en
Feedback
كتِبتْ ومَازَالَت

كتِبتْ ومَازَالَت

Open in Telegram

لا شَيء يُشبِه ورَقة بَيضاء نَكتب عَلَيهَا الحُروف لِنَبقى.

Show more
1 640
Subscribers
-324 hours
-127 days
-3830 days
Posts Archive
عينٌ تستدرجها خُدعةُ البريق، وقلبٌ أنهكه الفراغ، وأذنٌ أثقلها صخبُ العالم حتى ما عادت تُبصر الحقيقة إلا من وراء وجعٍ طويل؛ ذلك أنا، كائنٌ يتعثّر بخيبته، لا يملك من أمره شيئًا، وإن ظنّ الناس فيه شيئًا، فما هو إلا غفلةٌ متراكمة وعجزٌ يسكن الروح قبل الجسد، غير أنّ في داخلي قلبًا لم تُطفئه العتمة، قلبًا يستمدّ منهم معنى النجاة حين تضيق الطرق وتتكسّر الآمال، أنا اليتيمُ وأنا الأسير، ولا بابٌ إلا بابكم.

ثُمَّ حالَ الفِراق، فصارَ القلبُ بعدَكَ موطنَ شوقٍ لا يهدأ، وروحًا تُناجي الغيابَ ولا تجدُ إلّا سكينةَ الدُّموع.
ثُمَّ حالَ الفِراق، فصارَ القلبُ بعدَكَ موطنَ شوقٍ لا يهدأ، وروحًا تُناجي الغيابَ ولا تجدُ إلّا سكينةَ الدُّموع.

إنّ أعظم ما يُنشئ جيلاً متوازنًا هو الجمعُ بين الحزمِ والرحمة، دون إفراطٍ أو تفريط؛ فالحزمُ يحفظُ الحدود، والرحمةُ تُنمّي القلوب، ولذلك أكّد أهلُ بيتُ العصمة (عليهم السلام) على الرحمةِ واللطفِ بالأطفال، فقد ورد عن رسولِ اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله): «من يُرضّي صغيرًا من نسلِه حتى يرضى، ترضّاهُ اللهُ يومَ القيامة حتى يرضى»، فالتربيةُ هي التي تُكسب الأبناء حبًّا صادقًا لوالديهم، فينقادون بدافع المودّة لا الخوف، ويُقبلون على الخير برغبةٍ لا رهبة، وإذا سكنتِ المحبّةُ في القلوب، أصبحت القيمُ مغروسةً بثبات؛ لأنّ القلوبَ إذا أُكرمت استقامت.

الدُّنيا أَمَرُّ من أن تُوصَف، لكنها في حبِّ الزهراء فاطمةَ (عليها السلام) أبهىٰ من أن تُوصَف.
الدُّنيا أَمَرُّ من أن تُوصَف، لكنها في حبِّ الزهراء فاطمةَ (عليها السلام) أبهىٰ من أن تُوصَف.

ما أكثرَ ما يتوارىٰ صاحبُ الهَمِّ خلفَ صمتٍ لا يقرأهُ أحد؛ إذ إنّ منبعَ وجعِه ساكنٌ في أعماقِ القلب، لا تُبصرهُ العيون، وإذا كانت الهمومُ تُوارىٰ عن الخلق، فإنّ انكشافَها يأتي بلُطفٍ خفيّ كذلك، ولا شيء يُبدِّدُ ثِقلَها كمناجاة أهل البيت عليهم السلام، حتىٰ تغمرَ حلاوةُ الزيارة مرارةَ الحُزن والابتلاء.

كأنَّ الزَّمان في جِوارك يقتبسُ مِنَ الخُلود لحظاته، ليمتدُّ جمالها فِي روحِ المرء إلىٰ الأبد.
+1
كأنَّ الزَّمان في جِوارك يقتبسُ مِنَ الخُلود لحظاته، ليمتدُّ جمالها فِي روحِ المرء إلىٰ الأبد.

لكلِّ أمرٍ أوانه الذي يختاره الله بحكمته، وإن قصُر إدراكنا عن فهمه، فالأشياء لا تأتي عبثًا، بل تُساق في مواعيدها الدقيقة، وحين يحين وقتها تمضي بسلاسة كأنها لم تعرف العسر يومًا، ما كُتِب له أن ينقضي سيمضي، وما كُتِب له أن يبدأ سيولد، وما كُتِب له أن يُنسى سيتلاشى من الذاكرة، وفي النهاية، ستستقر كل الأمور في مواضعها التي خُلِقَت لها.

