en
Feedback
آراءُ أهل الحكمةِ

آراءُ أهل الحكمةِ

Open in Telegram

واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.

Show more
846
Subscribers
No data24 hours
-17 days
-530 days
Posts Archive
إن العلم الحضوري الشهودي، هو انكشاف المعلوم لنفسه بلا واسطة صورة ولا مفهوم، إذ حضور الشيء عند ذاته لا يحتاج إلى تصور آخر، بل
إن العلم الحضوري الشهودي، هو انكشاف المعلوم لنفسه بلا واسطة صورة ولا مفهوم، إذ حضور الشيء عند ذاته لا يحتاج إلى تصور آخر، بل عين المعلوم هو الحاضر لدى العالِم. ومن جهة أخرى، إن الكليات الذهنية ـ وإن كانت تحكي عن جهة من جهات الخارج ـ إلا أن حكايتها إنما تكون حكاية حد ورسم، فيكون العلم بها علمًا حصوليًا، ذا واسطة بين العالِم والمعلوم. ولما كان الوجود الحق، في حقيقته، بسيط الذات، لا يحد بحد، ولا يرسم برسم، كانت المفاهيم الكلية قاصرة عن الإحاطة به، إذ هي بحكم ماهيتها إنما تقيد المطلق وتحد اللامحدود. فالطريق إلى معرفة الوجود الأحدي الحق، ليس بمحض التحليل العقليّ ولا بجمع الكليات، بل بتحقق العلم الحضوري، الذي فيه تحضر الحقيقة لدى القلب بلا توسط رسم ولا حد. وهذا هو السر في أن أهل العرفان والإشراق يرون أن الكمال النهائي للإنسان إنما هو في شهود الوجود، لا في تصوره، وأن السير العقلي مهما بلغ، لا يغني عن الشهود الحضوري، الذي هو مقام الفناء عن الكثرة في الواحد الحق، والبقاء بنوره وحضوره.

حين ننظر إلى الواقع العالمي اليوم، ونتأمل في كيفية إدارة القوى الكبرى لعلاقاتها الدولية، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية حامية الحريات والديمقراطية، في الحقيقة تخضع في كثير من قراراتها لمصالح طبقة من الرأسماليين المتوحشين، وعلى رأسهم أصحاب شركات صناعة السلاح. هذه الشركات لا تفكر في الإنسان ككائن مكرم، له روح وعقل وكرامة، بل تنظر إليه كوسيلة للربح، وكوقود لصراع يخدم آلة السوق. إن لوبي السلاح الأمريكي لا يقتصر تأثيره على القرارات العسكرية فقط، بل يتدخل في صياغة السياسات، وفي توجيه الرأي العام، بل وحتى في تشكيل مفهوم العدو والخطر. وكلما خفّت وتيرة الحرب، أحسّت هذه الشركات بالخطر على أرباحها، فتسعى إلى إشعال نار جديدة، هنا أو هناك، ولو على حساب دماء الأبرياء، ولو على حساب ملايين المشردين والمظلومين. هذا المشهد يكشف عن أزمة في منظومة القيم التي تحكم العالم الحديث، حيث الربح المالي أصبح هو المعيار الوحيد للصواب والخطأ. لم يعد الإنسان هو المركز، بل صارت الآلة والمال والقوة هي المحور، وهذا هو ما سماه النص القرآني بـ[ الطاغوت] حين يتحول شيء من خلق الله إلى صنم يُعبد ويُقدّم له البشر قرابين. وفي هذا السياق، يجب أن نتذكر أن الدين الإلهي لا يعارض القوة في ذاتها، ولكنه يربط القوة بالحق، ويربط السلاح بالقيم، ويمنع أن تتحول أدوات الدفاع إلى أدوات لقتل الأبرياء من أجل الربح. النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن يطلب الحرب، بل كان يدفعها، ولم يكن يرى في القتال هدفًا، بل وسيلة لحماية الإنسان والمجتمع من الظلم. إن من الواجب اليوم أن تُقرأ هذه الظواهر لا بعين الإعجاب بالتقدم الصناعي، بل بعين النقد القيمي والروحي، وأن يدركوا أن الإنسانية تحتاج إلى نهضة تقوم على العدل، لا على صناعة الموت، وعلى العقل المرتبط بالوحي، لا بالعقلانية المقطوعة عن الأخلاق.

