en
Feedback
مُتَورطٌ بِالاِنتِباه

مُتَورطٌ بِالاِنتِباه

Open in Telegram

​"هُنا مَلاذُ الغارقين في لُجّةِ الحرف، ومَنفذُ الذين أرهقهم الانتباهُ لِما خلف السطور. نقتبسُ ما يلمسُ الروح من كلماتٍ لا تمرُّ عابرة، بل تسرقنا من ضجيجِ العالَم لِتُورّطنا في دهشةِ المعنى وفِتنةِ التفاصيل.. نكتُبُ لِمن يقرأ بقلبهِ أولاً."

Show more
325
Subscribers
+124 hours
-47 days
+1630 days
Posts Archive
نجاةٌ في ثوبِ تأخير

كيف أطيرُ بيقيني حين تخذلني الأجنحة ليست كل رحلةٍ تحتاج جناحين. وليس كل سقوطٍ يعني أن السماء أغلقت أبوابها. أحيانًا... يكون أكثر ما ينقصنا، ليس القدرة على الطيران، بل القدرة على أن نُصدّق أن الطريق ما زال موجودًا. كم مرةٍ ظننتُ أنني انتهيت. لأن الريح كانت أقوى. ولأن التعب كان أثقل. ولأن الأمنيات كانت تبتعد كلما اقتربتُ منها. وكم مرةٍ وقفتُ أمام نفسي، أجمع ما تبقّى مني، وأبحث في داخلي عن شيءٍ لم تكسره الأيام بعد. كنت أظن أن الأجنحة هي التي تحمل الإنسان. ثم اكتشفت... أن اليقين يحمل ما تعجز الأجنحة عن حمله. وأن القلب إذا امتلأ ثقةً بالله، صار يمشي فوق خوفه، قبل أن يفكر بالطيران. هناك لحظات... تسقط فيها الأحلام بصوتٍ يسمعه الجميع. لكن يقينك... ينهض بصمت. لا يصفق له أحد. ولا يراه أحد. لكنه ينهض. ثم ينهض. ثم ينهض. حتى يصبح الوقوف عادةً، بعد أن كان معجزة. كم من بابٍ أغلق. وقلتُ: انتهى كل شيء. ثم جاء من حيث لا أدري بابٌ آخر، أوسع. وأرحب. وأكثر دفئًا. فعرفت أن الله لا يغلق طريقًا، إلا ليقود القلب إلى طريقٍ لم يكن يتخيله. أحيانًا... يخذلنا الناس. وتخذلنا الخطط. وتخذلنا قوتنا. ويخذلنا الجسد الذي أنهكه الانتظار. لكن اليقين... لا يخذل. لأنه لا يتكئ على الأسباب وحدها. بل يتكئ على ربِّ الأسباب. وحين يشتد الليل، لا أبحث عن الضوء بعيدًا. أبحث عنه في الدعاء. في سجدةٍ طويلة. في دمعةٍ لا يراها أحد. في آيةٍ تعيد ترتيب الفوضى داخلي. في همسةٍ تقول للقلب: لا تخف... فمن كان الله معه، لن تضيع به الطرق. كم يبدو العالم صاخبًا. وكم يبدو الداخل أكثر ضجيجًا. أسئلةٌ لا تنتهي. ومخاوف تتكاثر. وصورٌ قديمة تعود كل ليلة. لكن وسط هذا كله... يبقى هناك ركنٌ هادئ. ركنٌ صغير. تسكن فيه الطمأنينة. وتجلس فيه الرحمة. ويتنفس فيه اليقين. وكأن الله يخبئ للقلب مكانًا، لا تصل إليه العواصف. تعلمت أن الانكسار لا يعني النهاية. وأن التأخر ليس حرمانًا. وأن الانتظار قد يكون لطفًا لا نفهمه إلا بعد سنوات. تعلمت أن بعض الأمنيات، لو جاءت في وقتها الذي أردناه، لأوجعتنا. وأنها حين جاءت متأخرة، كانت أجمل مما تمنينا. لهذا... كلما شعرت أن أجنحتي لم تعد تقوى على الطيران، لا ألتفت إليها طويلًا. ألتفت إلى السماء. إلى الوعد الذي لا يخلف. إلى الرحمة التي تسبق الدعاء أحيانًا. إلى اللطف الذي يعمل في الخفاء، بينما نظن أن كل شيءٍ قد توقف. وأقول لنفسي... ليس المطلوب أن أطير بقوتي. ولا أن أصل بمهارتي. ولا أن أنتصر وحدي. يكفيني أن أمضي... وقلبي يعرف من يقوده. فإذا خذلتني الأجنحة... حملني اليقين. وإذا أثقلني الطريق... خففته الثقة. وإذا ضاقت الأرض بما رحبت... اتسعت السماء في صدري. لأن من علّق قلبه بالله، لا يسقط وإن تعثر. ولا يضيع وإن طال السفر. وقد تتعب أجنحته... لكن يقينه، سيظل يحلّق... إلى أن يبلغ المكان الذي كتبه الله له.

