en
Feedback
آراءُ أهل الحكمةِ

آراءُ أهل الحكمةِ

Open in Telegram

واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.

Show more
846
Subscribers
No data24 hours
-17 days
-530 days
Posts Archive
أعجبُ من تلك الفئة من الناسِ الذين يستنكرونَ حكومةَ الظلمِ والجورِ [ وهذا أصلٌ مطلوبٌ ] لكن في الوقتِ ذاتهِ يرون بعينِ التبجيل لشخصياتٍ من التاريخِ عرفوا بسياستهم الجائرةِ وأفعالهمُ الشنيعة، بل ويفخرونَ بالإنتماء لهم. وخيرُ مصداقٍ لهذه الفئة أولئك الذين يسمونَ أنفسهم بـ الأمويين الجدد يفخرون بيزيدٍ شارب الخمر قاتل النفس المحرمةِ، المتلاعب بالدين، الذي كان من آثار قيادته وقوعُ أعظم مصاب في تاريخ الإسلام بقتله الإمام الحسين (ع) في فاجعة الطف وما لاحقها من سبي لبنات النبيّ الأكرم (ص)، ثم انتهك حرمة المدينة المنورة وأباحها لجنده يعيثون فيها فساداً منقطع النظير. ورمى الكعبة المكرمة بالمنجنيق في مواجهته لابن الزبير. ويفخرونَ بمروان بن الحكم الذي بدأ خلافته بالتهديد بالسيف وكان أول من بايعه من الناس أهل الأردن، وقد بايعوه كرهًا خشية من حد السيف، وتبعهم في ذلك أهل الشام، ثم حاصر مصر وقاتلهم حتى دخلوا في طاعته. ويفخرون بـ عبد الملك بن مروان الذي لاقى المسلمون منه الويل، وسالت في عهده أنهر الدم، وكان شعار عبد الملك وهو الفكر السياسي السائد في بني أمية، هو قوله عندما حج بالناس وخطبهم في المدينة قائلاً :« فإني لست بالخليفة المتضعف [يعني عثمان] ولا الخليفة المداهن [يعني معاوية] ولا بالخليفة المأفون [يعني يزيد] ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم». وأطلق عبد الملك يد الحجاج في المسلمينَ حتى رمى حجاجُ بيت الله الحرامِ بالمنجنيقِ وهم يطوفونَ بالكعبة. وتقولُ المصادر التاريخية أنه بلغ عدد من قتلهمُ الحجاج صبراً ـ سوى من قتلوا في حروبهِ وعلى أيدي جندهِ ـ مئة وعشرين ألفاً. وبعد هلاكه وُجد في سجونه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، ويكفي ما قاله عنهُ عمر بن عبد العزيز :« لو جاءت كلّ أمةٍ بخبثهَا وجئنا بالحجّاج لغلبناهم ». والكلامُ في هذا الشأنِ لا يكاد ينتهي. وكل حاكمٍ أمويٍ أو واليا من ولاتهم يحتاج لوحده عدة دفاترٍ لنقلِ صورةٍ من صورِ سياسة الظلم وسفك الدماء المحرمةِ التي انتهجوها. طبعًا هم يفخرون بهم لأن دولة المسلمين في وقتهم كانت عزيزةً على حد اعتقادهم، ومظهرُ ذلك كثرة الفتوحات والغنائم والسبيّ، وانتشار الإسلام في الأمصارِ التي كانت تحت سلطتهم، وإقامة نظمٍ إداريّة وتعريبهم للدواوينَ وصكهم لأول عملة عربية إسلاميّة، وصونهم للثغور وغيرها من مظاهر قوة المُلكِ. طبعًا لا شكّ في أن دولة المسلمينَ في عصرهم كانت عزيزةً على أهل الكفرِ، والذين كانوا يرابطون في الثغورِ دفاعًا عن بيضة الإسلام ليس بالضرورةِ أنهم كانوا راضينَ عن السلطةِ، بل كان الإشتراك فيها مظهرًا من مظاهر الهروب من الواقع السياسيّ الداخليّ وحفاظاً على النفس من الوقوعِ فريسة للإجراءات الجائرةِ أو الفتن الدائرة، ولنا في أبي ذرٍ الغفاري (رض) خيرٌ مثال، حيثُ لجأ فترة من الزمان للبقاء في الثغور هرباً من السلطةِ. ومن المعلومِ أن الثغور وأماكن الرباط كانت أبعد النقاط في ذلكَ الزمن عن أماكنِ الرفاه والراحةِ، واختيار البعض لتلك الجهات البعيدة كان لأجلِ ابتعادهم عن التورطات التي انغمس فيها أهل المدنِ في داخل البلاد. لهذا كانت في ما بعد مقصدًا للمتصوفةِ الذين كانوا يرغبون في الزهدِ والإبتعاد عن مظاهر الترف والمجونِ التي عرفها المجتمع خصوصًا في العصر العباسيّ. إن من كانَ في أدبياتهم الدينيّة تبجيلاً لسيرِ الحُكام الأوائل لعلةِ عزة الإسلام في عهدهم، رُغم ما قاموا به من ظلمٍ وجورٍ وسفكٍ للدماءِ، حتى وإن تمكنوا من إزالةِ ظلمٍ؛ سيساهمونَ في إقامةٍ حكومةٍ ظلم أخرى. ومن كان سلفُه في السياسة والتدبيرِ أُناسٌ مثل مروان وهشام والحجاج، ويرى نفسه أنه سليلهم، لا ينتظر منه أفضل مما قام به سلفهُ. ولنا في التاريخِ عبرة.

