en
Feedback
الروَاق

الروَاق

Open in Telegram

مَعنيٌّ بالكتب، وما أنا من العلماءِ، ولا من الجهّال.

Show more
1 147
Subscribers
-124 hours
-27 days
-130 days
Posts Archive
photo content

النقاش الفكري وانفتاح الأفق السياسي أمام التغيير السلمي يقيان المجتمع شرَّ الاحتكام إلى السلاح والانزلاق إلى صراعات دامية. فحين يغيب النقاش، تحل القوة محل الحجة في فرض الأفكار، وحين تُغلق أبواب التغيير السلمي، تتراكم في المجتمع شروط الانفجار حتى تنضج وتبلغ لحظةً كان يمكن تفاديها لو ظل الحوار قائمًا وبقيت سبل التغيير مفتوحة. وعليه، فإن إبقاء المجال العام مفتوحًا أمام النقاش والاختلاف، وإتاحة وسائل سلمية للتعبير والتنظيم والتغيير، يمثل صمام أمان للمجتمع بأسره. فحين يملك المخالف حرية التعبير عن رأيه، والتنظيم العلني، والتنافس السياسي، والأمل في تحقيق التغيير عبر القنوات السلمية، تقل حاجته إلى البحث عن وسائل أخرى؛ كالتنظيم السري، أو انتظار اللحظة التي يستطيع فيها فرض ما عجز عن تحقيقه بالسياسة. أما حين يُغلق المجال العام، ويُجرم الاختلاف، وتُسد آفاق التغيير السلمي، فإن السياسة تفقد وظيفتها الأساسية بوصفها أداة لإدارة الصراع، ويصبح الصراع نفسه أكثر قابلية للتحول إلى اقتتال. والانفتاح على النقاش والتغيير لا يحمي المجتمع فحسب من تحول الخلافات السياسية إلى صراعات صفرية، بل يحمي السلطة نفسها من خصومها، بل وقد يطيل بقاءها في الحكم إذا أحسنت توظيف هذا الانفتاح. وقد اتبع نظام مبارك هذا المنطق، ولكن بصورة شكلية ومحدودة؛ إذ أبقى على بعض المنافذ السياسية والمجالات المحدودة للتعبير والمشاركة، لكن ليس باعتبارها مساحات حقيقية للنقاش أو قنوات فعلية لاستيعاب مطالب المجتمع، وإنما بوصفها وسائل لتنفيس الاحتقان، ولذلك لم تكن هذه المنافذ الشكلية تعالج شيئًا، وشكلت لاحقًا نواة الانتفاضات الواسعة التي انفجرت لحظة يناير. ثم جاء النظام الذي أعقب الانقلاب العسكري واستخلص من تجربة مبارك بعض العبر، لكنه لم يرَ المشكلة في أن النظام السابق كان يراكم الأزمات بدل حلها، وأنه كان يفتح منافذ ضيقة للتنفيس دون أن ينفتح فعليًا على المجتمع أو يستجيب لمطالبه، وإنما رأى أن هذه المنافذ نفسها كانت جزءًا من الأسباب المؤدية لسقوطه، ومن ثم اتجه إلى إغلاقها بالكامل بدل السعي لعلاج المشكلات... قفل بالضبة والمفتاح كما نبعر بالعامية المصرية. وازداد الأمر سوءًا؛ فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في عهد مبارك، في الوقت الذي أُغلقت فيه حتى تلك المنافذ الشكلية التي كانت تتيح قدرًا محدودًا من التعبير والتنفس السياسي. وقد يصدر ذلك شعورًا ظاهريًا بالاستقرار، لكنه يشبه الأشجار التي تحجب الغابة، وخلف هذا الهدوء الظاهري، تظل مشكلات حقيقية قائمة لم تمت، وتحتاج إلى حلول، وما لم يحدث ذلك فإنها ستُحل لاحقًا، ولكن بالطريقة الأصعب.

أبجديات 1. التعاطف مع المظلوم لا يعني تأييد مسلكه السياسي؛ فأن نتعاطف مع المظلومين شيء، وأن ننتقد ما أقدموا عليه سياسيًا شيء آخر. والإشارة إلى ما تعرض له المعتقلون من ظلم لا تنفي أن المسلك السياسي لجماعتهم كان خاطئًا، ولا تعفي قيادتها من مسؤولية ما آلت إليه الأمور. والخلط بين المقامين يكون لمنع النقد. 2. من الطبيعي أن نتأثر بمن يُقتل أو يُسجن أو يُعذب من أجل فكرة يؤمن بها، لكن التأثر الإنساني شيء، والحكم على الفكرة شيء آخر. فلا المشنقة ولا السجن ولا التعذيب دليل على صحة الأفكار، والثمن الذي يدفعه صاحبها لا يجعلها حقًا، كما أن التقاعس لا يجعلها باطلًا، ومنتهى ما تدل عليه التضحية الصدق مع النفس. 3. نقد المسلك السياسي لا يعني الحكم على المصير الأخروي؛ فقد نرجو الجنة لإنسان، ونتعاطف مع ما تعرض له من ظلم، ثم ننتقد مسلكه السياسي وما ترتب عليه من مآلات كارثية. فرفض الظلم لا يستلزم تصويب الخطأ، ونقد الأخطاء لا يعني الطعن في علاقة أصحابها بربهم، فالحديث عما بين أيدينا في الدنيا لا عن الآخرة. دمتم بخير.

