسميها عقلنا قدرة وعندما ننسبها إلى إحكام هذه الأشياء وتنظيمها على وفق الموجودات ، يسميها عقلنا علماً ،وعندما ننسبها إلى تخصيص الأشياء بوقت معين يسميها عقلنا إرادة وتتبعها باقي الصفات الكمالية للإله ، لكن في الآخير نهاية كل هذه الصفات هي عينية الذات ، أعني إنها كلها عين ذات الإله ليست مركبة مضافة لتتركب على الذات ، بل إنها عين ذاته بصورة واحدة ، فالعقل بطبيعته البشرية يحلل هذه الأشياء على أساس التقسيم ، وهذه طبيعة العقل البشري في الفهم كما في الطبيعيات ، فإننا نحلل الأشياء وننظر بها على مقتضى فهمها على واقعية التحليل الدقيق والتركيب .
رابعًا : التفصيل الدقيق في أمهات الصفات
أعني بها العلم والإرادة والكلام وسنقسم القسم الرابع على ثلاثة أقسام فنقول
القسم الأول : التفصيل الدقيق في صفة العلم
وعلى هذا المتبنى نطرح تساؤولنا ، القائل : كيف يعلم الله العالم المتغير دون أن تتغير ذاته ؟
وهي ذاتها المسألة التي كفر بها الغزالي الفلاسفة منهم أبي نصر الفارابي وابو علي أبن سينا ، وأما الحفيد فقد تصدى لها وقسم العلم إلى نوعين كما تحدثنا عنها مسبقًا فنقول :
1 . العلم الإنفعالي : وهو ذاته علم المخلوق المفتقر للعلة أعني أن علمنا هذا مستفاد من الخارج بما هو ، فإننا ننظر إلى شجرة معينة - أعني بالشجرة هي المعلوم - فإن بعد النظر إليها تتحول صورة الشيء إلى أذهاننا كتصور الشجرة التي رايناها ، إذن مقتضى هذا الكلام هو : الأشياء هي العلة في علمنا ، وعلمنا يتغير بتغير الأشياء ، كما تتغير صورة الشجرة إلى آخرة .
2 . العلم الإنفعالي أو العلم الإبداعي : فأقول علم الله متعالٍ عن هذا النقص ، أعني إن الله لا ينتظر كون الشيء يحدث حتى يعلمها بل إن الأشياء حدثت لإن الله يعلم بها ، فإن علم الله هو الموجد للشيء بذاته ، بذلك اقول : هو يعلم الموجودات لأنه هو الذي أبدعها وفق نظامه وعنايته .
لَو كُنتُ أَعجَبُ مِن شَيءٍ لَأَعجَبَني
سَعيُ الفَتى وَهُوَ مَخبوءٌ لَهُ القَدَرُ
يَسعى الفَتى لأُِمورٍ لَيسَ مُدرِكَها
وَالنَفسُ واحِدَةٌ وَالهَمُّ مُنتَشِرُ
وَالمَرءُ ما عاشَ مَمدودٌ لَهُ أمَلٌ
لا تَنتَهي العَينُ حَتّى يَنتَهي الأَثَرُ
- كعب بن زهير
والمنهج الذي سار عليه شيخنا القاضي قد إمتاز بالصرامة العقلية البحتة ودعى بذلك إلى تحرير العقل من كل ما هو محيط به ، وكما إنه أبدا إعجابًا كبيرًا في المعلم الأول ، إلا إنه قد إمتاز بالصرامة التحليلية والعقلية بشكل أكبر مما تكلم بها أرسطو ، وهذا ما يتضح من خلال مناقشته أفكار أرسطو في الشروح الكبيرة لديه ، وبدور أبن رشد قد لقب في الغرب بشكل واسع بين الأوساط العلمية أنذاك بلقب " أبو المنهج العلمي الحديث " لإنه أول من أرسى قواعد التدقيق العلمي المحضة والخالصة وهذا واضح جدًا في كتابه رسالة في جوهر الأجرام السماوية ونقده لبطليموس ، ورفضه القاطع للميتافيزيقيا التي أُعتُمد عليها في تفسير الأمور الفلكية ، وهذا ما أتضح من خلال نقده لبطليموس والذي جعل حركة الأجرام السماوية ميكانيكية مثل حركة أي مادة أخرى مما مهد الطريق لاحقاً لنيوتن وغاليليو لفهم أن قوانين الأرض هي قوانين السماء ، كما إنه أول من أرسى قواعد التفكير النقدي الصارم والتحليل المحض ، لذلك حين نقول عنه أبو العلموية أو أحد أكابر رواد العلمانية - أعني العلمانية كمنهج فكري لا المعنى السياسي لها وهو المنهج القائم على العلم - ومن أتبعه في الرشدية اللاتينية سار على نهجه الصارم في العلوم العقلية والطبيعية التي بدورها أصبحت الآن قاعدة من قواعد المعرفة الأساسية في العلم الحديث ، والتي كانت أشد صرامة وقوة من منهج أرسطو الذي توهم في بعض الأحيان بالأمور الميتافيزيقيا .
الشيخ الأكبر ، قد ذكر أنه حضر جنازة ابن رشد الذي توفي في هذه السنة (11/12/1198) في مراكش وحُمل إلى قرطبة حيث يروي ابن عربي في الباب الخامس عشر من الفتوحات المكية أنه عندما مات ابن رشد في مراكش وحُمل إلى إشبيلية جُعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة وجُعلت مؤلفاته تعادله من الجانب الآخر ، وكان الشيخ محي الدين واقفا ومعه الفقيه الأديب أبو الحسين محمد بن جبير (توفي 614/1217) كاتب السيد أبي سعيد وصاحبه أبو الحكم عمرو ابن السراج الناسخ ؛ فيقول الشيخ محي الدين أن أبا الحكم التفت وقال : ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه ، هذا الإمام وهذه أعماله يعني مؤلفاته ، فقال له ابن جبير : يا ولدي نِعم ما نظرت لا فُضّ فوك ، ومن ذلك الوقت يقول الشيخ محي الدين أنه قيّدها عنده موعظة وتذكرة وقال فيها شعرا :
هذا الإمام وهذه أعمــاله يا ليت شعري هل أتت آماله
وَكُنتُ إِذا مــــــــــانابَني مِنهُ نائِبٌ
لَطَفتُ لِقَلبي أَو يُقيمَ لَــــــهُ عُذرا
وَأَكــــــــــرَهُ إِعلامَ الوُشاةِ بِهَجرِهِ
فَأَعتِبُهُ سِـــــــــــرّاً وَأَشكُرُهُ جَهرا
وَهَبتُ لِضَنّي ســوءَ ظَنّي وَلَم أَدَع
عَلى حالِهِ قَلبي يُسِرُّ لَـــــــــهُ شَرّا
- أبو فراس الحمداني .
كُـلَّمـا أَدَّبَـنـي الـدَهـرُ أَراني نَقصَ عَقلي
وَإِذا ما اِزدَدتُ عِلماً ، زادَني عِلماً بِجَهلي
- الإمام محمد بن إدريس الشافعي .
