Samoual Shafeea | سموأل شفيع
Open in Telegram
قناة معنيّة بالوعي واليقظة والروحانية والمحبّة والحياة
Show more4 760
Subscribers
-224 hours
+117 days
+5630 days
Posts Archive
التَّشَتُّت Distraction
هو جزء من طبيعة الذهن، وهو أيضاً ميكانيزم دفاعي ضد الألم والخوف والعار. وخوف من الواقع والحياة.
الذهن يمكنه أن يغرق في التفكير غير المفيد، الدردشة المستمرة، سيل الكلام الذي لا ينقطع. لكنه يعاني عند العمل على شيء مهم وضروري لك. يهرب الذهن إلى أفكار غير مفيدة ومتكررة، ولا يبحث عن نتيجة أو خلاصة، بل يكتفي بالقفز على الأفكار نفسها. إنه مثل نارسيسوس (النرجسي) يتأمل صورته في الماء، للمرة الألف. هذا النظر يكفيه، لا يريد أن يطمئن أو يصل إلى نتيجة، ولا هو في دهشة أو عجب. (كم أنا جميل) (يا لجمالي). كان مشغولاً بفكرة جماله لا مستغرقاً في الجمال، لذلك لم ير جمال النهر ولا الأزهار ولا الخضرة حوله.
عندما تطلب منه التركيز في العمل، يواصل الهرب المستمر بالانشغال بما قد يحدث أو حدث، لن يستسلم لخدمتك بسهولة. سيكلمك عن أن الوقت ضيق لا يكفي لإنجاز العمل، بعدما خدعك قبل أيام أن الوقت كافي وزيادة، لا تستعجل، دعنا ننشغل بموضوع آخر.
الذهن مفتون بنفسه ومحتواه من ذكريات وماضي وأفكار ومعلومات بلا قيمة يقرؤها طوال الوقت مثل جهاز راديو لا يهتم إن كان يسمعه أحد.
التشتت ميكانيزم دفاعي يعمل عند الشعور بالألم فيدفعك لتطمين نفسك أو التركيز على شيء تعمله بيدك، أو اتهام الآخرين بأنهم السبب، أو الندم على ما قدّمت وفعلت، أو التفكير في حجم الخسارة لأشخاص بعينهم، أو في طرق لتدارك الموقف ومعالجته، أو بالغضب واللوم.
ويعمل عند الشعور بالخوف، فيتذكر أشياء ولحظات يعتبرها المشكلة، أو يفكر في المهارب الممكنة، أو الفرص التي ضاعت، أو المواقف الاي كانت ستنقذه لو اختارها.
ويعمل عند الشعور بالحرج أو العار، فيتمتم بكلمات غير مفهومة، ويعطي أشياء للآخرين، أو يبتسم ويضحك ويعتذر ويحزن، أو يحاول تغيير الصورة أو الموضوع، أو يلقي باللوم على غيره، او كما يفعل الناس في العلاقات يُخرجون دفتر الحساب.
لكن أسوأ مافي التشتت هو أنه هرب من الواقع، عدم قدرة على التعامل مع ما هو موجود. لكل شخص واقعه، ولكل موقف وحال واقعه. لا يرى الناس الواقع كما هو، يرونه عبر تحيزاتهم ومشاعرهم وأفكارهم. هنالك رفض للواقع وعدم رغبة في قبوله أملاً في أن يتغير بنفسه، هذا الرفض قد يطول لسنوات، فيهدر الحياة وكلّ ما كان ممكناً.
هنالك تشتت الهرب من الحياة، الذي يدفع صاحبه لمحاولة عمل عدة أشياء في نفس الوقت، الملتي تاسكينغ، والنتيجة قد تكون مرضية لكنها سطحية. ما الذي يجعل عمل الشاي تافهاً بحيث تكون مشغولاً أثناءه بالهاتف، أو الطبيخ مزعج بحيث تترك التلفزيون مفتوحاً أثناءه. في البيت تفكر في العمل غداً، وفي العمل تفكر في الأصدقاء، ومع الأصدقاء تفكر في البيت، وفي البيت تفكر في العمل. في كل هذه الأفكار لا شيء مفيد ولا جديد، مجرد إعادة تدوير للقمامة ثم إعادة إعادة تدويرها من جديد، باستمرار.