كثيرًا ما تروج الأنظمة لفكرة أن التيارات الإسلامية تحتقر الوطن، في محاولة لتنفير الناس من أفكار هذه التيارات. وهي، في شيءٍ من هذه الدعاية، محقة؛ إذ حمل جانب من الأدبيات الإسلامية بالفعل موقفًا متشنجًا من مفهوم الوطنية. بدأ ذلك بوضوح عند سيد قطب، الذي وسع في معالم في الطريق مفهوم الجاهلية ليشمل كل رابطة لا تقوم على العقيدة، فأصبح الانتماء القومي أو الوطني، في تصوره، نوعًا من العصبية الجاهلية التي ينبغي تجاوزها لصالح رابطة العقيدة وحدها. وقد صار هذا الموقف لاحقًا مرجعية لكثير من الأدبيات الجهادية. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يجعل الأنظمة التي حكمت بلادنا، وتنكر على هذه التيارات وطنية؛ فالوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل موقف من الوطن ومصالحه ومستقبله. ومن يحب وطنه يريد له أن يكون في حال أفضل، ولا يمكن أن يكون راضيًا عن حاكم يستأثر بالسلطة لعقود، ولا عن مؤسسات مهترئة عاجزة، ولا عن فساد مستشرٍ، ولا عن أوضاع اجتماعية واقتصادية مزرية. ولا يمكن لمن أيد حسني مبارك، الذي حكم مصر نحو ثلاثين عامًا دون تداول حقيقي للسلطة، أو أيد معمر القذافي، الذي حكم ليبيا اثنين وأربعين عامًا، أو زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس ثلاثة وعشرين عامًا، أو حافظ الأسد ثم بشار الأسد، اللذين حكمَا سوريا منذ عام 1971 حتى سقوط النظام أواخر عام 2024، وما رافق تلك العقود من استبداد وفساد وأزمات انتهت بانتفاضات واضطرابات واسعة، أن يزايد على هذه التيارات باسم الوطنية. فأنتم وهم سواء في أحسن الأحوال إن لم تكونوا الأسوء؛ فلا فارق جوهريًا بين من يدمر الوطن على مدى عقود، ومن يتحين الفرصة لفعل ذلك، أو من يعتبر الانتماء إليه منافيًا للعقيدة. الفارق فقط أن بعض الجماعات قد تصرح باحتقار الوطن، بينما قد تفعل الأنظمة الشيء نفسه من دون أن تقول ذلك صراحة، بل قد تستخدم شعارات الوطنية ذاتها لمنع أي تغيير إيجابي باعتباره تهديدًا، وتتعامل مع الوطن باعتباره ملكًا للنظام، ومع الشعب باعتباره تابعًا له. ومن يؤيدون تلك الأنظمة -إن لم يكن جهلًا- لا ينتمون إلى الوطن بقدر ما ينتمون إلى نظام بعينه يرونه هو الوطن، أو بقدر ما ينتمون إلى مصالحهم الخاصة.

