en
Feedback
رياض الصالحين القرآنيـة

رياض الصالحين القرآنيـة

Open in Telegram

قناة تنشر فيها مجالس يومية من تفسير القرآن.

Show more
2 801
Subscribers
-224 hours
-47 days
-6730 days
Posts Archive
= ثالثًا: بل إنكم خالفتم وعصيتم أعظم الأنبياء الذين بعثوا فيكم، وفي أشرف أحواله وأحوالكم، وهو موسى ﷺ حين ذهب لمواعدة ربه، فاتخذتم العجل! رابعا: أنكم تركتم الوحي، مع عظم الاستيثاق منكم بالميثاق: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱسۡمَعُوا۟ۖ قَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَعَصَیۡنَا وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡ} وهكذا جمعوا بين تكذيب الرسول الموحى إليه، ورد الوحي، ورد الملك الذي أنزل بالوحي. وفي قوله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱسۡمَعُوا۟ۖ}. جاء الحديث عن أخذ الميثاق والأمر بأخذ الكتاب بقوة مع رفع الطور، وهذا المعنى تكرر في القرآن في ثلاثة مواطن، فمن أوتي زيادة في الأدلة والبراهين والعلم طولب بالازدياد في العبادة والأخذ بالشريعة! ولهذا فالواجب على العلماء من العبادة أعظم من غيرهم، والمؤاخذة عليهم أكثر. وقوله تعالى: {وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ}، أي صارت قلوبهم ممتلئة بحب عبادة العجل كأنها شربته. وهي دركة سفلى في الضلال، ولذا قال ﷻ: {وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡ}، فالكفر هو السبب لهذه المرحلة من التشبع بحب الباطل، وحبّ غير الله، لأن المعاصي تأخذ بأعناق بعض، والمعصية تسبب معصية، والله المستعان. والله أعلم.

= وقد أخبرنا الله أن الأمر ليس كما ذكروه، ولكنها اللعنة التي لعنوها! وقد أخبرنا الله بأسباب لعن بني إسرائيل: - رد الحق بعد المعرفة كما في الآية التالية. - كتم الحق، كما قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٥٩]. - التحايل على الأوامر، {كَمَا لَعَنَّاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا}، [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٧]. - نقض الميثاق، كما قال سبحانه: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ}، [سُورَةُ المَائـِدَةِ: ١٣] - ترك إنكار المنكر، قال تعالى: { كَانُوا۟ لَا یَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرࣲ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُوا۟ یَفۡعَلُونَ (٧٩) - تولي الكفار، قال تعالى: {تَرَىٰ كَثِیرࣰا مِّنۡهُمۡ یَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ}. ثم قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ كِتَـٰبࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُوا۟ مِن قَبۡلُ یَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَاۤءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ ۝ بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡیًا أَن یُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَاۤءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبࣲۚ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ}. ﻋﻦ ﻋﻠﻲ بن علي اﻷﺯﺩﻱ: "ﻓﻲ ﻗﻮﻝ اﻟﻠﻪ: {ﻭﻛﺎﻧﻮا ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻳﺴﺘﻔﺘﺤﻮﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮﻭا}، ﻗﺎﻝ: اﻟﻴﻬﻮﺩ، ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: اﻟﻠﻬﻢ اﺑﻌﺚ ﻟﻨﺎ ﻫﺬا اﻟﻨﺒﻲ ﻳﺤﻜﻢ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﻭﺑﻴﻦ اﻟﻨﺎﺱ. وﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ: "ﺃﻥ ﻳﻬﻮﺩ، ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺴﺘﻔﺘﺤﻮﻥ ﻋﻠﻰ اﻷﻭﺱ ﻭاﻟﺨﺰﺭﺝ ﺑﺮﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻗﺒﻞ ﻣﺒﻌﺜﻪ. ﻓﻠﻤﺎ ﺑﻌﺜﻪ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﺮﺏ، ﻛﻔﺮﻭا ﺑﻪ، ﻭﺟﺤﺪﻭا ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻓﻴﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ ﻣﻌﺎﺫ ﺑﻦ ﺟﺒﻞ ﻭﺑﺸﺮ ﺑﻦ اﻟﺒﺮاء ﺑﻦ ﻣﻌﺮﻭﺭ ﺃﺧﻮ ﺑﻨﻲ ﺳﻠﻤﺔ: ﻳﺎ ﻣﻌﺸﺮ ﻳﻬﻮﺩ، اﺗﻘﻮا اﻟﻠﻪ ﻭﺃﺳﻠﻤﻮا. ﻓﻘﺪ ﻛﻨﺘﻢ ﺗﺴﺘﻔﺘﺤﻮﻥ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺑﻤﺤﻤﺪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻧﺤﻦ ﺃﻫﻞ ﺷﺮﻙ، ﻭﺗﺨﺒﺮﻭﻧﻨﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﺒﻌﻮﺙ، ﻭﺗﺼﻔﻮﻧﻪ ﻟﻨﺎ ﺑﺼﻔﺘﻪ. ﻓﻘﺎﻝ ﺳﻼﻡ ﺑﻦ ﻣﺸﻜﻢ ﺃﺧﻮ ﺑﻨﻲ اﻟﻨﻀﻴﺮ: ﻣﺎ ﺟﺎءﻧﺎ ﺑﺸﻲء ﻧﻌﺮﻓﻪ، ﻭﻣﺎ ﻫﻮ ﺑﺎﻟﺬﻱ ﻛﻨﺎ ﻧﺬﻛﺮ ﻟﻜﻢ. ﻓﺄﻧﺰﻝ اﻟﻠﻪ ﺟﻞ ﺛﻨﺎﺅﻩ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻭﻟﻤﺎ ﺟﺎءﻫﻢ ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻦ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﺼﺪﻕ ﻟﻤﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﻭﻛﺎﻧﻮا ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻳﺴﺘﻔﺘﺤﻮﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮﻭا ﻓﻠﻤﺎ ﺟﺎءﻫﻢ ﻣﺎ ﻋﺮﻓﻮا ﻛﻔﺮﻭا ﺑﻪ ﻓﻠﻌﻨﺔ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻜﺎﻓﺮﻳﻦ}. وفي قوله ﷻ: {بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡیًا أَن یُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَاۤءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبࣲۚ}. للعلماء خلاف في الغضبين: ويظهر أن غضب الله عليهم تارة لكفرهم، وتارة لسبب هذا الكفر وهو الحسد. فإن من المعاصي ما يكون سببها معصية، فقد كفروا بمحمد ﷺ حسدًا أن تنال النبوة من ليس منهم. وهكذا في كل معصية سببها معصية، كمن يغتاب حسدا، ومن يرد الحق كبرا، ومن يترك الصلاة لانشغاله بمعصية. وانظر قوله تعالى: {بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡ}، والشراء يطلق ويقصد به البيع، فقد باعوا أنفسهم بثمن بخيس! وكل واحد منا بائع لنفسه بثمن، وفي صحيح مسلم: «ﻛﻞ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﻐﺪﻭ ﻓﺒﺎﻳﻊ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻤﻌﺘﻘﻬﺎ ﺃﻭ ﻣﻮﺑﻘﻬﺎ»! فانظر ثمن نفسك! أين وضعتها؟ وفيم وضعتها؟ وما أهدافها؟ وما مشاريعها؟ وبهذا سترى نفسك ومما تفرع على كبرهم، مقالتهم إذا دعوا ليؤمنوا بالنبي ﷺ: {وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ ءَامِنُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤۡمِنُ بِمَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا وَیَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَاۤءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِیَاۤءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ (٩١) ۞ وَلَقَدۡ جَاۤءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَـٰلِمُونَ (٩٢) وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱسۡمَعُوا۟ۖ قَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَعَصَیۡنَا وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا یَأۡمُرُكُم بِهِۦۤ إِیمَـٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ (٩٣) } [سُورَةُ البَقَرَةِ: ٨٧-٩٣] لما ذكر الله أنهم كفروا بالنبي ﷺ حسدًا، ذكر عذرا آخر: وهو وهم الاكتفاء بما عندهم من الحق. فنقض الله عليهم هذا العذر بأمور: - أولًا: كيف تكفرون بما وجدتم تصديقه لكتابكم، {وَیَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَاۤءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَهُمۡۗ}، فمن كذب بما يصدق كتابه، فقد كذب بكتابه. - ثانيًا: نقض القرآن عليهم فأخبرهم أنكم إن كنتم ترون الكفاية في شرائع أنبيائكم؛ فلماذا كفرتم بما أنزل عليكم! وقتلتم الأنبياء؟! =