” يا بن جندُب، إنّ الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيًا إلا بصدق الحديثِ وأداء الأمانةِ إلى البرِ والفاجر، فكونوا أمَناء في أنفسِكم، حافظينَ لعقولكُم، فإن العقلَ دليلُ المؤمنِ، وإن اللّه تباركَ وتعالى لا يُعبد بشيءٍ أفضلُ من العقلِ. “ ~ من وصيّة الإمام جعفر الصادِق (ع) لصفوان بن جندب.

” يا ابن جُندب، إنّ عيسى بن مريم (ع) قال لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم مرّ بأخيه فرأى ثوبَه قد انكشف عن بعض عورته، أكان كاشفًا
” يا ابن جُندب، إنّ عيسى بن مريم (ع) قال لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم مرّ بأخيه فرأى ثوبَه قد انكشف عن بعض عورته، أكان كاشفًا عنها كلّها أم يردّ عليها ما انكشف منها؟ قالوا: بل نردّ عليها. قال: كلا، بل تكشفون عنها كلّها. فعرفوا أنّه مثلٌ ضربه لهم. فقيل: يا روح الله، وكيف ذلك؟ قال: الرجل منكم يطّلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحقٍّ أقول لكم: إنّكم لا تصيبون ما تريدون إلّا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تأملون إلّا بالصبرِ على ما تكرهون. إيّاكم والنظرةُ، فإنّها تزرع في القلبِ الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لِمن جعل بصرهُ في قلبه، ولم يجعل بصره في عينهِ. لا تنظروا في عيوبِ الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبكم كهيئةِ العبيد. إنّما الناس رجُلان: مبتلى ومُعافى، فارحموا المُبتلى، واحمدوا اللّه على العافيةِ.“ ~من وصيّة الإمام جعفر الصادق (ع) لصفوان بن جندب.

المذهب [ الإسمي] الذي تبنّاه مفكرون ولاهوتيون مسيحيون أمثال ويليام الأوكامي، لم يكن مجرد مذهب فلسفي في نظرية المعرفة، بل هو تحول جذري في الرؤية إلى الوجود والمعرفة والإنسان. فبنفي هذا المذهب للكلياتِ الواقعيّة، وإرجاعها إلى مجرد أسماء ذهنية واعتبارات لفظية، قُطع الوصل بين عالم الحس وعالم المعنى، وبين الشهادة والغيب، وسقط العقل في أسر الجزئيات، بعد أن كان مهيئًا للترقي إلى المبادئ الكلية والمعاني العلوية. وهذا بحسب المنهج القرآني والعقلي معًا نكوص عن فطرة التوحيد، التي ترى أن الوجود ذو نظام مراتب، متدرج من الحق المطلق إلى الممكنات، وأن الإنسان بما له من عقل، مؤهلٌ لأن يدرك هذا النظام، ويسير في مدارج الكمال على ضوءه. وقد نَبَّه الحكماء الإلهيون إلى أن إدراك الكلي ليس وهماً، بل هو من لوازم كون العقل مرآة للوجود المشكك، فإذا أُبطل الكلي، أُبطل بذلك مفهوم الحقيقة والنوع والغاية، وصار الإنسان كائنًا متفردًا، لا رابط له بعالم الغيب، ولا غاية له وراء اللذة والمنفعة. وهنا يلتقي هذا الإنحراف مع الحداثة، حيث أن هذه الأخيرةَ قامت على قطيعة مع الميتافيزيقا. وأصل هذا الإنفصال هو فقدان مبدأ المعرفة الكلية، أي المبدأ العقلي الأعلى، واستبداله بالتجربة الحسية والفكر النسبي. ومن ثم، فالإسمية لم تكن مجرد نظرية معرفية، بل إعلان لانهيار مركزية المقدس، وتمهيد لقيام عالم تقني، مادي، فردي، متشظٍ، فقد بوصلته الوجودية.

