en
Feedback
خاطِرِيَّات حسين بافقيه

خاطِرِيَّات حسين بافقيه

Open in Telegram
2 126
Subscribers
+124 hours
+67 days
+3230 days
Posts Archive
تَوَقَّفْتُ [إلا في النَّادرِ جدًّا] عَنْ قراءةِ كُتُبِ النَّقدِ الأدبيِّ [الحداثيِّ]، لأسبابٍ أهمُّها "الشَّكلانيَّةُ المُفْرِطةُ" التي تُحَوِّلُ العملَ الأدبيِّ إلى أمشاجٍ تُفْقِدُهُ رُوحَهُ، ولافتقارِ عددٍ كبيرٍ مِنْ أولئكَ النُّقَّادِ إلى "مَلَكَةِ التَّذَوُّقِ الأدبيِّ".. أنا لا أبحثُ عنْ تَبَصُّرٍ في العملِ الأدبيِّ عندَ مَنْ صِلَتُهُ بالأدبِ الإبداعيِّ [أوِ الإنشائيِّ كما يُسَمِّيهِ طه حسين] واهيَةٌ.. فاقدُ الشَّيءِ لا يُعْطيهِ.. ثُمَّ لاستعانةِ أغلبِ النُّقَّادِ بنموذجٍ شكلانيٍّ واحدٍ في التَّطبيقِ، أُسَمِّيهِ أنا "نَقْدَ الكتالوجِ"..! نقدُ الكتالوجِ مِثْلُ "مُوسَى" الحلَّاقِ يَصْلُحُ لكُلِّ الرُّؤوسِ.. أنا أقرأُ لنُقَّادٍ مُختارِينَ، النَّقْدُ عندَهُمْ مَلَكَةٌ، وخِبرةٌ أدبيَّةٌ ولُغَويَّةٌ وثقافيَّةٌ واسعةٌ = لنُقَّادٍ وُهِبُوا ذوقًا أدبيًّا رفيعًا.. هؤلاءِ هُمُ الذينَ أقرأُ لهُمْ، وأُفيدُ مِنْهُمْ.. تَوَقَّفْتُ عَنْ قراءةِ النَّقدِ المدرسيِّ [الحداثيِّ] لأنَّهُ لا جديدَ فيهِ..!

أفئدة من الناس.pdf3.66 MB

583- أفئدة من الناس: فصول في أدب الحج وثقافته - حسين محمد بافقيه (١٨٢ص)
583- أفئدة من الناس: فصول في أدب الحج وثقافته - حسين محمد بافقيه (١٨٢ص)

ما العلم الذي نضج ولا احترق.pdf6.78 KB

مَن يكتُبُ بطريقةِ *عابد خزندار* - رحمه الله - أُسمِّيهِ *كاتبًا* لا *ناقدًا*..! هذا الأسلوبُ في الكتابةِ الذي لا نَجِدُ لهُ
مَن يكتُبُ بطريقةِ *عابد خزندار* - رحمه الله - أُسمِّيهِ *كاتبًا* لا *ناقدًا*..! هذا الأسلوبُ في الكتابةِ الذي لا نَجِدُ لهُ مثيلًا ولا شبيهًا في طُولِ العالَمِ العربيِّ وعَرْضِهِ - لا يُحْسِنُهُ إلا عابد خزندار..! إنَّهُ يكتبُ ولا يتكلَّفُ، وكتابتُهُ "المجنونةُ" هذهِ فوقَ التَّصنيفِ المدرسيِّ الباردِ.. كأنَّكَ - حينَ تقرأُهُ - تقرأُ ماذا؟ لا بُدَّ أنْ تَقِفَ..! لا تتعجَّلِ الجوابَ..! إنَّهُ لا يكتُبُ نقدًا، ولا روايةً، ولا سيرةً ذاتيَّةً، ولا دَرْسًا..! إنَّهُ يكتُبُ ما يصعُبُ تصنيفُهُ، والأفضلُ أنْ نستعملَ تصنيفَهُ هو.. نَعَمْ إنَّهُ يكتُبُ "نِثَارًا"..! ستسألُني: وما "النِّثَارُ"..؟! وسأقولُ لكَ: إنَّهُ ما يكتبُهُ عابد خزندار..!😍😍😍