. ﷽ تفسير سورة البقرة من آية (٨٧ إلى آية ٩٣) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد: فلما ذكر الله تحريف بني إسرائيل للكتاب، ثم ذكر تعطيلهم للكتاب وتركهم له، بين أنهم صنعوا ذلك مع ما أوتي أنبياؤهم من المؤيدات. فقد تتابعت فيهم الرسل، وهذا يقوي الأخذ بالشرائع وليس تركها. حتى بعث عيسى عليه السلام، فأيده الله بالمعجزات العظيمة، وأيده بجبريل ﷺ. ثم ذكر معاذيرهم التي يتعذرون بها لرد الوحي. فذكر من معاذيرهم عذرا له شُعَب: فذكر خصلة الكبر التي تفرع عنها كل شر. - فقد تفرع عن كبرهم، ورؤية أنفسهم: تصامّهم عن سماع الحق، حتى قالوا: قلوبنا مقفلة عن سماع كلامك يا محمد. - وتفرع عن ذلك: كفرهم بالكتاب الجديد لأنه أنزل على غيرهم، بعد أن كانت أعناقهم متطاولة له، بغيًا وحسدًا، والحسد خصلة تنتج عن الكبر، فإن صاحبها يرى في نفسه استحقاقه لهذه النعمة، لما يرى في نفسه من فضيلة، ثم يحسد من يؤتى تلك النعمة. - وتفرع عن ذلك الاستغناء عن الوحي، ودعواهم الاكتفاء بما عندهم. فقال تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَقَفَّیۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَیۡنَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَیَّدۡنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ} {وقفينا}: أي ﺃﺗﺒﻌﻨﺎ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺧﻠﻒ ﺑﻌﺾ، ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻔﻮ اﻟﺮﺟﻞ اﻟﺮﺟﻞ ﺇﺫا ﺳﺎﺭ ﻓﻲ ﺃﺛﺮﻩ. واﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﺟﻤﻞ ﺫﻛﺮ اﻟﺮﺳﻮﻝ ﺛﻢ ﻓﺼﻞ ﺫﻛﺮ ﻋﻴﺴﻰ ﻷﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻪ ﻣﻦ اﻟﺮﺳﻞ ﺟﺎءﻭا ﺑﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻜﺎﻧﻮا ﻣﺘﺒﻌﻴﻦ ﻟﻪ، ﻭﻟﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ ﻋﻴﺴﻰ، ﻷﻥ ﺷﺮﻋﻪ ﻧﺴﺦ ﺃﻛﺜﺮ ﺷﺮﻉ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ. ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻭﺃﻳّﺪﻧﺎﻩ ﺑﺮﻭﺡ اﻟﻘﺪﺱ}، هو جبريل، ذكره غير واحد السلف. ﻭﺳﻤﻰ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺟﺒﺮﻳﻞ ﺭﻭﺣﺎ لأن به الحياة، ﻭﺃﺿﺎﻓﻪ ﺇﻟﻰ اﻟﻘﺪﺱ ﻷﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﺑﺘﻜﻮﻳﻦ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺭﻭﺣﺎ ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻩ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻭﻻﺩﺓ ﻭاﻟﺪ ﻭﻟﺪﻩ. اﻟﻤﺮاﺩ ﻣﻦ ﺭﻭﺡ اﻟﻘﺪﺱ اﻟﺮﻭﺡ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺎﻝ: ﺣﺎﺗﻢ اﻟﺠﻮﺩ ﻭﺭﺟﻞ ﺻﺪﻕ ﻓﻮﺻﻒ ﺟﺒﺮﻳﻞ ﺑﺬﻟﻚ ﺗﺸﺮﻳﻔﺎ ﻟﻪ ﻭﺑﻴﺎﻧﺎ ﻟﻌﻠﻮ ﻣﺮﺗﺒﺘﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.