أوصاف الاشراف للخواجة الطوسي.pdf3.59 MB

” قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} الرياضةُ لغةً: هي منع الفرس عن مطلوبه من الحركات المضطَربة، وجعله بحيث تصير طاعته لمولاه ملكةً له. والمراد بها هنا هو منع النفس الحيوانيّة من المطاوعة والانقياد لقوّتي الشهوة والغضب وما يتعلّق بهما، ومنع النفس الناطقة من مطاوعة القوى الحيوانيّة، ومن رذائل الأخلاق والأعمال كالحرص على جمع المال واقتناء الجاه وتوابعهما من الحيلة والمكر والخديعة والغيبة والتعصُّب والغضب والحقد والحسد والفجور والانهماك في الشرور وردّها عن غيّها، وجعل طاعة النفس للعقل العمليّ ملكةً لها على وجه يوصلها إلى كمالها الإيمانيّ الممكن. والنفس، إذا تابعت القوّة الشهوانيّة، تُسمّى نفساً بهيميّةً، وإذا تابعت القوّة الغضبيّة، تُسمّى نفساً سبعيّةً، وإنْ جعلت رذائل الأخلاق ملكةً لها، تُسمّى نفساً شيطانيّةً. ويُسمّي الله تعالى مجموع هذه الرذائل في التنزيل [النفس الأمّارة]، أي الأمّارة بالسوء إنْ كانت رذائلها ثابتةً. وإنْ لم تكن ثابتةً بل تكون مائلةً إلى الشرِّ تارةً وإلى الخير أخرى، وتندم على الشرِّ وتلوم نفسها يُسمّيها [اللوَّامَةِ]. وإن كانت منقادةً للعقل وصار الانقياد ملكةً لها، يُسمّيها [مُطْمَئِنَّةً]. والغرض من الرياضة ثلاثة أشياء: أوّلها: رفع الموانع عن طريق الوصول إلى الحقّ، وهي الشواغل الظاهرة والباطنة. وثانيها: جعل النفس الحيوانيّة مطيعةً للعقل العمليّ الباعث على طلب الكمال. وثالثها: جعل النفس مستعدّة لقبول فيض الحقّ لتصل إلى كمالها الممكن لها.“ ~ الخواجة نصير الدين الطوسي، أوصافُ الأشراف.