لسنا مطالبين بالنتيجة! كل فعل يصدر عن إنسان عاقل إنما يتوجه، بصورة أو بأخرى، إلى غاية يقصد بلوغها: يأكل ليشبع، ويشرب ليرتوي، ويذاكر لينجح، ويعمل ليكسب، بل وحتى حين يفعل شيئًا لمجرد المتعة، فإن المتعة نفسها هي الغاية التي يريدها من فعله. والغاية لا تنفصل عن الفعل، بل هي التي تمنحه معناه من الأصل، وتجعله فعلًا مقصودًا لا مجرد حركة عشوائية متخبطة؛ فالفارق كبير بين أن يرفع الإنسان يده عبثًا، وأن يرفعها ليشير إلى شيء، أو ليطلب شيئًا، أو ليدفع أذى عنه. وما يصدق على الفعل الإنساني عمومًا، يصدق على الفعل السياسي أيضًا؛ فالسياسة، بوصفها فعلًا إنسانيًا، نرجو بها تحقيق مصلحة، أو درء مفسدة، فهي ليست استثناءً من قاعدة الغائية، ولا معنى لقرار سياسي يُتخذ من دون أن يُراد به تحقيق شيء بعينه. وكما أن فصل الفعل الإنساني عن غايته يفرغه من معناه العقلي، فإن فصل الفعل السياسي عن غايته ونتيجته المرجوة يفضي إلى تحويل السياسة إلى عبث، وتقويض المعنى الذي من أجله تُمارس أصلًا، وإبطال مفهومي النجاح والفشل. ثم إن الحكم على أي قرار سياسي -قرار خوض حرب مثلًا ــ لا يكون بمعزل عن النظر في مآلاته، بل إن هذه المآلات هي أساس عملية التقييم والمساءلة: هل حقق القرار ما أُريد له أن يحققه؟ أم أخفق في ذلك، وجر على أصحابه عواقب وخيمة؟ فلا يمكن أن نقول إن قرارًا بخوض حرب كان صائبًا لمجرد أن صاحبه اتخذ القرار بحسن نية، ثم نرفض النظر فيما أسفر عنه القرار من نتائج. فالشاهد أن فصل الفعل عن نتائجه لا يلغي فقط معيار النجاح والفشل، بل يلغي معه أساس المساءلة نفسها؛ إذ كيف يمكن تقييم فعل ما أو نقده إذا لم يكن لصاحبه غاية محددة، وإذا لم يكن مطالبًا بتحقيق نتيجة يُقاس الفعل في ضوئها؟ ثم إن هذا المبدأ إذا جاز في حق من نؤيده، جاز اتساقًا في حق من نعارضه أيضًا. فإذا كان المستبد الذي نحاربه قد سعى -بحسب منطقه هو - إلى غاية يراها صالحة، ثم قلنا إن النتيجة ليست مما يُسأل عنه، فعلى أي شيء نحاسبه؟ ولماذا نعد سياساته فاشلة أو ضارة إذا كان الأمر متعلقًا بمجرد السعي والنية لا بما ترتب على الفعل؟ عندها تتحول السياسة إلى عالم من النوايا الحسنة، يصبح فيه كل فعل قابلًا للتبرير ما دام صاحبه يستطيع الادعاء بأنه سعى، وينهار معه كل معيار موضوعي للحكم على السياسات والقرارات. أخيرًا، فإن القول بأننا مطالبون بالسعي لا بالنتيجة، يفرغ الأسباب ضمنًا من فاعليتها، ويجعل الأخذ بها مجرد إجراء شكلي لا صلة له بما يترتب عليه. فإذا كان اتخاذ القرار وفق أسباب معينة وتحقق أثره أمرين منفصلين لا رابط بينهما، انتفت عن الأسباب الفاعلية ولم يعد لها أي قيمة.