أجملُ الآثار... ليست تلك التي تُخلِّدها الصور، ولا التي ترويها الحكايات. أجملُ الآثار... أن تغادر مكانًا، ويبقى بعدك شيءٌ من الطمأنينة. أن تنتهي الكلمات، ويستمر أثرها في قلبٍ آخر. أن تغيب، ولا يغيب الخير الذي زرعته. فبعضُ الناس... لا يُذكرون لأنهم أطالوا البقاء، بل لأنهم أحسنوا العبور. وما أجمل الأثر... حين يرحل صاحبه، ويبقى حضوره يربّت على الأرواح كلما أثقلها التعب.

أثرٌ لا يُرى ليس كلُّ أثرٍ يُترك على الطرقات. فبعضُ الآثار... تستقرُّ في القلب. ولا تراها العيون. ولا تُسجِّلها الذاكرةُ بوصفها حدثًا عابرًا. بل تحتفظ بها الروحُ بوصفها لحظةً هادئة، مرّت، ثم بقيت. هناك أشياءُ تمرُّ بنا في صمت. لا تُحدثُ ضجيجًا. ولا تُعلنُ حضورها. ولا تطلبُ منّا أن نلتفت إليها. لكنها، بعد حين، تعود إلى الواجهة من جديد، فنكتشف أنها غيّرتنا أكثر مما ظننا. قد تكون كلمةً قصيرة. أو نظرةً مطمئنة. أو موقفًا بسيطًا، لم يبدُ في حينه كبيرًا، لكنه ترك في الداخل أثرًا لا يزول. وقد يكون إنسانًا... مرَّ في حياتنا أيامًا قليلة، لكنه منح أعمارنا ما يكفي من الضوء لسنواتٍ طويلة. لا يحدثُ التغيّر دائمًا دفعةً واحدة. فبعضُ التحوّلات الكبرى تبدأ من التفاصيل الصغيرة. من لحظةٍ صادقة. ومن حضورٍ هادئ. ومن طمأنينةٍ لا تُرى، لكنها تُشعَر. يحدثُ التغيّر بهدوء. هادئًا... كالفجر حين ينسحب الظلام دون أن يشعر به أحد. وهادئًا... كالمطر حين يروي الجذور قبل أن تلمح العيون أثره. وهادئًا... كالسكينة التي تتسلل إلى القلب، فتعيد إليه اتزانه، دون أن يعرف من أين جاءت. ثم نمضي. ننشغل بالحياة. تركض الأيام. وتتبدل الوجوه. وتتغير الأماكن. ونظن، في زحام كل ذلك، أننا تجاوزنا ما كان. أننا نسينا. أن ما مضى قد انطفأ. لكننا لا ننسى. لا ننسى. لا ننسى. بل نتعلّم فقط كيف نُخفي الذكرى تحت طبقات الأيام. كيف نُراكم التفاصيل فوقها. كيف نبدو، من الخارج، أكثر صلابةً مما نحن عليه في الداخل. حتى تأتي لحظةٌ صغيرة... لا تتجاوز ثانيةً واحدة. رائحةٌ قديمة. صوتٌ يشبه صوتًا غاب. مكانٌ مررنا به ذات مساء. دعاءٌ سمعناه قبل أعوام. فتنفتح الذاكرة دفعةً واحدة. ونقف... وكأن الزمن عاد خطوةً إلى الوراء. وكأن القلب لم يغادر تلك اللحظة قط. العجيب في الأثر الحقيقي، أنه لا يحتاج إلى حضورٍ دائم. ولا إلى تكرارٍ مستمر. ولا إلى ضجيجٍ يثبت وجوده. يكفي أنه كان صادقًا. يكفي أنه لامس الروح مرةً واحدة. فيبقى. ويبقى. ويبقى. بينما تتبدل أشياء كثيرة حوله. كم من إنسانٍ ما زال حاضرًا في تفاصيلنا، رغم أن المسافات امتدتتحويله إلى منشور إنستغرام/ثريد/تلغرام وكم من كلمةٍ ما زالت تواسينا، رغم أن قائلها صمت منذ زمن. وكم من موقفٍ صغير، كان أعمق أثرًا من مئات الخطب الطويلة. فالأثر لا يُقاس بحجم الحدث. بل بعمق ما يتركه في الداخل. قد يمرُّ عامٌ كامل، لا يغيّر فينا شيئًا يُذكر. وقد تمرُّ دقيقةٌ واحدة، فتعيد ترتيب العمر كله. ولهذا... ليس المهم كم بقينا مع الأشخاص. بل كيف بقوا فينا. ليس المهم عدد اللقاءات. بل مقدار النور الذي تركوه خلفهم. وليس المهم نهاية الحكاية. بل ذلك الجزء الجميل منها، الذي ظلّ حيًّا رغم النهاية. ومع مرور الأيام، ندرك أن الإنسان لا يحمل في ذاكرته كل الوجوه. بل يحمل الوجوه التي منحته سلامًا. ويحمل الكلمات التي رمّمت شيئًا مكسورًا فيه. ويحمل القلوب التي أعطت دون أن تنتظر مقابلًا. وهكذا... نمشي بين الناس. ويظنون أننا كما كنا. بينما في الداخل، هناك آثارٌ كثيرة لا تُرى. آثارُ ابتسامةٍ أنقذت يومًا ثقيلًا. وآثارُ غيابٍ علّم القلب كيف يصبر. وآثارُ دعوةٍ صادقةٍ كانت أقرب إلينا من كل الأسباب. وآثارُ محبةٍ خالصةٍ ما زالت، رغم الغياب، تنير الزوايا المعتمة من أرواحنا. وفي آخر الطريق... لن يبقى من ضجيج الدنيا شيء. سيهدأ كلُّ ما كان صاخبًا. وسيخفت كلُّ ما كان يملأ السمع. وسيظل فقط... ذلك الأثر الخفي. الأثر الذي لم تلتقطه العيون، لكن القلوب حفظته. وسيظل، كلما أوشكت أرواحنا على التعب، يضيء في داخلنا بصمت... كشمعةٍ صغيرة، تكفي لتخبرنا... أن الخير لا يضيع، وأن أجمل الآثار... هي تلك