يعتبرُ الفن في فلسفة أوزوالد شبينجلر، مؤشرًا هامًا على نمو وانحطاط الحضارات، إذ يرى أن كل حضارةٍ بشريّة تمتلك فنًا يعكس روحها وثقافتها ويعبر عن مرحلتها التاريخية. كل حضارة بحسبِ شبنجلر تمتلك أسلوبًا فنيًا مميزًا يتجسد في رمزية فريدة تعبر عن رؤيتها للعالم. فالحضارة المصرّية ركزت على الفن الموجه نحو الأبديّة، مثل الأهرامات والتوابيت، ما يعبر عن رؤيتها للحياة كرحلة أبديّة واستمراريّة الحياة بعد الموتِ وما يسميها بالحضارة الكلاسيكية [ اليونانية/الرومانية] ركز فنها على الشكل المادي والتوازن والوضوح، ما يعبر عن رؤيتها العقلانية والمحسوسة. مثل التماثيل ذات النسب المثالية، والهندسة المعمارية التي تركز على التوازن والتماثل [المعابد اليونانية] والحضارة الغربية ركز فنها على اللا نهائية، مما يعبر عن سعيها نحو ما هو غير محدود والغامض، والتطلع الدائم إلى المستقبل، والتوسع، واكتشاف المجهول. مثل العمارة القوطيّة، والتي تعكس ارتفاع المباني نحو السماء، واللوحات التي تعبر عن العمق والفضاء غير المحدود. وأما الحضارة الهنديّة، فقد ركزت على الاستبطان والبحث عن الحقيقة في النفس البشرية بدلاً من العالم الخارجي. لهذا فنها يعبر عن هذه الروح الثقافيّة بالمعابد والتصاميم التي تعكس الانسجام الداخلي والتأمل الروحي. ويرى شبينجلر أن الحضارة الإسلاميّة تركز على الفضاء الداخلي المغلق مثل الكهف، في تعبيرها عن الحياة والروح. والوحدة الإلهية والانسجام بين العالم الخارجي والباطني. لهذا كان فنها عبارة عن الزخارف الهندسية والخط العربي، ما يعكس التركيز على الروح بدلاً من الشكل المادي. وبالنسبة للحضارةِ الصينيّة، فالروح الثقافية لديها تركزُ على انسجام الإنسان مع الطبيعة وسير الأمور وفق نظام كوني طبيعي. والسعيّ لتحقيق التوازن مع الكون من خلال الطاعة للنظام الطبيعيّ. لهذا يغلبُ على فنها البساطة والتوازن، ويظهر ذلك جليًّا في الحدائق والمباني التقليديّة. في طور ازدهار الحضارة، يُبدع الفن أساليب جديدة تتميز بالابتكار والإبداع، لهذا يُعتبر الفن في هذا الطورِ تعبيرًا عن التوازن بين الروحانية والتجربة المادية للحضارة. ومع دخول الحضارة في مرحلة الشيخوخة، يتحول الفن إلى مجرد محاكاة لما سبق، ويفقد ارتباطه بالروح العميقة للحضارة. فيظهر ما يسميه بالفن الميكانيكي والتجريدي، الذي يُعبر عن تفكك الروابط الثقافية والروحية. على سبيل المثال، اعتبر شبينجلر أن الفنون الحديثة [ مثل التكعيبية والتجريدية] علامة على انحطاط الغرب، حيث فقد الفن وظيفته الروحيّة وأصبح تجاريًا وماديًا. إن كل شكلٍ فني عند شبنجلر ينتمي لمرحلة زمنية محددة من دورة الحضارة. وعندما تصل الحضارة إلى ذروتها، يتحول الفن من التعبير العميق عن الروح إلى سلعة تفقد معناها الأصيل. لهذا كانت دراسة الفن في أي حضارة تكشف عن مستقبلها، فعندما يتحول الفن من الإبداع إلى التقليد ومن الروح إلى المادة، يكون ذلك مؤشرًا على دخول الحضارة في مرحلة الانحطاط. الفنّ في فهم شبنجلر ليس مجرد تعبير جماليّ، بل هو وثيقة تاريخية وروحية تُظهر مراحل نمو الحضاراتِ واحتضارها. في ذروة الحضارة، يكون الفن نابضًا بالحياة والروحانية، بينما في مرحلة الانحطاط، يصبح الفن فارغًا وماديًا، مما يعكس تفكك الروح الجماعية للحضارة.

جاء في الكلام المأثور عن الإمامِ عليّ (ع) قولهُ: مَن زادَ عِلمُهُ عَلى عَقلِهِ كانَ وَبالًا عَلَيهِ. عالمُ اليومِ يمثل مصداقً
جاء في الكلام المأثور عن الإمامِ عليّ (ع) قولهُ: مَن زادَ عِلمُهُ عَلى عَقلِهِ كانَ وَبالًا عَلَيهِ. عالمُ اليومِ يمثل مصداقًا لكلامِ الإمامِ، حيثُ أن التطورَ في العلوم والمعارفِ بلغ مبلغًا عظيمًا إلا أن حضورَ العقل تناقصَ، فأضحى العلمُ نتيجة عدم احتكامهِ إلى العقلِ مُسببًا لاضطرابِ المجتمعاتِ وفسادهَا، بدلا من أن يكونٕ عاملًا للإستقرارِ والرفاه والكمالِ المعنويٍ والماديّ. وباتَ أداةً في يدِ طبقةٍ من الجُهال والمستكبرينٕ لتحقيقِ أطماعهم السياسية والماديّة، واستضعافِ الشعوبِ ونهب ثرواتهَا. فالتطورُ العلميّ بقدر ما هو هامٌ للحياة الإنسانيّة، يشكلُ أيضًا تهديدًا حقيقيًا لها، والعلةُ في ذلك غيابّ العقلِ. إن خيرَ ما يمكنُ أن يحدث للمجتمع الإنسانيّ هو كما قالَ إمامُ الحكمةِ عليّ: أفضلُ ما منَّ اللّهُ سبحانهُ بهِ على عبادهِ عِلمٌ، وعقلٌ، ومُلكٌ، وعدلٌ.