هناك تشتت معتاد كطبيعة للبعض لكنه قد يتحول إلى تشتت هروبي يمكن تبريره أيضاً بأفكار مثل عدم التأذي وعدم التورّط، والذي يصبح طريقة حياة وهو فعل الأشياء من السطح، التواصل من السطح، العيش من السطح. عدم الرغبة في الغوص عميقاً في أي شيء حتى تحضير الطعام.
أهل الحكمة ينبهون على أن الأفكار والمشاعر أثناء تحضير الطعام تؤثر عليه. يقولون أن عليك أن تكون حاضراً في شرب الشاي وتناول الطعام والحديث مع الناس وفي خلوتك بنفسك.
التشتت أحياناً هو رغبة في فعل الكثير، لكنه ينتهي إلى عدم فعل شيءٍ ذي قيمة.
التشتت أحياناً يتم تبريره بأن الأشياء معتادة ومملة، وهذا تبرير التشتت نفسه لا حقيقة الأشياء.
الحياة غالباً هي فعل الأشياء العادية المعتادة بحضور وتجدد، فالحقيقة هي أنت وليس ما تفعل.
ما هو الحل:
- التأمل المنتظم مهما كان وقته قصيراً أم طويلاً. يمكن البدء بخمسة دقائق صمت أو تنفس، ربع ساعة موسيقى أو مانترا، نصف ساعة موسيقى تشافي أو استرخاء.
- ممارسة الحضور في ما تفعل كل يوم، تذوق الطعام، الاستمتاع بالشراب، الاستغراق في المشي، الحضور في العمل. محاولة مستمرة حتى تنجح.
- اغمض عينك وتنفس، سينشغل الذهن بالحديث لكن ارجع للتنفس كلما جاءت الأفكار. تابع تنفسك.
- الأوراد تساعد على تعلم الاستغراق في الفعل. يمكن قولها بسرعة كبيرة. بمرور الوقت سيتحسن الحضور.
- التماهي في الحواس : نظر (طبيعة، منظر، جدار، ...)، سمع (موسيقى، أصوات طبيعية، أصوات حولك، ...)، شم (رائحة معينة، الروائح حولك، ...) لمس ( نسيج، جلد، جدار، حيوان أليف، ...) تذوق (طعام، شاي، قهوة، ماء، ....) على الأقل يقطع سيلان الأفكار في الذهن. جرب واحدة في كل مرة.
بشرى سارة للمهتمين بالعلاقات ومشكلاتها
نكشف لكم أخيراً العلوم السرية في جلب الحبيب وأكل الزبيب والجرح البطيب.
البرنامج السري كالآتي:
- ورشة لجلب الحبيب.
- بعدها ورشة لتغيير الحبيب وفق الصورة المطلوبة.
- بعدها ورشة لتغييره مرة تانية، لأنه المزاج اتغير وفي حاجات جديدة مكتشفة، أو استغنى عنها، أو كانت فايتة عليكم.
- بعدها ورشة لتطفيش الحبيب بعد زهجت منه وعايزه يغادر في سلام.
- بعدها ورشة للتعافي من كارما الحبيب المغادر، ومن تروما التلاعب والتجريب في الحبيب.
- بعدها ورشة غفران وتعافي وتشافي ونقاهة.
- بعدها ورشة زيادة مهارات في تشكيل الحبيب وصنعته.
المقاعد محدودة، والحبايب نادرين طبعاً، حبة في الكرتونة.