في آخرِ المساءِ، حين تهدأُ الأصواتُ قليلًا، وتتراجعُ الطرقاتُ إلى ظلالها، وتكفُّ النوافذُ عن مراقبةِ المارّة، يبحثُ القلبُ عن لحظةٍ صغيرة. لحظةٍ واحدة. لحظةٍ لا يُطاردها القلق. لا أكثر. لا أقل. مجردُ لحظةٍ لا يسبقها سؤال. ولا يتبعها انتظار. لحظةٌ لا تُفكّرُ فيها بما فات. ولا بما سيأتي. ولا بما كان يجب أن يحدث. ولا بما كان يجب ألّا يحدث. لحظةٌ تجلسُ فيها روحُك إلى جوارِ نفسها للمرةِ الأولى منذ زمن. كم نتعبُ من مطاردةِ الأيام. وكم نتعبُ من مطاردةِ الاحتمالات. وكم نتعبُ من مطاردةِ الأفكارِ التي لا تنتهي. فكلما أغلقنا بابًا فتحتِ المخاوفُ بابًا آخر. وكلما هدأت فكرة استيقظت أخرى. وكلما نام ضجيجٌ ولد ضجيجٌ جديد. وفي الداخل، مدينةٌ كاملةٌ من الأصوات. أصواتُ ما لم ننجزه. وأصواتُ ما خسرناه. وأصواتُ ما نخشى خسارتَه. وأصواتُ الغد وهو يلوّحُ بأسئلته البعيدة. حتى نظنّ أحيانًا أن التعبَ ليس في الطريق، بل في هذا الركضِ المستمرِّ داخل الرأس. لكنّ الحياة، برحمتها الخفية، تمنحنا أحيانًا استراحةً صغيرة. استراحةً لا يعلنُ عنها أحد. قد تأتي في فنجانِ قهوةٍ هادئ. أو في دعاءِ أمٍّ عابر. أو في نسمةٍ تمرُّ من نافذةٍ مفتوحة. أو في ذكرى قديمة لا تؤلم هذه المرة، بل تربّتُ على القلب برفق. فنصمت. ونهدأ. ونهدأ أكثر. كأن شيئًا ثقيلًا ينزلُ عن أكتافنا ببطء. وكأن الروحَ تتذكرُ فجأةً أنها خُلقت لتطمئنّ أيضًا، لا لتخافَ دائمًا. وفي تلك اللحظة، تعودُ الأشياءُ إلى أحجامها الحقيقية. المشكلةُ ليست جبلًا. والانتظارُ ليس نهايةَ العالم. والغدُ ليس وحشًا متربصًا. بل يومٌ آخر سيأتي كما جاءت أيامٌ كثيرةٌ قبله ثم يمضي. وحين يبتعدُ الضجيجُ قليلًا، يظهرُ الحنين. حنينٌ هادئ. لا يبكي. ولا يصرخ. فقط يجلسُ قربنا ويفتحُ ألبومَ الذكريات. فنرى وجوهًا أحببناها. وأماكنَ مررنا بها. وأيامًا كانت بسيطةً ولم نكن نعرفُ أنها جميلةٌ إلى هذا الحد. فنبتسم. ثم نصمت. ثم نبتسمُ مرةً أخرى. كأن القلبَ وجدَ أخيرًا مكانًا يستريحُ فيه. وربما، ليست السعادةُ الكبيرةُ هي ما نحتاجه دائمًا. وربما، ليست كلُّ الأمنياتِ مطالبةً بأن تتحقق الآن. وربما، يكفي أحيانًا أن نحظى بلحظةٍ واحدة لا يُطاردها القلق. لحظةٌ نسمعُ فيها نبضَ قلوبنا بوضوح. ونشعرُ فيها أن العالمَ بعيدٌ قليلًا. وأن الطمأنينةَ قريبةٌ قليلًا. وأننا، رغم كلِّ ما نعبره، ما زلنا قادرين على الجلوسِ بهدوءٍ تحتَ شجرةِ الوقت، نراقبُ المساءَ وهو يهبطُ ببطء، ونتركُ رؤوسنا على كتفِ السكينة.