” واذا خُفنَا مِنك فأمزِج خَوفَنا مِنك بِرَجَائنَا فيك.“ ~ أبو حيّان التوحيديّ
” واذا خُفنَا مِنك فأمزِج خَوفَنا مِنك بِرَجَائنَا فيك.“ ~ أبو حيّان التوحيديّ

الإيمانُ يمان والحكمةُ يمانيّة
الإيمانُ يمان والحكمةُ يمانيّة

إن من حيث المبدأ في الفكر الإسلاميّ، يُفترض أن يكون هناك انسجام بين السلطةُ الظاهرة والسلطة الروحيّة ، وأن القيادة الظاهرة للأمة ينبغي أن تنسجم مع المبادئ الروحيّة للإسلام. في السياق الأمثل، يجبُ أن تكونَ السلطة التي تقود الأمة انعكاسًا للمعرفة الروحيّة التي تمثل جوهر الإسلام. لذلك، من المنطقي القول إن الباطن، باعتباره يمثل الحقيقة الروحيّة، يجب أن يكون هو المرشد للظاهر. الإسلام يدمج بين الجوانب الروحيّة والجوانب التنظيمية والسياسية. النبي الأعظم ﷺ كان يمثّل بشكل جليّ لهذا الدمج، حيث قاد الأمة سياسيًا وروحيًا. وبعد وفاة النبي الأعظم، حدث الإنفصال بين الظاهرِ والباطن، مما أدى إلى صراعاتٍ حول القيادة والشرعية. فـ الإمام علي عليه السّلام، من منظور الشيعة وأغلبُ المتصوفة، يُمثّل الإنسان الكامل، والذي يجمع بين الولاية الباطنية [ المعرفة الروحية الحقيقية للشريعة والحقائق الإلهية] والظاهر [ المعرفة بالأحكام والكفاءة السياسية والعسكرية]. ومع ذلك، لم يُمنح السلطة السياسية مُباشرة فور وفاة النبي (ص). هذا الإنفصال بين السلطة الظاهرية والسلطة الروحيّة يعبر بحسب السياق الشيعي عن إنحراف الأمةِ في أيامها الأولى عن مسارها الصحيح. القيادة الروحيّة تستند إلى طهارة النفسِ وإلى المعرفة العميقة الحقانيّة، والحكمة التي تُتيح اتخاذ قرارات والإجراءاتِ مبنيّة على العدل الحقيقيّ. فـ في مثل حالة الإمام علي عليه السّلام، يُعتقد بحسب السياقِ الشيعيّ أنه كان الأجدر بالقيادة السياسيّة لأنه كان مُطهرًا من الرجس [ العصمةَ ] ويمتلك علمًا باطنيًا عميقًا إلى جانب فهمه للشريعة. إنّ الولاية الروحيّة تمثل الاتصال بالحقيقة الإلهية واستمرارًا للنبوةِ، وبالتالي فإنها تكون أكثر انسجامًا مع الشرعِ ومقاصدهِ، وعندما تكون القيادة الظاهرة السياسيّة انعكاسًا للباطن والروحِ، فإن ذلك كمالٌ للأمةِ التي تنتظمُ على أساسِ العمليات الإجرائيّة المُبتنيّة على أساس القيم الروحيّة الحقّة. أحدثت وفاة الرسول الأعظم ﷺ فراغًا سياسيًا وروحيًا، وبرزت معها إشكاليّة الحكم والاختيار الفوري للخليفة لملئ هذا الفراغ السياسيّ، فوقع الإختيارُ على الخليفة الأول أبي بكرٍ الذي لم يكن يمثّل أعلى سلطة روحيّة، بل كان الإمام علي هو الذي يمثلها بحسب بعض الصحابة ذلك الوقتِ، وبحسبِ الشيعة وأكثر الصوفيّة؛ فوقع انفصالٌ بين السلطتينِ، إلا أن الصوفيّة لا يرونَ في ذلك إنحرافًا للأمةِ كما يرى الشيعة الإماميّة، لاعتقادهم على نفسِ النسقِ السنيّ أن الإمامة فرعٌ من الدينِ، وووظيفة لتطبيق أحكام الشرع وحفظ الأمة وتحقيق مصالحها؛ عبر قيادة حاكمٍ تجمعُ الأمة على اختيارهِ وليس منصوصًا عليه كما يعتقد الشيعةُ. لهذا لا يشددونَ على ضرورةِ أن يكون الحاكمُ السياسيّ صاحب أعلى سلطة روحيّة [ القطب، الإنسان الكامل] ويمكن أن يتمثّل دور هذا الأخيرِ في الإرشاد والتوجيه الروحيّ للحاكم والمجتمع. كما يرونَ أنه من الممكنُ أن تجتمع الولاية السياسيّة [ الظاهر] بالولاية الروحيّة [ الباطن] كما اجتمعت مع الإمام عليّ، والإمام الحسن، وستجتمع آخر الزمان مع الإمام المهديّ. وبالرغم إقرارهم [ أي الصوفية ] بأن الأمثل والأصح أن تجتمع كلتا السلطتانِ بيد رجلٍ واحدٍ، لكنهم يبررونَ سلطة من لا تتوفر فيه الكمالاتُ الروحيّة لعلةِ أن هذا تدبيرٌ من الله وداخلٌ ضمن الخطة الإلهيّة في تسييرِ شؤونِ الخلق، وأن في ذلك حكمة قد لا ندركها. أو أن في ذلك إبتلاءٌ للأمةِ. إن الناظرَ في الحكمة الإلهيّة كما عبرّ عنها الحكماءُ الإلهيونَ، يرى أنّ القيادة السياسيّة يجب أن تكون مسترشدةً بالقيم الروحية والمبادئ الإلهيّة وتمثّل انعكاسًا ظاهرًا لها، لهذا فإن القادة السياسيين لابد أن يكونوا أكملَ الناسِ وأكثرهم تجردًا وأعلاهم في المقام الروحيّ، وهو ما ينسجم مع نظام الوجودِ ومبادئه العُليا الجليلة. وهو شرطٌ أساسيٌ لحدوث الإجتماعِ الفاضلِ.