ﺳﻤﻲ ﺟﺒﺮﻳﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ﺑﺬﻟﻚ ﻷﻧﻪ ﻳﺤﻴﺎ ﺑﻪ اﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﻳﺤﻴﺎ اﻟﺒﺪﻥ ﺑﺎﻟﺮﻭﺡ ﻓﺈﻧﻪ ﻫﻮ اﻟﻤﺘﻮﻟﻲ ﻹﻧﺰاﻝ اﻟﻮﺣﻲ ﺇﻟﻰ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻭاﻟﻤﻜﻠﻔﻮﻥ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻳﺤﻴﻮﻥ ﻓﻲ ﺩﻳﻨﻬﻢﻛﺎﻧﻮا ﻛﺬﻟﻚ ﻹﺭاﺩﺗﻬﻢ اﻟﺮﻓﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻃﻠﺒﻬﻢ ﻟﺬاﺗﻬﺎ ﻭاﻟﺘﺮﺅﺱ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﻣﺘﻬﻢ ﻭﺃﺧﺬ ﺃﻣﻮاﻟﻬﻢ ﺑﻐﻴﺮ ﺣﻖ، ﻭﻛﺎﻧﺖ اﻟﺮﺳﻞ ﺗﺒﻄﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺫﻟﻚ ﻓﻴﻜﺬﺑﻮﻧﻬﻢ ﻷﺟﻞ ﺫﻟﻚ ﻭﻳﻮﻫﻤﻮﻥ ﻋﻮاﻣﻬﻢ ﻛﻮﻧﻬﻢ ﻛﺎﺫﺑﻴﻦ ﻭﻳﺤﺘﺠﻮﻥ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﺘﺤﺮﻳﻒ ﻭﺳﻮء اﻟﺘﺄﻭﻳﻞ والتأييد الملائكي قد ذكر الله في كتابه أنواعا منه، كالقتال مع المؤمنين، وتثبيتهم. وأعلى التأييد تأييد جبريل ﷺ. ومن التأييد العلني ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﺇﻥ ﻟﻠﺸﻴﻄﺎﻥ ﻟﻤﺔ ﺑﺎﺑﻦ ﺁﺩﻡ ﻭﻟﻞﻣﻠﻚ ﻟﻤﺔ ﻓﺄﻣﺎ ﻟﻤﺔ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻓﺈﻳﻌﺎﺩ ﺑﺎﻟﺸﺮ ﻭﺗﻜﺬﻳﺐ ﺑﺎﻟﺤﻖ، ﻭﺃﻣﺎ ﻟﻤﺔ اﻝﻣﻠﻚ ﻓﺈﻳﻌﺎﺩ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﻭﺗﺼﺪﻳﻖ ﺑﺎﻟﺤﻖ، ﻓﻤﻦ ﻭﺟﺪ ﺫﻟﻚ ﻓﻠﻴﻌﻠﻢ ﺃﻧّﻪ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﻓﻠﻴﺤﻤﺪ اﻟﻠﻪ ﻭﻣﻦ ﻭﺟﺪ اﻷﺧﺮﻯ ﻓﻠﻴﺘﻌﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ اﻟﺮﺟﻴﻢ، ﺛﻢ ﻗﺮﺃ: {اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻳﻌﺪﻛﻢ اﻟﻔﻘﺮ ﻭﻳﺄﻣﺮﻛﻢ ﺑﺎﻟﻔﺤﺸﺎء}». ثم قال سبحانه: {أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِیقࣰا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِیقࣰا تَقۡتُلُونَ ۝ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِیلࣰا مَّا یُؤۡمِنُونَ}. إنه الكبر، رأس كل خطيئة من خطاياهم، ولقد بلغ بهم الكبر مبلغًا صاروا معه إلى قسمين: مكذبين للرسل، وقتلة لهم. وهنا في قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ}، فذكر الله ﷻ أنّ من أسباب ردهم للشرع: مخالفته لهواهم. وقد وصفهم الله بوصف عجيب! فنفوسهم طفولية النزعة، فتراهم إذا لم يوافق هواهم شيء ضاقت نفوسهم كبرا. وهل يملك النبي ﷺ أن يغير الوحي، وأن يأتي بغير ما شرعه الله؟ إن الدعوات والشرائع لا تخضع لأهواء الداخلين، ولا لرغباتهم. وإن حصول الكبر لعدم وجود الموافق للهوى نوع من الكبر عجيب. فالكبر نوعان: كبر على الناس، وكبر على الحق. فالمتكبر يتكبر إما غمطًا للناس، وإما بطرًا للحق. فبتكبر لتميّز يراه في نفسه، وهذا الذي يعرفه الناس ويرونه من المتكبرين. وإما أن يتكبر المتكبر لعدم موافقة الحق هواه، فيستكبر على الحق، وذاك شأن من النفوس عجيب. وفي صحيح مسلم قال ﷺ: «الكبر بطر الحق، وغمط الناس». • وقد دعاهم كبرهم أن يقولوا: {وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ}، ﻭاﻟﻐﻠﻒ ﺑﻀﻢ ﻓﺴﻜﻮﻥ ﺟﻤﻊ ﺃﻏﻠﻒ، ﻭﻫﻮ اﻟﺸﺪﻳﺪ اﻟﻐﻼﻑ، ﻣﺸﺘﻖ ﻣﻦ ﻏﻠﻔﻪ ﺇﺫا ﺟﻌﻞ ﻟﻪ ﻏﻼﻓﺎ، ﻭﻫﻮ اﻟﻮﻋﺎء اﻟﺤﺎﻓﻆ ﻟﻠﺸﻲء، ﻭاﻟﺴﺎﺗﺮ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻭﺻﻮﻝ ﻣﺎ ﻳﻜﺮﻩ ﻟﻪ. فمن أسباب رد الحق التي ذكرها الله عن بني إسرائيل: دعوى القلوب الغلف! ولم تجرِ عادة الناس أن يعترفوا بفساد قلوبهم، ولا بقسوتها عن الحق! فلماذا قال بنو إسرائيل ذلك؟ ويظهر أنهم لم يقصدوا بهذا الوصف وصفًا مذمومًا، ولكن المقصود أن دعوتك يا محمد لا تنفذ إلى عقولنا ووعيينا. =