على حافةِ المساءِ، كانَ كرسيٌّ فارغٌ يُصغي للصمتِ أكثرَ ممّا ينبغي. وكوبٌ باردٌ يحتفظُ بحرارةِ يدٍ رحلتْ على عجل. وستارةٌ خفيفةٌ تُقلِّبُ الهواءَ كأنها تبحثُ عن اسمٍ نسيهُ البيت. بعضُ الغياباتِ لا تطرقُ البابَ وهي تغادر. تنسلُّ من بينِ الأيامِ كما ينسحبُ الضوءُ عن آخرِ نافذةٍ في الليل. لا ضجيجَ يرافقها. ولا وداعَ يليقُ بها. لكنها تتركُ وراءها فراغًا يعرفُ كيف يتمدّد. وفراغُ الغيابِ مخلوقٌ صبور. يجلسُ في الزوايا. يمشي بخفّةٍ بين الذكريات. ويعيدُ ترتيبَ الأشياءِ على هواه. حتى الأصواتُ التي اعتدناها، تبدو بعده كأنها تتلعثمُ في الطريق. ثم يأتي الحنين. لا يأتي دفعةً واحدة. بل قطرةً قطرة. كالمطرِ الذي يختبرُ الأرضَ قبل أن يُغرقها. يجلسُ إلى جوارِ القلب. ويفتحُ دفاترَ قديمةً لم نمنحهُ الإذنَ بفتحها. ويشيرُ إلى لحظاتٍ صغيرة. كانت تبدو عابرةً يومَ حدثت. ثم تبيّن لاحقًا أنها كانت الحياةَ كلّها مختبئةً في تفاصيلها. وفي الليل، حين تهدأُ الأشياءُ من حولنا، تصحو الأشياءُ في داخلنا. تخرجُ الذكرياتُ من أماكنها. يتثاءبُ الانتظار. وتسيرُ الطمأنينةُ وحيدةً في الممرات. تبحثُ عمّن يؤنسُ وحدتها. حتى الأمل، ذلك الكائنُ الصغير الذي يتعثّرُ كثيرًا، يبقى واقفًا قرب النافذة. يراقبُ الطرقاتِ البعيدة. كأنه يعرفُ أن بعضَ العائدين يتأخرون فحسب. لكنّ أكثرَ ما يتركهُ الغيابُ فينا، ليس الحزن. بل ذلك الاتساعُ الخفيّ الذي يصنعهُ حولَ أرواحنا. كأنّ القلبَ يتعلّمُ، بصمتٍ طويل، أن يحملَ ما لا يستطيعُ استعادته. وأن يمضي. لا لأنّ النسيانَ انتصر. بل لأنّ الحياةَ تعرفُ كيف تُكملُ سيرَها بأجنحةٍ مكسورة. وهكذا، تبقى بعضُ الغياباتِ معلّقةً في أعماقنا. لا كجرحٍ. ولا كذكرى. بل كنافذةٍ مفتوحةٍ في بيتٍ قديم. كلّما مرّتْ نسمةٌ عابرة، تحرّكتْ ستارتُها قليلًا... فظننّا أن أحدًا عاد.

