الروَاق
Open in Telegram
مَعنيٌّ بالكتب، وما أنا من العلماءِ، ولا من الجهّال.
Show more1 148
Subscribers
-124 hours
-47 days
No data30 days
Posts Archive
1 148
العاقل لا يضع يده في النار ليختبر بنفسه أتحرق أم لا؛ فذلك ضربٌ من الحمق. ويكفيه أن يعلم، بخبرٍ موثوق أو مشاهدة، أن النار تحرق، فيحصل له من العلم ما يجعله يحذر، دون حاجة إلى مباشرة التجربة بنفسه.
وهذا المعنى يمتد إلى السياسة، كما يمتد إلى سائر ميادين الحياة؛ فدراسة تجارب الآخرين، والتعلم من أخطائهم، والوقوف على أسباب نجاحهم وإخفاقهم، تُغني العاقل عن تكرار أخطائهم بنفسه. وبذلك يختصر على نفسه كلفة التجارب الفاشلة، وتجنب خسائر قد تكون جسيمة، وإضاعة فرص ربما لا تعوض.
ويقال: «من لا يتعلم من التاريخ، محكومٌ عليه تكراره».
1 148
"حين لا توجد نظرية ثورية لا يمكن أن تكون هناك حركة ثورية كما قال لينين، فإن خلق النظرية الثورية والدعاية لها يلعب الدور الرئيسي الحاسم . وعندما ينبغي القيام بعمل ما (وهذا ينطبق على أي عمل كان) لكنه لم ترسم بعد سياسة عامة أو طريقة أو خطة أو سياسة محددة، فان رسم كل هذه يصبح العامل الرئيسي الحاسم."
--المختارات، كيم إيل سونغ، 1/487.
1 148
"وقد علمنا لينين أنه بدون نظرية ثورية، لا يمكن أن توجد حركة ثورية وأن حزبًا ثوريًا يستطيع أن يلعب دوره ككتيبة طليعية للطبقة العاملة في حالة واحدة فقط وهي عندما يسلح نفسه بالنظرية السياسية. وقال الرفيق ستالين إن حزبًا بدون نظرية يشبه شخصًا يتخبط في الظلام."
-المؤلفات المختارة، كيم إيل سونغ، 1/392.
1 148
كثيرةٌ هي الأشياء التي تبدلت منذ اليوم الذي حملتُ فيه أوراقي وقصدتُ كلية الطب للالتحاق بها. تغيرت ملامحي بعض الشيء، وربما زاد وزني قليلًا، وكثُفت لحيتي، وتسللت إلى طباعي تحولاتٌ لم أكن أحسب لها حسابًا، كما خفتت تلك البهجة، وذلك التفاؤل الساذج اللذان كنتُ أعيشهما، كأنني بمعزل عن الحياة الواقعية وما يجري حولي. لكن، ومن باب الإنصاف، لا أحمّل المرحلة الجامعية وحدها وزر هذا الخفوت.
ومضت من عمري سنواتٌ لم أُحسن استثمارها كما يليق برجلٍ بات يدرك اليوم قيمة الوقت، وأنه أغلى ما يملك الإنسان في حياته، وانقضت مرحلة الدراسة منذ أمد، لتبدأ مرحلةٌ أخرى من التدريب العملي والهموم التي فاقت همّ النجاح الدراسي. لكن شيئًا واحدًا لم يتبدل وسط هذه التغيرات: أنني، بين الحين والآخر، ألعن اليوم الذي وطئت فيه قدماي أبواب كلية الطب.
-الصورة بالأعلى مولدة بالذكاء الاصطناعي.
1 148
"أكتر ناس عندهم ديمقراطية باتخاذ القرار العسكريين"!
-اللواء سمير فرج.
أحد تمثلات هذه "الديمقراطية العسكرية" يحكي عنها السيسي؛ يوم كان رئيس عمليات في السلوم، جالسًا في مكتبه، دخل عليه رئيس الأركان، فوجد استيكة قد وضع فيها الأول دبابيس، فسأل: "مين النتن اللي حط الدبوس في الاستيكة؟" كررها مرتين، ليجيب السيسي: "أنا يا فندم."
1 148
"على من يصاب بالوجل أن يروض نفسه على ألا تصده عن البحث في الأشياء غير المعقولة."
-مشكلات فلسفية، برتراند راسل، ترجمة: سمير عبده، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، ص 24.