record.ogg6.63 MB

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته البث بعد قليل -بإذن ﷲ- على القناة العامة: https://t.me/mohdromih_drs

record.ogg9.53 MB

سورة_البقرة_من_آية_83_إلى_86_د_محمد_آل_رميح_1_240323_232228.pdf1.50 KB

= فأخبر سبحانه عن التناقض الذي وقعوا فيه، فعن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ: "كانوا ﻓﺮﻳﻘﻴﻦ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﻗﻴﻨﻘﺎﻉ ﺣﻠﻔﺎء اﻟﺨﺰﺭﺝ، ﻭاﻟﻨﻀﻴﺮ ﻭﻗﺮﻳﻈﺔ ﺣﻠﻔﺎء اﻷﻭﺱ، ﻓﻜﺎﻧﻮا ﺇﺫا ﻛﺎﻧﺖ ﺑﻴﻦ اﻷﻭﺱ ﻭاﻟﺨﺰﺭﺝ ﺣﺮﺏ ﺧﺮﺟﺖ ﺑﻨﻮ ﻗﻴﻨﻘﺎﻉ ﻣﻊ اﻟﺨﺰﺭﺝ، ﻭﺧﺮﺟﺖ اﻟﻨﻀﻴﺮ ﻭﻗﺮﻳﻈﺔ ﻣﻊ اﻷﻭﺱ، ﻳﻈﺎﻫﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﺣﻠﻔﺎءﻩ ﻋﻠﻰ ﺇﺧﻮاﻧﻪ - يعني به في ﺣﺮﺏ ﺳﻤﻴﺮ- ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺴﺎﻓﻜﻮا ﺩﻣﺎءﻫﻢ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻭﺑﺄﻳﺪﻳﻬﻢ اﻟﺘﻮﺭاﺓ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻣﺎ ﻟﻬﻢ.. ﻓﺈﺫا ﻭﺿﻌﺖ اﻟﺤﺮﺏ ﺃﻭﺯاﺭﻫﺎ اﻓﺘﺪﻭا ﺃﺳﺮاﻫﻢ، ﺗﺼﺪﻳﻘﺎ ﻟﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﻮﺭاﺓ ﻭﺃﺧﺬا ﺑﻪ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ: ﻳﻔﺘﺪﻱ ﺑﻨﻮ ﻗﻴﻨﻘﺎﻉ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺳﺮاﻫﻢ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻱ اﻷﻭﺱ، ﻭﺗﻔﺘﺪﻱ اﻟﻨﻀﻴﺮ ﻭﻗﺮﻳﻈﺔ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻱ اﻟﺨﺰﺭﺝ ﻣﻨﻬﻢ،". فذمهم الله بأخذهم من الدين بالتشهي والهوى، فإن الذي أوجب فداء الأسير، هو الذي حرم قتل النفس. وفي قوله: {ثم أنتم هؤلاء}: كأنه يخاطب مجهولين، لا يعرف لهم اسم! زيادة في تحقيرهم. وقوله: {تظاهرون ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺎﻹﺛﻢ}، تعاونون وأنتم مصاحبون للإثم ﻭﻫﻮ ﺃﺳﻮﺃ اﻻﻋﺘﺪاء ﻓﻲ ﻗﻮﻝ ﺃﻭ ﻓﻌﻞ ﺃﻭ ﺣﺎﻝ. ثم قال: {وما الله بغافل عما تعملون}، فقال: تعملون، ولم يقل: يعملون، فواجههم ﺑﺎﻟﺘﻬﺪﻳﺪ وهو ﺃﺩﻝ ﻋﻠﻰ اﻟﻐﻀﺐ. فإذا كانت صفة محمد قد علموها في كتبهم، ومع ذلك كفروا به، فكذلك هنا، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وقوله: {تظاهرون}، اﻟﺘﻈﺎﻫﺮ،ة التعاون، قيل له ذلك، ﻟﺘﻘﻮﻳﺔ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻇﻬﺮ ﺑﻌﺾ. وقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، فقد سمى النبي ﷺ القتل كفرا، كما في الصحيحين: «لا ﺗﺮﺟﻌﻮا ﺑﻌﺪﻱ ﻛﻔﺎﺭا ﻳﻀﺮﺏ ﺑﻌﻀﻜﻢ ﺭﻗﺎﺏ ﺑﻌﺾ». وعن ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﻗﺎﻝ: ﻓﻲ ﻗﺼﺔ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮاﺋﻴﻞ: ﺇﻥ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻗﺪ ﻣﻀﻮا ﻭﺇﻧﻜﻢ ﺃﻧﺘﻢ ﺗﻌﻨﻮﻥ ﺑﻬﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ". ثم قال سبحانه: {أُو۟لَـٰۤئكَ ٱلَّذِینَ ٱشۡتَرَوُا۟ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا بِٱلۡـَٔاخِرَةِۖ فَلَا یُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ} فخاطب الله المسلمين مبينا حال هؤلاء المجرمين ومآلهم يوم القيامة، فقال: {ﺃﻭﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ اﺷﺘﺮﻭا اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺎﻵﺧﺮﺓ. ﻓﻼ ﻳﺨﻔﻒ ﻋﻨﻬﻢ اﻟﻌﺬاﺏ ﻭﻻ ﻫﻢ ﻳﻨﺼﺮﻭﻥ}، فقد أكذبهم الله حين قالوا: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة}. والمقصود بشراء الحياة الدنيا، أنهم تركوا الميثاق للحلف الذي بينهم وبين الأوس والخزرج. والله أعلم.

