𝗗𝗼𝗽𝗮𝗺𝗶𝗻𝗲
Open in Telegram
يا قارئ كتابي أبكي على شبابي في الأمس كنت حياً واليوم تحت الترابِ...
Show more244
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
-130 days
Posts Archive
244
الخِذْلان: هو أن يتركك من كنتَ تظنّه سندًا لك في وقت حاجتك إليه، أو أن يخيب ظنّك بمن وثقتَ به.
وأشدُّ الخذلان أن يأتيك ممن أحسنتَ إليه، ووقفتَ معه حين تخلّى عنه الآخرون.
لذلك افهمها وخذها نصيحة من اخيك
قد يكون خذلان البشر درسًا؛ لتعلم أن القلب إذا تعلّق بالله، فلن يضيع وإن تخلّى عنه الجميع
244
في وادٍ قاحل، تحت سماءٍ عربيةٍ حارقة، وقف نبيّ الله إبراهيم يتأمل وجه ابنه الذي وهبه الله بعد عمرٍ مديد من الدعاء والانتظار. كان إسماعيل قد كبر وبلغ معه السعي، فأصبح سنداً لأبيه في الدعوة ورفع القواعد. لكن الحياة كانت تخبئ لهما أعظم اختبارٍ في تاريخ البشرية.
رأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ولده. ورؤيا الأنبياء ليست أحلاماً عابرة، بل وحيٌ يُوحى. تكررت الرؤيا، فعرف أن الله يختبره، ويختبر معه صبر هذا الغلام الصغير الذي لم يتجاوز سن البلوغ. لم يتردد إبراهيم، ولم يجادل، بل قام بأمرٍ يذهل كل أبٍ في الوجود: ذهب إلى ابنه وقال له بكل شفافية وصدق: "يا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى".
وهنا يكمن جوهر القصة. لم يقل الغلام: لماذا؟ أو كيف؟ أو أليس أنا ابنك الوحيد؟ بل نظر إلى أبيه بعينٍ مليئة بالإيمان، وقال الكلمة التي خلدها القرآن للأبد: "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ". كلماتٌ قليلة، حملت جبالاً من التسليم، لم يضع فيها شرطاً إلا الصبر، ولم يطلب فيها تفسيراً إلا الطاعة. استلقى الغلام على جنبه، ووضع أبوه السكين على رقبته، وأغمض عينيه لئلا يرى مشهد الذبح، ثم مرّ السكين دون أن تقطع شيئاً، لأن الله كان قد فدى الروح قبل أن تخرج، ونادى: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا"، وأرسل كبشاً عظيماً ليكون الفداء.
تأمل كيف أن التسليم لله لا ينفي المشاعر، فإبراهيم كان يحب ابنه، لكن حب الله كان أغلى. وتأمل كيف أن إسماعيل لم يرَ نفسه إلا أداة في يد الله، فلم يتمسك بالحياة لأنه أيقن أن الذي أعطاه إياها هو القادر أن يفديها. وتأمل في مشهد الأبوة الفريد: أب يذبح ابنه طاعةً لله، وابن يذبح نفسه طاعةً لله وأبيه، كأنهما يعلّماننا أن العلاقة مع الله تعلو على كل علاقة، وأن الصبر لا يكون حلواً إلا حين تثق أن الذي أمرك بالفعل سيعقبه بالفرج. وفي النهاية، لم يمت أحد، بل عاشا خلوداً في الذاكرة الإلهية، وعادت السنّة إلى البشر بأن الفداء هو الدم، وليس الروح، لتذكرنا كل عام بأن أكبر انتصار هو انتصار الإنسان على هواه لا انتصاره على الآخرين...
