فَأْسُ الْخَلِيلِ
Open in Telegram
وَٱجۡعَل لِّی لِسَانَ صِدۡقࣲ فِی ٱلۡـَٔاخِرِینَ
Show more583
Subscribers
No data24 hours
-107 days
-6530 days
Posts Archive
قال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير ، عن يحيى بن جعدة ، أن عمر بن الخطاب خرجت امرأة على عهده متطيبة ، فوجد ريحها ، فعلاها بالدرة ، ثم قال : تخرجن متطيبات ، فيجد الرجال ريحكن ، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم ، اخرجن تفلات .
📕 مصنف عبد الرزاق
تفلات : تاركات للطيب
أصنامُ الجاهليّةِ ليستْ فقط أحجارٌ وتماثيلٌ بل هي أشخاصٌ واعتقاداتٌ فقد تُهدم بالمعولِ أحياناً وبالكلمةِ أخرى ، و تأثير الأشخاصّ وخصوصاً من يُنسبُ منهم إلى العلم والصّلاح والزّهد أشدّ وأعظم في قلوب النّاس من حجرٍ وشجرٍ لا يُقدّم ولا يؤخر .
فَلَا حَقّ الإِلَهِ عَرَفَتُمُوهُ وَلَيْس لَكُمْ عَنِ الكُفْرَانِ بُدُّ ..
الشُّعُوبُ العَرَبِيَّةُ فَاشِلَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي صُنْعِ الطَّوَاغِيتِ ، فَرَغْمَ أَنَّ الجَوْلَانِيَّ لَا يَخْتَلِفُ عَنِ الأَسَدِ إِلَّا فِي صِنَاعَةِ الكَبْتَاغُونِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ بَدَءُوا فِي عِبَادَتِهِ وَتَقْدِيسِهِ .
قَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، أَنَّ رَاهِبًا لَقِيَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : « يَا سَعِيدُ ، فِي الفِتْنَةِ يُتَبَيَّنُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الطَّاغُوتَ » .
عَنَاوِينُ بُزُورِ الشَّهْدِ تَبْدُو … بِهَا السُّمُّ الزُّعَافُ لَنَا يُعَدُّ
مُزَخْرَفَةٌ مُزَوَّقَةٌ بِنُصْحٍ … عَجُوزٌ جُمِّلَتْ وَالخَدُّ جَعْدُ
وَقَدْ لَبِسَ الخَؤُونُ ثِيَابَ وُدٍّ … وَتَحْتَ ثِيَابِهِ الخَصْمُ الأَلَدُّ
وَأَبْدَى الذِّئْبُ إِشْرَاقَ ابْتِسَامٍ … وَفِي فَكَّيْهِ أَنْيَابٌ وَحَدُّ
وَإِبْلِيسُ الطَّرِيدُ يَقُولُ نُصْحًا … لِآدَمَ كُلْ فَذَاكَ الأَكْلُ خُلْدُ
وَفِرْعَوْنُ المُرِيدُ يَقُولُ أَخْشَى … يُبَدِّلَ دِينَكُمْ مُوسَى وَيَعْدُو
وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا رَشَادًا … وَوَعْظِي فِيكُمْ نُصْحٌ وَرُشْدُ
• الدمشقي
القِنَاعُ الآخِرُ فِيَا عِبَادَ اللهِ السَّكِينَة :
ها هي المرحلةُ الأخيرةُ من تبديلِ الأقنعةِ قد انتهت بعد تسلسلِ الأحداثِ والخياناتِ والتحالفاتِ السريةِ التي تمَّ فيها القضاءُ على أيِّ فصيلٍ أو جماعةٍ تحملُ في طيَّاتها فكرَ تحكيمِ الشريعةِ أو التقربِ من منهجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، كتنظيمِ الدولةِ الذي نعتبره على ضلالٍ لكنه من أقربِ المناهجِ لتحكيمِ الشريعةِ ظاهريًا، وأيضًا بعضُ الفصائلِ والجماعاتِ التي كانت في الشمالِ السوريِّ وقد تمت إبَادَتُها عن بكرةِ أبيها بأمرٍ من الجولاني فشتَّتَ شملَهم وفرقَّ جماعتَهم ..
وأما ما تبقى من الفصائلِ التي انضوت تحت لوائهِ فهي ما بينَ منتفعٍ منه أو شاعرٍ بضعفه وصغره أو مجبرٍ على الالتحاقِ به ..
فجمع حوله المنافقون والسفهاء والتجار والمجرمون القتلة ، والكثيرُ ممن لا يملكون قوتَ يومهم طمعًا براتبٍ أو فتاتٍ ، والبعضُ ممن يجهل دينه جهلًا تامًا مع نيته السليمة وظنه بأن الجولاني مسلمٌ وهو الفاتحُ المسلم ..
وأما هذا النوع الأخير نقول له : « النيةُ الصالحةُ لا تصلحُ العملَ الفاسد » ..
فتحولت الشام الآن بفضلِه من دارٍ تحكمُ بالقبضةِ التشبيحيةِ الأمنيةِ إلى دارٍ عنوانها الرئيسيُّ هو « محاربةُ الإرهاب » ، الذي يعني بينَ قوسين « محاربةَ كلِّ من يريدُ تحكيمَ الشريعةِ أو من يطالبُ بها » ، فبات الناسُ اليومَ كلهم في غفلةٍ ، حيثُ إنهم سابقًا كانوا يحكمون على الأسد بالكفرِ أو الظلمِ ، واليوم يظنون بمن هو كافرٌ مثلهُ أنه مسلمٌ ، فالتبسَ الحقُّ والباطلُ ، وازدادَ الخلقُ غفلةً وشتاتًا .
قال سفيانُ الثوريُّ رحمه الله : البدعةُ أحبُّ إلى إبليسَ من المعصية ، فالمعصيةُ يُتابُ منها ، والبدعةُ لا يُتابُ منها .
وقد نقلتُ هذا الأثرَ لأن من ظنَّ بكافرِ الإسلامِ سيصعبُ عليه التخلصُ من ظنهِ بسهولةٍ .
أما قولي لأهلِ التوحيدِ : اصبروا وصابروا واتقوا اللهَ، والزَموا بيوتَكم ولا يُهولنكم اجتماعُ أهلِ الباطلِ، فهذا واللهِ بدايةُ النصرِ وبدايةُ التمييزِ حتى يصبحَ الناسُ فسطاطين إن شاء الله ..
ولعلَّ تسارعَ الأحداثِ لا يؤولُ إلا لخيرٍ ، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم : إن أمرَ المؤمنِ كلهُ له خيرٌ ، إن أصابتهُ سراءُ شكرَ فكان خيرًا له ، وإن أصابتهُ ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له”. فاصبروا فإنَّ دولةَ الباطلِ ساعةٌ ، ودولةَ الحقِّ إلى قيامِ الساعة ، وللباطلِ جولةٌ ثم يضمحلُّ ، وللحقِّ دولةٌ لا تنخفضُ ولا تذلُّ .
• الدمشقي
الأول : خطر يوم الميثاق حين قال هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أُبالي فلا يعلم أي الفريقين كان !
6- وقال تعالى : ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴾ . وهنا جمع بين العصمة الأولى : وهي اللُّب والعقل والعصمة الثَّانية : وهي الميثاق .
7- وقال تعالى : ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۙ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
قال ابن جرير : قال تعالى ذكره : ﴿ ومالكم لا تؤمنون بالله ﴾ أي : وما شأنكم أيُّها النَّاس لا تقرُّون بوحدانيَّة الله ورسوله محمَّد -ﷺ- يدعوكم إلى الأقرار بوحدانيته وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك ما قطع عذركم وأزال الشك من قلوبكم وقد أخذ ميثاقكم . قيل : يعني بذلك أنَّه قد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صلب آدم بأنَّ الله ربكم لا إله لكم سواه . ثمَّ روى عن مجاهد قوله تعالى : ﴿وقد أخذ ميثاقكم﴾ قال : في ظهر آدم .
8- وقال تعالى عن أهل النَّار : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ ، قال عبد الرَّحمَٰن بن زيد أسلم في قول الله تعالى : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ ، خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم اميثاق ، وقرأ : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ . حتَّى بلغ : ﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ ، قال : فاكسبهم العقل وفي لفظٍ : فكساهم العقل وأخذ عليهم الميثاق . ثمَّ قال : فلَّما أخذ عليهم الميثاق أماتهم ، ثمَّ خلقهم في الأرحام ، ثمَّ أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، فذلك قول الله تعالى : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ﴾ وقرأ قول الله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظًا﴾ . قال : يومئذٍ ، وقرأ قول الله : ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .
9- قوله تعالى : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فهذا إستدلالٌ قاطع على أنَّ الإيمان بالله تعالى أمرٌ مستقر في الفطر والعقول ، وأنَّه لا عذر لأحد ٍفي الكفر به البتَّة .
10- قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ . يعني : يوم الميثاق ﴿ آمنوا بالله ورسوله ﴾ .
11- وقوله تعالى : ﴿ يعظكم لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ . تذكرون ماذا ؟ الميثاق الأول .
12- وقوله تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ . أي : يوم الميثاق من التصديق والتكذيب .
تعودون إلى ذلك حينما قال : هَؤُلَاءِ في الجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاءِ في الْنَّار وَلَا أُبَالِي .
13- وقوله تعالى : ﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ . أي : إلَّا من قد آمن يوم الميثاق .
14- وقوله تعالى : ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ . على توحيده أول مرة، حين أقررتم بإلوهيَّته يوم أخذ عليكم الميثاق .
15- وقوله تعالى : ﴿ والَّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ . فالأمانة هي الَّتي يحملها الإنسان في عالم الذر والمهد هو الميثاق الَّذي أخذ عليه في عالم الذر .
ومن الأحاديث الَّتي أشارت إلى الميثاق الأول :
16- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النَّبي -ﷺ- قال : قال للرجل من أهل النَّار يوم القيامة لو كان لك ما على الأرض من شيئ أكنت مفتديًا به ؟
قال : فيقول : نعم ، فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا .. وفي لفظٍ قال : ولا أدخلتك النَّار فأبيت إلَّا أن تشرك بي .
• فهذا الميثاق الَّذي أُخذ عليهم في صلب آدم فمن وفَّى به بعد وجوده في الدُّنيا فهو مؤمن ومن لم يوفِّ به فهو كافر .
17- عن شَدَّاد بن أَوْسٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّه قال : سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ : « اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ .. » .
• الدمشقي
• يتبع
وعن جويبر قال مات ٱبنٌ للضحَّاك ٱبن مزاحم ٱبن ستَّة أيَّام فقال إذا وضعت أبني في لحده فأبرز وجهه وحلَّ عقده فإنَّ أبني مُجلَّس ومسؤول فقلت عمَّا يُسأل قال عن الميثاق الَّذي أقرَّ به في صلب آدم حدَّثني ٱبن عبَّاس : أنَّ الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وتكفَّل لهم بالأرزاق ثمَّ أعادهم في صلبه . الأثر المتقدِّم
وعن ابن جريج في قوله تعالى : ﴿ أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين ﴾ قال : عن الميثاق الَّذي أخذ عليهم ﴿ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ﴾ فلا يستطيع أحدٌ من خلق الله من الذريَّة ﴿ أو تقولوا إنَّما أشرك آباؤنا ﴾ ونقضوا الميثاق ﴿ وكنَّا ذريَّة من بعدهم أفتهلكنا بذنوب آباؤنا وبما فعل المبطلون ﴾ !
وقال البغوي : ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ﴾ أي : عن هذا الميثاق والإقرار ، فإن قيل ڪيف تلزم الحجَّة على أحد لا يذكر الميثاق ؟
قيل قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته ، وصدَّق رسله فيما أخبروا ، فمن أنكره كان معاندًا ناقضًا للعهد ولزمته الحجَّة ، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق وقوله تعالى : ﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ﴾ يقول : إنَّما أخذ الميثاق عليكم ، لئَّاا تقولوا أيُّها المشركون إنَّما أشرك آباؤنا من قبل نقضوا العهد وكنَّا ذرية من بعدهم ، أي : كنَّا أتباعًا لهم فاقتدينا بهم ، فتجعلوا هذا عذرًا لأنفسڪم ، وتقولوا : ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ . أفتعذبنا بجناية أبائنا المبطلين ، فلا يمكنهم أن يحتجُّوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التَّوحيد .
﴿ وكذلك نفصِّل الأيات ﴾ أي : نبيِّن الآيات ليتدبرها العباد ، ﴿ ولعلَّهم يرجعون ﴾ أي : من الكفر إلى التَّوحيد .
وقد طعنت المعتزلة ومن شابههم في هذا الميثاق وردوا جميع ما جاء فيه من آياتٍ وأحاديثٍ وآثار ، وهي الَّتي قال فيها بعض العلماء : لو أدعي فيها التواتر لما بعد .
لا يجوز رده ويرجع الطعن إلى أصحاب الرَّسول -ﷺ- ، ورضي الله تعالى عنهم .
• ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة وهذا له نصيب من قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ .
• فمن شبهاتهم أنَّه قال : ﴿ من ظهورهم ﴾ ولم يقل من ظهر آدم !
• والجواب عن قولهم أنَّ المعنى في ذلك -والله أعلم- : أنَّ قد أخرج ذريَّة آدم الَّذين هم ولده من صلبه ، ثمَّ أخرج من ظهورهم ذريتهم ، ثمَّ أخرج من بعدهم حتَّى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهورهم ، فذكر الآخذ من ظهور ذريته ولم يذكر ظهر آدم لأنَّ في الكلام دليلًا عليه كما قال الله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلًا عليه .
• ومن شبهاتهم قالوا إنَّه لا يجوز خطاب الذر !
• وعلى هذا القول جوابان : أحدهما : أنَّه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى من العقل مايكونوا به من أهل الخطاب ! ألا ترى أنَّ نملة سليمان بن داود -عليهما السَّلام- قد تكلَّمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان . وسبَّح الطير والجبال مع داود .. فكذلك هذا .
• الجواب الثاني : أنَّهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة ولكنَّهم في الخلقة مثل خلقهم اليوم !
• ومن شبهاتهم قالوا إنَّه لا تكون الحجَّة بشيئ لا يذكره العباد والجواب أن يقال : إنَّ الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرتهم بذلك الميثاق وإذا أخبرتهم الرسل بذلك صار حجَّة عليهم فإن قيل أنَّ الرسل وأن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجَّة عليهم ؟
• قيل لهم : وإن لم يذكروا فقول الثِّقات حجَّة عليهم ألا ترى أنَّ الرجل لو طلَّق إمراته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنَّه طلَّقها قبل غيبته عنها قُبل قولهما ، وكذلك لو صلَّى فشهد عليه عدلان أنَّه ترك ركعة من صلاته يجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر فكذلك هاهنا .
5- وقال تعالى : ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ، قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ قال : النِّعم آلاء الله " وميثاقه الذي واثقكم به " قال : الَّذي واثق به بني آدم في ظهر آدم -عليه السَّلام- .
وممَّا يشهد لهذا التَّفسير أنَّه قال في أول السورة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ فالَّذي ينسى هذا الميثاق ولا يفكِّر فيه على خطرٍ عظيم .
قال حاتم الأصم : من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء .
ثمَّ في الأية مضمر تقديره أخذنا عليهم الميثاق ﴿ أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين ﴾ وقال : بعضهم إنَّما تمَّ الكلام عند قوله : ﴿ بلى ﴾ ثمَّ إنَّه قال تعالى : ﴿ شهدنا ﴾ يعني : شهدنا عليكم وأخذنا عليكم الميثاق لكيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنَّا عن هذا الميثاق غافلين ﴿ أو تقولوا ﴾ أي : لكيلا تقولوا : ﴿ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَامِن قَبْلُ ﴾ ونقضوا العهد ﴿ وكنَّا بعدهم ﴾ لم نعلم به ﴿ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ يعني : آباؤنا المشركين .
• فإن قيل هل كان إقرارهم إيمانًا منهم ؟ قيل له : أمَّا المؤمنون كان إقرارهم إيمانًا وأمَّا الكافرون فلم يكن أقرارهم إيمانًا لأنَّ إقرارهم تقيَّة ولم يكن حقيقة .
وقوله -عزَّ وجلَّ- : ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ﴾ يعني : هكذا نبيِّن الآيات في أمر الميثاق ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ إلى أقرارهم وإلى التَّوبة عن الشرك إلى التَّوحيد .
• روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- مرفوعًا قال : إنَّ الله أخذ من ظهر آدم -عليه السَّلام- بنعمان أي : يعني وادي عرفة أو عرنة فأخرج من صلبه كل ذريَّة ذرأها فنثرهم بين يديه كالذَّر ثمَّ كلَّمهم قُبلا قال تعالى : ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ﴾ وعن أُبي ٱبن كعب -رضي الله عنه- في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ قال : أخرجهم جميعًا فجعلهم أرواحًا في صورهم ثم أستنطقهم فتكلَّموا ثمَّ أخذ عليهم العهد والميثاق ﴿ أشهدهم على أنفسهم ألستُ بربِّكم قالوا بلى ﴾ قال : فإنِّي أُشهد عليكم السماوات السبع واُشهد عليكم أبآكم آدم ﴿ أن تقولوا يوم القيامة ﴾ أنَّا لم نعلم بهذا أعلموا أنَّه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئًا فأنِّي سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأُنزل عليكم كتبي .
قالوا : شهدنا بأنَّك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقرُّوا ثمَّ خلطهم وردهم إلى صبه ورفع عليهم آدم ينظر أليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال يا رب لولا سوَّيت بين عبادك قال إنِّي أحببت أن أشكر وأرى الأنبياء مثل السرج عليهم النُّور وخصُّوا بميثاق آخر في الرِّسالة والنبوَّة أن يبلغوا وهو قوله تعالى : ﴿ وإذ أخذنا من النبيِّين ميثاقهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ فطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها ﴾ وفي ذلك قال تعالى : ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾ وفي ذلك قال تعالى : ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذَّبوا به من قبل ﴾ قال : فكان في علم الله يومئذٍ من يكذِّب به ومن يصدق به فكان روح عيسى بين تلك الأرواح الَّتي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فتمثَّل لها بشرًا سويًا .
وقال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- : أنَّ الله مسح على صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وتكفَّل لهم بالأرزاق ثمَّ أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتَّى يولد من أُعطي الميثاق يومئذٍ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفَّى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يفِ به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيرًا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة .
وقال ابن عباس : في قوله تعالىٰ : ( وإذ أخذ ربك ) ، قال إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر فقال لهم من ربكم فقالوا الله ربنا ثم اعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لايزاد فيهم ولاينقص منهم إلى أن تقوم الساعة .
وقال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- : خلق الله آدم ثم أخرج ذريته من ظهره فكلَّمهم الله وأنطقهم فقال : ألستُ بربِّكم قالوا بلى ثمَّ أعادهم في صلبه فليس أحد من الخلق .
وفي رواية : فلا يسأل أحد كافر ولا غيره إلا قد تكلَّم فقال ربيَّ الله وإنَّ القيامة لن تقوم حتَّى يولد من كان يومئذٍ أُشهد على نفسه .
وعن ابن عبَّاس قال : ضرب الله متن آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنَّة بيضاء نقيَّة فقال : هؤلاء أهل الجنَّة وخرجت كل نفس مخلوقة للنَّار سوداء ، فقال : هؤلاء أهل النَّار أمثال الخردل في صورة الذر ، فقال : يا عباد الله أجيبوا الله يا عباد الله أطيعوا الله ، قالوا : لبَّيك اللّٰهمَّ أطعناك لبَّيك اللّٰهمَّ أطعناك وهي الَّتي أعطى الله إبراهيم في المناسك لبَّيك اللّٰهمَّ لبَّيك فأخذ عليهم العهد بالإيمان به والأقرار والمعرفة بالله وأمره .
وقال عبد الله بن عمرو : في قوله تعالى : ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ﴾ قال : أخذهم من ظهرهم كما يؤخذ من المشط الرأس .
وقال محمَّد بن كعب قال : أقرُّوا بالإيمان والمعرفة في الأرواح قبل أن تخلق أجسادها .
وفي ذلك قال تعالىٰ : ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
قال : نفذ علمه فيهم أيُّهم المطيع من العاصي حين خلقهم في زمن آدم
وتصديق ذلك حيث قال نوح -عليه السَّلام- : ﴿ قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
وقال في ذلك : ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ وفي ذلك قال : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ .. وفي ذلك قال : ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ولا حجَّة لأحدٍ على الله !
وقال مقاتل ٱبن حيان في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ قال : أخرجهم مثل الذَّر فركَّب فيهم العقول ثمَّ استنطقهم فقال لهم : ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ قالوا جميعًا بلى فأقرُّوا بألسنتهم وأسرَّ بعضهم الكفر في قلوبهم يوم الميثاق فهو قوله : ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم ﴾ بعد البلاغ ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ بعد البلوغ ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ ﴾ يعني : يوم الميثاق ﴿ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
3- قال تعالىٰ : ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ﴾ ، قال أُبي أبن كعب -رضي الله عنه- : ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ۖ ﴾ قال : الميثاق الَّذي أخذه في ظهر آدم علم الله يومئذ أي : الميثاق من يفي ممَّن لا يفي فقال : ﴿ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ﴾ .
وقال أبو العالية في قوله تعالى : ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ﴾ ، قال : ذلك هو العهد يوم أخذ الميثاق .
وقال مجاهد في قوله تعالى : ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ﴾ الَّذي أُخذ من بني آدم في ظهر آدم لم يوفوا به ﴿ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ﴾ ، قال : القرون الماضية .
4- وقال تعالىٰ : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
• ففي هذه الآيات بيَّن الله -عزَّ وجلَّ- أنَّ العبد لا يعذر بجهله أذا أشرك بربه لما أخذه عليه من العهود والمواثيق فمن لم تبلغه دعوة الرسل لا يعذر يوم القيامة في الشرك بالله ولا بفعل الفواحش الَّتي تنفر منها النفوس السليمة وتعرف ضررها العقول الرشيدة وفيها ؛ أنَّ من مات صغيرًا من أبناء المسلمين دخل الجنة لإقراره بالميثاق الأول ، ومن بلغ عاقلًا وأشرك لم ينفعه الميثاق الأول ، فدلَّ على أنَّ الميثاق حجَّة وفيه تأثير حيث أنتفع به الصغير ومزيد حجَّة على المشرك الكبير .
• وفيها إبطال حجَّة المشركين يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ينبِّههم إلى التَّوحيد ،
وفيها إبطال التقليد للآباء والأجداد في أصول الدِّين، فكما أنَّه لايقبل الٱعتذار بالجهل لقيام الأدلَّة على التَّوحيد فكذلك لا يقبل الٱعتذار بالتقليد بعد قيام الأدلَّة الفطريَّة والعقليَّة على معرفة الله ووحدانيَّته !
• وفيها : أنَّ كتاب الله تعالى فيه تفصيل كل شيء . قال تعالى بعدها : ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي : الغاية من ذلك لعلَّهم يرجعون من الشرك إلى التَّوحيد .
• وهذه الآيات من سورة الأعراف كان السلف يقفون عندها كثيرًا وسموها : -أية الميثاق- .
وقد أجمعوا على أنَّها في الميثاق الأول حين أخرجهم من ظهر آدم واستنطقهم وهم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنَّه ربهم وإلههم فاعترفوا بذلك وقبلوا وذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولًا عرفوا بها ماعرض عليهم .
• وهذا الميثاق لم يكن للإقرار بأنَّ الله خالقهم وربهم فحسب فالجميع يقرُّ بذلك وإنَّما كان في الألوهيَّة وأنَّ الله هو المستحقُّ للعبادة وحده لا شريك له كما يسأل العبد في قبره « من ربك ؟ » أي : من إلاهك الَّذي كنت تتألهه في الدنيا !
و قوله تعالى : ﴿ شهدنا ﴾ ، قال بعضهم هذا حكاية عن قول الذريَّة قالوا : بلى شهدنا وتمَّ الكلام .
• العصمة السَّادسة -الميثاق- :
من أعظم ما يعصم الخلق عن الإشراك بالله واتِّخاذ الندّ له هو الميثاق الأول المؤكِّد بالإقرار والشهود فمن أشرك بالله فهو خائنٌ لعهده ناقضٌ لميثاقه مستوجبٌ لعذابه قال قتادة في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ . قال : فعليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا الميثاق فإنَّ اللّٰه قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة . وذكره في بضعٍ وعشرين آية ، نصيحة لكم وتقدمة أليكم وحجَّة عليكم ، وإنَّما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله ، وذكر لنا أنَّ النَّبي -ﷺ- كان يقول في خطبته : لا أيمان لمن لا أمانه له ، ولا دين لمن لا عهد له ، وهذه بعض المواضع الَّتي تجاوزت العشرين في القرآن عن الميثاق ..