السَّيْرُ في ليلِ جُدَّةَ مِنْ أسبابِ المُتْعَةِ.. وبينما كُنْتُ مُتَّجهًا إلى لا جِهَةٍ، وإلى لا غايةٍ - خَطَرَتْ في بالي قص
السَّيْرُ في ليلِ جُدَّةَ مِنْ أسبابِ المُتْعَةِ.. وبينما كُنْتُ مُتَّجهًا إلى لا جِهَةٍ، وإلى لا غايةٍ - خَطَرَتْ في بالي قصيدةُ امرئِ القيسِ "ألا عَِمْ صَبَاحًا أيُّها الطَّلَلُ البالي"..! لا أعرفُ لماذا؟ رُبَّما لأنَّ الوقتَ فَجْرٌ.. داخَلَني إحساسٌ بعدَ أنْ غادرتُ "مِركازي" أنَّني في حاجَةٍ إلى أنْ أسِيرَ في هدأةِ اللَّيلِ - ليلِ امرئِ القيسِ - ولمَّا تذكَّرْتُ القصيدةَ، كأنَّني كُنْتُ أتأمَّلُها، لأوَّلِ مَرَّةٍ، تَخَيَّلْتُ الملِكَ الضِّلِّيلَ يسيرُ في ليلِ نَجْدٍ، في تلكَ السَّاعةِ التي يَلِدُ اللَّيلُ فيها النَّهارَ.. عَمَّ يبحثُ؟ وإلى مَ يسيرُ..؟ إنَّهُ يفتقِدُ كُلَّ شيءٍ.. كُلُّ شيءٍ تَحَوَّلَ إلى طَلَلٍ بالٍ، حيَّاهُ فعساهُ يَبُثُّ فيهِ الحياةَ، ولكنْ سَرْعانَ ما استدركَ، فكانَ الشَّطْرُ الثَّاني مِنَ البيتِ الأوَّلِ.. هلْ حَيَّا امرؤُ القيسِ طَلَلًا حقيقيًّا، أمْ تُرَاهُ وَقَفَ يبكي نَفْسَهُ وقدْ أَشْبَهَتِ الطَّلَلَ، وأنَّى لهُ أن يَسْعَدَ والموتُ يتربَّصُ بهِ في كُلِّ حِينٍ؟

فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا، وَكَيْفَ سُؤَالُنَا صُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِينُ كَلَامُهَا؟! لَبيدُ بنُ ربيعة ألا يُذَكِّرُنا هذا البيتُ المُوجِعُ بِـ "رائيَّةِ" شوقي في "أبي الهول"؟ تُرَى لوْ كانَ أبو الهولِ مِنْ لَحْمٍ ودَمٍ ألن يَمَلَّ الحياةَ وقدْ "طَالَ عليهِ الْعُصُرْ"؟! لكنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الذي أَدَامَ أبا الهول هو أنَّهُ مِنَ "الصُّمِّ الخوالِدِ"..! ولوْ وُجِدَتْ فيهِ الحياةُ لَمَاتَ: وَلَوْ وُجِدَتْ فِيكَ يَا ابْنَ الصَّفَاةِ لَحِقْتَ بِصَاِنِعِكَ الْمُقْتَدِرْ! فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَفُلُّ الْحَدِيدَ إِذَا لَبِسَتْهُ، وَتُفْنِي الْحَجَرْ!