في قلب النظام العالمي الليبرالي، لم تعد المسيحية تمثل قوة روحية متمرّدة على الزمن، بل تحوّلت إلى ظلّ باهت يتعايش مع الحضارة ا
في قلب النظام العالمي الليبرالي، لم تعد المسيحية تمثل قوة روحية متمرّدة على الزمن، بل تحوّلت إلى ظلّ باهت يتعايش مع الحضارة الحديثة. إن المسيحية التي نراها اليوم في الغرب، لم تعد مسيحية حقًا، بل نسخة مدجّنة، مبتذلة، تمّت برمجتها لتلائم قيم السوق، الفردانية، والنسبية المطلقة. المسيحية الليبرالية هي دين الحداثة الأخيرة. لا تتكلم عن الخطيئة، ولا عن الجهاد الروحي، بل عن التسامح والقبول والراحة النفسية. لقد انفصلت عن الرؤية التقليدية التي ترى في الله مركزًا لكل شيء، وصارت ترى الإنسان – بوحدته النرجسية – هو المقياس الأعلى، بل هو الإله الجديد. إنها لاهوت بلا قداسة، وعقيدة بلا ميتافيزيقا. الكنيسة لم تُهزم فقط، بل أُعيد تشكيلها لتخدم النظام. صارت مؤسسة ناعمة في يد النيوليبرالية، تروّج للسلم الاجتماعي، وتخدّر الشعوب، بدل أن تزعزع اليقين الزائف الذي يقوم عليه هذا العالم. نحن لا نعيش فقط انحراف المسيحية، بل نعيش نهايتها بصيغتها الليبرالية. وما بعد هذه النهاية، لن يكون إلا صراعًا وجوديًا بين الأرواح الحية، التي ما تزال ترتبط بالمقدّس، وبين حضارة ما بعد الإنسان التي تريد أن تحوّل كل شيء –حتى الله– إلى منتج قابل للتسويق.

إن اللذة كما بيّنها أهل التحقيق من الحكماء، ليست شيئًا خارجًا عن ذات الإنسان، بل هي نحو من أنحاء الكمال الذي تدركه النفس عند نيل ما يلائمها ويكمّل وجودها. وهي بحسب الوجود تابعة لمرتبة الملائم؛ فإن كان الملائم جسديًا ماديًا، كانت اللذة حسيّة بهيمية، وإن كان الملائم من شؤون النفس المجردة، كانت اللذة معنوية عقلية، وهي أشرف وأبقى. والذي يُستفاد من الإستقراء في أحوال النفس، أنّ اللذة المعنوية، كالعلم والمعرفة والحب الإلهي والتوجه إلى العالم الأعلى، أشدّ تأثيرًا وأعظم بقاءً من اللذات الحسية، بل النفس إذا ذاقت طعم المعرفة الحقيقية، استقذرت ما دونه من شهوات الجسد. ومن هنا، فإن اللذة المعنوية لا تحدّ بحدود الزمان والمكان، ولا تنقطع بانقطاع الأسباب الخارجية، بل تتصل بعالم المجردات، وتُشرق من باطن الإنسان حين توجهه إلى كماله الحقيقي، الذي هو الله سبحانه، الغني المطلق، ومبدَأ كل كمال. وقد أشار الكتاب العزيز إلى هذا المعنى، في قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} فإن فضل الله ورحمته إشارة إلى العلم والهداية، وهي نعم معنوية، والفرح بها خير من الفرح بالمتاع الدنيوي. فاللذة المعنوية هي أثر حضور الكمال في النفس، وهي كلما سمت في مراتب الوجود، اشتدت لذّتها، حتى تنتهي إلى أعلى مراتبها، وهي لذة الشهود والقرب، حيث يفنى العبد عن نفسه ويبقى بربه، وهناك يتبدّل كل ألمٍ لذة، وكل فقرٍ غنى، ويصحّ فيه قول العارف: لو علم الملوك ما نحن فيه من اللذّة لقاتلونا عليها بالسيوف.

” أطيبُ العيشِ عيشُ القنوع، وألذّ اللذات لذّة العقلِ. “ ~ الإمامُ عليّ (ع).

” اسعَ أن يكون قلبكَ هو الذاكرُ، فالمهم حضورُ القلبِ وتوجهه للذكرِ، وإلا فإنَ الذكر بقلب ساهٍ هو جسدٌ بلا روح وشكلٌ بلا محتوى
” اسعَ أن يكون قلبكَ هو الذاكرُ، فالمهم حضورُ القلبِ وتوجهه للذكرِ، وإلا فإنَ الذكر بقلب ساهٍ هو جسدٌ بلا روح وشكلٌ بلا محتوىٰ. جاء فى الحديثِ الشريف { ليس الذكر قولاً باللسان فقط} بل إن اللّه سبحانَه يقولُ { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.} وقال عز من قائل { فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.“ ~ العارفُ الشيخ حسن زاده آملي.