رغم كثرة المثالب التي تُنسب إلى الديمقراطية، والنقد الواسع الذي تعرضت له في الأوساط الأكاديمية والسياسية، فإنها تظل، من حيث المبدأ وآليات تداول السلطة، أفضل بكثير من النظم الاستبدادية والشمولية والحكم العسكري. لا لأنها نظام مثالي أو تضمن وصول الأفضل دائمًا إلى الحكم، وإنما لأن ميزتها الأساسية أنها تتيح إمكانية تغيير الحاكم والنظام السياسي من خلال آلية مؤسسية وسلمية، دون أن يكون التغيير مرهونًا بانفجار اجتماعي ثوري أو انقلاب عسكري أو حرب أهلية. [1] الديمقراطية تجعل تغيير السلطة جزءًا طبيعيًا من عمل النظام السياسي، لا حدثًا استثنائيًا يهدد وجوده. فإذا فشل الحاكم أو فقد شعبيته، يستطيع المجتمع تغييره عبر صناديق الاقتراع، دون الحاجة إلى إسقاط الدولة أو الدخول في صراع دموي حول السلطة. أما في النظم التي تغيب فيها آليات التداول السلمي، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تغيير الحاكم إذا لم يعد هناك طريق مؤسسي لإبعاده؟ أصبح الانقلاب على الحكام في العالم الثالث، بعد الحرب العالمية الثانية، الآلية شبه الحصرية للتداول على السلطة. وتشير بعض الدراسات الإحصائية في هذا المجال (كدراسات باتريك مكغوان الشهيرة حول الانقلابات العسكرية) إلى وقوع ما يقارب 357 محاولة انقلابية في دول العالم الثالث بين عامي 1945 و1985، أي إن نحو نصف عدد الدول النامية جرّب الانقلاب العسكري خلال هذه الفترة مرة واحدة على الأقل، نجح منها 183 انقلابًا ومحاولة انقلاب، أي ما يعادل 51 بالمئة تقريبًا. ولم تقترب هذه الظاهرة من نهايتها، إذ سُجّل نحو 75 انقلابًا ومحاولة انقلاب أخرى بين عامي 1986 و2000. [2] أحد أهم أسباب هذه الانقلابات هو غياب الآليات المؤسسية لتغيير السلطة، وهو ما يجعل المجتمع، عندما يصل إلى لحظة الانسداد السياسي، أكثر عرضة لمسارات التغيير العنيفة أو غير المستقرة. وهنا تظهر قيمة الديمقراطية بصورة أكثر وضوحًا: فهي لا تلغي الصراع السياسي، ولا تمنع اختلاف الناس حول السلطة، لكنها توفر طريقة منظمة لإدارة هذا، ولذلك فإن قيمة الانتخابات لا تكمن فقط في اختيار الحاكم، وإنما في أنها توفر أيضًا وسيلة لإبعاده، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون أهم من الأولى؛ إذ لا تكمن المشكلة السياسية فقط في كيفية الوصول إلى السلطة، بل في كيفية مغادرتها أيضًا. إحدى إشكالات شق واسع من الخطابات الإسلامية المعاصرة التي تنشغل بصورة كبيرة بإثبات عدم شرعية الديمقراطية أو كفرها، أن مسألة الاستبداد والاستئثار بالسلطة، وآليات منع احتكارها، لا تحظى بالاهتمام نفسه. فحتى لو سلمنا جدلًا بكل الاعتراضات الفقهية أو الفلسفية على الديمقراطية، يبقى السؤال العملي قائمًا: ما البديل؟ هذا لا يعني أن الفكر الإسلامي خالٍ من تصورات بديلة لتداول السلطة كالشورى وأهل الحل والعقد، لكن المشكلة أن هذه الخطابات لا تطرح هذه التصورات النظرية كآليات مؤسسية فعلية قابلة للتطبيق والمساءلة، بل تكتفي بنقد الديمقراطية دون تقديم بديل إجرائي واضح لمنع احتكار السلطة. وحين يظل التركيز منصبًّا على نقد الديمقراطية وحدها دون الاستبداد، فإن ذلك، من حيث لا يُقصد، يعزز شرعية السلطات الاستبدادية القائمة؛ وهو ما يلحظ فعلًا في خطاب كثير ممن ينشطون للحديث عن مشكلات الديمقراطية في مجتمعات لم تعرفها أصلًا، ولم تعرف التغيير من خلالها، ولم تعرف اختيار الحاكم أو وجود بدائل له، بل عرفت فقط حاكمًا يعيش عمره كله على الكرسي، فإذا قضى نحبه صعد آخر دون أي اختيار منها، وهذا الأول أصلًا إما أنه وصل بانقلاب عسكري، أو انقلاب قصور، أو ورث الحكم عن أبيه، فهم لم يختاروه، ولن يختاروا حتى بعد وفاته! [1] مستفاد من: المجتمع المفتوح وأعداؤه، كارل بوبر. [2] الجندي والدولة والثورات العربية، طيبي غماري.

"لا يمكن للعسكري أن يكون رجلًا صالحًا." -مكيافيلي.
"لا يمكن للعسكري أن يكون رجلًا صالحًا." -مكيافيلي.