ماتَ محمَّد السِّباعيّ عامَ ١٩٣١م، وهو في الخمسينَ مِنْ عُمْرِهِ.. يكادُ اليومَ [والأمسِ كذلكَ] يكونُ مجهولًا، ولكنْ لا بأْسَ فسنُعِيدُهُ - نحنُ القُرَّاءَ - إلى الضَّوءِ، وسنجعلُهُ، متى أقبلْنا علَى مُترجَماتِهِ، أديبًا ومترجِمًا مشهورًا.. أمَّا أنا فأقولُ: ما أحرَى أنْ نلتفِتَ إليهِ، وإلى أعمالِهِ التي نهضَ بها! وسأُضِيئُ سِيرتَهُ بإلماعةٍ برقيَّةٍ، وأقولُ: محمَّد السِّباعيّ مِنْ أكبرِ المترجمينَ في مِصْرَ، يلقِّبُهُ العقَّادُ بِـ "رائدِ التَّرجمةِ".. وحتَّى تعرفوهُ أكثرَ هو والدُ الأديبِ والوزيرِ المصريّ [الذي قُتِلَ] يوسف السِّباعيّ.. كانَ اليساريُّونَ يكرهونَهُ [يكرهونَ الابنَ..!].. عُرِفَ المترجِمُ الأبُ بترجمتِهِ لِـ (رُباعيَّاتِ الخيَّامِ).. قراءةُ محمَّد السِّباعيّ إمتاعٌ ومؤانَسةٌ.. يُتَعَلَّمُ مِنْهُ كيفَ تُبْنَى الجُملةُ العربيَّةُ؟ وكيفَ تُختارُ الكلماتُ؟ هو عندي أجملُ أسلوبًا مِنْ أحمد حسن الزَّيَّات.. الزَّيَّاتُ أديبٌ كبيرٌ، لا شكَّ في ذلكَ، لكنْ تُشَتِّتُني بهرجةُ كلماتِهِ.. أمَّا السِّباعيُّ فأسلوبُهُ جميلٌ.. يُثْري.. يُعَلِّمُ.. يُحَبُّ.. جرِّبوا قراءةَ قصَّةٍ قصيرةٍ مِنْ مُترجَماتِهِ..

رَحمةُ اللهِ ورِضوانُهُ على أستاذي الدُّكتور عبد الله سالم المعطانيّ الهُذَلِيّ المكِّيّ = كانَ أوَّلَ مَنْ نَبَّهَ طُلَّابَهُ، وأنا مِنْهُمْ، إلى الشَّيخِ العلَّامةِ محمَّد عبد الخالق عضيمة، وإلى كِتابِهِ الفذِّ الفَخْمِ هذا.. كُنْتُ حديثَ عهدٍ بالجامِعةِ ودُرُوسِها، كأنَّما كُنْتُ أُريدُ أنْ أُحِيطَ بكُلِّ التُّراث، فلمَّا ذُكِرَ اسْمُ الشَّيخِ الإمامِ - رَحِمَهُ اللهُ - ثَبَتَ اسْمُهُ واسْمُ كِتابِهِ في عقلي، وبَلَغَ قلبي فاستقرَّ فيهِ.. لنْ أُحدِّثَكُمْ عنْ عضيمةَ ولا عنْ كِتابِهِ، ولكنْ عنْ أُستاذِنا الذي لمْ يتعدَّ، في ذلكَ الحِينِ، طَوْرَ الشَّبابِ، كانَ وجهُهُ ريَّانَ بماءِ الحياةِ، كانَ فَتِيًّا حيِّيًّا.. تَغَيَّرَ - أوْ يكادُ! - كُلُّ شيءٍ بعدَهُ؛ الأساتذةُ، والجامعةُ، والطُّلَّابُ، والكُتُبُ، والدُّرُوسُ..😢 كأنَّما أستاذُنا الذي احتازَ درجةَ الدُّكتوريَّةِ مِنْ جامعةِ إِكْسِتَر البريطانيَّةِ = كأنَّما كانَ، وهو الشَّابُّ، مِنْ جِيلِ الكِبارِ، كانَ بعِلْمِهُ كبيرًا، فإذا مُدَّ لطُلَّابِهِ أسبابٌ إلى التُّراثِ فاعلَمْ أنَّ أُستاذَنا كانَ المُرشِدَ والهادي، وكأنَّما أرادَ اللهُ لي الخيرَ فأجْلَسَني بينَ يديهِ، يُحاضِرُنا في التُّراثِ وما إليهِ، كانَ آيةً في الحِفْظِ والرِّوايةِ، يكادُ يَعْرِفُ تُراثَنا النَّقديَّ كُلَّهُ، كانَ إحسانَ عبَّاسِ البلادِ السُّعُوديَّةِ..! فكيفَ تأتَّى لذلكَ الشَّابِّ الهُذَلِيِّ أن يَعْرِفَ ما عَرَفَ، وكيفَ يَسَّرَ اللهُ لهُ أسبابَ التَّأثيرِ فينا، نحنُ طُلَّابَهُ..؟ كانَ - رَحِمَهُ اللهُ - قَدَرَ خيرٍ لي😍😍😍