في تقديري أن من أشنع ما أقحم في السياق الفكري الديني الإسلاميّ هو التأويل الإيجابي للظواهر التي تبدو ظاهرًا سلبيّة وغير حسنة لعلةِ أن ذلك داخلٌ في الخطة الإلهية في تدبير الكون، وأن ما قد يبدو لنا في الظاهر شرًا هو في باطنهِ خير. وهذا الأمرُ الذي ابتليّ به بعض الصوفيّة والإسماعيلية والنصيريّة. حتى قرأنا في أدبياتهم تبجيلًا وتقديرًا لشخصيات قبيحة الذكر عند كثيرٍ من المسلمين، مثل أبي ملجمٍ يزيدٍ والمتوكلِ.

يمكن القول أن غاية التاريخ في الفلسفة الإسلاميّة، خاصة في السياق العرفاني والشيعي، تتجه نحو انعكاس [ عالم الملكوت] على عالم المُلك [ العالم المادي الأرضيّ]. هذا المفهوم يبرزُ في عددٍ من المدارس الفلسفية والعرفانيّة الإسلامية، حيث يُعتبر التاريخ ليس مجرد سلسلة من الأحداث المادية أو السياسيّة، بل هو مسار روحي يهدف إلى تجسيد [ الحقائق الإلهية] في التاريخِ. يُعتبر التاريخ بمثابة رحلة نحو الكمال الروحيّ للإنسان. ويُنظر إليه على أنه عملية تجلي وظهورٌ للحقائق الإلهية. ونجد تعبيرًا لهذا بشكلٍ واضح في التراث العرفاني مثل كتابات ابن عربي ومُلا صدرا الشيرازي. في هذا السياق يكون التاريخ جزءًا من الانتقال بين العالم المادي [ الملك] والعالم السماويّ [ الملكوت]. ومسرحًا لأسفارِ الإنسانِ ورحلاتِ كماله الروحيّ وارتقائه. في الفكر الشيعيّ الإمامي، ولدى ابن عربيّ كذلك، تُفهم نهاية التاريخ على أن المسار التاريخيّ سيُتوج بـ ظهور الإمام المهدي [ السبب المتصل بين الأرض والسماء، حجة الله على الخلق، قطبُ الأقطاب، الإنسان الكامل...إلخ ] والذي سيحقق العدالة الإلهيّة ويظهرُ تمام الحق الإلهي في العالم، ويؤسس لعصرٍ جديدٍ يتجلى فيه الملكوتُ على الأرضِ. وبذلك يُنظر إلى ظهور الإمام المهدي أنه بمثابة المرحلة الأخيرة في التاريخ حيث تتحقق العدالة الإلهيّة وتتجلى الحقيقة الروحيّة في العالم المادي.