أنا مش قصير أوزعة، أنا طويل وأهبل ! في أواخر الستينيات، عرض فيلم «مطاردة غرامية»، جسد فيه عبد المنعم مدبولي شخصية «دكتور خشبة»، الطبيب النفسي. كان أحد مرضاه يعاني عقدة نقص بسبب قصر قامته، بعدما تعرض طويلًا للسخرية والتنمر، فحاول الطبيب علاجه بالإيحاء، وطلب منه أن يردد دائمًا: «أنا مش قصير أوزعة، أنا طويل وأهبل». هذا المشهد استحضرته في إحدى حلقات بودكاست «إحاطة»، حين استهل ضيف الحلقة، وهو باحث دكتوراه في العلاقات الدولية، حديثه بالقول إن الواقع يتشكل في أذهاننا أولًا ثم يتجلى، بمعنى أننا لو استيقظنا غدًا وأقنعنا أنفسنا بأن القانون الدولي غير موجود، وأن الولايات المتحدة دولة ضعيفة، فسيكون الأمر كذلك. وهي فكرة تشبه أسلوب دكتور خشبة مع مريضه. ورغم بساطة الفكرة في ظاهرها، فإنها تستحق وقفة. ابتداءً، تبحث نظرية المعرفة، وهي أحد الفروع الأساسية للفلسفة، في طبيعة المعرفة ومصادرها وحدودها وموثوقيتها. ومن أهم ما تشتغل عليه التمييز بين الاعتقاد والمعرفة؛ فليس كل ما نعتقده معرفة صواب، ولا يصبح الاعتقاد صحيحًا لمجرد أننا نتمسك به بثقة. كما تهتم بالتمييز بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي. فالذاتي هو ما يتعلق بوجهة نظر الفرد ومشاعره وتقييمه الشخصي. فعندما أقول: «أنا أحب التفاح»، فإنني أعبر عن ذوق شخصي لا يُوصف في ذاته بالصواب أو الخطأ. أما الموضوعي، فهو ما يتعلق بالواقع، المستقل عن وجهة نظر الفرد وميوله الشخصية. فعندما أقول: «التفاح يحتوي على عناصر غذائية»، فإنني أطرح قضية يمكن التحقق منها وفق معايير تتجاوز تفضيلاتي ومشاعري الشخصية. المشكلة تبدأ حين نخلط بين هذين المستويين، فنجعل ما هو ذاتي موضوعيًا؛ أي نجعل الواقع تابعًا لقناعاتنا. صحيح قد يكون لقناعاتنا أثرًا؛ لأنها قد تؤثر في سلوكنا، وسلوكنا قد يؤثر بدوره في بعض جوانب الواقع -وهذا ما حاول المضيف في البودكاست الإشارة إليه، حمايةً لضيفه من لوازم قوله-، بمعنى أنه قد يعتقد الإنسان أنه عاجز، فيتوقف عن المحاولة، أو يعتقد أنه قادر، فيبذل جهدًا أكبر، فتختلف النتيجة تبعًا لذلك. لكن هذا شيء، والقول إن القناعة هي ما تشكل الواقع شيء آخر تمامًا. الولايات المتحدة، مثلًا، دولة قوية، بغض النظر عما أعتقده أنا أو غيري. يمكن أن نختلف في تقدير حجم قوتها، أو مستقبلها، أو مواطن ضعفها، لكن لا يمكننا أن نجعلها دولة ضعيفة بمجرد أن نقرر ذلك. والأمر نفسه ينطبق على إنكار الواقع القائم والتنكر له؛ فلا يمكننا أن ننفي وجود دولة أو كيان سياسي بمجرد رفض الاعتراف به ذهنيًا. فلو كررنا كل صباح ومساء أن إسرائيل غير موجودة، أو أنها دولة ضعيفة، فلن تختفي من الواقع، ولن تتغير قدراتها لمجرد أننا قررنا أن نعتقد عكس ما هو قائم. ولهذا الخطاب التنموي الذي يجعل القناعة والإرادة تصنع الواقع تبعات سيئة، فلنفترض أننا استيقظنا يومًا وقد قررنا أن الولايات المتحدة دولة ضعيفة، وأن إسرائيل كيان هش يمكن هزيمته بسهولة، ثم بنينا على هذا التصور قرار الدخول في مواجهة فعلية. لن تتغير موازين القوة لأننا غيرنا تصورنا عنها، ولن تصبح الجيوش أضعف لأننا أقنعنا أنفسنا بذلك، ولن تتراجع القدرات الاقتصادية والعسكرية لمجرد أننا رفضنا الاعتراف بها وستكون المآلات كارثية. لأن إنكار الواقع لا يغيره، ولن يصبح الواقع مطابقًا لتصورنا عنه لمجرد أننا نؤمن بهذا التصور. في النهاية، كانت طريقة دكتور خشبة مفهومة، فقد كان يحاول تغيير صورة المريض عن نفسه، أي تغيير إدراكه لذاته، بما قد ينعكس على سلوكه وحالته النفسية بالإيجاب، لكن ذلك لم يجعل قصير القامة طويلًا في الواقع؛ فإن كانت هناك وظيفة تشترط حدًا معينًا للطول، فلن يُقبل فيها لمجرد أنه غير نظرته إلى نفسه. أما حين يتحول هذا المسلك إلى مجالات أعظم، كالاقتصاد والسياسة مثلًا، فالأمر يصبح أكثر خطورة. فعندما نطالب الدولة بتحسين أوضاعنا المادية، فالرد وفق هذا: «اعتقدوا أنكم أغنياء، وستصبحون كذلك». لكن الدخل لا يرتفع بالاعتقاد، والفقر لا يختفي بتغيير النظرة إليه، والاقتصاد لن يتحسن بمجرد أن نقنع أنفسنا بأنه بخير. وفي السياسة، لا يغير خداع الذات من قدرات الخصم شيئًا، لكنه ينعكس علينا نحن بالسلب، حين نبني قراراتنا على صورة متخيلة للواقع، لا على الواقع نفسه. وعجبًا لمن يخدع نفسه؛ فخداع العدو مفهوم، أما أن يخدع المرء نفسه، ثم يبني أفعاله وقراراته على هذه الخديعة..!