هلْ هذه الفِقْرةُ مِنْ روايةٍ لِـ نجيب محفوظ؟!.. لا! إنَّها مِنْ كِتابِ (حارَة الأغوات) للأديبِ الدُّكتور عاصم حمدان - رحمه الله - لا أُبالِغُ لوْ قُلْتُ: هذا الوصفُ البديعُ لا يقلُّ عنْ وصْفِ أديبِ نوبل لشخصيَّاتِهِ.. رحم الله الدُّكتور عاصم حمدان..! كانَ أديبًا فنَّانًا، كانَ يعيشُ بيننا بجسدِهِ، أمَّا قلبُهُ فيعيشُ أزمنةً مضتْ، وأمكنةً بادَتْ.. كانَ جميلًا رائعًا حِينَ سَجَّلَ تلكَ الحياةَ التي يشتاقُ إليها أدبًا لا دَرْسًا.. أكادُ - واللهِ - أرى دُمُوعَهُ تُخالِطُ حُرُوفَهُ😢 أعرفُ أستاذي كانَ رقيقَ القلبِ بكَّاءً.. لا أعرفُ لِمَ لمْ نهتمَّ بِـ عاصمٍ؟ نحنُ مجتمعٌ دفَّانٌ - كما قالَ محمَّد حسين زيدان - كَثُرَتْ وُعُودي..! ما أكثرَها..! أنا لا أختلفُ عنْ أستاذي.. قلبي معلَّقٌ بالماضي.. تشجيني الأمكنةُ، وتَهُزُّني الشَّخصيَّاتُ مِنْ أعماقي.. تبكيني شخصيَّاتُ عاصمٍ.. ولمَّا ماتَ بكيتُهُ.. تألَّمتُ لفراقِهِ.. وها أنذا اليومَ أعيشُ معَ كُتُبِهِ.. لكنَّني - واللهِ - لمْ أنْسَهُ يومًا واحدًا.. إنَّني أفتقِدُهُ.. أشتاقُ إلى طريقةِ حديثِهِ.. إلى لهجتِهِ المدينيَّةِ.. لا أحد يتحدَّثُ تلكَ اللَّهجةَ بذلكَ الطَّعمِ إلا عاصم.. هلْ قرأتُم لِـ عاصم حمدان؟ لا بُدَّ أنْ تقرأوهُ متى أردتُّمْ قراءةَ أديبٍ كبيرٍ.. أمَّا أنا فأُوشِكُ أحفظُ كُتُبَهُ.. والعجيبُ أنَّني أُحِبُّ المواظبةَ علَى قراءتِها.. ماذا أُحَدِّثُ عنْ عاصم حمدان؟ وما الذي سأقولُهُ؟😢