” الحِكمة بكسر الحاءِ على فِعلة بناء نوع يدلّ على نوعِ المعنى، فمعناه النوع من الإحكام والإتقان أو نوع من الأمر المُحكم المتق
” الحِكمة بكسر الحاءِ على فِعلة بناء نوع يدلّ على نوعِ المعنى، فمعناه النوع من الإحكام والإتقان أو نوع من الأمر المُحكم المتقنِ الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتورٌ، وغلب استعماله في المعلوماتِ العقليّة الحقة الصادقةِ التي لا تقبل البطلانَ والكذب البتةَ. والجملةُ تدل على أن البيانِ الذي بيّن اللّه به حال الانفاقِ بجمع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالحِ في حقيقةِ حياة الانسانِ هو من الحكمةِ، فالحكمةُ هي القضايا الحقةُ المطابقة للواقعِ من حيث اشتمالها بنحو على [ سعادةِ الانسان] كالمعارفِ الحقة الإلهيّة في المبدأ والمعادِ، والمعارف التي تشرحُ حقائق العالم الطبيعيّ من جهة مساسها بسعادة الإنسانِ كالحقائق الفطريّة التي هي أساسُ التشريعات الدينيّة. “ ~العلامةُ السيد الطباطبائي، الميزان في تفسيرِ القرآنِ.

” في رسائلِ إخوان الصفا نجد أنّ ولاية الإنسان الكامل تدخلُ في الحكمِ والسياسية، حيث يرونَ أن روح اللّٰه أو [ روح القدس الأمين
” في رسائلِ إخوان الصفا نجد أنّ ولاية الإنسان الكامل تدخلُ في الحكمِ والسياسية، حيث يرونَ أن روح اللّٰه أو [ روح القدس الأمين] التي تسريّ في جسم العالم كلّه تختص من الأشخاص الإنسانيّة الفاضلة من الأنبياء والمرسلين والعباد الصالحيّن، وأن الصورة الإنسانيّة [ خليفة اللّٰه في أرضه] القائم بتدبير عالمه السفلي [ الأرضي الدنيوي] وأنّ له في كل زمان وفي كل قران شخصاً فاضلاً يلقى إليه في أمره ما يكون به صلاح أهل ذلك الزمان. والناطق هو الصورة الفاضلة الكاملة المادية لـ [ لأمر] ، والذي يتلقى الفيض والتأييد من العقل الكلّي عن الباريّ جل اسمه بوجه روحاني، ويوصلّه إلى العالم بوجه جسمانيّ؛ فبذلك لا تخلّو الأرض من وجود النفس الجزئية التي تتراءى فيها ما في الصور الإنسانية الكليّة. فهذا الشخص الفاضل هو [ وجه اللّٰه ] في العالم السفليّ، كما أنَّ العقل هو وجه اللّٰه في العالم العلوي. “ ~محمد فريد حجاب، الفلسفة السياسية عند إخوان الصفاء، بتصرف.

” إسرائيل جرثومة الفساد هذه كانت دائماً قاعدة لأمريكا، وعليه فمهما حاولت أمريكا وإسرائيل رفع شعارات السّلام في المنطقة فعلينا
” إسرائيل جرثومة الفساد هذه كانت دائماً قاعدة لأمريكا، وعليه فمهما حاولت أمريكا وإسرائيل رفع شعارات السّلام في المنطقة فعلينا أن ندرك أنها المناورة والتكتيك“ ~السيد روح الله الخميني.