. ﷽ تفسير سورة البقرة من آية ٨٣ - إلى آية ٨٦ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: لما ذكر الله سبب عدم إيمان أهل الكتاب برسالة النبي ﷺ، وذكر استبعاد إيمانهم، حتى لا يطمع فيه النبي ﷺ وصحابته. وذكر تحريف علمائهم للشريعة، وجهل عامتهم، جاء الحديث عن تعطيل الشريعة مع العلم وعدم الجهل: فهم بين شرع محرف، وشرع لم يخرفوه ولكن تركوه وعطلوه. فذكر ترك بني إسرائيل للميثاق ونقضهم للعهد. فقال: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَانࣰا وَذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّیۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ}. وهذه من العبادات والشعائر التي أجمعت عليها الشرائع. فذكّرهم بما أنزل عليهم من الشرائع، وأنّبهم إذ أعرضوا عنها. وأيضًا من تقريرهم على مقابلة نعم الله عليهم بالكفران، فإن من أعظم النعم نعمة إنزال الأحكام الشرعية، ولذا قال تعالى عن حكم مضارة الزوجة وتعليقها بغير إمساكها ولا تطليقها: {وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوۤا۟ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوࣰاۚ وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَمَاۤ أَنزَلَ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ یَعِظُكُم بِهِ}. وقد اشتمل الميثاق على حق الله وحق الخلق، وأعظم الخلق حقا الوالدان. فأمر بالتوحيد وبر الوالدين والإحسان بالكلمة الطيبة. ﻭاﻟﺪﻳﻦ ﻫﻮ اﻷﺩﺏ ﻣﻊ اﻟﺨﺎﻟﻖ ﻭاﻟﺨﻠﻖ وقد ﺫﻛﺮ الله هنا من له الحق ﻣﺮﺗﺒﺎ اﻷﺣﻖ ﻓﺎﻷﺣﻖ. فالوالدان أولى من غيرهما، والأقارب أولى، واليتيم أولى من المسكين. وقوله: {وقولوا للناس حسنا}، أي أن يخاطبوهم بطيب الكلام، وأن يأمروهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. فعن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ قال: "مروهم ﺑﻼ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ"، وقال ﺳﻔﻴﺎﻥ اﻟﺜﻮﺭﻱ، ﻳﻘﻮﻝ: "ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻭﻗﻮﻟﻮا ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺣﺴﻨﺎ}، ﻣﺮﻭﻫﻢ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ، ﻭاﻧﻬﻮﻫﻢ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ". ﻭقد ﺟﻌﻞ اﻹﺣﺴﺎﻥ ﻟﺴﺎﺋﺮ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻟﻘﻮﻝ، ولم يجعله بالفعل، ﻷﻧﻪ اﻟﻘﺪﺭ اﻟﺬﻱ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻪ. وأما الوالدان والأقربون واليتامى والمساكن فأمر بالإحسان العملي لهم، لتأكد حقهم، ولدخوله تحت قدرة المكلف. وإنّ من العجب أن يؤخذ الميثاق على القول الحسن! فحسن الكلام بلغ مبلغا في الشرائع أن يؤخذ عليه الميثاق. وأخذ الميثاق يدل على وجوب ذلك العمل، فهو واجب في شريعتهم، ولابد أن تكون شريعتنا أولى، لأنها الشريعة الكاملة، فكل حسن في الشرائع الماضية فهو أكمل في شريعتنا. فالأخذ بالكلمة الطيبة، وترك البذاء والسباب من الواجبات، وفي الترمذي ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «اﻟﺤﻴﺎء ﻣﻦ اﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ، ﻭاﻟﺒﺬاء ﻣﻦ اﻟﺠﻔﺎء، ﻭاﻟﺠﻔﺎء ﻓﻲ اﻟﻨﺎﺭ». والمقصود وجوب جنس القول الحسن، وليس كل أفراد القول الحسن، لأن القيام بتفاصيل القول الحسن لكل معاملة لا يتصور فرضها على الناس. وفي قوله تعالى: {ثم توليتم}، ﺃﺷﺎﺭ ﺑﺼﻴﻐﺔ (اﻟﺘﻔﻌﻞ: تولى)، ﺇﻟﻰ ﺃﻥ اﻷﻣﻮﺭ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻟﺤﺴﻨﻬﺎ ﻻ ﻳﻌﺮﺽ ﻋﻨﻬﺎ ﺇﻻ ﺑﻌﻼﺝ ومجاهدة ومضادة ﺑﻴﻦ اﻟﻔﻄﺮﺓ والنفس اﻷﻣﺎﺭة. وقد انتقل الخطاب من الغيبة إلى المخاطب لعظم الصنيع: {ﺛﻢ ﺗﻮﻟﻴﺘﻢ ﺇﻻ ﻗﻠﻴﻼ ﻣﻨﻜﻢ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﻣﻌﺮﺿﻮﻥ}. ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺃﻛﺒﺮ اﻟﻜﺒﺎﺋﺮ ﺑﻌﺪ اﻟﺸﺮﻙ اﻟﻘﺘﻞ جاء التذكير ﺑﻤﺎ ﺃﺧﺬ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ المتعلق بهذا، ﻭﻗﺮﻥ ﺑﻪ اﻹﺧﺮاﺝ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﺎﺭ ﻷﻥ اﻟﻤﺎﻝ ﻋﺪﻳﻞ اﻟﺮﻭﺡ، ﻭاﻟﻤﻨﺰﻝ ﺃﻋﻈﻢ اﻟﻤﺎﻝ، ﻭﻫﻮ ﻟﻠﺠﺴﺪ ﻛﺎﻟﺠﺴﺪ ﻟﻠﺮﻭﺡ، ﻓﻘﺎﻝ: { وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَاۤءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ}. قوله: {تسفكون دماءكم - تخرجون أنفسكم}، لأن هذا الأمر متعلق باﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺃﻭ اﻟﻤﻔﺴﺪﺓ اﻟﺠﺎﻣﻌﺔ، فمن قتل أخاه المؤمن فكأنما قتل نفسه. وقوله: {وأنتم تشهدون}، أي أقررتم بهذا الميثاق. وهذا يدل على أنه ﻛﺎﻥ ﺷﺎﺋﻌﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻣﺸﻬﻮﺭا. وهنا مثال من أمثلة تعطيل الشريعة، مع العلم والمعرفة. ثم قال: {ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِیقࣰا مِّنكُم مِّن دِیَـٰرِهِمۡ تَظَـٰهَرُونَ عَلَیۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِ وَإِن یَأۡتُوكُمۡ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَیۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضࣲۚ فَمَا جَزَاۤءُ مَن یَفۡعَلُ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡیࣱ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یُرَدُّونَ إِلَىٰۤ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ}. =