إنَّ أخطرَ ما يُغرسُ في أعماقِ الإنسان، وأعظمَ ما يُوجِّهُ مسيرتَه في هذه الحياة، هو عقيدتُه؛ فهي الأصلُ الذي تتفرَّعُ عنه الأفكار، ومنها تنبثقُ المواقف، وعلى أساسِها تتشكَّلُ الأفعال، فإذا استقامتِ العقيدةُ، استقامَ معها الإنسانُ قلباً وسلوكاً، وإنِ اختلَّت، جرَّتْ خلفَها سلسلةً من الانحرافاتِ التي لا تنتهي. فالعقيدةُ ليست فكرةً عابرة، بل هي روحٌ تسري في كيانِ الإنسان، تُهذِّبُ طباعَه، وتصوغُ شخصيَّتَه؛ فتجعلُه إمّا ثابتاً على الحق، شجاعاً في المواقف، رحيماً في تعاملِه، أو تُلقي به في القسوةِ والضعفِ والتردُّدِ والانقياد. ومن هنا، يظهرُ الارتباطُ العميقُ بين العقيدةِ والدين، فالدينُ هو المنهجُ الذي يحفظُ هذه العقيدةَ ويهديها، ويمنحُ الإنسانَ البوصلةَ التي يسيرُ بها بثباتٍ في دروبِ الحياة، ومن رحمِ هذا الارتباطِ يولدُ الثباتُ الحقيقي، الذي يُثمرُ أعظمَ صورِ التضحية. وهنا يسطعُ مقامُ الشهداءِ، الذين تجسَّدتْ فيهم العقيدةُ حيَّةً نابضة، فآمنوا بدينِهم إيماناً لا يتزعزع، وثبتوا عليه حتى بذلوا أرواحَهم في سبيلِه، فصاروا الشاهدَ الأسمى على صدقِ العقيدةِ وعظمةِ الدين، فهنيئاً لهم هذا المقام، إذ ارتقَوا بدمائِهم ليكتبوا بقاءَ الحقِّ وثباتَه في وجدانِ الأجيال.

ليَعلَمَ العالَم بأنَّ دِماء شُهَدائِنا لَنْ تَفْنَى، سَتَبْقَى حتّى يَرِثُ الأَرْض ومَن عَلَيْها سَيِّدُها، الطالِبُ: بِدَمِ
ليَعلَمَ العالَم بأنَّ دِماء شُهَدائِنا لَنْ تَفْنَى، سَتَبْقَى حتّى يَرِثُ الأَرْض ومَن عَلَيْها سَيِّدُها، الطالِبُ: بِدَمِ المَقتول بِكَرْبَلاء.

رفَعوا النّور، خَرَجوا لِيُشَيِّعوا نَعشَ القَمَرَ في ليلٍ حالِكٍ، ساروا بِهِ وهُم يَجُرّون آهاتهُم مِن خَلفِهِم، واليَتامى يَتَساقَطون تِباعاً في كُلِّ خُطوةٍ تَبتعِدُ بها الجِنازة، ومِن بَعيد: رُفِعَت الجِنازة فَمالَت فاطِمَة بِضِلعِها المَكسور.

‏اقتَرَبَتِ السّاعةُ وانشَقَّ القمر، وانفجَرَتِ الدّماءُ من نُقطَةِ الباء، تناثَرَتِ الآيات، هَرَعَتْ تصبَغُ لحيَتهُ كطفلٍ عانَقَ أَبيهِ ليَحْتَمي من الموت، عندها تلا العرشُ نداءَهُ الخالد "تهدّمت واللهِ أركانُ الهُدى"، مُعلناً الوداعَ المُفجعَ لخيرِ الدنيا والآخرة.

‏واقِفونَ عندَ بابِ دارِ أمير المؤمنين (عليه السّلام)، حامِلينَ بملامحهم جمْرةَ اليُتم، يشْتَعِلونَ أنيناً، منهم يحملُ بيديهِ لبناً ليأخُذَ رغيفَ ابتسامةٍ من الحاني، ”تُغنيهم من جوع”، وتلكَ ”الفاتحةُ” مطأطأةٌ عند الباب، تبكي باءَُها، وزينبٌ (عَلِيها السّلام) في كل لحظةٍ تمضي، تشعرُ بأنها دقّةُ مسمارٍ تنسجُ نعشِ أبيها.

رائحةُ الفقْدِ تطرقُ قلوبِ الأيتام، والدّموعُ قد عُلِّقَت على جدرانها، والوقتُ كالسّيفِ، تجرحُ دقائقهُ، تمزّقُ رغيفَ الحياة الأخير.

لنا مِنْ دِماءِ الشُّهَداء تاريخٌ يتحدّثُ عن كرامتِنا أمامَ الأُمَم إلى آخِر الدَّهْر، فهم صَدَى الطَّريق الذي رسمَه أهلُ البيت (عليهمُ السلام)، طريقُ التوحيد والعدالة الإلهيّة.