وعلاقة تواصلية وعلاقة الرب- العبد، والعلاقة الأخلاقية ... يقول توشيهيكو إيزوتسو أن هناك علاقة أنطولوجية [ وجودية ] تكون بين اللّه بوصفه المصدر الحق للوجود، باعتباره الخالق، وبين الإنسان بوصفه المخلوق الممثّل للوجود البشري، والذي يدين بوجوده عينا للّه، ذلك أنّ الله لا يكون بمعزلٍ عن البشر، إنما يؤثر بعمق في جميع شؤونهم، كما أن الإنسان لا يمارس مركزيته إلا بتبادلٍ مع خالقهِ، فالقرآن الكريم أحدث في رؤية العرب لهذه القضية بنقلها من المركزية الإنسانية إلى المركزية الإلهية المتبادلة مع الإنسان. من جهة ثانية [ الإنسان - الجاهلي ] كان يؤمن بوجود الله بوصفه الإله الأسمى المتعالي فوق مستوى المعبودات المحليّة، وهو مصدر الوجود، لكنّه لم يول أهمية بالغة لبداية الوجود ومصدره وخالقه كالتي أولاها للدّهر [ العدو المهلك المفنِي ] ويرى أنه مدين لكينونته ووجوده إلى قوة خالقة [ الله ] لكن ثمة مسألة غاية في الأهمية جديرة بالملاحظة وهي أن الإنسان حالما يخلقه الله، يقطع صلته وروابطه - إذا جاز التعبير - مع خالقه، ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا يصبح وجوده على الأرضِ في قبضة سيّدٍ آخر أكثر قوة إلى حدٍ بعيد، يقول الله تعالى { وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } وعلى هذا غيّب الجاهليون حقل الأخرويات، بما فيه القضاء والقدر، فجاء القرآن الكريم ليعيد الاعتبار له؛ أي لأصل الإنسان الذي مصدره الله، وللقضاء والقدر والموت المقّدر لكل نفسٍ، بأن جعل الأجل وسيطًا بين الحياة الدنيا الذي هو نهايتها، والآخرة الذي هو بدايتها، ليكون القرآن الكريم قد غيّر الرؤية الجاهلية لهذه القضية ...

يؤكّد الباحث الياباني في الدراسات الإسلامية [ توشيهيكو إزوتتسو ] أن القرآن الكريم أحدث تغييرا جذريا في مفهوم الكلمات التي تداولت في العصر الجاهليّ، وأنه قد تم في دمجها بمنظومة مفهومية جديده لها تركيبها الخاص وحقلها المركزي الخاص لأنّ الكلمات القرانية قد استعملت في العصر الجاهليّ لكن بصيغة تختلف عن الصيغة القرآنية الجديدة، ولأنّ القرآن الكريم قام بدمجها في السياق الفكري المغاير، فخلق بذلك أفقه المعرفي الذي غيّر في رؤية العرب للعالم والوجود الإنساني، وذلك حسب الباحث عندما بدأ الوحي الاسلاميّ باستعمال هذه الكلمات في سياقٍ جديد صدم المكيين المشركين كونه غريبًا غير مالوفٍ، يقول:" ومن وجهه نظر المختص بعلم الدلالة الذي يهتم بتتبع تاريخ الأفكار فإن هذا وليس شيئا آخر هو ما أعطى الرؤية القرانية للعالم هذا الطابع المميز الواضح جدا" إضافه إلى تأثير السياق في معاني الكلمات؛ إذ القيمة الدلالية للكلمة تؤخذ من السيّاق الذي وردت فيه، وكذلك السيّاق القراني الذي اقتلع المفاهيم من تراكيبها الجاهلية التقليدية، ودمجها في سياق جديد يختلف كليا عن سابقه، وهو ما أحدث تغييرات عميقة في المنظومة المفهومية الكبرى التي تحكم المعجم القرآني، ومن الامثلة التي دلّل بها الباحث على حجته؛ لفظ الجلاله [ اللّه ] إذ كان معروفًا مقبولا في الفكر الجاهليّ، يظهر في الأشعار وفي أسماء الاعلام المركبة والنفوس القديمة، وكان يمثل إلهًا في أعلى تراتبيّة الآلهة، فكانت الآلهة بمثابة وسطاء بين هذا الإله الأسمى وبين البشر، ومع ذلك لم ينل اهتماما مركزيًا، بل كان إلهًا وسط الآلهة فحسب ... ما أحدثه القرآن الكريم هو إعادة التنظيم الكونية للمفاهيم وإعادة توزيع القيم التي جاءت بها تعاليم الإسلام التي بدّلت بشكلٍ جذري تصور العرب عن العالم، ما جعل اسم [ الله ] تدل على المطلق في سموه، وانحطت دلالة الشركاء والآلهة إلى منزلة الباطل نقيض الحق، فأثّر ذلك التحول في بنية الرؤيه للكون، وفي النظام المفهومي ككل، ذلك أن نظامًا يحتل مركزه إلها واحداً قد تأسس للمرة الأولى في تاريخ العربِ مصدرًا منفردًا للكينونة والوجود ... من خلال الإستعمال السياقي للمصطلح، نلاحظ أن المعنى الأساسي للكلمات لم يتغير، بل تغير النّظام العام والتصميم العام، حيث تجد المصطلحات موقعًا جديدا في النّظام الجديد، فكلمه [ التقوى ] على سبيل المثال معناها الأصلي في الجاهلية هو الموقف الدفاعي عن النّفس، اتخذه الكائن الحي حيوانًا كان أو إنسانًا تجاه قوة مهددةٍ من الخارج، فأدخلت هذه الكلمة في النّظام الاسلامي للمفاهيم حاملة معناها الأساسي في نفسه، لكنها وبتأثير النظام ككل أدخلت في حقل دلالي خاص يتألف من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط بـ [ الايمان ] الذي غيره التوحيد، فصارت ذات معنى ديني له أهميه بالغة. لقد صارت التقوى في النهاية : الورع الذاتي الخالص المجرد، دالة على خشية العقاب الإلهي في يوم القيامة، بهذا أصبحت كل الأشياء الموجودة والقيم رهنًا بإعاده تنظيم كاملة وتوزيع جديد، أي إعاده تنظيم الأنظمة المفهومية وترتيبها، حيث أخذت كل واحدة موقعها الجديد، وارتبطت بعلاقات جديده فيما بينها ... بحسب إيزوتسو فإن القرآن الكريم قد صاغ رؤية شاملة للعالم، وأنّه يقوم على مجموعةٍ من المتضادّات الحيوية التي تخلق الحركة والديناميكية لتبادل العلاقات فيما بينها، يكون كل واحد منها حقلًا دلاليا مخصوصًا، وتكون دراستها بشكل ترابطي نظامي حسب السياقِ القرآني الذي وردت فيه، فلفظ الجلالة [ اللّه ] في القرآن الكريم يمثل القطب المفهومي الأعلى الذي يهيمن على جميع الحقول الدلالية وعلى النظام القرآني بشكلٍ عامٍ، ويُعدّ [ الإنسان ] القطب الثاني الذي يوازي لفظ الجلالة، ويتبادل العلاقات معه نظرًا للأهمية العظيمة التي أوكلت له وهي الخلافةُ في الأرضِ { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وهاتان الكلمتان هما القطبان المفهوميان المركزيان لعالم الوجود القرآني وما يحويه من درامات تخلق التوتر الروحي الذي ميّز الرؤية القرآنية للعالم عن نظيرتها الجاهلية ذات المركزية الإنسانية فحسب؛ أي لا وجود لمقابل يتبادل العلاقات مع الانسان وذلك لمكانته المركزية في القبيلة لكونه شاعرا وفارسا وحكيمًا، وبحكم العقلية القبلية التي يتباهى بها الفكر الجاهلي، أما الآن وفي عالم الإسلام الجديد، فإن التوتر الروحي والدرامي ...لو تحدثنا عنه بمصطلحات علم الدلالة بسبب العلاقات الخاصة بين القطبين المفهوميين [ الله والإنسان ] ولم تكن هذه العلاقة بسيطة ولا أحادية الجانب، بل معقدة ثنائية، أي تبادلية، وقد رأى إيزوتسو العلاقة بين الله والإنسان في القرآن على أنها رباعية الأوجه : علاقة أنطولوجية [ وجودية ]