غياباتٍ مفاجئة تترك فراغها طويلًا.

في عيدِ الأضحى المبارك… لا نكتبُ عن اليمن كحكايةِ تعبٍ فقط، ولا كأرضٍ مرَّ عليها الحزنُ طويلًا حتى حفظتْ ملامحه الطرقات، بل نكتبها كقلبٍ قديم… قلبٍ يعرف كيف ينجو كلَّ مرة، وكيف ينهض رغم كلِّ ما تعلّق على كتفيه من أثقال. نكتبُ اليمن… كأمٍّ تُخفي خوفها خلف الدعاء، كأبٍ يعود كل مساءٍ مُرهقًا، لكنَّه ما زال يفتح الباب بابتسامةٍ صغيرة، كي لا يسقط اليأس في عيون أطفاله. نكتبها كصوتِ الأذان حين يمرُّ فوق المدن المتعبة، فيُعيد للقلوب شيئًا من الطمأنينة، وشيئًا من البكاء، وشيئًا من الرجاء الذي لا يُقال. في عيد الأضحى… تعود التفاصيل القديمة لتُربك الروح. رائحةُ القهوة في الصباح، أصواتُ الأطفال وهم يركضون بثياب العيد، التكبيرات التي تمتلئ بها السماء، البيوت التي تُحاول أن تبدو بخير… حتى لو كانت تخفي خلف الجدران تعبَ سنوات. وما أصعب أن يُشبه العيدُ الذكريات أكثر مما يُشبه الواقع. لكنَّ اليمنيين… منذ زمنٍ طويل، تعلموا كيف يصنعون الفرح بأشياء صغيرة. بابتسامةٍ عابرة، بدعوةِ أمّ، بصحنٍ يُقسمونه على الجيران، بقلوبٍ مُتعبة… لكنها لا تعرف القسوة. هذا الشعب الذي مرَّ عليه الحزن كثيرًا، ولم يتحول إلى حجر. هذا الشعب الذي خسر أشياء لا تُعوّض، لكنَّه ظلَّ يُخبئ للغد مكانًا في قلبه. وكم يبدو اليمنيُّ عجيبًا حين يتعب… يصمت كثيرًا، ويضحك كثيرًا، ويُخفي انكساره خلف كلمة: "الحمدلله." وفي داخله… ضجيجٌ كامل لا يسمعه أحد. في عيد الأضحى المبارك… ندعو الله أن تمرَّ هذه البلاد أخيرًا نحو الضوء، أن تستيقظ المدن يومًا بلا خوف، ولا فَقْد، ولا أخبارٍ تُثقِل الصباحات. ندعوه أن يُعيد للناس ما سُرق من أعمارهم، وأن يجبر قلب كلِّ أمٍّ انتظرت، وكلِّ طفلٍ كبر أسرع مما ينبغي، وكلِّ روحٍ تعبت من المقاومة الصامتة. اللهم اجعل هذا العيد بابًا واسعًا للطمأنينة، وبدايةً لفرجٍ يشبه رحمتك، وفرحةً تُداوي ما أفسدته السنوات الطويلة. وإن كانت البلادُ مُرهقة… فإنَّ الدعاء لها لا يتعب. وإن طال الطريق… فإنَّ في القلوب يقينًا خفيًّا، يقول إنَّ اليمن التي نجت من كلِّ هذا الحزن، لا بدَّ أن تصل يومًا إلى السلام. عيد أضحى مبارك… ولليمن في القلب مساحةُ دعاءٍ لا تنتهي، فهو وطنٌ يسكننا، حتى ونحن نحاول النجاة منه ومن وجعه. وكلَّما مرَّ العيد، وعادت التكبيرات تمشي بهدوءٍ فوق هذه الأرض، نشعر أنَّ البلاد… رغم كل شيء، ما زالت حيَّة. 🌿

"ولا حائرًا إلّا دللتهُ يا ربّ، ولا مهمومًا إلّا فرّجتَ همَّه، ولا مريضًا إلّا شفيتَه، ولا داعيًا إلّا أجبتَه، ولا ميتًا إلّا رحمتَه. اللهم اجعل لنا من لطفك نصيبًا، ومن رحمتك بابًا لا يُغلق، ومن طمأنينتك سكينةً تهدأ بها أرواحنا كلّما ضاقت الدنيا."