1- قال تعالى : ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .
• فهذه الآية العظيمة كان السلف يتوقَّفون عندها ويتأملونها ويستنبطون منها الفوائد والمسائل العظام ، فهي وعيد للمشركين الَّذين نقضوا عهد الله وأشركوا ، وللمبتدعة الَّذين نقضوا عهد النَّبي -ﷺ- وخالفوا سنَّته .
• ولهذا قال الإمام مالك -رحمه الله- : ما أية في كتاب الله أشد على أهل الأهواء من الآيات . وقال : فأيُّ كلامٍ أبين من هذا !
قال أُبي بن كعب -رضي الله عنه- : الَّذي أمر الله ورسوله أن يقرأ عليه سورة البيِّنة وسمَّاه بٱسمه واسم أبيه في الملأ الأعلى ، والَّذي ضرب رسول الله على صدره وقال ليهنك العلم أبا المنذر .. قال : صاروا يوم القيامة فريقين ، فقال لمن أسود وجهه وغيرهم : ﴿ أكفرتم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، قال : هو الإيمان الَّذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم ، وأقرُّوا كلهم بالعبوديَّة ، وفطرهم على الإسلام ، فكانوا أمَّة واحدة مسلمين ، يقول : ﴿ أكفرتم بعد أيمانكم ﴾ ، يقول أكفرتم بعد ذلك الإيمان الَّذي كان في زمان آدم .. وقال في الآخرين الَّذين استقامو على إيمانهم ذلك ، فأخلصوا له الدِّين والعمل فبيَّض الله وجوههم ، وأدخلهم في رضوانه وجنته .
قال ابن جرير : الإيمان الَّذي يوبَّخون على ارتدادهم عنه ، هو الإيمان الَّذي أقرُّوا به يوم قيل لهم : ﴿ ألستُ بربِّكم قالوا بلى شهدنا ﴾ . وذلك أنَّ الله -جلَّ ثناؤه- جعل جميع أهل الآ خرة فريقين .
أحدهما سودًا وجوههم والآخر بيضًا وجوههم ! فمعلومٌ إذا لم يكن هناك إلَّا هذان الفريقان أنَّ جميع الكفَّار داخلون في فريق من سوِّد وجهه وأنَّ جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه ..
وإذا دخل جميعهم في ذلك ثمَّ لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثمَّ أرتدوا كافرين بعد إلَّا حالة واحدة كان معلومًا أنَّها المرادة بذلك !
• فتأويل الآية أذًا : فأمَّا الَّذين اسودَّت وجوههم .. فيقال أجحدتم توحيد الله وعهده وميثاقه الَّذي واثقتموه عليه بأن لا تشركوا به شيئًا، وتخلصوا له العبادة وقوله ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي : بعد تصديقكم به ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ .. يقول بما كنتم تجحدون في الدُّنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به و التصديق ..﴿ وأمَّا الَّذين أبيضَّت وجوههم ﴾ أي : ممَّن ثبت على عهد الله وميثاقه فلم يبدِّل دينه ولم ينقلب على عقبيه بعد الإقرار بالتَّوحيد والشهادة لربِّه بالألوهيَّة وأنَّه لا إله غيره ففي رحمة الله هم فيها خالدون .
وأخرج البيهقي في القضاء والقدر عن أبن عبَّاس في قوله -عزَّ وجلَّ- : ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ أي : بعد الإقرار والميثاق بالله -عزَّ وجلَّ- . روي ذلك مرفوعًا ، والموقوف أصح .
2- وقال تعالى : ﴿ تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
قال : أُبي بن كعب -رضي الله عنه- : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل . قال : كان في علمه يوم أقرُّوا له بالميثاق من يكذب به ومن يصدق .
قال ابن جرير الطبري : أي فما كان هؤلاء المشركون الَّذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم الرسل ، بما كذَّبوا به من قبل ذلك . وذلك يوم آخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم -عليه السَّلام- .
قال السدِّي : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ، قال : ذلك يوم آخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهًا .. وقال آخرون : فما كانوا ليؤمنوا عند مجيئ الرسل بما سبق في علم الله أنَّهم يكذبون به يوم أخرجهم من صلب آدم -عليه السَّلام- .
وقال الربيع بن أنس : يحقُّ على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم والأنبياء ، ويدعوا علم ما أخفى الله عليهم فإنَّ علمه نافذ فيما ما كان وفيما يكون .
الأول يقول : القول في هذه المسألة كذا .
الثاني يقول : من قال بهذا من السلف هات كلامهم لو سمحت .
الأول : ينسخ له كلام السلف مع السند .
الثاني : كفاك نسخاً ولصقاً يا جاهل يا مقلد .
• هذا ما نراه كثيراً في هذه المواقع عندما نتصفح المنشورات ، هؤلاء هم أقوامنا مجادلون لا يريدون الحق زنادقةٌ خنازير بأشكال بشر أنا لا أقول بأنهم جهمية أو خوارج أو .. إلخ
• بل هم أدنى مستوى حتى من أبي لهب .
• الدمشقي
بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً مِنَ القَتْلِ وَالاغْتِصَابِ وَالنَّهْبِ وَالسَّلْبِ وَالظُّلْمِ وَمُحَارَبَةِ الإِسْلَامِ ، يَأْتِي جَرْوٌ مِنْ جِرَاءِ الجَوْلَانِيِّ لِيَقُولَ بِكُلِّ صَفَاقَةٍ وَوَقَاحَةٍ : « اسْتَقْبَلْنَا إِخْوَانَنَا شِيعَةَ العِرَاقِ لِيَزُورُوا مَقَامَ زَيْنَبَ عَلَيْهَا السَّلَامُ » ، وَبِاللَّحْنِ وَاللَّهْجَةِ الرَّافِضِيَّةِ لِيُكْمِلَ مُدَاهَنَتَهُ ، وَالشَّعْبُ الَّذِي نَامَ لِمُدَّةِ سِتِّينَ عَامًا مَا زَالَ يُكْمِلُ نَوْمَتَهُ عَلَى ذِرَاعَيِ الجَوْلَانِيِّ وَعَسَاكِرِهِ الخَارِجِينَ عَنِ الإِسْلَامِ .
• الدمشقي
8- ومن ذلك حديث الأسراء والمعراج وفيه قال النَّبي -ﷺ- : مضيت حتَّى دفعت إلى المسجد الأقصى فاستقبلني جبريل -عليه السَّلام- بإنائين إناء من لبنٍ وإناءٌ من خمرٍ فقال أشرب يا محمَّد فا أخذت اللَّبن فشربته فقال أصبت الفطرة . وفي روايةٍ قال : أنت عليها وأمَّتك - أي : دين الإسلام .
وفي روايةٍ قال : وبها غذَّيت كل دابَّة .
• وسبب تسمية اللَّبن فطرة لأنَّه أوَّل شيء يدخل في بطن المولود ويشقُّ أمعائه ولأنَّ كلَّ مولود يعرف طريق اللَّبن دون تعليم .. وكذلك التَّوحيد .
وقال ابن مسعود : لا تسقوا أولادكم الخمر فإنَّهم ولدوا على الفطرة .
9- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : قال لي رسول الله -ﷺ- : إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ ، وقلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ ، وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ ، لامَلجأَ ولا مَنجى مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ ، آمنتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنزَلْت ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرسَلتَ ، فإِنْ مِتَّ ، مِتَّ عَلَى الفِطرةِ ، واجْعَلهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ - أي : على الإسلام .
10- وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -ﷺ- سمع رجلاً يقول الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله -ﷺ- : -على الفطرة- ثمَّ قال أشهد أنَّ لا إلَٰه إلَّا الله أشهد أنَّ لا إلَٰه إلَّا الله . فقال رسول الله -ﷺ- : خرجت من النَّار .
📕 رواه مسلم
11- روى الإمام أحمد والبخاري عن حذيفة -رضي الله عنه- أنَّه دخل المسجد فإذا رجلٌ يصلِّي فجعل لا يتمَّ الرُّكوع ولا السُّجود فلمَّا انصرف قال له حذيفة منذ كم تصلِّي هذه الصلاة ؟ قال منذ أربعين سنة فقال له حذيفة : ما صلَّيت منذ أربعين سنة ولو متَّ وهذه صلاتك لمتَّ على غير الفطرة - أي : على غير الإسلام !