يسبقُ إخوان الصفا ابن خلدون، ويقررون أن التنوع الهائل في البشر أمرٌ ناتجٌ عن اختلاف المناخ وأحوال الفلكِ، وفي ذلك يقول إخوان
يسبقُ إخوان الصفا ابن خلدون، ويقررون أن التنوع الهائل في البشر أمرٌ ناتجٌ عن اختلاف المناخ وأحوال الفلكِ، وفي ذلك يقول إخوان الصفا في رسائلهم: ” واعلم يا أخي بأن في كل إقليمٍ، من هذه الأقاليم السبعة، ألوفًا من المدن تزيد وتنقصُ، وفي كل مدينة أممٌ من الناس مختلفةٌ ألسنتُهم وألوانُهم وطباعُهم وآدابُهم ومذاهبُهم وأعمالُهم وصنائعُهم وعاداتُهم، لا يشبه بعضها بعضًا، وسبب ذلك اختلاف أهوية البلاد وتربة البقاع وعذوبة الماء ومُلوحتها، وكل هذا الاختلاف بحسب طوالع البروج ودرجاتها على آفاق تلك البلاد، بحسب ممرات الكواكب على مُسامَتات تلك البِقاع، ومطارح شعاعاتها من الآفاق على تلك المواضع“.

” واعلم يا أخي بأن أول مرتبة الحيوان متصلٌ بآخر مرتبة النبات، وآخر مرتبة الحيوان مُتصلٌ بأول مرتبة الإنسان، كما أن أول المرتبة النباتية متصلٌ بآخر المرتبة المعدنية، وأول المرتبة المعدنية متصلٌ بالتراب والماء. “ ~رسائل إخوان الصفا