record.ogg10.59 MB

سورة_البقرة_من_آية_75_إلى_83_د_محمد_آل_رميح_240322_021757.pdf1.83 KB

وإذا جعلنا قوله: {إِلَّاۤ أَمَانِیَّ}، أي تلاوة. فالمقصود أنهم لا يفهمون مقاصد الوحي، ولا مرادات الرسالة، وإنما حظهم القراءة التي لا تدبر فيها وإنما هو الظن والتخمين. ثم قال سبحانه: {فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَـٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ}. هذا هو الصنف الثالث من أصناف المعطلين للشرع، وهم الذين يحرفونه تحريفا لفظيًا. وهؤلاء أخسّ الأنواع وأكثرها انحرافًا، ولذا صُدّر ذكرهم بالحكم عليهم بالويل، بل كرره عليهم مرتين. وذلك لأنهم اعتدوا على الشريعة من جهات، فاعتدوا على قداسة اللفظ، فأتوا بما لم ينزله الله، ويستتبع ذلك إحداث المعاني الباطلة والفاسدة في الشريعة. ثم إنهم فعلوا ذلك من أجل عرض من الدنيا، فحرّفوا الوحي ابتغاء متاع قليل أرادوه من الدنيا. فجمعوا إثم المحرّف للدين الكاذب على الله، المضل عن سبيله، الذي ﻣﻬّﺪ ﻃﺮﻳﻘﺎ ﻓﻲ اﻹﺿﻼﻝ ﺑﺎﻗﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ اﻟﺪﻫﺮ، وزادوا على ذلك إثم أكل الكسب الحرام. ثم ذكر سبحانه سببًا عظيما من أسباب انحرافهم، واستهانتهم بالشرع، فقال: {وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ} فإن تغليب الرجاء وانتفاء الخوف من النار هو الذي أورثهم هذا الانحراف العظيم. وهنا لم يأت بأداة من أدوات التعليل والتسبيب، ولكن عرفت العلة من مناسبة السياق الملائم للمعنى. وقوى ذلك أنه قد جاء في موضع آخر في ذكر غياب الخوف من النار على صاحبه وأثره، وجاء معللا بحرف التعليل، كما قال تعالى في سورة آل عمران، فقال سبحانه: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ یُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ یَتَوَلَّىٰ فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ۝ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَ ٰ⁠تࣲۖ وَغَرَّهُمۡ فِی دِینِهِم مَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ}، [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٢٣-٢٤] فبين سبحانه أنّ من أسباب تولّيهم عن الشرع تلك الدعوى التي ملأت أجوافهم، بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات. فالخوف من النار رصيد عظيم يحيي القلب، ويجعله معظما لحق الله وحق كتبه. ثم أمر نبيه أن ينقض هذا الزعم، وأن يقوّض هذا الافتراء. فأمر أن ينقضه بطريقة عقلية واضحة، بأن يأتوا بالحجة والبرهان! ثم نقض عليهم زعمهم بأنه زعم مخالف لعدل الله، الذي جعل النار للكافر - الذي تحيط سيئاته بحسناته-. ثم قال سبحانه مزيفًا دعواهم، مبطلًا لها: {قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدࣰا فَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥۤۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ۝ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَـٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤئكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} فبين سبحانه أن الحامل لهم على مثل هذه الدعوى القول على الله بغير علم، وليس لهم في ذلك عهد عند الله. وقوله: {بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَـٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤئكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ}. ذكر لعدل الله مع الكافر، الذي أحاطت به الخطيئة، واجتمعت عليه، وأبطلت حسناته، وهذا لا يكون إلا للكافر. وهذا المأثور عن السلف، فعن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ في قوله تعالى: {ﻭﺃﺣﺎﻃﺖ ﺑﻪ ﺧﻄﻴﺌﺘﻪ}، ﻗﺎﻝ: ﻳﺤﻴﻂ ﻛﻔﺮﻩ ﺑﻤﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺣﺴﻨﺔ. والآية لا حجة فيها للمعتزلة وغيرهم من الوعيدية الذين يزعمون أن من دخل النار من عصاة الموحدين فلا يخرج منها، لأن الآية تتحدث عن الكافر الذي أحاطت به خطيئته، وحبط عمله. وما من بدعي أو منحرف استدل على بدعتهم بشبهة من دليل إلا كان في نفس الدليل ما ينقض شبهته، ويرد قوله، ويستطيع الموفق السني أن يرد عليه تمويهاته. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مؤلفًا وذكر عليه أمثلة حسنة. ولما ذكر الله سبحانه أهل النار عقّبه بذكر أهل الجنة، كعادة القرآن في الجمع بينهما، فقال: {وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰئكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ). والله أعلم.