” تفيد العقيدة الهندوسيّة أنّ مدّة الدورة البشريّة التي يُعطى لها اسم «المانفانتارا» [ Manvantara ] تنقسم أربعة عصور تميّز ما يعادلها من حقبات من التعتيم التدريجي للروحانيّة الأساسيّة وهي المراحل نفسها لتقاليد العصور الغربيّة القديمة، وتعني من جهتها: العصر الذهبيّ، والعصر الفضّيّ، والعصر البرونزيّ والعصر الحديديّ، ونحن نعيش حاليّاً العصر الرابع «الكالي يوغا» [ Kali-Yuga ] أو عصر الظلمة، وما نزال فيه منذ أكثر من ستة آلاف سنة، أي منذ العصر السابق على كل العصور التي عرفها التاريخ الكلاسيكي. ومنذ ذاك الحين، أصبحت الحقائق، التي كان الولوج إليها سهلاً بالنسبة إلى كلّ البشر، خفيّة ويصعب إدراكها؛ ويتضاءل شيئاً فشيئاً عدد الذين يمتلكونها، وإذا كان كنز الحكمة غير البشريّة السابق على كل العصور غير ممكن خسارته بالمطلق، فهو يتدثّر بأنقبة تزداد سماكة بحيث يصعب اختراقها، مما يجعله غير منظور ويصعب اكتشافه. لذلك هو موضوع تساؤل تحت أشكال من الرموز المختلفة لشيء ضاع في الظاهر، على الأقل وبالنسبة إلى العالم الخارجيّ، والذي عليه أن يجد أولئك الذين يتطلّعون إلى المعرفة الحقيقيّة؛ ولكن يُقال أنّ ما أصبح مخفيّاً سيعود ليصبح مرئيّاً في نهاية هذه الدورة التي ستكون في الوقت نفسه بداية لدورة جديدة بفضل الإستمراريّة التي تربط بين كلّ الأشياء.“ ~ رينيه غينون، أزمةُ العالم الحديثِ.

رأيتُ كثيرينَ يهربون من الشيطانِ، لكن القليل فقط من تجرّأ أن يُقارع الإلهَ الزائف الذي بنتهُ نفسُه على مقاسِ ضعفِها.
رأيتُ كثيرينَ يهربون من الشيطانِ، لكن القليل فقط من تجرّأ أن يُقارع الإلهَ الزائف الذي بنتهُ نفسُه على مقاسِ ضعفِها.

{إنا عرضنَا الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحَملها الإنسانَ إنه كانَ ظلومًا جَهولًا} إن هذه الآية الكريمة تعبر عن واحدة من أعمق الحقائق في الميتافيزيقا الإسلامية، وهي المقام الفريد للإنسان في النسق الكوني. فـ[ الأمانة ] المشار إليها هنا ليست مجرد مسؤولية أخلاقية، بل هي رمز للوعي الإلهي المودَع في الإنسان، والذي يجعله قادرًا على إدراك مراتب الوجود، والسير نحو معرفة الله بمعناها الباطني الوجودي، لا فقط الذهني المفهومي. إن [ العرض ] على السماوات والأرض والجبال لا يفهم إلا في ضوء اللغة الرمزية الكونية، حيث تمثل هذه الكيانات الوجودَ في تجلياته الكبرى. لكنها وإن كانت عظيمة الشأن من حيث الوجود، فإنها تفتقر إلى البعد التأملي-الذاتي الذي اختص به الإنسان، وهو ما يعبّر عنه بالقولِ: أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر. فالإنسان، بحسب الرؤية الإسلامية الكونية هو الكائن الجامع لكل العوالم، ولهذا وحده أسندت إليه الأمانة، التي هي في جوهرها الاستعداد للتجلّي الذاتي للحق في مرآة الوعي الإنساني. غير أن الإنسان، حين يغفل عن مركزه، ويفقد صلته بالسماء، يصبح { ظلوما جهولا } أي يسقط في الغفلة الوجودية [ الغفلة عن الله ] ويُستلب في عالم الكم والتجزئة، ويُبتلع في الحضارة التقنية التي تقطع الجذور المتعاليّة للإنسان. لكن هذه الآية لا تخلو من رجاء، إذ إنها تُشير ضمناً إلى إمكان ارتقاء الإنسان إلى مقام الخلافة والتجلّي [ الخلافة الأسمائيّة ] متى ما عاد إلى فطرته، وسلك طريق التزكية والمعرفة، فأعاد ربط ذاته بالمبدأ، و[ حمل الأمانة ] على وجهها الحقيقي، أي أن يكون مرآة تعكس أسماء الله وصفاته، ومسرحًا لتجلي الحق في الوجود. وهكذا، فالآية تمثل نصًا مفتاحيًا لفهم ماهية الإنسان في الإسلام، لا ككائن بيولوجي فحسب، بل كـ [واسطة بين السماء والأرض] كـ كائن رمزي ينفتح على ما فوقه وما تحته، وتكون نجاته في تحقيق هذه الأمانة لا في نسيانها.