يعتقد بعض الناس أن الله لا يقبلهم ولا يقبل منهم ولا يستمع إليهم إلا حين يفعلون الصواب ويعملون الخير ويكونون على الصراط المستقيم.
لكن الحقيقة هي أنّ الله لا يُبعِد عنه الخاطئين، ولا المسرفين، ولا حتى من يئسوا منه ومن رحمته. وهو يصغي لعباده كلهم، والخاطئين خصوصاً، ويفرح بهم أكثر من فرح الأم بوليدها الغائب، والراعي برجوع دابته الضائعة.
الأجمل والألطف هو أن الله يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين، ويقول عن البعض أنّه يبدّل سيّئاتهم حسنات.
لكن حتى لو طلبنا الخطأ ووقعنا في التقصير وانصرفنا عن طريق الله قصداً ينتظرنا الله في ذلك الطريق. أي طريقٍ نسلكه هو طريقٌ يقودنا إلى الله، وذلك من جميل لطفه ولطيف فضله.
أينما تولّوا فثمّ وجه الله.
تصحيح للمنشور أدناه
بِمَوْلِدِهِ ضَاءَ الوُجُودُ وَاشْرَقَتْ
رُبَا الأَرْضِ بِالوَجْهِ الأَغَرِّ المُبَارَكِ
عَلَيْهِ سَلَامُ اللهِ مَا وَفَدَتْ إِلَى
زِيَارَتِهِ أيْدِيْ الهِجَانِ الأَوَارِكِ
وَمَا رَنَّحَتْ رِيْحُ الصَّبَا فِي ذُرَى الرُّبَا
مَلَابِسَ مِنْ نَسْجِ الحَيَا المُتَلاحِكِ
وَمَا افْتَرَّ ثَغْرُ النَّورِ فِي نَاضِرِ الثَّرَى
بِمُنْهَلِّ أَجْفَانِ الغَوَادِي السَوَافِكِ
الشهاب محمود بن سلمان
من شعراء العصر الأيوبي
اليوم مناسب لشكر المعجزات
لأن أذهاننا مبرمجة على الالقاء بالأساس فإنها تتذكّر المخاطر والمصاعب والآلام أكثر مما تتذكّر النعم.
اليوم لا أريد أن نتذكّر المخاطر الجسيمة ولا تمام الأعمال والمهام. أريد أن نشكر المعجزات التي لم ننتبه إليها:
الحوادث التي نجونا منها ولم نتوقّف أمامها إلا للحظة وحكاية.
الإساءة التي خرجت منا ولم تبلغ الطرف الآخر.
الظنون التي لم نعبّر عنها وانسترنا.
الخوف الذي من خوفنا لم يظهر ويفضحنا ويفسد الأمور.
الديون التي لم نكن نستطيع أداءها وتأجل سدادها بغير سبب واضح.
المال الذي جاء في الوقت المناسب لقضاء دين أو علاج مريض أو شراء أغراض أو للوفاء بالتزام ما.
العافية التي باغتتنا، فجأةً، في قمة المرض والألم.
اتصال عزيز يسأل عنا باهتمام في وقت ضيقٍ أو كآبة أو وحدة.
اكتمال وتمام شيءٍ لا نملك شروطه.
توفيق ويسر أعقب فشلاً وعسراً وضيقاً.
الاستيقاظ في خفّة بعد نومٍ في غمّ.
لقاء الأحِبَّة بعد فراق.
النجاح والتوفيق بعد اليأس.
وجبة لذيذة بعد جوعٍ قاسٍ.
الدفء بعد البرد.
النسيان.
القدرة على التجاوز والغفران والتسامح.
القدرة على امتلاك النفس عند الغضب.
القدرة على الاعتذار.
القدرة على رؤية الخير والحسن والجميل في الناس.
القدرة على الوفاء والتقدير والتوقير.
ولادة الأمل في قلب أعتمه اليأس.
الهدى بعد كل ضلال.