فاستفهم تعجبًا {أَفَتَطۡمَعُونَ أَن یُؤۡمِنُوا۟ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَسۡمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُ}، فالأمر الذي ينشغل به المصلحون ويطمعون فيه هو الدعوة، والإصلاح، ولذا قال الله للنبي ﷺ ولصحابته: {أَفَتَطۡمَعُونَ أَن یُؤۡمِنُوا۟ لَكُمۡ}. والسياق ليس فيه منع دعوتهم، ولا عرض الحق عليهم، ولكنه جاء للذم لهم، أنه كما كان حال أسلافهم ما ذكر فيستبعد مع ذلك أن تؤمن هذه القلوب القاسية التي أخبر عنها بما أخبر. وهذا الذي وقع فإنه لم يؤمن به ﷺ منهم إلا قلة. والفريق في قوله سبحانه: {فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَسۡمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ}، هم أهل علم ومعرفة، وليس عن فريق جاهل لا بصر له! وﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ قال: ﻫﻢ اﻟﻌﻠﻤﺎء. وقوله: {فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ}، لأنّ هذا الصنف أحد أصنافهم، وهناك أصناف أخرى لها أعمال من دون ذلك. وأيضًا فهو من الإنصاف للبقية المؤمنة الصالحة التي لم تحرف الوحي، وأخذت بالوحي. وقد ذكر تعالى أنّ تحريفهم للوحي وقع مع انتفاء الأعذار: عذر الجهل. وعذر الخطأ: - فقال: {مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ}، فحرفوا مع فهمهم للوحي، وإدراكهم له فانتفى عذر الجهل. ولم يقع التحريف لالتباس عرض لهم. - وقال تعالى:{وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ}، فلم يقع منهم التحريف خطأ، بل مع بصيرة بالتحريف وعلم به. فانتفى عذر الخطأ. ثم ذكر أنهم يتواصون على كتم الحق، فهم قد جمعوا بين تحريف الحق وكتمه. فذكر سبحانه أنهم لشدة ما يرون من وضوح الحق وظهور علامات النبي ﷺ تلين قلوبهم فإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ولعلهم كانوا يذكرون لهم بعض ما بشرت به كتبهم من صفة النبي ﷺ وصفة صحابته وأمته، يدل عليه ما بعده، من أنهم يلومون بعضهم إذا خلوا ببعضهم، على عادة الناس إذا بدر منهم فعل في وقت رقة قلوبهم، حتى يدركهم ميل الهوى، ويردهم عن حالهم الأول. فكانوا يتواصون على استكتام ما في كتبهم من الحق. وهذا كان موجودا في اليهود الذين كانوا يلقون النبي ﷺ وفي الترمذي ﻋﻦ ﺻﻔﻮاﻥ ﺑﻦ ﻋﺴﺎﻝ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﻳﻬﻮﺩﻱ ﻟﺼﺎﺣﺒﻪ: اﺫﻫﺐ ﺑﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬا اﻟﻨﺒﻲ! ﻓﻘﺎﻝ ﺻﺎﺣﺒﻪ: ﻻ ﺗﻘﻞ ﻧﺒﻲ! ﺇﻧﻪ ﻟﻮ ﺳﻤﻌﻚ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﺃربعة ﺃﻋﻴﻦ! ﻓﺄﺗﻴﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻓﺴﺄﻻﻩ ﻋﻦ ﺗﺴﻊ ﺁﻳﺎﺕ ﺑﻴﻨﺎﺕ! ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ: ﻻ ﺗﺸﺮﻛﻮا ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺷﻴﺌﺎ، ﻭﻻ ﺗﺴﺮﻗﻮا، ﻭﻻ ﺗﺰﻧﻮا، ﻭﻻ ﺗﻘﺘﻠﻮا اﻟﻨﻔﺲ اﻟﺘﻲ ﺣﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺤﻖ، ﻭﻻ ﺗﻤﺸﻮا ﺑﺒﺮﻱء ﺇﻟﻰ ﺫﻱ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﻟﻴﻘﺘﻠﻪ، ﻭﻻ ﺗﺴﺤﺮﻭا، ﻭﻻ ﺗﺄﻛﻠﻮا اﻟﺮﺑﺎ، ﻭﻻ ﺗﻘﺬﻓﻮا ﻣﺤﺼﻨﺔ، ﻭﻻ ﺗﻮﻟﻮا اﻟﻔﺮاﺭ ﻳﻮﻡ اﻟﺰﺣﻒ، ﻭﻋﻠﻴﻜﻢ ﺧﺎﺻﺔ اﻟﻴﻬﻮﺩ ﺃﻥ ﻻ ﺗﻌﺘﺪﻭا ﻓﻲ اﻟﺴﺒﺖ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﺒﻠﻮا ﻳﺪﻳﻪ ﻭﺭﺟﻠﻴﻪ. ﻓﻘﺎﻻ: ﻧﺸﻬﺪ ﺃﻧﻚ ﻧﺒﻲ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﺎ ﻳﻤﻨﻌﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﺘﺒﻌﻮﻧﻲ؟ ﻗﺎﻟﻮا: ﺇﻥ ﺩاﻭﺩ ﺩﻋﺎ ﺭﺑﻪ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺰاﻝ ﻣﻦ ﺫﺭﻳﺘﻪ ﻧﺒﻲ، ﻭﺇﻧﺎ ﻧﺨﺎﻑ ﺇﻥ ﺗﺒﻌﻨﺎﻙ ﺃﻥ ﺗﻘﺘﻠﻨﺎ اﻟﻴﻬﻮﺩ"، قال الترمذي: ﺣﺪﻳﺚ ﺣﺴﻦ ﺻﺤﻴﺢ. وقوله: {قَالُوۤا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ لِیُحَاۤجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ}، لعل ﺫﻟﻚ قد جرى ﻋﻠﻰ معتقدهم في ربهم تعالى سبحانه، فإنهم يشبهونه بحال البشر الذين قد يغرّ بالأحوال الظاهرية. وهذا موجود في ﻛﺘﺒﻬﻢ فيما يحكونه عن ربهم وأنه يبدو له خلاف ما كان يعلم، تعالى سبحانه. ولذا قرّعهم بقوله سبحانه: {أَوَلَا یَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ: ٧٧]. ثم ذكر القسم الثاني من أصنافهم مع الوحي: {وَمِنۡهُمۡ أُمِّیُّونَ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّاۤ أَمَانِیَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ}. ﻭاﻟﻤﻌﻨﻰ ﻛﻴﻒ ﺗﻄﻤﻌﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﺆﻣﻨﻮا ﻟﻜﻢ ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻓﺮﻳﻖ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺤﺮّﻓﻴﻦ ﻭﻓﺮﻳﻖ ﺟﻬﻠﺔ! ﻭﺇﺫا كان ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ الذين هم أولى الناس بطلب الحق قد حرّفوا، فكيف ﺗﻄﻤﻌﻮﻥ ﻓﻲ ﺇﻳﻤﺎﻥ اﻷﻣﻴﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻫﻢ ﺃﺑﻌﺪ ﻋﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﺤﻖ؟ والأمي ﻭﺻﻒ ﺫﻡ ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻬﻮد، ولذا كانوا يصفون المسلمين بذلك على سبيل الهزء، فيقولون: {ليس علينا في الأميين سبيل}. وقوله: {إلا أماني}، أي ما يرغبه الإنسان وَيُمَنّي نفسه بها. والمقصود أن قصارى علمهم رغبات وأماني كاذبات، من الأمنيات العظام بالنجاة من النار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، ويظنون ظنونا بالنبي ﷺ وصحابته من غير تحقيق، ﻭﻃﺮﻳﻘﺘﻬﻢ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﻭﻗﺒﻮﻝ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ.. وقوله: {وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ} وليس لهم من العلم إلا الظنون والتوقعات. وهذا يقوي أن المقصود بالأماني أي الرغبات التي يتمنونها دون أن يكون لها واقع. فهم ﺃﻣﻴﻮﻥ، ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﻳﺪﻋﻮﻥ العلم، ويتمنون أمورا من التوهمات، فعلماؤهم يحرفون، ويضلون الناس، وعامتهم لا يفهمون. وهذه الفرق موجودة في أمتنا أيضا، ففيهم ﻣﻦ ﻳﻌﺎﻧﺪ اﻟﺤﻖ ﻭﻳﺴﻌﻰ ﻓﻲ ﺇﺿﻼﻝ اﻟﻐﻴﺮ، ﻭﻓﻴﻬﻢ ﻣﻦ ليس يتفهم القرآن، ولا يسعى لكشف جهله. وقيل: هي الكذب وقيل: التلاوة، وﺣﻤﻠﻪ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه ألصق بباب القراءة، ويصير المعنى: ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﺇﻻ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻳﺘﻠﻰ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻴﺴﻤﻌﻮﻧﻪ، ﻭﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻳﺬﻛﺮ ﻟﻬﻢ ﻓﻴﻘﺒﻠﻮﻧﻪ، ﺛﻢ ﺇﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺘﻤﻜﻨﻮﻥ ﻣﻦ اﻟﺘﺪﺑﺮ ﻭاﻟﺘﺄﻣﻞ.