عن الذاتية والموضوعية. ثمة فارق بين أن أقول: "أنا أحب هذا الحزب"، وأن أقول: "قرارات هذا الحزب صحيحة". فالأول حكم ذاتي، يعبر عن موقفي الشخصي؛ فأنا أحب، وغيري يكره. أما الثاني، فحكم يتعلق بمسلك الحزب نفسه، ومن ثم لا يكفي فيه الحب أو الكراهية، بل ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية تتجاوز الموقف الشخصي. ومثال على ذلك أبسط: "أنا أحب التفاح" حكم ذاتي؛ لأنني أعبر عن ذوقي الخاص، وقد يختلف عن ذوق غيري. أما "التفاح مفيد"، فقضية تتعلق بخصائصه التي يمكن بحثها والتحقق منها، بمعزل عن استحساني له أو نفوري منه. وكذلك قولنا: "أنا أحب وطني" تعبير عن شعور وانتماء شخصي، وهو أمر لا إشكال فيه، لكن القول: "يوفر الوطن لأبنائه حياة كريمة" أمر آخر؛ لا يثبته مجرد الحب، وإنما يبحث في ضوء معايير تتعلق بواقع الحياة فيه. وتنشأ المشكلة حين تصبح الأهواء معيارًا للتقييم، ويغدو الحكم على الأشياء بالحسن والقبح تابعا للذائقة الشخصية؛ فما يعجبني أراه صحيحا، والعكس فيما لا يعجبني. تعجبني ممثلة لجمالها، فأنتقل من الإعجاب بجمالها قفزًا إلى الإشادة بأدائها، والمطالبة بمنحها الأوسكار عن أدائها المبهر، مع أن جمالها شيء، وقدرتها على التمثيل شيء آخر. ويعجبني سياسي لأسباب شخصية، لشجاعته مثلًا، فأضفي على سياساته وقراراته البليدة أوصاف العبقرية السياسية! هذا التعظيم المفرط للذات، وإخضاع الأحداث لها، له جذور فلسفية، ربما يتسنى لنا الحديث عنها لاحقًا.

قد تؤول التصورات المثالية عن السياسة والحكم بصاحبها إلى الأناركية؛ إذ يتجاهل الواقع السياسي كما هو، ويقيم تصوراته على ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم والدولة، لا على ما يمكن تحقيقه فعلًا في حدود الإمكانات والظروف الواقعية. ويرجع ذلك في جزء منه إلى قراءة خاطئة للتاريخ، تُصور فترات معينة، كالخلافة الراشدة، على أنها كانت خالية من أية مشكلة، وفي جزء آخر إلى عدم التمييز بين ما يُتصور في الذهن وما يمكن أن يتحقق في الواقع. وحين تصطدم هذه التصورات باستحالة تطبيقها في الواقع، لا يراجع صاحبها تصوراته في الغالب، بل ينتهي به الأمر إلى رفض السياسة والسلطة من أصلها؛ فيرى في السلطة شرًّا مطلقًا، ويرفض الدولة وأشكال السلطة كافة، بل قد يصل إلى ما هو أكثر تطرفًا، فيعتبر العدل أمرًا أخرويًا لا وجود له في الدنيا، ويعتقد باستحالة إقامة أي مشروع سياسي أصلًا، وأن ما قام في فترة ما إنما كان شيئًا إلهيًا لا جهد للبشر فيه. وتنشأ عن ذلك نظرة شديدة التشاؤم إلى العمل السياسي، مفادها أن كل من يصل إلى السلطة يصبح في نظر هؤلاء مستبدًّا أو عميلًا، وأن كل مشروع سياسي محكوم عليه سلفًا بالفساد والانحراف؛ ذلك أن المشكلة ليست في طبيعة المؤسسات ولا في الأشخاص القائمين عليها بحيث يمكن إصلاحها، وإنما في أصل فكرة السلطة ذاتها، أي في مجرد وجودها. ويخدم هذا التشاؤم، الذي يلتقي في مساحة كبيرة مع الدروشة، السلطةَ القائمة نفسها في النهاية؛ فاليأس من أي إصلاح سياسي، والقول بأن كل من يحكم سيصبح لا محالة مستبدًا أو عميلًا، يُفضي عمليًا إلى تعطيل أي معارضة منظمة أو مشروع تغيير جاد، فيصبح الاستبداد القائم هو الأمر الواقع الذي لا بديل عنه، ما يعزز استمرار الأوضاع القائمة.