كانَ وَسَطَ هذهِ الْجَلَبَةِ قَهوةٌ يرتادُها التُّجَّارُ والعُمَّالُ، وكانَ صاحِبُ تلكَ القهوةِ - وسَمِّهِ "القهوجيَّ" إنْ شِئْتَ - قدِ اعتادَتْ أُذُناهُ تَحَيَّةَ البواخِرِ ورَدَّ الكِنداسةِ، وكانَ يؤلِمُهُ ويَحُزُّ في نَفْسِهِ أن تَعْجَزَ تلكَ الآلةُ العتيقةُ، حِينًا بعدَ حِينٍ، عنْ تَحِيَّةِ البواخِرِ المُغادرةِ؛ فقَصَدَ السُّوقَ وابتاعَ "بُوقًا"، وجَعَلَ يُقابِلُ التَّحيَّةَ بتحيَّةٍ مُماثلةٍ مِنْ "بُوقِهِ"، ولا يُهِمُّ، بعدَ ذلكَ، أنْ لا يَخترِقَ صَوتُهُ الفَضَاءَ، وحَسْبُهُ أنْ لا تتخلَّفَ بَلْدتُهُ عنْ عادَةٍ اُعْتِيدَتْ! قالَ خلف عاشور: إنَّ صاحبَ البُوقِ والتَّحيَّةِ هو إنسانٌ مِنْ لَحْمٍ ودَمٍ هو مصطفَى عنيبسيّ - رحمه الله -! -٣- وقدْ طالَما قَرَأْتُ في مُذَكِّراتِ جمهرةٍ مِنْ رُوَّادِنا ضُرُوبًا مِنَ المُكابَدةِ وهُمْ ينتظرونَ "الرَّواتبِ"، أمَّا إذا تأخَّرَتْ، وطالما تأَخَّرَتْ، فصُوَرٌ مِنَ المُعاناةِ والآلامِ؛ أَلَمْ يَبِعْ حمد الجاسر - رحمه الله - كتابًا عزيزًا عليهِ لَمَّا تأَخَّرَ صَرْفُ الرَّواتبِ عنْ موعدِهِ؟! نقرأُ عندَ خلف عاشور ألوانًا مِنْ عَيْشِ طبقةِ الموظَّفينَ - أوَّلَ عهدِ المملكةِ بالوظائفِ المدنيَّةِ - فالموظَّفونَ اعتادُوا أن يُرْجِئُوا ما يبتاعونَهُ مِنَ القَصَّابِ، وبائعِ الخَضْراواتِ، والبَقَّالِ، والسَّمَّاكِ = اعتادوا أن يُرجئُوا الوَفَاءَ بما عليهِمِ إلى مَيْسَرةٍ، وتلكَ المَيْسَرَةُ هي اليومُ الذي يُبَشَّرُونَ فيهِ بوُصُولِ "سَيَّارةِ الرَّواتبِ"! إنَّهُ يومٌ كُلُّهُ فَرَحٌ وسعادةٌ وحُبُورٌ! لكنْ ما العَمَلُ إذا تأَخَّرَتْ "سيَّارةُ الرَّواتبِ"؟ لنْ أَشْغَلَكَ بما هو مُتَوَقَّعٌ حُدُوثُهُ، لكنَّنا نَقِفُ في مقالِ "سيَّارة الرَّواتبِ والسَّمَّاكِ وبائعِ الخُضَارِ والْبَقَّالِ" علَى التفاتةٍ بديعةٍ مِنِ التفاتاتِ خلف عاشور: ها هو ذا "فَرَّاشُ الماليَّةِ" نلقاهُ ضَجِرًا سَئِمًا مِنْ طُولِ انتظارِهِ علَى "سَطْحِ" إدارةِ الماليَّةِ! ليسَ لذلكَ المسكينِ مِنْ عَمَلٍ إلَّا أن يَرْقَى إلى "السَّطْحِ، كُلَّ يومٍ، "يَتَرَصَّدُ طريقَ السَّاحلِ، دُونَ أن يَرَى أَثَرًا لغُبَارٍ يتصاعدُ في الطَّريقِ، أوْ شَبَحًا صغيرًا قدْ بَدَا مُحاذِيًا للسَّاحِلِ، يَدُلُّ أكثرَ ما يَدُلُّ علَى قُدُومِ هذهِ السَّيَّارةِ، فليسَ هُناكَ سيَّاراتٌ أُخْرَى تَسْلُكُ هذا الطَّريقَ بانتظامٍ غَيْرَ هذهِ السَّيَّارةِ فَقَطْ"! ولا تَسَلْ عمَّا أصابَ الْفَرَّاشِ المسكينِ مِنْ قَلَقٍ وتَعَبٍ في صُعُودِهِ ونُزُولِهِ، ولا تَسألْ عنْ أولئكَ المُوَظَّفينَ المساكينِ، ومِنْ ورائِهِمُ القَصَّابُ والْبَقَّالُ والسَّمَّاكُ وبائعُ الْخضراواتِ! إنَّ سعادةَ كُلِّ هؤلاءِ مُلْقاةٌ علَى الكلمةِ الْحُلْوَةِ التي يترقَّبُونَها: أن يَنْحَدِرَ فَرَّاشُ الماليَّةِ مِنَ "السَّطْحِ"، صائحًا مُسْتبشِرًا: "سَيَّارة الرَّواتب بَيَّنَتْ"! #حسين_بافقيه #جُدَّة في ١٠ مِنْ شهر رمضان المبارك ١٤٤٧هـ