صاحِبَ العَصر طالَ الفِراق، وامتدَّ لَيلُ الغِياب حتّى أَثقَل القُلوب، والإنسانُ ما زالَ دَمُه يُراق، والصَّرخاتُ تَعلو ثمَّ تَخفُت ثمَّ تَعود، كأنَّها مَوجٌ من وَجَعٍ لا يَنتهي، واستِغاثاتٌ تَتبَعُها آهَات، وآهاتٌ تَتبَعُها دُموع، وأصواتُ البَنادِق تَتوالى كالرَّعد في سَماءٍ مُثقَلةٍ بالحُزن، والآلامُ تَتتابَع، والدُّموعُ تَتتابَع، والقُلوبُ المُثقَنةُ بالجِراح تَتتابَع. هُنا طِفلٌ يُطفَأ نورُه قبل أن يَعرِف للحياة مَعنى، وهُنا شابٌّ يَترنَّح بين الأملِ والألم، وهُناك أُمٌّ تَنوح وقد احتَضَنَت الفَراغ بَدَل فِلذَةِ كَبِدِها، وفي أَنينِها جُروحٌ وجُروح، والوجوهُ شاحِبةٌ من طولِ البَلاء، والأنفاسُ تَختَنِق بالصَّبر، والعُيونُ شاخصةٌ نحو الأُفُق تَنتَظِر فَجرَ الخَلاص، والقُلوبُ تَسأَل: أَينَ المُرتَجى لإزالةِ الجَورِ والعُدوان.

اللّهُ وَحدهُ أعلَم بِثقلِ هَذا النّبأ عَلى قلوبِنا، لَا حَولَ وَلَا قُوةَ إلَّا بِاللَّهِ.
اللّهُ وَحدهُ أعلَم بِثقلِ هَذا النّبأ عَلى قلوبِنا، لَا حَولَ وَلَا قُوةَ إلَّا بِاللَّهِ.

‏للشّيعةِ أبٌ يَحميهم: ليسَ لَها إلّاكَ يا أبا الغَوْثِ ياعلي.

في رِحاب السَّيدة خَدِيجَة الكُبرى عَلَيْها السَّلام.

مُنذُ أنْ خَنَقَتْنا أوجاعُ الدُّنيا، وشَعبٌ من الآهاتِ باتَ يَسكُنُ قلوبَنا، تَخلُقُ ناطِحاتٍ من دُموعٍ في أَجفانِنا، دُموعٍ قادِرةٍ على الوُصولِ إلى سماءِ الوَجنَتَينِ، التي في كُلِّ حينٍ تَنتظرانِ يَدًا حانِيَةً: عَلَيْكُم بالزَّهراءِ، استَغيثوا باسمِها، ونادوا مَولاتَكُم فاطِمَة، وحينئذٍ تُقضى حاجاتُكم وتَنالونَ مَطلَبَكم.

ندركُ أنَّ الموتَ ليس انقطاعًا، بل انتقالُ ستارٍ عن ستار، وأنّه سكونٌ يعقبُ ضجيجَ الأيّام؛ غير أنّ السكونَ لا يعني الخلاص، فالطريقُ بعده ممتدٌّ في عوالمَ لا تُقاس بالخطى، ولا يُتزَوَّدُ لها بمتاعٍ يُحمل في اليد، بل بما يثبتُ في السريرة ويستقرُّ في الأعماق. قال رسولُ الله ﷺ: «يا سلمان، من أحبَّ فاطمةَ فهو في الجنةِ معي، ومن أبغضها فهو في النار يا سلمان، حبُّ فاطمةَ ينفعُ في مائةٍ من المواطن، أيسرُ تلك المواطن الموتُ والقبرُ والميزانُ والحشرُ والصراطُ والمحاسبة». فهناك، حيثُ تَتلاشىٰ الأسماءُ وتبقى الحقائق، لا يقومُ المرءُ إلا بما انعقد في باطنه، يكون ظلًّا عند الفزع، ونورًا عند العبور، وشاهدًا عند الوزن، إنّه أمرٌ يتجاوز اللفظَ إلى المصير؛ سرٌّ يُمتحَن في المواطن الخفيّة، حيثُ لا ينفعُ إلا ما استقرَّ في القلب وثبت. إنّه أمرٌ لا يُختبرُ بالكلمات، بل يُختبرُ حين تُطوى الصحائفُ وتُعرضُ القلوب، هناك، يتبيّنُ أنّ المسافةَ إلى النجاة لم تكن طولَ عمرٍ، بل عمقَ محبّة؛ وأنّ الرضا إذا تعلّق بسلسلةٍ تبدأُ بحُبِ فاطِمَة عَليها السلام، كان للمؤمنِ مأمنٌ في مواضعِ الخوف، ومرفأٌ عند اشتدادِ العبور.