عن المعتقلين قُدِّر لي أن أتحدث أكثر من مرة مع عدد من الأصدقاء عن أزمة المعتقلين، ودائمًا أسمع الحجج الأخلاقية ذاتها: "ما الذي يمنع النظام من إخراج المعتقلين؟"، "لو كان عند المسؤولين شيء من الرحمة والعقلانية لما رضوا بهذا الوضع"، وما شابه ذلك، رغم أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم متورطون أصلًا في انتهاكات جسيمة، فما الذي استجد؟ أي ما الذي يُلزمهم أخلاقيًّا حاليًا لم يُلزمهم من قبل؟ بغض النظر عن الإجابة، هذه فرصة جيدة للكتابة عن قسوة السياسة، واختلاف الحسابات السياسية عن الأخلاقية. في عام 416 قبل الميلاد، أرسلت أثينا أسطولها إلى جزيرة ميلوس الصغيرة المحايدة، وطالبتها بالخضوع والانضمام إلى إمبراطوريتها الآخذة في التمدد. لم تكن ميلوس عدوًّا لأثينا؛ لم تحمل السلاح ضدها، ولم تتحالف مع خصومها الإسبرطيين، بل اختارت الحياد، أملًا في أن يكون ذلك كافيًا لحمايتهم من الحرب البيلوبونيسية الدائرة، لكن المبعوثين الأثينيين، كما يروي المؤرخ ثوسيديديس، لم يكترثوا للحجة الأخلاقية، وقالوا للميليين صراحة: "الأقوياء يفعلون ما تسمح لهم به قوتهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله". رفض الميليون الخضوع ودفع الجزية، فحاصرتهم أثينا، وحين سقطت المدينة قتلت الرجال البالغين واستعبدت النساء والأطفال. هذا وأهل ميلوس قد التزموا الحياد، ومع ذلك لم يستطيعوا النجاة، فكيف بعدوك السياسي المباشر؟ وقد وصل للحكم، لا بطريقة سلمية وانتخابات كما يحدث بالدول الديمقراطية، بل على ظهر الدبابة بانقلاب عسكري وعلى دمائك.. ماذا تنتظر من هذا الخصم؟ أن يفك قيدك من تلقاء نفسه؟ أن يقبل رأسك ويعتذر عما فعله بحقك، ويعلن توبته وندمه؟ يا له من تفكير ساذج! قانون السياسة: القوة. هل لديك ما تفاوض به؟ هذه هي الطريقة الوحيدة لإخراج هؤلاء المعتقلين. أما إذا كنت خصمًا هشًا وضعيفًا، لا تشكل أي خطر، فما الذي يدفع من هو في موضع القوة إلى التنازل والتفاوض معك أصلًا؟ فالسؤال عن المعتقلين، ليس: "لماذا لا يُخرجهم النظام؟"، بل: "لماذا يُخرجهم؟" الطريق الوحيد لفعل ذلك بامتلاك ما يمكن التفاوض عليه، لا الحديث الأخلاقي عن الرحمة والإنسانية، وما لا قيمة له بهذا المقام.

أستثقل الأسئلة الشخصية (كم عمرك؟ متزوج؟ أين تسكن؟... إلخ) أسئلة لا طائل منها. أخي، إن كان لديك نقد لما أكتب، أو تعليق، أو نصيحة، أو طلب نصيحة، فيما يخص الفكر، فأهلًا وسهلًا؛ ذا ما لأجله وضعتُ رابط الأسئلة. أما فضولك الشخصي الناتج عن فراغ، فأرجو أن تشغله -وهذه نصيحة عامة- بما هو أنفع لك.