🔸سَيَّارة الرَّواتب بَيَّنَتْ🔹 في اكتشافِ أديبٍ مجهولٍ -١- طالما رَأَيتُ الأستاذ السَّيِّد خلف أحمد عاشور سِبيه في مكتبِ الأستاذِ الجليلِ محمَّد صلاح الدِّين الدَّندراويّ - رحمهما الله - قِيلَ لي: إنَّ الأستاذَ القديرَ مِنْ كِبارِ موظَّفي "مجموعةِ بن لادِن السُّعُوديَّةِ"، المؤسَّسة الاقتصاديَّة الكُبْرَى.. دَلَّتْني قَسَمَاتُ وجهِهِ علَى أنَّني في حضرةِ إنسانٍ جُبِلَ علَى التَّواضُعُ، حتَّى إذا تَكَرَّرَ لقائي بهِ، مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، استبانَ لي ما اجتمَعَ فيهِ مِنْ كريمِ السَّجَايا والخِلَالِ. أَفْضَلَ الأستاذُ الجليلُ فأهدَى إلَيَّ كِتابَهُ (أيَّام وأيَّام)٫ وهو مجموعٌ منتخَبٌ مِنْ فُصُولٍ أدبيَّةٍ كانَ يُذيعُها في هذهِ الصَّحيفةِ أوْ تلكَ، ويُنْبئُ عُنْوانُ الكِتابِ عنْ خُلُوصِ فُصُولِهِ للذَّكرياتِ. وفيهِ فُصُولٌ هي أدنَى إلى القلبِ، يرقَى تاريخُها إلى سنواتِ نشْأَتِهِ في يَنْبُعَ والمدينةِ النَّبويَّةِ المنوَّرةِ، وسنوات الطَّلَبِ في مدرسةِ تحضيرِ البعثاتِ في مكَّةَ المكرَّمةِ - شَرَّفَها اللهُ - حيثُ تَلْمَذَ لِلْجِلَّةِ مِنَ الأساتذةِ الرُّوَّادِ؛ السَّيِّد أحمد العربيّ، وعُمَر عبد الجبَّار، وعبد الله عبد الجبَّار - تَغَمَّدَهُمُ اللهُ بواسعِ رحمتِهِ -. وفي كِتابِ (أيَّام وأيَّام) ما في كُتُبِ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ والذِّكرياتِ، متى ما أردْنا التَّهَدِّي إلى أشتاتٍ مجتمِعاتٍ مِنْ سِيرةِ إنسانٍ، وفيها ما يتشوَّقُ إليهِ الباحثُ والمؤرِّخُ متى رامَ بُلُوغَ طَرَفٍ مِنْ تاريخِ يَنْبُعَ خاصَّةً، في حقبةٍ ما أَشَدَّ حاجتَنا، اليومَ، إلى معرفةِ طَرَفٍ مِنْ تاريخِها. في الكِتابِ كُلُّ ذلكَ وفوقَ ذلكَ، لكنَّ في الأغلبِ والأعظمِ مِنْ فُصُولِهِ شيئًا يَجُوزُ ما اعتِيدَ في الفُصُولِ التي أُريدَ بها الصِّحافةُ، تلكَ التي لا تخلُو مِنْ شيءٍ هو أَلْصَقُ بكاتِبِها = فيهِ ما يُدْنيها مِنَ الأدبِ الخالصِ، وإنْ شئتَ تحديدًا وتعيينًا، شَبَّهْتُها بالقِصصِ التي يُنشئُها الأديبُ الكبيرُ يحيى حقِّي - رحمه الله - تلكَ التي يستقيها مِمَّا عانَى وكابَدَ، ورأَى وسَمِعَ، ويُؤدِّيها فَنًّا، للقارئِ أن يَعْتَدَّهُ قِصَّةً قصيرةً، ولهُ، كذلكَ، أن يَدْعُوَهُ مَقالًا، وإنِ اختلَفَ عمَّا سِوَاهُ مِنَ المقالاتِ التي تمتلئُ بها أنهارُ الصُّحُفِ والمجلَّاتِ. هكذا قَرَأْتُ أَغْلَبَ فُصُولِ الكِتابِ، وكُنْتُ أُحِسُّ أنَّني إنَّما أقرأُ لأديبٍ طُوِّعَتْ لهُ مَضَايِقُ الأدبِ، وإنْ جَهِلَهُ القُرَّاءُ والنُّقَّادُ، وكانَ حَقُّهُ أن يَعْرفوهُ، وأن يُسَمُّوهُ أديبًا، وأن يُصَنِّفوا ما يُنْشِئُهُ أدبًا كأعلَى ما يَكُونُ الأدبُ، وعندي أنَّ القارئَ سيُدْرِكُ ذلكَ مِنْ فواتِحِ فُصُولِهِ، ويَعْتدُّها مِنَ "الابتداءاتِ الْحَسَنَةِ" تلكَ التي تَدُلُّنا علَى مَرَتَبةِ الكاتبِ ودَرَجَتِهِ. -٢- وسأَجُوزُ بكَ كُلَّ فُصُولَ الكِتابِ، وحَقُّها أن يُتَوَقَّفَ عندَها = وأَقِفُ بكَ عندَ التفاتَتَيْنِ أَعُدُّهُما، وأظُنُّكَ ستَعُدُّهُما معي، مِنَ الأدبِ العالي الرَّفيعِ، وستُوافِقُني علَى ما قُلْتُهُ، قَبْلَ حِينٍ: إنَّ خلف عاشور سِبيه إنَّما يُنْشِئُ قَصَصًا، وإنْ حَسِبَ، ونحنُ مَعَهُ، أنَّهُ إنَّما يَكْتُبُ مَقَالًا، ثُمُّ يُذيعُهُ في هذهِ الصَّحيفةِ أوْ تلكَ. هاكَ الفصلَ الذي عُنْوانُهُ "مِنَ المنجارةِ إلى القادِ"، وهُما مَحَلَّتَانِ قديمتانِ بيَنْبُعَ البحرِ، وفيهِ حديثٌ حُلْوٌ عنْ ماضٍ أدركَهُ الكاتبُ الأديبُ في صِبَاهُ عنِ البحرِ والميناءِ والبواخِرِ والتِّجارةِ، ولا شَكَّ أنَّ في الفصلِ ما ينفعُ المؤرِّخَ الاقتصاديَّ. لكنِّي سأَقِفُكَ علَى التفاتةٍ ذاتِ شأنٍ في ميزانِ الأدبِ: بينما يُظْهِرُنا الكاتبُ علَى حركةِ البيعِ والشِّراءِ في تَيْنِكَ المَحَلَّتَيْنِ، فنُلِمُّ إلمامةً نافعةً بالميناءِ، حتَّى كأنَّنا نرى التُّجَّارَ، والمُوَظَّفِينَ، والعُمَّالَ، والفَعَلَةَ = إذا بعينِ الأديبِ تختارُ مِنْ كُلِّ أولئكَ مَشْهدًا يَضُوعُ إنسانيَّةً؛ فالبواخِرُ لا يَنْسَى رَبَابِنَتُها، وهُمْ يتهيَّأُونَ لمُغادرةِ ميناءِ يَنْبُعَ أن يُحَيُّوا البَلْدةَ بِـ "صَفَّارةٍ" تُطْلِقُها المَدْخَنَةُ ثلاثَ مَرَّاتٍ، فتَرُدُّ إدارةُ "الكِنداسةِ" التَّحيَّةَ بأفضلَ مِنْها، فتَبْعَثُ بثلاثِ تَحِيَّاتٍ مِنْ مَدْخَنَتِها، ما دامَتِ الكِنداسةُ تَعْمَلُ! فإذا أصابَها عُطْبٌ، وكانَ ذلكَ كثيرَ الوُقُوعِ، تُكافِئُ تَحَايَا البَوَاخِرِ بالصَّمتِ والسُّكُوتِ!