12- روى البيهقي في سننه عن يحيى بن عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه عن أبيه أنَّ النَّبي -ﷺ- حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا له توفَّى وأوصى أن يوجَّه إلى القبلة لمَّا أحتضر فقال النَّبي -ﷺ- أصاب الفطرة .
13- روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرَّحمَٰن بن أبزى عن أبيه عن النَّبي -ﷺ- أنَّه كان يقول إذا أصبح : أصبحنا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص وعلى دين نبيِّنا محمَّدٍ -ﷺ- وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين .
14- وعن ابن عبَّاس -رضي الله عنها- : قال : من ذبح فنسي أن يسمِّي فليذكر ٱسم الله عليه و ليأكل ولايدعه للشيطان إذا ذبح على الفطرة .
15- وقد استدلَّ السَّلف بدليل الفطرة على مسألةٍ هي من التَّوحيد ومنكرها كافر مشرك وهي علوَّ الله تعالى فمن قال لا أدري آلله في السَّماء أم في الأرض فقد كفر بعينه والدَّليل الفطرة فإنَّ الله قد فطر النَّاس بل جميع المخلوقات على إثبات العلوّ لله فلا شيء أبين منه ولا أوكد فلا تسأل أحدًا من النَّاس عربيًا ولا أعجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربُّك إلا قال في السَّماء ودليله في ذلك الفطرة ولم يخرج عن هذه البداهة العقليَّة وهذه الفطرة السَّليمة .
• إلَّا المعتزلة والجهميَّة وأفراخهم الأشعريَّة ! فإنَّ الخلق جميعًا بطباعهم وقلوبهم السَّليمة ويرفعون أيديهم عند الدُّعاء ويقصدون جهة العلوّ بقلوبهم عند التضرُّع إلى الله تعالى ..
• وقد ذكر محمَّد بن طاهر المقدسي أنَّ الشَّيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس أبي المعالي الجويني الجهمي وهو يتكلَّم في نفي صفة العلوّ وهو يقول كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان فقال الشَّيخ أبو جعفر الهمذاني : أخبرنا عن هذه الضَّرورة الَّتي نجدها في قلوبنا فإنَّه ما قال عبدٌ قطّ يا الله إلَّا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلوّ لا يلتفت يمينه ولا يساره فكيف ندفع هذه الضَّرورة عن أنفسنا ؟
قال فلطم أبو المعالي رأسه ونزل وقال : حيَّرني الهمذاني حيَّرني الهمذاني : أراد الشَّيخ أنَّ هذا أمرٌ فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوَّه من المعلِّمين يجدون في قوبهم طلبًا ضروريًا يتوجَّه إلى الله ويطلبه في العلوّ .
16- ومن تأمَّل حال الأطفال وجدهم فطروا على أشياءٍ كثيرة نافعة لهم في معاشهم ومعادهم يستمرُّون عليها ما لم يغيرها الوالدان أو المجتمع كالنُّوم في اللَّيل واليقضة في النَّهار والتَّفريق بين الذَّكر والأنثى وكراهة كشف العورات وحياء البنات في أشياءٍ كثيرة وإذا رأى النَّاس ذلك منهم نسبوه إلى الفطرة ومرادهم بها ما أتى عفوًا دون تعليم ويشبه هذا ما يوضع في الآلات والبرامج الحديثة تحت مسمَّى -ضبط المصنع- أو -الضبط الافتراضي- فإذا عبث به الأنسان وأراد أن يعيده سيرته الأولى أستخدم هذا الخيار .
• الدمشقي
يتبع
ومثلها قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ .
وبالمقابل قال : ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ .
ومن الأدلَّة على الفطرة :
1- لجوء الإنسان وفزعه عند الشدَّة والحاجة إلى ربِّه -سبحانه وتعالى- سواء كان هذا الإنسان موحِّدًا أو مشركًا فإنَّ بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم إلى الله وهذا الشعور أمر ضروري فطري ولهذا نرى المشرك إذا أصابته مصيبة قد تودِّي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه وليس هذا إلَّ فطرته .. قال تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
ومثلها قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا ﴾ .
2- أنَّ الأصل في بني آدم التَّوحيد و أول ما عرف الإنسان التَّوحيد ثمَّ بدأ بالإنحراف فتدرَّج في ذلك حتَّى وقع في الشرك فبعث الله إليهم الرُّسل ليردُّوهم إلى التَّوحيد .
قال تعالى : ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ . وقال : ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا ﴾ .
قال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- : كان آدم ونوح عشرة قرون ڪلهم على شريعته من الحقِّ فاختلفوا فبعث الله النبيِّين مبشِّرين ومنذرين .
3- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- : أنَّ النَّبي -ﷺ- قال : كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه .
ثمَّ قرأ أبو هريرة : ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ ، وفي لفظٍ أو يشركانه . - أي : يقودانه إلى الشرك ولم يقل -يسلمانه- لأنَّ الأصل فيه الإسلام وقبوله ، قال الإمام الشَّافعي -رحمه الله تعالى- : يعني بالفطرة الَّتي فطر الله عليها الخلق .
• وقد تنوَّع كلام السَّلف في الفطرة و خلاصة أقوالهم أنَّها تدور على التَّوحيد والإسلام والملَّة وقبول الإسلام والتَّهيؤ له فهي كالأرض الخصبة القابلة للأنبات .
4- روى الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في سننه عن الأسود بن سريع -رضي الله عنه- قال : قال النَّبي -ﷺ- : كلِّ نسمةٍ تولد على الفطرة حتَّى يعرب عنها لسانها فأبواها يهوِّدانها وينصِّرانها .
• قال أحمد بن عبيد أحد الروَّاة معنى مقوله : « كلُّ نسمةٍ تولد على الفطرة » يعني : الفطرة الَّتي فطرهم عليها حين أخرجهم من صلب آدم فأقرُّوا بتوحيده .. روى أبو داود في سننه عن حجاج بن المنهال : قال سمعت حمَّاد بن سلمة يفسر حديث " كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة " قال : " هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم " حيث قال ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ﴾ .
• مع أنَّ الميثاق والفطرة كلاهما حجَّة مستقلَّة مؤيدة لأختها .
5- روى الإمام أحمد في مسنده عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النَّبي -ﷺ- قال : ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتَّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داعٍ يقول : أيُّها النَّاس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرجوا ، و داعٍ يدعو من جوف الصراط فإذا أراد يفتح شيئًا من تلك الأبواب قل ويحك لا تفتحه فإنَّك إن تفتحه تلجه .
والصراط : الإسلام : والسوران حدود الله تعالى والأبواب المفتَّحة محارم الله تعالى وذلك الدَّاعي على رأس الصراط كتاب الله -عزَّ وجلَّ- والدَّاعي فوق الصراط واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم .
• وهنا جمعٌ بين واعظ الله وبين الفطرة من أدلَّة التَّوحيد .
6- روى الإمام أحمد عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -ﷺ- خطب ذات يوم فقال في خطبته : ألَا إنَّ ربِّي أمرني أن أُعَلِّمَكم ما جَهِلتم ، ممَّا علَّمني يومي هذا ، كلُّ مالٍ نَحَلتُه عبدًا حلال ، وإنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كلهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحَرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن لا يُشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا ، وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض ، فمَقَتهم عربهم وعَجَمهم ، إلَّا بقايا من أهل الكتاب .
7- روى المروزي في السنَّة وابن بطَّة في الإبانة عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال : قد أصبحتم على الفطرةِ وإنَّكم ستحدثون ويُحدَثُ لكم فإذا رأيتم محدثةً فعليكم بالهديِّ الأوَّل .
6- قوله في آياتٍ كثيرة : ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ وكلمة -صدوا- لها معنيان أمَّا صدودًا أي : أعرضوا وأكثر ما ترد بهذا والمعنى و أمَّا صدُّوا صدًّا غيرهم و كلا المعنيين مرادٌ في الأية .
7- قوله تعالى : ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ .
8- قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ . ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .
وقوله : ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون ﴾ .
9- وقال في آيةٍ جامعة حاسمة عظيمة فاصلة : ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ .
• فجمع بين السَّبيل وآيات الأنفس والأفاق والكتب من أدلَّة التَّوحيد وبيَّن سبب الإنحراف والإشراك وهو الإعراض والكبر في كلِّ مشرك وهذه بعض أسرار الله في خلقه .