من كلام الإمام علي (ع) { إِذا تَمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكَلامُ } ” تمام العقل يستلزم كمال قوّته على ضبط القوى البدنيّة وتصريفها
من كلام الإمام علي (ع) { إِذا تَمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكَلامُ } ” تمام العقل يستلزم كمال قوّته على ضبط القوى البدنيّة وتصريفها بمقتضى الآراء المحمودة الصالحة؛ ووزن ما يبرز إلى الوجود الخارجيّ عنها من الأقوال والأفعال بميزانِ الإعتبار وفى ذلك من الكلفة والشرائط ما يستلزم نقصان الكلام؛ بخلاف ما لا يوزن ولا يعتبر من الأقوال... قالوا : إذا رأيتم الرجل يُطيل الصمت ويهربُ من الناسِ فاقربوا منه فإنه يَلقى الحكمةَ.“ ~ الشيخ عباس القمي، شرح حكم نهج البلاغةِ.

ليس من المصادفة أن يعتزل الرهبان والمتصوفة وذوو الميول التأملية في الكهوف أو على قمم الجبال، فذلك ليس فعلًا ناتجًا عن نفور اجتماعي أو انطواء نفسي كما يتوهم الفكر الحديث، بل هو انعكاس لشعور داخلي أصيل بأن الارتقاء المكاني يرمز إلى ارتقاء في التراتب الكوني، أي الانتقال من السفلي إلى العلوي، من الكثيف إلى اللطيف، من الزماني إلى السرمدي. فالمكان في هذه الرؤية ليس مجرد حيّز مادي، بل حاملٌ للرمزية الكونية التي كانت حاضرة دائمًا في الذهنية التقليدية. ففي أعالي الجبال، حيث يتضاءل ضجيج العالم، تصبح النفس أكثر استعدادًا لاستقبال الإشراقات العلوية، إذ تتلاشى شوائب الحس وتنكشف بعض من أستار العالم الأعلى. ولعلّ عبادة النبي محمد صلى الله عليه وآله في غار حراء، ليست إلا تعبيرًا نقيًا عن هذا المعنى، إذ لم تكن مجرد خلوة في مكان بعيد، بل كانت تهيؤًا أنطولوجيًا لتلقي الكلمة الإلهية. الغار نفسه، كمكان منغلق في أعلى الجبل، هو صورة عن القلب الساكن في القمة، الذي يُهيّأ لاستقبال الإلهام. وقد ورد ذكر الجبال في النص القرآني ثلاثًا وثلاثين مرة، لا كعناصر طبيعية فقط، بل كمظاهر من مظاهر النظام الكوني، ودعائم رمزية للعالم الأرضي، وكنماذج للصمود والخشوع أمام الجلال الإلهي. الجبل، في حقيقته الباطنية، ليس جامدًا كما يُصوّر في نظرة مادية، بل هو كائن يسبّح، يخشع، ويتلقى من العوالم العليا ما لا يراه العابرون. الصلاة في الطبيعة ليست استبدالًا لحيز بآخر، بل هي عودة إلى النمط التقليدي للعبادة، الذي ينفتح فيه الإنسان على الكونية الكبرى، إذ تصبح كل عناصر الطبيعة مشاهد رمزية لتجلّيات الواحد. تحت ظل شجرة، أو على شاطئ البحر، أو على ذروة جبل، تتناغم حركات الجسد مع نظام الوجود، ويعود الإنسان إلى مقامه الفطري، حيث لا تحجبه الأسقف ولا تحبسه الجدران، بل يصير جزءًا من النسيج الكوني المتجه دومًا إلى المطلق. وفي مثل هذه اللحظات، لا تعود الصلاة فعلاً شكليًا، بل تتحول إلى صدى من أصداء الكلمة الأولى، إلى تموج صامت في بحر الوجود، وإلى ذكرٍ يلامس ما فوق العقل، حيث يصبح السجود انمحاءً لا مجازًا، ويصير الذكر رجعًا لصوت لم ينقطع منذ أن قال الحق: "كن".