شكرا لله من قبل ومن بعد.
الذهن البيشكي من الضغوط هو نفسه الذهن البيقول ليك ما عندنا وقت للراحة أو الاسترخاء أو حتى البريك. هي نفسها اللعبة الأولى.
عبر التأكيد على إنه مافي وقت هو بيحقق مكاسب تانية:
- بياكد ليك على قيمتك القايمة على العمل والجهد والإنجاز والتعب.
- بيقفل الباب أمام محاولات الراحة لأنه بيخاف إنها تطول أو تكشف غياب الرغبة الحقيقية في ما تعمل.
- بيضيف ليك قيمة زيادة في المباهاة بانك ما لاقي وقت حتى للراحة والبريك، أنت خطير ومضحي والكوكب محتاج ليك.
في الحقيقة القبضة لما تشتد على ما في يدك ما بتعني إنك ما حا تخسره، والإصرار على الشيء ما بيعني النجاح المضمون، والمبالغة في الجهد ما بتحسن المنتج النهائي.
الذهن بيقول كدة لكن دي مزاعمه ومخاوفه.
في وعي ضروري ومفيد في التعامل مع العمل والأهداف والجهد:
- السعي هو شغلك الممكن لكن النتيجة ما شغلك ولا مهمتك رغم إنها المطلوبة.
- النتيجة متعلقة بشروط كتيرة خارج يدك وقدرتك، الوضع العام، الظروف، السوق، الخيارات، العلاقات، الأرزاق، المنافسة، التشابك بينك وبين الآخرين.
- الطمأنينة والسكينة جواك بتساعد على تجويد العمل اكتر من القلق والتوتر.
- اليقين بالله قبل وبعد الجهد، بدون جهد وبجهد زائد، اليقين أهم من الجهد، لأنه في الحقيقة الرعاية والعناية الإلهية هي ما يدبر الأمور والأرزاق. ولو تُرِك الرزق على الجهد لقتل الناس بعضهم البعض.
- السكينة والطمأنينة واليقين بتساعدنا نشوف الخيارات الأوسع، وحكمة النجاح والفشل، وعدم اليأس، والرضا والمواصلة.
لما ذهنك يقول ليك مافي وقت ومافي طريقة لراحة صغيرة، اعرف إنه دة بالضبط وقت الراحة الصحيح والمناسب.
أنت بخير لكنك لا ترى سوى ما يرهقك ويؤرقك.
أنت بخير وكل ما يرهقك ويؤرقك سيمضي إلى نهايته ثم تنساه.
أنت بخير حتى لو لم تنساه طالما أنك حاضر في لحظتك.
خواجة مستعجل قال للمعلم (لو عايز اوصل الاستنارة بتاخد مني كم زمن)، قال ليهو (حوالي 10 سنين). قال ليهو (لو اشتغلت ليل نهار واشتغلت ضعف الشغل بتاخد كم) قال ليه (20 سنة) قال ليهو (كيف يعني؟) قال ليهو (لم تخت عينك على النتيجة بتكون شغال نص الشغل).
دة نفس السبب البخلي الناس تشتكي إنو التأمل ما نفع معاهم، لأنه بيتأمل ومنتظر النتيجة، ما مرتاح، متوتر، وهنا بيفقد جوهر التأمل، بيفشل. بيفكر دة السكون؟ وصلت؟ ياهو كدة؟ ولا لسة شوية.
الخواجة، والإنسان المعاصر كمان، بيحب ينجز، حتى الوعي والاستنارة حاجات بينجزها. نحن برضو زي الخواجة، دي طريقة العقل. العقل مفيد في دراسة الظواهر وفهم العلاقات بينها، على مستوى ظواهر العالم. الاستنارة بتنتمي لمستوى أعلى متصل بحقيقتنا، ودة مستوى ما بيفهمو ولا يدركو العقل.
صمت الفكر بيسمح للحقيقة تتجلّى، الحقيقة موجودة أصلاً والأنا والذهن هم العقبات.