10- قال تعالى : ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ۖ ﴾ .
11- وقال في أيةٍ حاسمة فاصلة : ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ . ومثله قوله عن فرعون : ﴿ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ .
• وفي هذا ربط أدلَّة التَّوحيد بالقدر السَّابق وهو سرُّ الله في خلقه .
12- وقال في أيةٍ عظيمة : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
• ومن رحمته أنَّه فطر النَّاس على قصد السَّبيل ثمَّ من علم فيه خيرًا ثبَّته ومن علم منه إعراضًا خذله ولو شاء لهدى النَّاس جميعًا وليس للعباد عليه حقٌّ واجب .
13- وقال تعالى في آياتٍ قاطعة لكلِّ نزاع : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ .
• ففيها إثبات أنَّ جميع الخلق كانوا على الفطرة والسَّبيل ثمَّ ضلَّ منهم وأضلَّ وفي هذه الآيات بيان الفاعل والسبب !
14- وقال تعالى حكايةً عن الهدهد العالم الفقيه وبيانه الدَّقيق لسبب الشرك : ﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ . ومثلها قوله تعالى : ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ .
15- وقال في سبب الثَّبات على الفطره و السَّبيل و الازدياد في الهدى ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ . وبالمقابل بيَّن سبب الإنحراف فقال : ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ ا﴾ . وقوله : ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ .
16- وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾ .
• وهنا بدأ بتسميته الصراط وختم بتسميته السَّبيل فلا حُجَّة لمشرك ولا مبتدع على الله فإنَّهم في الحقيقة إتَّخذوا الشياطين أولياء من دون الله وأطاعوهم وعبدوهم .
5- وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ - الأنعام .
6- قال الشيطان الرَّجيم : ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ - الأعراف .
• وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ جميع الخلق عليه ..
7- قوله تعالى : ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ - هود .. وقوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ - الزمر . وقوله تعالى : ﴿ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ - الحجر .
• فمن معانيها من لزم الصراط الَّذي ولد عليه وعصمه الله فإنَّه سيصل إلى الله وإلى رضوانه ومن إتَّخذ الشياطين أولياء نولِّه ما تولَّى ونصله جهنَّم وساءت مصيرًا .
8- وقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾ - طه .
• فذكر أحتجاجهم الباطل على الشرك الَّذي سيحتجُّون به وَأمرهم بالانتظار ليعلموا من الَّذي ثبت على الصراط السوي وٱهتدى ، ومن الَّذي سقط عن الصراط وغوى .
9- قوله تعالى لنبيِّه -ﷺ- : ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴾ - المؤمنون . - أي : إلى الرجوع إليه والعودة للأمر الأوَّل ومثلها قوله تعالى : ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ - الشُّورى . وقوله تعالى : ﴿ إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ﴾ - يس .
10- وصف الله المنحرفين عمَّا فُطروا عليه فقال تعالى : ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ﴾ -المؤمنون .
11- بيِّن الله كل شيء فقال تعالى : ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ - يس .
• وفي هذه الآية جمع الله بين العهد الأول وهو الميثاق وبين الفطرة والصراط كما هي طريقة القرآن في المثاني بين أدلَّة التَّوحيد .
12- قال تعالى : ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
• وفي هذه الآية بيان الصنفين من عباد الله تعالى من لزم الصراط ومن إنحرف عنه فانكبَّ على وجهه !
ثالثًا : وأمَّا كلمة -السَّبيل- فقد وردت في القرآن أكثر من مئة وخمسين مرَّة . فمن ذلك :
1- قوله تعالى : ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿17﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ - أي : يسرَّ له طريق الحق لو لزمه لكنَّه ينحرف عنه ثمَّ يحاول الاحتجاج على ربِّه الكريم .
• قُتل الإنسان ما أكفره !
2- ومثلها كما قال مجاهد : قوله تعالى : ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ .
• وهنا جمعٌ بين المصباح والسَّبيل من أدلَّة التَّوحيد .
3- قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل ﴾ - أي : من اختار الكفر الطارئ على الإيمان الَّذي ولد عليه فهو الضَّال الَّذي لا حجَّة له !
قال تعالى عن أهل الكتاب : ﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ ، كقول تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ .
4- قال تعالى : ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ - أي : من ترك السَّبيل فلن تجد له سبيلًا يوصله إلى الله .
5- قال تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ .
• فأضاف السَّبيل إلى المؤمنين لأنَّهم الَّذين ثبتوا عليه كما قال عنهم . "فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن أهتدى" فسمَّاهم أصحابه كما في ضدِّهم " ولتسبين سبيل المجرمين" وقال : لا تتبِّع سبيل المُفسدين .
العصمة الخامسة -الفطرة- :
معنى " فَطرَ " ؛ -أي : إبتدأ الخلق بمشيئته وقدرته وَوَضعَه على مايريد فالله تعالى قد فطر صراطًا مستقيمًا وسبيلًا مختصرًا إليه وإلى جنَّته ثمَّ فطر جميع بني آدم أوَّل ما فطرهم على هذا الصراط وهذا السَّبيل فلو تُركوا وما خُلقوا عليه لكانوا مسلمين موحِّدين قال تعالى : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ فإلأسلام هو دين الفطرة الَّتي خلقهم الله تعالى عليها وفي هذا أعظم حُجَّة لله على بني آدم إذا أنحرفوا بإرادتهم عمَّا فطرهم عليه واتَّبعوا الشياطين وأشركوا بالله تعالى ..
• فيقال للمشرك : لمَ تركت الطريق الَّذي ولدتَ عليه وصددتَ عن السَّبيل ورغبت عمَّا فُطرت عليه واتبعت عدوِّك الشيطان .
فيبهت المشرك ولا يجد جوابًا ومصداق ذلك في كتاب الله .. أنَّا إذا تتبَّعنا ثلاث كلمات وتدبَّرنا سياقها وهي كلمة -فطرة- و -صراط- و -سبيل- أستبان لنا الحق وذلك في ما يلي :
أولًا : فأمَّا كلمة -فطر- .. وما تصرَّف منها فقد وردت في القرآن بضع عشر مرة فمن ذلك :
1- قوله تعالى : ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ - إبراهيم .
2- وقوله تعالى : ﴿ أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ - الإسراء .
3- وقوله تعالى : ﴿ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ﴾ - طه .
4- وقوله تعالى : ﴿ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ - يس .
5- وقول إبراهيم -عليه السَّلام- لإبيه وقومه : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ - الزخرف .
6- وقال : ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ﴾ - الأنبياء .
7- وقوله : ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
8- وقال هود -عليه السَّلام- : ﴿ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ - هود . وهنا جمع بين الفطرة و العقل !
9- قال تعالى : ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ﴾ - البقرة . قال مجاهد : ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ . فطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ﴾ قال : الصبغة -الفطرة- .
10- جاءت كلمة فطرة مرَّة واحدة وهي قوله تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ - الرُّوم .
• وفي مقابل ذلك قال الشيطان .. ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ - الأنعام . قال ٱبن عبَّاس : "دين الله" وقال مجاهد : "الفطرة" ومعنى ذلك أنَّ الله خلق عباده على الفطرة وهي الأسلام فأمرهم الشيطان بتغيِّرها فمن العباد من أطاع الشيطان في التغيِّير ومنهم من عصمه الله .
• ثانيًا : جاءت كلمة -صراط- في القرآن خمسًا وأربعين مرَّة ومن تلك الآيات ممَّا يدلُّ على أنَّه حُجَّة على ترك الشرك ما يلي :
1- قوله تعالى : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ - الزخرف . وردت ثلاث مرَّات أي هذا الطريق الَّذي ولدتم عليه فلا تبدِّلوه .
2- وقوله تعالى : ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴾ - الأنعام . أي من يشأ يثبته عليه ومن يشأ يخذله فيضل وينحرف ..
3- وقوله تعالى : ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ إلى قوله : ﴿ وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ﴾ - الأنعام .
4- وقوله تعالى : ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ - الأنعام .
ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى ، فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحکم ، ويصير الحكم لها فيموت القلب و لا يحس ما ناله الشيطان به ، مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر ، ولكن سكر الشَّهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم ، فإذا كشف أمكنه تدارکه بالدَّواء وحسمه ، وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان ، حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدُّنيا ، فتظهر حينئذٍ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان ، وهي لم تتجدد له وإنَّما كانت كامنة تواریها الشَّواغل ، فلمَّا زالت الشَّواغل ظهر ما كان كامنًا وتجدَّد له أضعافه .