#كتاب أُغادِرُ هذا الكِتابَ وأنا أقولُ: ليتَهُ طالَ أكثرَ! أستطيعُ أنْ أُصَنِّفَهُ كِتابًا في "السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ"، وأستط
#كتاب أُغادِرُ هذا الكِتابَ وأنا أقولُ: ليتَهُ طالَ أكثرَ! أستطيعُ أنْ أُصَنِّفَهُ كِتابًا في "السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ"، وأستطيعُ أنْ أُسَمِّيَهُ كِتابًا في "السِّيَرِ الغيريَّةِ"؛ هو سِيرةٌ ذاتيَّةٌ لأنَّهُ يَقُصُّ علينا سِيرةَ إنسانٍ مُنْذُ ولادتِهِ، وهو سِيَرٌ غيريَّةٌ للأسماءِ التي مَرَّ بها، ورُبَّما كانَ المرجعَ الوحيدَ الذي احتفظَ بنبأٍ مَّا عَنْ هذا الأديبِ أوِ الكاتبِ أوِ المترجِمِ أوِ النَّاشرِ، وهو، كذلكَ، كِتابٌ في سِيرةِ صَنْعةِ التَّرجمةِ، أدَّاها إلينا مترجِمٌ شاءَ لهُ القَدَرُ أن يتَّصِلَ، منذُ صِبَاهُ، باللُّغةِ العربيَّةِ. وفي الكِتابِ الرَّائعِ البديعِ ما يُرَغِّبُني في العودةِ إليهِ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ..