1 148
لا يعتبر خامنئي الأدب وسيلة للتسلية فحسب، وإنما لفهم المجتمعات؛ فمن يقرأ البؤساء أو الحرب والسلام أو روايات إميل زولا يستطيع، في رأيه، أن يتعرف إلى البنية الاجتماعية والسياسية لفرنسا أو روسيا في تلك الفترات. كما يفضل الأدب غير المباشر على المباشر، ويضرب مثالًا برواية البؤساء التي نجحت -في نظره- في نقد النظام الاجتماعي والقضائي الفرنسي من خلال السرد الفني غير المباشر، دون أن تتحول إلى خطاب سياسي مباشر. ويربط بين اللحظات التاريخية الكبرى والإبداع الأدبي، ويرى أن أعظم الروايات ولدت في أزمنة الثورات والحروب، مستشهدًا بـالحرب والسلام، وروايات الثورة الفرنسية، وأدب الثورة الروسية، ويعتبر أن الشدائد تفتح الطاقات الفنية الكامنة في الشعوب، وأن الحرب الإيرانية العراقية كان ينبغي أن تنتج أدبًا عظيمًا يوازي تلك التجارب.
والأدب عنده، بما يملكه من قوة التأثير، جزءًا من معركة الأفكار، لا مجرد عمل فني مستقل، ويفسر نجاح حزب توده الشيوعي في إيران بامتلاكه تنظيمًا قويًا وأدبيات واسعة، فقد أغرق الساحة بالكتب والكتيبات والمجلات، وهو ما وفر له قاعدة فكرية واسعة. ومن هذا المنطلق يوجه نقدًا للثورة، معتبرًا أنها قصرت في إنتاج أدبياتها الفكرية، ويقارنها بالثورة البلشفية التي أنتجت خلال سنوات قليلة مئات الكتب والروايات والأفلام التي شرحت مبادئها ونشرتها، بينما يرى أن الإنتاج الفكري للثورة الإيرانية ظل "قريبًا من الصفر"، رغم مرور سنوات طويلة عليها.
وله موقفٌ سلبي من رواية «قلب كلب» لميخائيل بولغاكوف، وهو موقف لا ينفصل عن نظرته إلى الثورة الإيرانية نفسها؛ فانتقاده للرواية لا ينبع من تقييم أدبي خالص، بقدر ما يعكس اعتراضه على الأدب الذي ينتقد الثورة أو يجعل الثورة موضوعًا للسخرية أو يقدّمها في صورة مشوهة حسب زعمه، ولذلك يوجّه النقد أيضًا إلى بعض الروايات الإيرانية التي يرى أنها بالغت في إبراز سلبيات الثورة أو قدّمت صورة لا تعبّر عن واقعها. لذلك ينظر إلى الأدب بوصفه شريكًا في بناء الوعي الثوري، لا مجالًا مستقلًا عن الصراع السياسي، ويدعو الأدباء إلى توظيف الرواية والقصة في خدمة الثورة، مؤكدًا أن الثورة الإيرانية تزخر بالمشاهد الإنسانية والبطولية التي تؤهلها لإنتاج أعمال تضاهي الروائع العالمية.
وأخيرًا، انتقد مرارًا قلة القراءة في المجتمع الإيراني، وأن أكثر الناس لا يقرأون حتى الصحف اليومية، وليست المطالعة جزءًا من الحياة اليومية حتى بين المتعلمين. ويأسف لأن إيران، التي كانت عبر قرون طويلة من أكثر الأمم إنتاجًا للكتب، أصبحت في العصر الحديث من أقل الشعوب إقبالًا على القراءة، داعيًا إلى تحويل الكتاب إلى جزء أصيل من الحياة الثقافية للمجتمع.
-مستفاد من كتاب «أنا والكتاب»، وهو كتاب يضم مجموعة من كلمات علي خامنئي حول القراءة والمطالعة والكتاب.
1 148
خامنئي قارئًا
"كنت كثير التجوال في الكتب في حداثة سني..."، بهذه الكلمات يصف علي خامنئي نشأته مع الكتاب. فقد تربى في بيتٍ كانت القراءة فيه جزءًا من الحياة اليومية؛ كان والده يمتلك مكتبة كبيرة، وكان أفراد الأسرة يعتادون أن يقرأ أحدهم كتابًا بصوت مرتفع ليستمع إليه الآخرون. وإلى جانب مكتبته الخاصة، اعتاد استئجار الكتب من مكتبة صغيرة مجاورة لمنزله، كما كان يقضي ساعات طويلة في مكتبة العتبة الرضوية في مشهد، حتى إنه يروي أنه كان يندمج في القراءة إلى درجة لا يسمع معها أذان الظهر رغم ارتفاع صوت مكبرات المسجد.