لبيك رجاءً لا ينقطع، من عبدٍ يعلم أن بيدك الفرج وبقربك الطمأنينة.

خِفَّةُ البَالِ، طُفُولَةٌ تَتَجَدَّدُ كُلَّ مَسَاء. كأنَّ الرُّوح، حين تتعب طويلًا، لا تبحث عن معجزة، ولا عن انتصارٍ كبير، ولا عن حياةٍ كاملة كما تمنّت يومًا… بل تبحث عن شيءٍ بسيط. شيءٍ صغيرٍ جدًا، خفيفٍ جدًا، يشبه لحظةً لا يُطاردها القلق. أن تجلس مطمئنًّا دون أن تُفكّر كثيرًا. أن يمرّ المساء دون أن يترك ثقله فوق صدرك. أن تضحك دون أن تسأل نفسك بعدها: لماذا ضحكت؟ ولماذا عاد الحزن سريعًا؟ خِفَّةُ البال… ليست رفاهية. إنها نجاةٌ مؤقتة، لكنّها تشبه الحياة أكثر من أيِّ شيءٍ آخر. أن تستيقظ، ولا تشعر بأن العالم ينتظرك ليستهلكك. أن يمرّ اليوم عاديًّا، هادئًا، بلا خساراتٍ مفاجئة، ولا خيباتٍ تُضاف إلى الأرشيف القديم. الأرشيف الذي امتلأ كثيرًا… حتى صار القلب يفتح أبوابه بحذر. وكم يتغيّر الإنسان، حين يتعب طويلًا. في البداية، كان يريد كلَّ شيء. الأحلام الكبيرة. العلاقات التي لا تنتهي. الطمأنينة الكاملة. والحياة التي تشبه الأغاني القديمة. ثم… بعد أعوامٍ من الضجيج الداخلي، والانتظار الطويل، والخذلان الذي يأتي غالبًا من الجهات التي أحببناها أكثر، يكتشف شيئًا غريبًا. أن السعادة، ربما كانت أهدأ مما تخيّل. فنجان قهوة بلا قلق. رسالة دافئة في وقتٍ متأخر. صوت شخصٍ نحبه وهو يقول: "كيف حالك؟" وكأنه يعرف تمامًا كم كانت الأيام ثقيلة. وأحيانًا… تأتي خِفَّةُ البال من أشياء لا يلاحظها أحد. من نافذةٍ مفتوحة بعد المطر. من رائحة الملابس النظيفة. من سريرٍ بارد في ليلةٍ صامتة. من أمٍّ تضع يدها على رأسك دون كلام. من دعاءٍ خافتٍ آخر الليل، تشعر بعده أن قلبك هدأ قليلًا… قليلًا فقط، لكن ذلك يكفي لتُكمل الطريق. الطريق الذي لم يكن سهلًا يومًا. فالإنسان، لا يخبر أحدًا بكلِّ ما يشعر به. ثمة ضجيجٌ كامل يعيش داخل أكثر الناس هدوءًا. ثمة معارك طويلة تحدث خلف الوجوه العادية. وثمة أشخاص، يبتسمون طوال الوقت، بينما أرواحهم تركض في الداخل باحثةً عن زاويةٍ آمنة تجلس فيها دون خوف. لهذا… حين يزورنا السلام للحظة، نتعلّق به بشدّة. كأننا وجدنا أخيرًا نسختنا القديمة. تلك النسخة التي كانت تنام بسهولة. وتحب بسهولة. وتسامح بسهولة. وتضحك من قلبها دون أن تخفي شيئًا. النسخة التي لم تكن تعرف أن الأيام قادرة على كل هذا التعب. لكن الحياة، مهما أثقلت أرواحنا، تترك دائمًا نافذةً صغيرة للنور. نافذةً لا تُصلح كلَّ شيء، لكنّها تمنحنا قدرةً غامضة على الاحتمال. ولهذا يعود الإنسان كل ليلة، متعبًا، صامتًا، يحمل ضجيجه كاملًا، ثم يبحث عن لحظة هدوء واحدة… لحظةٍ يشعر فيها أن قلبه ليس في حرب. وما أجمل تلك اللحظة، حين تأتي أخيرًا. حين يهدأ الرأس قليلًا. ويخفُّ القلب قليلًا. وتصبح الغرفة أكثر دفئًا. ويصبح الليل أقلَّ قسوة. حين تشعر، ولو لثوانٍ قصيرة، أن الحياة لا تريد إيذاءك هذه المرة. فتغمض عينيك بهدوء… كطفلٍ عاد متعبًا من اللعب، ووضع رأسه الصغير على الوسادة، دون خوفٍ من الغد.