#قريبًا هذا الكِتابُ مِنْ خِيَارِ ما يُلْتَقَط مِنْ معرض القاهرة الدَّوليّ للكتاب.. الدُّكتور خالد فهمي مؤرِّخٌ مُختلِفٌ، صعبٌ، بعيدُ الغَوْرِ، عَرَفْتُهُ، أوَّلَ ما عَرَفتُهُ، بكتابِهِ (كُلّ رِجالِ الباشا).. أعترِفُ أنَّهُ كانَ كِتابًا صعبًا، واحتجْتُ، كي أفهمَهُ، إلى أنْ أحتشدَ لهُ كُلِّيًّا. وأعجبَني كِتابُهُ (السَّعي للعدالة: الفقه والطِّبّ والسِّياسة في مصر الحديثة).. أحببْتُ الكِتابَ كثيرًا، وراعَني استعانةُ المؤلِّف بالوثائقِ العَدْليَّةِ وسِجِلَّاتِ المحاكمِ، علَى ما فيهنَّ مِنْ مشقَّةٍ، وأهمُّ مِنْ كُلِّ ذلك أنَّ هذا الكِتابَ [بلْ كُلَّ كُتُبِ الدُّكتور خالد فهمي] تُقَوِّضُ القراءةَ الاستشراقيَّةَ الاستعماريَّةَ، وتنفي المقولةَ التي أُرِيدَ لنا تكرارُها: أنَّ العالَمَ العربيَّ لَمْ يَعْرِفِ "الحداثةَ" إلا حِينَ استسلَمَ للغربِ وحضارتِهِ. وأظُنُّ القارئَ يَعْنيهِ كثيرًا أنَّ أحكامَ الفقهِ والقضاءِ في مِصْرَ الحديثةِ [في عهد محمَّد عليّ وما قبلَهُ] كانَتْ علَى غيرِ ما حُشِيَ بهِ دماغُهُ، وحسْبُهُ أن يقفَ بنَفْسِهِ علَى ما في الفقهِ الإسلاميِّ مِنْ تَقَدُّمٍ، لَمْ تعْرِفْهُ قوانينُ الغربِ ذلكَ الذي استلبَتْ ثقافتُهُ أفكارَنا، حتَّى بالغْنا في ذَمِّ تاريخٍ هو تاريخُنا، وثقافةٍ هي ثقافتُنا. والحمدُ للهِ أنَّ هذا المنهجَ الذي أَخَذَ بهِ الدُّكتور خالد فهمي [والدُّكتورة نِللي حَنَّا]= صارَ، اليومَ، تيَّارًا، في العالَمِ العربيِّ كُلِّهِ، وبخاصَّةٍ مِصْرُ، وكاتبُ هذهِ الأسطُرِ مُتابِعٌ لثمراتِ هذا التَّيَّارِ [أو المدرسةِ]منذُ رُبْعِ قرنٍ مِنَ الزَّمان..