خاطرة على هامش القراءة لغوغول. أثناء القراءة في الأدب الذي يصف مرحلة الإقطاع، ويعكس شيئًا من طبيعة تلك المرحلة، قد يصادف المرء وصفًا عابرًا لرجل إقطاعي ورث عن أبيه أرضًا يعمل فيها مائة فلاح، وآخر تزوج حسناء وتلقى عنها مائتي إنسان. وفي غمرة الحماسة الحقوقية التي تصيب المرء في أول عهده بالقراءة، متأثرًا ببعض الكتابات، يتساءل متعجبًا عما يدفع هؤلاء الفلاحين إلى البقاء في هذا الوضع. ويتعامل مع العبودية وغيرها من الأوضاع التاريخية بمنطق شديد التبسيط (ما الطاغية إلا فرد)؛ فيرى أن المشكلة تكمن في أفراد سيئين استعبدوا غيرهم، وفي جماهير قبلت هذا الاستعباد لضعف نفوسهم. لكن مع اتساع الاطلاع، يبدأ المرء في إدراك أن حالة كهذه لا يمكن تفسيرها بصفات أخلاقية في أفراد ذلك المجتمع. فلم يكن هؤلاء الذين رضوا بالمهانة يحملون في أجسادهم جينات للضعف والدناءة، كما أن المستعبِد نفسه لم يكن بالضرورة شريرًا بالمعنى الفردي؛ بل كان في كثير من الأحيان وارثًا لنظام وُلد فيه، ونشأ على رؤيته بوصفه أمرًا طبيعيًا، كما نشأ المستعبَد نفسه داخل النظام ذاته ورآه كذلك. وهذه الأوضاع كانت قائمة على شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وكانت محصنة بالشرعية الدينية والأيديولوجية وغيرها من البنى الفوقية التي تمنحها قدرًا من المشروعية، وتقدمها بوصفها شيئًا عاديًا بل ضروريًا، وتحميها سلطة سياسية. ولذلك لم يكن تحرر المستعبَدين مسألة تتوقف فحسب على أن يدرك أحدهم أنه مظلوم، أو أن يقرر المستعبِد أن يتخلى عن امتيازه، بل كان تجاوز هذه الأوضاع مشروطًا بتحولات أعمق في البنية التي أنتجتها وأبقتها. ومن هنا يمكن فهم بعض الظواهر التاريخية التي تبدو، من منظورنا المعاصر، شديدة الغرابة. فمثلًا، لماذا لم يحرم الإسلام العبودية ويلغيها فوريًا؟ وهو سؤال كان مؤرقًا في السابق، لكن عندما نتعامل مع العبودية باعتبارها جزءًا من بنية اجتماعية واقتصادية قائمة في ذلك الوقت، لا بمعزل عن ظروفها، نتفهم أنه لم يكن بالإمكان إلغاء ذلك الوضع بقرار أخلاقي مطلق، ولا يمكن شطب هذه البنية بأحكام متعالية تتنكر للظروف الموضوعية، فلم يكن الانتقال من هذه الحالة ممكنًا في ظل تلك المرحلة التاريخية. وقد كان هيغل يرى أن الحرية التي عرفتها اليونان، رغم أنها كانت حرية ناقصة، لأسباب منها وجود العبيد، لكنه كان يرى أن الديمقراطية الأثينية نفسها لم تكن ممكنة إلا بهذا، وكانت ضرورية اقتصاديًا واجتماعيًا، وقد سمح وجود العبيد للمواطنين الأحرار بالتفرغ التام للسياسة، والفلسفة، وإدارة شؤون الدولة، ودون هذه الطبقة المستعبدة، ما كان للمواطن اليوناني أن يجد الوقت للمشاركة في الديمقراطية المباشرة، والتي يعظمها اليوم من يستنكرون على الإسلام عدم تحريم العبودية. يومكم

photo content

مما أشار إليه أوليفيه روا في نقده للإسلام السياسي، وتابعه على ذلك عدد من المفكرين، مسألة إسقاط النتائج من حسابات العمل السياسي وعدم الاكتراث بالنصر؛ فللشهادة مغزى يتجاوز النصر، وليس في الجهاد ما يوجب تحقق نتيجة دنيوية بعينها. وتفعيل هذه الفكرة في مضمار العمل العام يُسقط حساب النتائج من الأساس؛ فما يُسمى فشلًا بمعيار الدنيا يتحول إلى نصر أخروي، ويُستشهد لذلك بأحاديث أصحاب الأخدود، والرجل الذي قام إلى ملك ظالم، وغير ذلك مما لا يصح الاستشهاد به في مقام تقييم تيارات سياسية أو عسكرية. فالعمل السياسي والعسكري غايتهما في النهاية الوصول إلى نتائج معينة، وما دام هذا العمل لم يصل إليها فقد فشل، وإن حُرِّف معنى الفشل وجُعل نصرًا أخرويًا؛ لأن الحديث هنا ليس عن الآخرة والأجر أصلًا، وإنما عن تقييم فعل سياسي أو عسكري وقياس نجاحه أو إخفاقه. ومآل هذا الفكر أن يصبح الفتك بالنفس، واتخاذ قرارات سياسية تتسبب في زج الناس في السجون وقتلهم، نصرًا في نهاية الأمر. فإن هُزمنا انتصرنا، وإن انتصرنا انتصرنا؛ فلا فرق إذن بين نصر وهزيمة، ونحن منتصرون في كل الحالات؛ إن لم يكن بالمعايير المادية التي يعرفها الجميع، فسنخلق معيارًا روحيًا، نلبسه لإخفاقاتنا وسوء تقديرنا ونسميه نصرًا. راجع: *عن تحريف المفاهيم، مفهوم النصر أنموذجًا *جربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ص 70.