• وممَّا يؤيِّد أنَّ قصر الأمل من لمة الملك ، ما رواه ابن أبي الدُّنيا في كتاب قصر الأمل عن مالكٍ بن أنس ، قال : دخل رجل إلى عبد الملك بن مروان ، فجعل ينظر إلى بيتٍ له مزخرف ، فكأنَّه أعجبه ، فقال له عبد الملك : « أعجبك ما ترى ؟ » -قال مالك : ووافق ذلك منه لمة لينة - فقال : لا يعجبك كثيرة ، فإنَّ ابن هند- يعني : معاوية -رضي الله عنه- كان أميرًا أربعين سنة ، ثمَّ هذا قبره قد نبتت عليه شيحة .
• الدمشقي
يتبع
فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب ، قال : ويحك لا تفتحه ! فإنَّك إن تفتحه تلجه ، والصراط : الإسلام ، والسوران : حدود الله ، والأبواب المفتَّحة : محارم الله ، وذلك الدَّاعي على رأس الصراط : کتاب الله ، والدَّاعي من فوق الصراط : واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم .
• وهنا جمعٌ بين اللَّمة والفطرة .
• فإن قيل : إنَّها قيِّدت هنا بقيدٍ هو : « في قلب كلِّ مسلم » !
• فـ الجواب أنَّ هذا خرج مخرج الغالب ، كقوله -ﷺ- : لا يحلُّ مال امرئٍ مسلم إلَّا بطيب نفسٍ منه .
• وقد يراد بالحديث ؛ اللَّمة الخاصَّة .
12- ومنها ما رواه التِّرمذي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -ﷺ- : إنَّ للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأمَّا لمة الشيطان فإيعاد بالشرِّ وتكذيب بالحق ، وأمَّا لمة الملك فإيعاد بالخير وتصدیق بالحق . فمن وجد ذلك فليعلم أنَّه من الله ، فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوَّذ من الشيطان ثمَّ قرأ : ﴿ ٱلشَّیۡطَـٰنُ یَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَاۤءِۖ وَٱللَّهُ یَعِدُكُم مَّغۡفِرَةࣰ مِّنۡهُ وَفَضۡلࣰاۗ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمࣱ ﴾ .
• وشاهده ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله -ﷺ- : ما منكم من أحدٍ إلَّا وقد وكِّل به قرينه من الجنِّ ، وقرينه من الملائكة ، قالوا : وإيَّاك يا رسول الله ؟ قال : وإيَّاي ، إلَّا أنَّ الله أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلَّا بخير .
13- وما روى أبو يعلى والحاكم وصحَّحه عن جابر -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -ﷺ- : إذا أوى الإنسان إلى فراشه ، ابتدره ملك وشيطان ، فيقول الملك : اختم بخير ، ويقول الشيطان : اختم بشر ، فإذا ذكر الله تعالى حتَّى يغلبه -يعني النَّوم- طرد الملك الشيطان ، وبات يكلؤه ، فإذا استيقظ ، ابتدره ملك وشیطان ، فيقول الملك : افتح بخير ، ويقول الشيطان : افتح بشر ، فإن قال : الحمد لله الَّذي أحيا نفسي بعدما أماتها ، ولم يمتها في منامها ، الحمد لله الَّذي يمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمَّى ، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، الحمد الله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه .
14- وقال رسول الله -ﷺ- عن الملائكة : إنَّ معكم من لا يفارقكم إلَّا عند الخلاء ، وعند الجماع ، فاستحيوهم وأكرموهم .
• فهم يلازمون الإنسان في حياته كلِّها ، يدفعون عنه وسوسة الشياطين ويحرِّضونه على الخير .
15- وقال النَّبي -ﷺ- : من سأل القضاء واستعان عليه وكِّل إليه ، ومن لم يسأل القضاء، ولم يستعن عليه ، أنزل الله عليه ملك يسدده .
• فهذا الملك يجعله سدید القول بما يلقي في قلبه من التَّصديق بالحق ، والوعد بالخير .
• فإذا كان هذا في القضاء فكيف بمن طلب طريق التَّوحید وسأل الله بصدقٍ أن يبلغه إيَّاه ؟
16- وروى ابن أبي الدُّنيا في مكائد الشيطان عن جابر بن عبدالله قال : لمَّا أهبط آدم قال : ربِّ ! هذا العبد -أي : إبليس- الَّذي جعلت بيني وبينه عداوة إن لم تعني عليه لا أقوى عليه ، قال الله : لا يولد لك ولد إلا وكَّلت به ملكًا . قال : ربِّ زدني ، قال : أُجازي بالسيئة السيئة وبالحسنة عشر أمثالها إلى ما أريد . قال : ربِّ زدني ، قال : باب التَّوبة لك مفتوح ما دام الرُّوح في الجسد . قال إبليس : یا ربِّ ! هذا العبد الذي أكرمته إن لم تعني عليه لا أقوى عليه ، قال : لا يولد له ولد إلَّا ولد لك ولد . قال : يا ربِّ زدني ، قال : تجري منه مجرى الدَّم و تتَّخذ من صدورهم بيوتًا . قال : ربِّ زدني ، قال تعالى : ﴿ وَأَجۡلِبۡ عَلَیۡهِم بِخَیۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡوَ ٰلِ وَٱلۡأَوۡلَـٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ .
قال بعض العُلماء : إذا تأمَّلت حال القلب مع الملك والشيطان ، رأيت أعجب العجب فهذا یلم به مرَّة ، وهذا يلم به مرَّة ، فإذا ألم به الملك حدث له من لمته الانفساح والانشراح والنُّور والرَّحمة والإخلاص والإنابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر الأمل والتَّجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور ، فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذَّه وأطيبه ، ولكن تأتيه لمة الشيطان ، فتحدث له من الضيق والظُّلمة والهم والغم والخوف والسَّخط على المقدور والشك في الحقِّ والحرص على الدُّنيا وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب ، ثمَّ للنَّاس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلَّا الله ، فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى ، فإذا ألمَّ به الشيطان وجد من الألم والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب ، فيبادر إلى طرد تلك اللَّمة ولا يدعها تستحکم فيصعب تداركها ، فهو دائمًا في حربٍ بين اللَّمتين ، يدال له مرَّة ویدال عليه مرَّة أخرى والعاقبة للتَّقوى ..
2- قال تعالى : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ إِذَا مَسَّهُمۡ طَـٰۤىِٕفࣱ مِّنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ﴾ .
أي : إذا مسَّهم طوائف الشَّيطان ، وألمَّت بهم لمة منه ، جاءهم الملك فذكَّرهم باللّٰه وما أعدَّه للمتَّقين الأبرار ، وما أعدَّه للعصاة الفجَّار ؛ فإذًا هم مبصرون طريق الحق والخير ، وكلُّ إنسانٍ يشعر بدوافع للخير ودوافع للشر ، فالأولىٰ : لمة الملك، والثانية : لمة الشيطان .
3- قال تعالى : ﴿ إِذۡ یُوحِی رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ أَنِّی مَعَكُمۡ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ سَأُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُوا۟ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُوا۟ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانࣲ ﴾ . فمن معانيها : ثبتوهم بأشياء من التأييد تلقونها في قلوبهم تقوی بها .
4- قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَ ﴾ . من معانيها أنَّه رأى الملك يحذِّره من الوقوع في المعصية ، قال ابن عبَّاس في معنى البرهان الَّذي رآه يوسف -عليه السَّلام- : أنَّه رأی مثال الملك .
5- قال تعالىٰ : ﴿ لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتࣱ مِّنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ یَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ ﴾ . أي : بما أمر الله به من الحفظ له . ومثلها قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَیُرۡسِلُ عَلَیۡكُمۡ حَفَظَةً ﴾ . وأعظم الحفظ ولا شكَّ أنَّه يذبُّون عنهم أمر الشرك والهوى إلَّا شيء يأذن الله فيه فيصيبه ، لعلمه فيه باستحقاقه الخذلان .
قال مطرف : تفكَّرت في هذا الأمر فإذا العبد ملقى بين الله والشيطان فإن كان الله فيه حاجة اجتذبه وإلَّا ترکه .
6- قال تعالى : ﴿ هُوَ ٱلَّذِی یُصَلِّی عَلَیۡكُمۡ وَمَلَـٰۤىِٕكَتُهُۥ لِیُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ ﴾ .