استمرت هذه العادة معه طوال حياته، ولم ينقطع عنها إلا في السنوات الأولى للثورة الإيرانية بسبب الانشغالات السياسية، ثم عاد إليها بعد توليه رئاسة الجمهورية، مؤكدًا أنه لم يجد يومًا تعارضًا بين مسؤولياته السياسية والمطالعة، بل ظل يخصص وقتًا لقراءة الكتب العلمية والتاريخية والأدبية؛ إذ يرى خامنئي أن الكتاب ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، بل شرط دائم لتجدد الإنسان فكريًا وروحيًا، ويقول إن الإنسان إذا أراد أن يبقى "غضًا ومتجددًا" فلا سبيل له إلا الارتباط بالكتاب، ويصفه بأنه "نافذة على العالم الواسع للعلم والمعرفة". ولذلك يدعو إلى أن تصبح المطالعة عادة يومية "كالأكل والنوم"، ويرى أن وسائل الإعلام الحديثة لا يمكنها أن تحل محل الكتاب، مؤكدًا أن الكتاب الجيد يترك أثرًا عميقًا في النفس وينفذ إلى أعماق الإنسان.
وتكشف أحاديث خامنئي عن اطلاع واسع على الأدب العالم؛ فقد قرأ مبكرًا أعمال فيكتور هيغو، وكانت رواية البؤساء من أوائل الروايات التي استعارها من مكتبة العتبة الرضوية، كما قرأ أعمال ميشال زيفاكو، واطلع على مختصرات روايات جين أوستن باللغة الإنجليزية، ومنها كبرياء وتحامل، وقرأ كذلك أعمال الكاتب الأمريكي هاورد فاست التي تعكس بعض الأوضاع الداخلية في أمريكا، إلى جانب رواية الروح الولهة لرومان رولان التي وصفها بأنها تجمع بين التاريخ والأدب والأخلاق والفن، كما اطلع على كتابات فرانز فانون وغيرها.
إلا أن التأثير الأكبر في تكوينه الأدبي جاء من روسيا، لكن ليس من الجيل الكلاسيكي والفترة الذهبية للأدب الروسي، وإنما من الأدب الذي أعقب ثورة أكتوبر. كما يميز بوضوح بين أدب روسيا القيصرية وأدب روسيا السوفيتية، ويرى أن التحولات الاجتماعية الكبرى تخلق أدبًا جديدًا يعبر عن روح العصر. ويضرب مثالًا بالمقارنة بين ليو تولستوي وألكسي تولستوي وميخائيل شولوخوف، معتبرًا أن كتابات الأخيرين تحمل "مذاق العهد الجديد"، بينما تعكس رواية الحرب والسلام روح روسيا القيصرية.
1 148
Repost from الروَاق
"سنقدم لكم أسوء خدمة، سنحرمكم من العدو!"
قبل أن يكون الحرب على الإرهاب الفزاعة التي يُشكل من خلالها الخطاب السياسي الغربي، وتستثمر لتبرير السياسات التعسفية والتدخلات الخارجية التي بلغت حد احتلال بعض الدول، كان الخطر الشيوعي والاتحاد السوفيتي يشغلان هذا الدور، ومع سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، توجه ألكسندر أرباتوف، المستشار الدبلوماسي لميخائيل غورباتشوف، بهذه الكلمات إلى الغرب: «سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو!» في إشارة إلى أن غياب الخصم سينتج فراغًا سياسيًا، ويسلب النظم الغربية الذريعة التي طالما استندت إليها في الحشد الداخلي وتبرير السياسات الخارجية.