سأكون اليوم ضيفاً على قناة أشعون، على تيكتوك الساعة 5 بتوقيت غرينتش لنتكلم عن الوعي
https://www.tiktok.com/@ashountalk11
«كان وراءَ سَعيي طموحٌ،
ووراءَ محبّتي حظُّ النفسِ والأنا،
ووراءَ طُهري خَوفٌ ووَجَل،
ووراءَ إرشادي ظَمأٌ إلى التسلّطِ والسُّلطان!
والآن، ها هي كلُّها تتلاشى وتَضمحلّ، وأنا أنسابُ هائمًا بلا قيد.»
— سوامي فيفيكاناندا
بعد أيامٍ ألقى ولدنا نفسه من سطح قصرنا الشاهق، وارتطم بالأرض، وعندما أدركناه كان قد فارق الحياة.
منذ ذلك اليوم تبدلت أحوالنا أنا وزوجتي، كنا نبكي على حظنا المتعثر. وقد قالت زوجتي ذات مرة: "ملايين الناس ماتوا ولم يرفَّ لك جفن، ولكن بعد أن فقدتَ ولدكَ، فقدتَ مقومات العيش لوحدنا".
دون ناس، في الدنيا الواسعة، صرنا نتجول ونبكي عابرين بلا أنيس ولا جليس... بيوت، طائرات، ذهب، أرض، كروم، وملابس. كل شيء لنا. لكن ماذا نفعل بكل هذا؟. حينذاك، شعرنا بأن اللباس الذي نرتديه ليقدرنا الآخرون، والأحجار الكريمة والصور واللوحات الفنية لا قيمة لها ما لم يتمتع الناس بمرآها. الإنسان هو الذي يعطي قيمة لكل شيء إن كان زمردًا أو ألماسًا.
يومًا بعد يوم، صرنا نتذكر جيراننا، أصدقائنا، أقرباءنا، أحباءنا. وأيُّ معنى للحياة بدونهم؟
في أحد الأيام، كنتُ يائسًا، وبعد أن شربنا الكثير من الخمر، خرجت إلى الشارع، كان ضوء القمر قد أنار المكان. ذهبت إلى حي الفقراء في المدينة، فأدمَعَتْ عيناي بغزارة... بصوت ملؤه البكاء صرختُ: "دنيا بلا ناس ماذا أفعل بها؟ أراضٍ، وفرة، ثروة بدون مشاركة الناس بها ما نفعها؟ أيها الناس، يا عمَّالي، يا أصدقائي، يا أهلي، أين أنتم؟". لكن ما من مجيب سوى الريح والصدى! ركعت وبحرارة بكيت، مشيت على ركبتيَّ وصرخت بلوعة: "أريد أن أرى كلبًا، قطة، فأرًا، أي حيوان. ما أبشع الكون بلا خليقة"".
عندما استيقظتُ كانت زوجتي واقفة أمام فراشي توقظني: "ما بكَ؟ بماذا كنتَ تحلم؟ ما قصة نوح؟".
صرختُ بأعلى صوتي: "نوح، محتكر أرض الله، لا أريد أن أسمع باسمه". نظرت في المرآة، لقد ابيضَّ شعر رأسي وتغيرت ملامح وجهي.
بادرتُ إلى بيع الأراضي التي أملكها، وتنازلت عن حقوقي لجميع الذين أطالبهم، وزَّعتُ البيوت والكروم والأحجار الكريمة على أصدقائي ليكون لي أصدقاء لكل العمر، وهكذا كثُرَ أصدقائي وأنتَ أحدهم.
مَسَحتُ دموعي وقلت: "هذا الحلم أيضًا سأضمه إلى ليالي نينوى وأماني أهل نينوى".