” ما أَخْلَصَ العَبْدُ الإيمانَ باللهِ عَزَّ وجَلَّ أَرْبَعينَ يَوْمًا إِلّا زَهَّدَهُ اللهُ في الدُّنْيا، وَبَصَّرَهُ داءَها
” ما أَخْلَصَ العَبْدُ الإيمانَ باللهِ عَزَّ وجَلَّ أَرْبَعينَ يَوْمًا إِلّا زَهَّدَهُ اللهُ في الدُّنْيا، وَبَصَّرَهُ داءَها وَدَواءَها، وَأَثْبَتَ الحِكْمَةَ في قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِها لِسانَهُ.“ ~ الإمامُ محمّد الباقِر (ع).

”المرأة التي تعتقد أنها متساوية تماما مع الرجل، هي إمرأة لم تعد فخورة بأنوثتها، ولا تفهم تماما إمكانات حال الأنوثة الكامنة، و
”المرأة التي تعتقد أنها متساوية تماما مع الرجل، هي إمرأة لم تعد فخورة بأنوثتها، ولا تفهم تماما إمكانات حال الأنوثة الكامنة، وتشعر بالدونية في سعيها إلى أن تكون رجلا آخر فلا تملك له مطالا. والمرأة التي تسعى إلى تقليد الرجل لن تتجاوز في أفضل الحالات رجلا من الدرجة الثانية، وقل مثل ذلك عن الرجل الذي يسعى إلى تقليد المرأة. ويرى الإسلام الرجل والمرأة في حال تكامل لا تنافس، ولكنهما يقفان أمام الربّ بالتساوي، فعليهما القيام بالشعائر ذاتها، ويتحمل كل منهما مسؤولية أعماله. وبالتالي علاقتهما متساوية في الحقيقة فوق الكونية، ولكنهما يتكاملان على مستوى وقائع الوجود الكوني الذي ينطوي على عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية. والمجتمع الذي سحقت فيه الماكيناتُ إمكان النضج الإنساني للذكر والأنثى الذي جعل الرجل أقل رجولة والمرأة أقل أنوثة يمثل نقيضاً لمُثُل الإسلام. وعندما يختلط أمر الجنسين يختل النظام الاجتماعي، وتُعتم الحياة الروحية، فلا يقترب الرجال ولا النساء من الرباني إذا لم يُخلصوا للصورة التي خُلقوا عليها قدرًا.“ ~ سيّد حسين نصر.

الإنسان في مسيره بين ظهراني الدنيا، لا محيص له من أن يلقى أقوامًا اتخذوا من الظاهر معيارًا، فغرّهم بريق الصورة، وأغفلهم عن بواطن الأمور. تجد فيهم من ينصّب نفسه قاضيًا على غيره، يدّعي ما ليس له من علم ولا شرف ولا إنسانية، ومن يتشدّق بالنصيحة وهو بأمسّ الحاجة إلى من ينصحه. غير أن الميزان في ذلك عند الله، لا عند الخلق. فكم من مستضعف في أعين الناس، هو عند الله أعظم قدرًا وأطهر جوهرًا، وكم من متزيّن في الظاهر، قلبه خواء، وروحه خربة. فليس للعبد أن ينقاد لما يبدو للعين، بل عليه أن يرجع طرفه إلى باطن نفسه أولًا، يحاكمها ويحاورها، قبل أن يتطاول إلى محاكمة سواه. فالسرائر مردّها إلى الحق، وهو الحكم الفصل الذي لا يظلم أحدًا. وهكذا يستمرّ الصراع بين أهل الظاهر، الذين غشيت أبصارهم قشور الأشياء، وأهل الباطن الذين نفذت بصائرهم إلى أسرار الأرواح ومعارج النور.