لماذا العدو؟
يشكل وجود عدو ضرورة للحد الذي قد يدفع بعض الدول إلى اختلاق أعداء؛ إذ تعجز عن المضي قدمًا دون سردية صراع. فالعدو، كما الصديق، يؤدي خدمات جلية في المجال السياسي؛ فهو يوحد الشعب تحت راية السلطة، ويسوغ تركيز القرار بيد الحاكم بدعوى أن المرحلة تقتضي الاصطفاف الكامل، وتُخرس الأصوات الناقمة بحجة أن البلاد في حالة طوارئ لا تحتمل الاعتراض، كما يُستخدم العدو لتبرير السياسات التعسفية، والمحاكمات غير العادلة، والتضييق على الحريات العامة، وفوق ذلك، يتحول العدو إلى تفسير جاهز للإخفاقات الداخلية في تحسين معيشة المواطن، وللتعثرات الخارجية على السواء، ويغدو شماعة تعلق عليها الكوارث والأزمات، بما يحمي النظام من المساءلة، ويخفف عنه عبء المسؤولية الكاملة.
وعلى المنوال ذاته تسير الأنظمة العربية السلطوية؛ إذ يصعب عليها الاستمرار دون عدو متخيل أو مضخم، ذلك أن غياب العدو يجعل السلطة في مواجهة مكشوفة مع مطالب الإصلاح والمساءلة، وصدام مباشر مع المواطن وأسئلته المؤجلة حول تحسين شروط العيش والحرية والعدالة والكرامة بانتفاء الذرائع الجاهزة، كما أن العدو بالنسبة لهذه الأنظمة درع أمام أي تحول ديمقراطي؛ لأنه يمد النظام بمبرر مستمر لتأجيل الاستحقاقات الاقتصادية والسياسية، ويمنحه غطاءً لتقييد المجال العام، فالعدو على الأبواب: عدو سيفتك بالناس إن هم اعترضوا، وسيغتصب النساء، ويقتل الرجال، ويستعبد الأطفال... إلى آخر ما هنالك من أسباب تولد عند المواطن العربي قابلية تغليب منطق الأمن على منطق الحقوق.
يُمثل النظام المصري مثالًا واضحًا على أسلوب تضخيم الخصوم وإعادة توظيفهم سياسيًا. فقبيل إسقاط محمد مرسي، جرى تصوير جماعة الإخوان المسلمين بوصفها قوة غير وطنية تسعى إلى بيع البلاد وإجهاض ما عد حلمًا بدولة مدنية حديثة، لصالح دولة دينية صارمة. وقد أسهم هذا الخطاب بالفعل في تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع ضدهم، وتهيئة المناخ العام لتقبل الإطاحة بل والتنكيل بهم. ثم بعد الإطاحة بهم استمر توظيفهم؛ فبدل أن تنتهي سردية الخطر الإسلامي بزوال الحكم، جرى تضخيمها أكثر، وربطها بالإرهاب، ليغدو ذلك إطارًا تفسيريًا دائمًا ما يُستدعى لتبرير الإخفاقات الداخلية في ملفات الاقتصاد المتعثر بالديون المتراكمة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، فضلًا عن أزمات الصحة والتعليم.
وبعد مرور أكثر من عقد، ظلت هذه الشماعة حاضرة في الخطاب الرسمي والإعلامي، حتى تحولت إلى ركيزة متجددة، يُعاد إنتاجها دوريًا، بما في ذلك عبر الأعمال الدرامية التي تُقدم في الموسم الرمضاني من خلال شركات تابعة للمخابرات كـالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، حيث يُعاد تصوير الجماعة بوصفها عدوًا متربصًا بالدولة، في تثبيتٍ مستمر لمنطق المعركة الدائمة الذي يُرجئ أي نقاش جاد حول الإصلاح والمساءلة.
الأمر الذي يجعلنا نتساءل: ماذا لو اختفت جماعة الإخوان المسلمين من الوجود -ولا أعني الوجود الفاعل، فهي بهذا المعنى شبه غائبة بالفعل- بل الوجود من الأساس؟ ما الذريعة التي ستبقى؟ وأي خطاب سيتكفل بتفسير الإخفاقات المتراكمة؟ الأرجح والمؤسف كذلك أن شيئًا لن يتغير، فكما صنعت الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سردية جديدة عن الإرهاب الأصولي، فإن النظام لن يعجز عن ابتكار بديل يؤدي الوظيفة نفسها، حيث يُستحضر على شكل خطر داخلي جديد، أو تنظيم متخيل، أو موجة فوضى مرتقبة، أو حرب اقتصادية عالمية، أو شبكة مؤامرات عابرة للحدود تهدف إلى إسقاط البلاد، وسيُعاد تدوير الخطاب نفسه: نحن في لحظة استثنائية، الوطن مهدد، الأولوية للأمن، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وهكذا تؤجل الأسئلة حول الإدارة والكفاءة وتوزيع الموارد والعدالة الاجتماعية، ويُعاد توجيه الغضب الشعبي نحو «آخر» يُحمل مسؤولية كل شيء.