وما عجز اللسان عن ترتيبه في دعاء. للهِ ذلك التعب الخفي الذي نحمله بصمت، وتلك الحروب الطويلة التي لا يراها أحد. للهِ الدمعة التي تراجعت في آخر لحظة، والخوف الذي أخفيناه خلف الابتسام، والأمنيات التي هرمت وهي تنتظر بابًا يُفتح. ماذا لو أن القلب كلما ضاق بما فيه كان يحتاج فقط أن يرفعه إلى الله؟ فهو وحده يعرف ثقل ما في الصدور، ووحده يفهم النداءات التي لا تُقال كاملة. للهِ هذا الضجيج الداخلي كله، وهذا الحنين، وهذا التعب، وهذا الرجاء الذي ما زال حيًّا رغم كل شيء. ثم يهدأ القلب قليلًا… حين يتذكّر أن ما أخفاه عن العالم طويلًا، لم يخفَ عن الله يومًا.

للهِ ما ضجّت به الأعماقُ والصدور،

ذلك النوع من الاشتياق الذي لا يبكي، ولا يصرخ، بل يجلس بهدوء في زاويةٍ بعيدة من القلب. لا يؤلمك دفعةً واحدة، لكنه يمرّ عليك كل ليلة تقريبًا، كهواءٍ بارد تسلّل من نافذةٍ نسيت إغلاقها. تحنّ… لكن دون رغبةٍ حقيقية في العودة. تتذكّر، لكنك تعرف في داخلك أن كل شيء انتهى منذ زمن. ولهذا يبدو الحنين باردًا؛ لأن القلب لم يعد يملك حرارة البدايات، ولا اندفاع الشوق القديم، فقط أثرًا هادئًا لشيءٍ كان يومًا يعني له العالم كله. أحيانًا لا نشتاق للأشخاص أنفسهم، بل للفترة التي كانوا فيها معنا. للنسخة القديمة منّا، للضحكة التي كانت أسهل، للأيام التي لم تكن ثقيلة إلى هذا الحد. ثم يمرّ الاسم صدفة، أو أغنية، أو صورة قديمة، فنبتسم بخفوت… ليس لأننا نريد العودة، بل لأن شيئًا داخلنا ما زال يربّت على تلك الذكرى بحنانٍ بعيد. وهذا أكثر أنواع الحنين هدوءًا، وأكثرها وجعًا أيضًا.

حنين بارد.

ليس أنانية، ولا قسوة، ولا تخلّيًا عن الآخرين… بل فهمٌ متأخر أن الإنسان حين يهمل نفسه طويلًا يخسر قدرته على منح أي شيء حقيقي لمن حوله. فكم مرّة أعطيتَ الجميع وقتك، وصبرك، واهتمامك، ثم عدت آخر الليل فارغًا تمامًا؟ وكم مرة أجلت راحتك، وأخفيت تعبك، وتجاوزت عن أشياء تؤلمك فقط كي يبقى الجميع بخير؟ إلى أن اكتشفت أخيرًا أنك كنت الشخص الوحيد الذي لا يسأل أحد عنه بصدق. أنتَ أوّلُ أولوياتِك… أي أن تحمي قلبك من الاستنزاف، وأن تنسحب من كل ما يؤذيك دون شعورٍ بالذنب، وأن تفهم أن راحتك النفسية ليست رفاهية مؤجلة. هناك لحظة ينضج فيها الإنسان، فيدرك أن إرضاء الجميع خسارةٌ مؤكدة للنفس. وأن بعض العلاقات لا تستحق كل هذا التنازل، ولا كل هذا الصمت، ولا كل هذا التعب الذي تخفيه بابتسامة هادئة. لهذا تعلم أن تختار نفسك أحيانًا. أن تنام مرتاحًا بدل أن تشرح مشاعرك طوال الليل، وأن تبتعد حين يصبح القرب استنزافًا، وأن تمنح روحك ذلك اللطف الذي تمنحه دائمًا للآخرين. فأنت أيضًا تستحق الاهتمام، وتستحق الطمأنينة، وتستحق أن تكون مكانًا آمنًا لنفسك لا ساحة حربٍ دائمة. أنتَ أوّلُ أولوياتِك… وحين تعتني بنفسك جيدًا، لن تصبح أقل حبًا للناس، بل أكثر توازنًا، وأصدق حضورًا، وأخفّ تعبًا من الداخل.