ترجمة : كاجو كاجو Kajo Kajo
للكاتب والشاعر كيوركيس أغاسي
قصة قصيرة ترجمتها عن الآشورية/السريانية
من كتابه : أمنيات أهل نينوى
{نوح بلا نخوة}
كان بابا جان قد قرأ كتابي ليالي نينوى، عندما طلب مني يومًا الإنفراد لأنه كان يود أن يبوح لي بحديث خاص.
عندما جلسنا معًا، قال: "مؤلفاتك ثرية جدًا، وقد استفدت من كل سطر فيها، وأرجو أن يكون كتابك الجديد أماني أهل نينوى كذلك".
قلت: "أشكرك. ويسعدني أنك تفهمت مغزى كتاباتي وأنك لم تقرأها للتسلية!!".
قال: "لا... لا... بل أرغب أن أقدم بعض الملاحظات، كما أتمنى أن تضيف حكاية جديدة إلى كتابك الأخير. منذ سنوات رأيت حلمًا عجيبًا، وفكرت به كثيرًا، وعندما قرأت كتابك، عرفت أنك الشخص الذي يستطيع أن يفهمني. يا صديقي، إن الحالة التي تراني بها اليوم هي بسبب ذلك الحلم الذي قلب حياتي عاليها سافلها".
وتابعَ: "كنتُ ثريًا جدًا وصاحب أموال وأملاك. قبل أن أتعرَّف عليك كان كل شيء في حياتي قد تبدل! كنت مليونيرًا وأحب العقارات. اشتريت أراضٍ كثيرة وشيَّدتُ عليها البنايات، وكلما توسعت أملاكي ازدادت شهوتي لامتلاك غيرها. كنت أحقد على كل إنسان يشتري قطعة أرض مهما كانت صغيرة. كان يعمل عندي عدد كبير من العمال، وكان يزعجني أن أرى أحدًا منهم سعيدًا. كنتُ أحسب أن جميع النساء الجميلات يجب أن يكنَّ لي. كل الألبسة الفاخرة لي. ولا تكتمل فرحتي إذا بقي إنسان واحد يتفوق عليَّ بنقطة واحدة. وقد سيطر عليَّ الكبرياء والغرور".
قاطعته قائلاً: "إني لا أستغرب ذلك، لأن جميع أرباب المال متكبرين ومغرورين".
تأوهَ صديقي وتابعَ: "نعم، يومًا عن يوم ازددت ثراءً، كان الجميع يحترمونني، يرمقونني بنظرات الإعجاب.
في ليلة صوم نينوى، أنا أيضًا فعلت كالآخرين وكانت أمنيتي أن تزداد ثروتي، ونمتُ وإليكَ ما حلمتُ به: رأيت الشمس والقمر والنجوم تسطع في السماء، نعم الشمس والنجوم معًا، يصدر عنها شعاع غريب يقدح شررًا ثم يتلألا، وقد غمرَ الأرض كالمطر. لم يصدر عن تلك الأشعة ضوء أو حرارة، ومع ذلك كانت تذيب بني البشر بمجرد ملامستها لهم، فيصبح الإنسان هباء، بخارًا يتوهج، ثم يذوب وينتهي.
رأيت المدن والقرى وكل البلدان مغطاة بتلك الأشعة القاتلة، ملايين الناس ذابوا وتبخروا في طرفة عين. داخلني الرعب مما رأيت وكذلك زوجتي وولدنا الوحيد. صرخت بأعلى صوتي متوسلاً متضرعًا: "نجنا نحن يا رب. نجنا يا رب". وعندما توقفت الأشعة الحارقة عن تذويب أجساد البشر، تطلعتُ حولي فلم أرَ أحدًا غيرنا نحن الثلاثة. لم يبق سواي وأهل بيتي.