. ﷽ تفسير سورة البقرة من آية ٧٥ - إلى ٨٣ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: كان السياق يتحدث عن النعم التي امتن الله بها على بني إسرائيل، ويذكرهم بآلائه سبحانه عليهم. ويذكرهم بعاداتهم في النكث والتلوي وعدم الاستجابة. فأخبر الله نبيه ﷺ وصحابة نبيه أنّه قد بلغ من عتوهم وجهلهم أنهم طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلهًا في أول نجاتهم من فرعون ومجاوزتهم للبحر! ثم ﻋﺒﺪﻭا اﻟﻌﺠﻞ ﺑﻌﺪما ذهب موسى ﷺ لمواعدة ربه، وهو حال شريف جدا لنبيهم ﷺ ولهم تبعا لذلك. ثم ردوا النعماء، وسأموا السراء، فطلبوا البقول بدلا من اﻟﻤﻦ ﻭاﻟﺴﻠﻮﻯ! ثم أخذ عليهم الميثاق أن يقبلوا التوراة فتباطؤوا ولم يقبلوها حتى نتقَ الله الجبل فوقهم! ثم قالوا لموسى ﷺ: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة! ثم تباطؤوا في ذبح البقرة! وقالوا لنبيهم: ﺃﺗﺘﺨﺬﻧﺎ ﻫﺰﻭا! ولما رأوا إحياء الموتى لم يزدهم إلا قسوة! ثم رفضوا قتال الجبارين ودخول القرية! ﺛﻢ حين ﺃﻣﺮﻭا أن يدخلوا القرية ﺳﺠﺪا ﻭﺃﻥ يستغفروا ﻭﻭﻋﺪﻫﻢ ربهم المغفرة، ووعدهم الزيادة لمن أحسن، ومع ذلك يبلدون اللفظ ويغيرون الهيئة! ﺛﻢ اﺳﺘﺤﻠﻮا اﻟﺼﻴﺪ ﻓﻲ اﻟﺴﺒﺖ ﻭاﻋﺘﺪﻭا! واتبعوا ما تتلوا الشياطين! وقتلوا الأنبياء! إن هؤلاء الذين حصل منهم كل ذلك مع أنبيائهم ﷺ، لا تتعجب أن يكذبوك، وأن يردوا قولك، وهذا المعنى قد جاء في قوله تعالى: {یَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَیۡهِمۡ كِتَـٰبࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِۚ فَقَدۡ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰۤ أَكۡبَرَ مِن ذَ ٰ⁠لِكَ فَقَالُوۤا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَة} فسلى نبيه ﷺ عند نعنتهم بسؤال الكتاب، بأن هؤلاء القوم قد سألوا أكبر من هذا! فلا تتعجب منهم! وهذا سلوة له ﷺ، لأنه كان يشق عليه مخالفة المشركين، فأخبره ربه بحال هؤلاء. وقد كان السياق قد بلغ عن مرحلة خطيرة من مراحل العتو الإسرائيلي، وهي مرحلة القسوة القلبية التي وصلوها لما تتابع تمردهم، وتعاقب نكثهم، فقست قلوبهم حتى صارت أقسى من الحجارة. فكيف سيكون حال المسلمين معهم؟ لقد أتى السياق يعلم المؤمنين كيف يتعاملون مع اليهود، كيف يتعاملون مع من لديه هذا التاريخ الطويل من التحريف للشرائع، والتلوي عليها، فذكر أكثر من عشرين سببًا لا تبقي مطمعا لطامع في إيمانهم، سنأتي لذكر بعضها في هذا المجلس ونكمل بقيتها بإذن ﷲ. فابتدا السياق بتقسيم أصنافهم مع الوحي إلى ثلاثة أقسام، وهي أقسام تكون في كل أمة، وستوجد في أمتنا كما كانت في الأمم السالفة: - فذكر قسم الذين {یَسۡمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ}. وهناك علاقة بين قسوة القلب وتحريف الكتاب، قال سبحانه: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَـٰسِیَةࣰۖ یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظࣰّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَاۤىِٕنَةࣲ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ}، [سُورَةُ المَائـِدَةِ: ١٣] فهؤلاء الذين يحرّفون معاني الوحي، ويبدلونه تبديلًا معنويا. - وذكر القسم الثاني: {وَمِنۡهُمۡ أُمِّیُّونَ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّاۤ أَمَانِیَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ}، وهؤلاء هم الأميّون الذين يقرؤون ولا يفقهون، فحظهم من الوحي (الأماني) أي رغبات أو التلاوة كما سيأتي، بإذن الله. - ثم ذكر المحرّفين للكلم تحريفا لفظيًا، فقال: {فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَـٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ}. وقد عقب كل قسم بتعقيبات من الذم والعيب، كما سيأتي. وهنا باب كريم من أبواب التدبر، أن يتامل القارئ للقرآن في نظم الآيات، وسياقها ثم يرى هل سيجد تقسيمًا يمكن أن تقسم له المعاني في الآيات، وما علاقة كل قسم بالآخر، فإنه بهذا ستنطق له المعاني في الآيات بما لم تكن تنطق. فقال سبحانه: {أَفَتَطۡمَعُونَ أَن یُؤۡمِنُوا۟ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَسۡمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ ۝ وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ قَالُوۤا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ لِیُحَاۤجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ۝ أَوَلَا یَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَ}

record.ogg9.02 MB

• قائمة: تفسير القرآن وتدبره على اليوتيوب، جميع المجالس الفجرية: https://youtube.com/playlist?list=PLhBvi-GlELy9ZepqPHLkaDe2xGXOeYlv9&feature=shared

سورة_البقرة_من_آية_62_إلى_74_د_محمد_آل_رميح_240319_145534.pdf1.70 KB

جزيتم خيرا

هذا مجلس الأمس.

record.ogg6.97 MB