ليس أنانية، ولا قسوة، ولا تخلّيًا عن الآخرين… بل فهمٌ متأخر أن الإنسان حين يهمل نفسه طويلًا يخسر قدرته على منح أي شيء حقيقي لمن حوله. فكم مرّة أعطيتَ الجميع وقتك، وصبرك، واهتمامك، ثم عدت آخر الليل فارغًا تمامًا؟ وكم مرة أجلت راحتك، وأخفيت تعبك، وتجاوزت عن أشياء تؤلمك فقط كي يبقى الجميع بخير؟ إلى أن اكتشفت أخيرًا أنك كنت الشخص الوحيد الذي لا يسأل أحد عنه بصدق. أنتَ أوّلُ أولوياتِك… أي أن تحمي قلبك من الاستنزاف، وأن تنسحب من كل ما يؤذيك دون شعورٍ بالذنب، وأن تفهم أن راحتك النفسية ليست رفاهية مؤجلة. هناك لحظة ينضج فيها الإنسان، فيدرك أن إرضاء الجميع خسارةٌ مؤكدة للنفس. وأن بعض العلاقات لا تستحق كل هذا التنازل، ولا كل هذا الصمت، ولا كل هذا التعب الذي تخفيه بابتسامة هادئة. لهذا تعلم أن تختار نفسك أحيانًا. أن تنام مرتاحًا بدل أن تشرح مشاعرك طوال الليل، وأن تبتعد حين يصبح القرب استنزافًا، وأن تمنح روحك ذلك اللطف الذي تمنحه دائمًا للآخرين. فأنت أيضًا تستحق الاهتمام، وتستحق الطمأنينة، وتستحق أن تكون مكانًا آمنًا لنفسك لا ساحة حربٍ دائمة. أنتَ أوّلُ أولوياتِك… وحين تعتني بنفسك جيدًا، لن تصبح أقل حبًا للناس، بل أكثر توازنًا، وأصدق حضورًا، وأخفّ تعبًا من الداخل.

أنتَ أوَّلُ أولوياتِك.

.أرى أكثر مما ينبغي، وأشعر بتفاصيل قد تمرّ على غيري عابرة. ولهذا لا يكون الطريق سهلًا دائمًا. فالرؤية الواسعة تُتعب صاحبها، لأنها تكشف له ما خلف الكلمات، وما وراء الوجوه، وما تخفيه الأشياء تحت هدوئها الظاهر. لكن وسط هذا الثقل كله… تأتي لذّة الإتقان. تلك اللحظة التي يستقيم فيها المعنى، ويهدأ فيها الفوضى، ويشعر الإنسان أنه وضع روحه أخيرًا في المكان الصحيح. وكأن التعب كله كان يقود إلى هذه اللحظة فقط. لهذا أعيش بين نعمتين متناقضتين؛ وعيٌ يُرهقني، وشغفٌ ينقذني.

أغنيةٌ قديمة… لا تعيد اللحن فقط، بل تعيد الشخص الذي كنّا عليه حين سمعناها أول مرة. وفجأة تمتلئ الغرفة بأشياءٍ غير مرئية؛ وجوه قديمة، ضحكات بعيدة، ومساءات كنّا نظن أنها انتهت إلى الأبد. ماذا لو أن بعض الأغاني ليست موسيقى أصلًا، بل ذاكرة متنكّرة؟ لهذا تؤلمنا أحيانًا دون سبب واضح، كأنها تعرف الطريق إلى أكثر الأماكن هشاشة داخل القلب. أغنية قديمة… تُشغَّل صدفة، فتسقط السنوات دفعةً واحدة. نعود إلى طرقاتٍ اعتدناها، وإلى أشخاص لم يعودوا معنا الآن، وإلى نسخةٍ أخفّ من أنفسنا كانت تضحك بسهولة وتحلم أكثر. يا لقسوة الحنين… كيف يستطيع لحنٌ قصير أن يوقظ كل هذا الضجيج النائم داخلنا؟ فنصمت، ونترك الأغنية تمضي، بينما أرواحنا تمشي خلفها ببطء، كأنها تخاف أن ينتهي آخر خيطٍ يربطها بالماضي. ثم تنتهي الأغنية فجأة، ويعود كل شيء هادئًا… لكن القلب لا يعود كما كان قبلها تمامًا.