ركعت. سجدت للخالق ومجَّدتُه. شكرته على اختياره لي وأهل بيتي من بني البشر وجميع مخلوقاته. وبكتْ زوجتي من شدة الفرح معانقة ولدها. إلا أن ولدنا لم يشاركنا فرحتنا، حسبته خائفًا، حضنته وقلت له: "لا تخف يا بني، نحن أحياء... أحياء!". رمقني بنظرة وقال: "يا أبي، الآن لا يوجد أحد غيرنا وهذه الأرض المترامية الأطراف، آدم وحواء وحديقة بلا حدود، نوح وأهله ودنيا كبيرة!". قلت: "أصبتَ يا بني، نحن لا نزال أحياء، نوح وأهل بيته فقط. نحن أحياء... نحن أحياء...". لم تدم فرحتنا طويلاً لأن ولدنا لم يشاركنا سعادتنا ورغم أنه لم يزل فتيًا، إلا أنه كان مهمومًا، وأحيانًا يتصرف وكأن به مسٌّ من الجنون، كان يتحدث مع نفسه، يبكي أحيانًا وأخرى يضحك. يصمت دهرًا، مشيحًا بوجهه يفكر.
كنا نتمشى في شوارع عريضة لمدينة أصبحت لنا، الصمت مخيم في كل مكان، لا يُسمع سوى صوت الريح!. زرنا كل المنازل الفخمة وقصور المدينة، وفي اليوم التالي انتقلنا إلى القصر الملكي.
بعد أن انتقلنا إلى البيت الملكي، شرعنا نبحث في المتاحف الأثرية، وقصور النبلاء والأثرياء، وقد جمعنا كل الأواني الذهبية والفضية واللوحات من هذه المنازل وشحناها بالقطار إلى منزلي الخاص.
في اليوم الثالث دخلنا أنا وزوجتي إلى البنك وأفرغنا كل ما يحويه من ذهب وزمرد وألماس وياقوت في أكياس ونقلناها إلى دارنا.
بدأنا نهرول في الشوارع حيث المحلات الخاصة ممتلئة بكل ما تشتهيه النفس من ملبس ومأكل وحاجيات، إلا أن حالة ولدنا كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وقد خاطبته غاضبًا: "بُني، إن حالتك هذه تعدُّ كفرًا". فرفع رأسه وقال: "عجبًا! حالتي هذه كفر؟ أليس كفرًا أن يذوب كل البشر؟ لماذا أنتَ فرحٌ هكذا، لماذا تجمع كل هذا الذهب والأحجار الثمينة؟! أليسَ كل ما على هذه الأرض لكم؟ وماذا بعد؟ يا نوح بلا نخوة، وبلا...".
كانت لهجة كلامه قد تبدلت وأيقنتُ أنه قد جُنَّ تمامًا. قلت له: "يا بني، نوح كان رجلاً بارًّا وصالحًا مثلنا ولذلك بقي على قيد الحياة من دون الآخرين".
أجاب: "ولكن أخيرًا مات أيضًا، ميتة لا يُحسدُ عليها، كونه عاش بعد أن غرق البشر... اعلم يا أبي بأن نوح هذا كان أسوأ رجل في الدنيا، وما استمرار حياته إلا ليتعذب، ليشهد موت جميع البشر، بل كان حريٌّ به أن ينتحر. إن التاريخ البشري لا يعرف شخصًا أسوأ من نوح يا أبي، لأنه رضي أن يبقى على قيد الحياة بعد أن مات جميع بني جنسه".
يَا عَبْدِ كَمْ مِنْ شَيْءٍ دَفَعْتَهُ بِيَدِكَ جَعَلتُهُ رِزْقَكَ.
وَكَمْ ثَبَّتَّ يَدَكَ عَلَى رِزْقٍ هُوَ لِغَيْرِك.
فَكُنْ عِنْدِي وَأنْظُرْ إلَيّ كَيْفَ أُجْرِيْ القِسَم تَرَى المَنْعَ وَالعَطَاءَ اسْمِيْنِ لتَعَرُّفِي إلَيْك.
المواقف والمخاطبات للإمام النِّفَّري