يعني أنَّه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم ؛ يخرجکم من الشرك إلى الإيمان ، وصلاة الملائكة نوعان :
الأوَّل : تكون قبل وقوع العبد في المعصية عن طريق لمة الملك الَّتي تعصمه من الوقوع فيها ، وما يصحبها من انزعاج الضمير .
الثَّاني : بعد الوقوع في المعصية و ذلك بدعائهم للمؤمنين واستغفارهم لهم .
7- قال تعالى : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَبۡشِرُوا۟ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی كُنتُمۡ تُوعَدُونَ نَحۡنُ أَوۡلِیَاۤؤُكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِیهَا مَا تَشۡتَهِیۤ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِیهَا مَا تَدَّعُون ﴾ ، أي : نحن أولياؤكم بالكفاية والهداية كما في التَّفسير . و قال في المقابل : ﴿ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ لِلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ ﴾ .
8- قال تعالى : ﴿ لَّا تَجِدُ قَوۡمࣰا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ یُوَاۤدُّونَ مَنۡ حَاۤدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوۤا۟ ءَابَاۤءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَاۤءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَ ٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِیرَتَهُمۡۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَتَبَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِیمَـٰنَ وَأَیَّدَهُم بِرُوحࣲ مِّنۡهُۖ ﴾ . والرُّوح : هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء عن طريق الملك .
ومثلها قوله تعالى : ﴿ یُنَزِّلُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۤ أَنۡ أَنذِرُوۤا۟ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، الأمر الخفي اللطيف کالوحي واللَّمة .
9- ومن الآيات الَّتي يستأنس بها في ذلك قول هاروت وماروت وهم في الأصل ملائكة ، فكانوا ينصحون النَّاس بقولهم : ﴿ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةࣱ فَلَا تَكۡفُرۡۖ ﴾ .
10- قوله تعالى : ﴿ وَنَفۡسࣲ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﴾ أي : بيَّن لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خيرٍ ، أو شرٍّ أو طاعة ، أو معصية . روي عن ابن عبَّاس ، أنَّه قال : بيَّن الخير والشر . و علّمها الطاعة والمعصية .
11- ومن السنَّة : ما روى الإمام أحمد في مسنده عن النواس بن سمعان الأنصاري -رضي الله عنه-، عن رسول الله -ﷺ- قال : ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا ، وعلى جنبتي الصراط سوران ، فيهما أبواب مفتَّحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داعٍ يقول : أيُّها النَّاس ! ادخلوا الصراط جميعًا ، ولا تتعوَّجوا ، وداعٍ يدعو من فوق الصراط ، وفي لفظٍ أنَّه قرأ قوله تعالى : ﴿ وَٱللَّهُ یَدۡعُوۤا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ﴾ .
العصمة الرَّابعة : لم الملك أو واعظ الله في القلب :
• ممَّا عصم الله به عباده أجمعين عن الوقوع في الشرك أنَّه جعل مقابل همَزات الشياطين لمة الملك بقلب كلِّ عبد ، وهي واعظُ الله في القلوب جميعًا .
واللَّمة كهمَّة : وهي ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك ، فلمة الشيطان : وسوسته بالسُّوء ؛ ولمة الملك : وحيه بالخير .
• فإذا احتجَّ الكافر أو المبتدع على الله يوم القيامة بأنَّ الشياطين أضلَّته وصدَّته عن السبيل ،
• فـ الجواب : قد جعل الله في قلبك واعظٌ بك : لا تترك الصراط ، وملكة يلم بقلبك يأمرك بلزومه ، فلم عصيت المَلك وتجاهلت الواعظ ، وتركت الصراط ؟ ثمَّ أنت الآن تحتجُّ على ربِّك ؟
• وقد أخبرنا الله تعالى أنَّ الشيطان قد أقسم على إغواء بني آدم وأنَّه لا يفارقهم حتَّى في آخر اللَّحظات الَّتي تخرج فيها روح العبد ، وأنَّه أقسم بالقعود على الصراط المستقيم فلا يدع أحدًا يمر عليه ، قال تعالى : ﴿ وَعَادࣰا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَیَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمۡۖ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِیلِ وَكَانُوا۟ مُسۡتَبۡصِرِینَ ﴾ .
وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله -ﷺ- قال ذات يوم في خطبته : ألا إنَّ ربِّي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم ممَّا علَّمني يومي هذا : ألا وإنَّه قال : إنِّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .
• وقد جاء في الخبر : لولا أنَّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم ؛ لنظروا إلى ملكوت السَّموات .
ولما رُكِّب الهوى في هاروت وماروت لم يستمسکا ، ولذا إذا رأت الملائكة مؤمنًا قد مات على الإيمان تعجَّبت من سلامته .
قال عبد العزيز بن رفيع : إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة : سبحان الَّذي نجَّی هذا العبد من الشيطان ! يا ويحه كيف نجا !
وفي حديث عطيَّة بن بسر المازني -رضي الله عنه- ، قال : أتى عكاف بن وداعة الهلالي رسول الله -ﷺ- فقال : « يا عكاف ألك زوجة ؟ » قال : لا . قال : « ولا جارية ؟ » قال : لا .
قال : « وأنت صحیح موسر ؟ » قال : نعم والحمد لله یا رسول الله . قال : « فأنت إذًا من إخوان الشياطين ، إمَّا أن تكون من رهبان النَّصارى فأنت منهم ، وإمَّا أن تكون منَّا فتصنع كما نصنع ؛ فإنَّ من سنَّتنا النِّكاح .
شراركم عزابكم وأراذل موتاکم عزابكم ، أبالشياطين تمرسون ».
📕 أخرجه الإمام أحمد .
• ولما كانت الفتنة بالشياطين بهذه المثابة فإنَّ الله تعالى بروحه ورحمته لم يدعنا في حيرةٍ ولم يمكِّن عدوِّه منَّا ، بل جعل مع بني آدم جميعًا ملائكة تحثُّهم على الخير والحق وتنفِّرهم من الشرِّ والباطل ، وجعل كيد الشياطين ضعيفة ، وغاية مكرهم وسوسة تدفع بذكر الله تعالى ، فعن عائشة -رضي اللّٰه عنها- عن النَّبي -ﷺ- قال : إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك ؟ فيقول : الله تبارك وتعالى ! فيقول : من خلق الله ؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل : آمنت بالله ورسوله ؛ فإنَّ ذلك يذهب عنه .
• وقد تصل لمة الملك بالإنسان إلى درجة يخاف معها الشيطان من أن يلقاه في طريقٍ من الطرق ، كما حدث لعمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- .
وحين يقف الإنسان وقرينه أمام الله في الآخرة يقول الإنسان : یا رب ﴿ لَّقَدۡ أَضَلَّنِی عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِیۗ ﴾ . فيقول شیطانه الذي وكِّل به : ﴿ رَبَّنَا مَاۤ أَطۡغَیۡتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِی ضَلَـٰلِۭ بَعِیدࣲ ﴾ ،
فيقول الله : ﴿ قَالَ لَا تَخۡتَصِمُوا۟ لَدَیَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَیۡكُم بِٱلۡوَعِیدِ مَا یُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ ﴾ . أي : لا تختصموا عندي ، فقد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل ، وأنزلت إليكم الكتاب ، وقامت عليكم الحجج والبراهين وأخذت عليكم العهود والمواثيق ، وركبت فيكم عقولًا ، ووكَّلت بكم ملائكة يحثُّونكم على الحق والتصديق ، وبثثت فيكم آيات الأنفس والآفاق ، ووضعتكم على الفطرة والسبيل والصراط المستقیم .
• فلماذا تركتم كل هذا واتبعتم سبيل الشيطان !
ولمة الملك نوعان :
عامَّة لجميع الخلق ، وخاصَّة للمؤمنين ، كما أنَّ النُّور والهداية والعصمة وغيرها منها ما هو عام ومنها ما هو خاص .
وقد جاءت أدلَّة كثيرة تشير إلى لمة الملك العامَّة والخاصَّة ، والواعظ الَّذي يجده كل عبد في قلبه فمن ذلك :
1- قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤىِٕ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ ﴾ . فأخبر أنَّه يكلِّم البشر تارة وحيًا منه عن طريق الملك ، وتارة يرسل رسولًا فيوحي إلى الرسول بإذنه ما يشاء .
• وهذه من أوضح الآيات في لمة الملك .