1 148
لا مهرب من الفلسفة!
يظن كثير من الناس أنهم بعيدون عن الفلسفة، وأنهم يعيشون حياتهم العملية دون حاجة إلى الانشغال بالأسئلة الفلسفية أو بالنظريات المجردة. غير أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا فلسفة، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه. قيل في وصف الفلسفة الكامنة في وعي الناس العاديين:
"في أوساط الشعب هناك لدى الشغيلة، الذين لم يتلقوا دروساً فلسفية، ولا كان لهم أي «معلم» يقتدون به في فن التفلسف، توجد فكرة عن الفلسفة على قدر من الدقة كافٍ لأخذها في الاعتبار وللكلام عليها. وهذا يدعم ما يذهب إليه الماديون في قولهم إن «كل إنسان فيلسوف...». ولو سُئل الإنسان العادي: هل لديك فلسفة؟ فقد يستغرب السؤال أو ينفي ذلك تواضعًا، لكن سينتهي بهم الأمر إلى أن يعترفوا قائلين: «نعم، لدي فلسفة تخصني». أية فلسفة؟ «هي طريقة في رؤية الأشياء». وسيقولون، إذا ما ألححتم بالسؤال: «هناك في الحياة أشياء أعرفها جيداً، بالخبرة المباشرة مثلاً: شغلي، أو الناس الذين أخالطهم، أو البلدان التي جلت فيها، أو ما تعلمته في المدرسة أو في الكتب»." [1]
فالإنسان لا يخلو من تصورٍ عام عن الوجود والمجتمع وموقعه منهما، حتى وإن لم يدرس الفلسفة دراسةً أكاديمية، يكون هذه التصورات من بيئته الاجتماعية، وما يتشربه من الكتب، والأفلام، والروايات، والإعلام، والخطابات السياسية، والتجارب الحياتية، بل وحتى من الأحاديث اليومية، فتغدو جزءًا من رؤيته للعالم، دون أن يفحص أصولها أو يدرك جذورها.
والانعزال عن دراسة الفلسفة -كما الحال مع السياسة- لا يعني الانعزال عن تأثيرها، فـ"انعزال الناس عن الفلسفة لم يكن يعنى أكثر من انصرافهم عن الاهتمام بالفلسفة. وبهذا كان يسهل وقوعهم في براثن الفلسفات المضللة التي تمتصها عقولهم في أي عمل فكري أو فني، بل حتى في الأحاديث الجارية، في الوقت الذي يحسبون أنفسهم منصرفين عن الفلسفة." [3]
ثم إن "احتقار الفلسفة إذا تطورت للدرجة التي تصبح فيها نسقية غدت بذاتها فلسفة." [2] فالذي يعلن أن الفلسفة لا قيمة لها، وينطلق في عدائه لها من تصورات مغلوطة عن بعض الفلسفات، ثم يعمم هذا الحكم على الفلسفة كلها، يكون قد اعتنق -من حيث لا يدري- فلسفةً جديدة، هي ما تعرف في أمريكا بالفلسفة الذرائعية.
فنفيُ الفلسفة، واحتقارُها، أو ادعاءُ تجاوزها، فلسفة.
[1] تأهيل إلى الفلسفة للذين ليسوا بفلاسفة، لويس ألتوسير، ترجمة: إلياس شاكر، دار الفارابي، الطبعة الأولى، 2017، ص 46، بتصرف يسير.
[2] إسماعيل المهدوي، مقدمة كتاب: جورج بوليتزر، المادية والمثالية في الفلسفة، المكتبة التقدمية، ص 6.
[3] بحوث غير مألوفة، برتراند راسل، ترجمة: سمير عبده، التكوين للتأليف والترجمة والنشر 2009، ص 11.
1 148
"من دون امتلاك وعي الجماهير وبالاعتماد على القوة المسلحة والبيروقراطية فحسب، ما كان بإمكان أي طبقة مسيطرة أن تحتفظ بالسلطة."
-أسس الفلسفة، ركيتوف، ص 16.
