نجاح-Najah
Open in Telegram
منصة نجاح | Najah منصة تعليمية ثقافية شبابية، صنعت لإعداد جيل قادر على التحدي، الإبداع، والريادة. نؤمن بأن النجاح موهبة تُصقل، وفرصة تُغتنم، وطريق يُمهَّد بالإرادة والعلم. انطلق معنا، واصنع مستقبلك بيدك! 💙
Show more1 917
Subscribers
No data24 hours
-77 days
-2430 days
Posts Archive
1 917
– «لا يا ياسين! والله ما نمت… والله كنت قاعده قدام الباب ما اتحركت. أنا… أنا ما فاهمة الحصل شنو.»
اقترب منها أكثر، يحاول تهدئتها:
– «يا سارة الناس بتغفى بدون ما تحس… يمكن حصل ليك كدا. مافي زول بطلع من غير زول يشوفو.»
في الطرف الآخر من الممر، كان دكتور علاء يتحدث مع زينب، محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه:
– «يا زينب إحنا عملنا سيرش كامل… مافي دليل إنه يوسف مرّ من أي باب. لكن ما بنوقف. أنا الآن ح أراسل كل المستشفيات القريبة… يمكن يكون حصل خلط أو نقلوهو بالغلط.»
ياسين التفت إلى زينب، يشد على كتفها:
– «أنا ح أمشي البيت. يمكن مشى هناك… يمكن كان داير يطلع من المستشفى. يمكن… يمكن هرب.»
هزت زينب رأسها، صوتها يرتجف:
– «يوسف؟ يهرب؟… ياسين ولدي ما من النوع دا ابدا .»
سقطت سارة على الأرض قرب الحائط، تبكي بحرقة، وزينب انحنت تضمها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع العالم من السقوط فوقهما.
لم يكن أحد يعرف شيئًا.
ولا شيء يفسّر اختفاء رجل لم يغادر… لكنه اختفى.
مع أول لحظة صمت، أخرجت سارة هاتفها، يدها ترتجف، واتصلت بأحمد.
كان صوته مذهولًا عندما أخبرته:
– «يوسف يا احمد يوسف ما لاقينو، اختفي كان في الغرفه لكن اختفى!»
ردّ أحمد بحدة:
– «كيف يعني اختفى من وين ؟!.»
ساره -« ماف وقت اشرح تعال لي هسي في المستشفى العمومي هسي هسي»
وبدأت رحلة البحث…
المستشفى… الطرقات… كل منطقة قريبة…
سؤال تلو سؤال، باب تلو باب.
لكن بلا فائدة.
وكأن الأرض ابتلعته.
وكأن يوسف… خرج من العالم كله، وليس من باب المستشفى فقط.
لم يكد ياسين يصل إلى باب المنزل، حتى شعر بأن صدره ينقبض. فتح الباب بسرعة، دخل، نادى بصوت مرتفع يتشبث بالأمل:
– «يوسف!… يا يوسف! وين انت !»
لكن البيت كان صامتًا… صامتًا بشكل يؤذي الأذن.
فتّش الغرف، الحمّام، المخزن، حتى سطح المنزل…
لا شيء.
أخرج هاتفه على الفور، ضغط على اسم زينب، وصوته يخرج متقطعًا من الخوف:
– «زينب… يوسف ما في البيت. فتشت كل مكان!»
جاء صوت زينب مختنقًا، فيه خوف واضح رغم محاولتها التماسك:
– «يا ياسين… علاء برضو فتّش كل المستشفى… كل الأدوار… حتى السطح… م لقاهو. ولا في أي أثر.»
توقّف ياسين لحظة، كأن الكلمات لم تصل لدماغه.
قال بصوت منخفض:
– «طيب… أحمد؟ قال شنو؟»
أجابت زينب بسرعة، وكأنها تُمسك بآخر خيط:
– «أحمد جا من بدري… ما قصّر والله… وهسي واقف مع سارة… بيفتشو برا المستشفى… في الشوارع… في الحتّات القريبة… بس لحدي هسّا… مافي أي حاجة.»
أسند ياسين ظهره إلى الحائط، كأن قوته ذابت فجأة.
– «يا زينب ولدي مشى وين؟؟؟!»
ردّت زينب والدموع في عيناها:
– «والله يا ياسين… ما عارفه ما عارفه انا بس عايزه ولدي .»
لم يقل ياسين شيئًا…
كان يسمع أنفاسه فقط، وبكاء زينب … وصمتًا كبيرًا يُطبق على المدينة.
وفي تلك اللحظة، شعر الاثنان بذات الإحساس:
أن يوسف… لم يخرج وحده.
وأن ما حدث… ليس طبيعيًا...
في طرف المدينه ...
كانت السيارة تشقُّ ليل المدينة بقلقٍ ثقيل، والمصابيح على جانبي الطريق تمرّ كأشباحٍ صامتة.
سارة تجلس في المقعد الأمامي، يداها متشابكتان، عيناها تبحثان في الشوارع، في الأرصفة، في أي ظلّ قد يشبه يوسف…
وأحمد يقود بسرعةٍ محسوبة، يحاول أن يوازن بين خوفه وحدسه.
قال أحمد وهو يحدّق في الطريق:
– «سارة… خلينا نفتش في أي حتّة يوسف بحبها. البحر … القهوة البمشيها… الميادين… أي مكان ممكن يمشي ليهو.»
أومأت سارة دون أن ترفع رأسها.
كان صوتها مجهداً، كأن الكلمات تتحرج من الخروج:
– «يا أحمد… أنا… أنا خايفة. الحصل في المستشفى ما طبيعي.»
التفت إليها بسرعة، صوته فيه مزيج من دهشة وخوف:
– «إنتي لسه ما قلتي لينا… يوسف كان مالو؟ الحصل شنو جوّة الغرفة؟»
تنفّست بعمق… ثم قالت بصوت مكسور:
– «يوسف… مريض نفسي يا أحمد. وعيان شديد… كان بيسمع أصوات… وبشوف حاجات ما موجودة… وكان مرعوب… مرعوب لدرجة تخوف.»
شدّ أحمد على المقود، وجهه متفاجئ:
– «جادي؟ ما كنتو قايلين لينا الحاصل كلو…»
ردّت سارة وهي تمسح دموعها:
– «لأنه ما كان داير زول يعرف… كان بقول لي إنو الأصوات حقيقية… ما وهم… كان خايف من حاجة… وما قادر يشرح.»
أحمد نظر إليها بحنان، نبرة صوته هادئة رغم القلق:
– «اسمعيني… إنتِ ما براك. أنا معاك…زي ما يوسف غالي علي انتي كمان غاليه شديد اطمني حنلقي يوسف .؟»
هزّت رأسها وصمتت والدموع في عيناها..
مرّوا بجانب البحر…
سارة التفتت ناحيته..
– «أحمد… وقف هنا. البحَر… يوسف دايمًا بيجي هنا… يمكن… يمكن يكون قريب.»
أوقف السيارة.
وبدآ يركضان ويُناديان:
– «يــوســــف!!»
لم يجدو شي ، حتى جاءت فكره الذهاب الي أمن البحر لعل يجدو كاميرات تساعدهم...
وفي مكانٍ لا يعرف الزمن إليه طريقًا…
فتح يوسف عينيه ببطء.
1 917
رواية حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل السادس
« حوريه»
قناه الروايه:
http://t.me/Rouhhee
ثمة أمورٌ لا تُرى بالعين،
ولا تُفسَّر بالعقل،
لكنها تلامس الروح كما يلامس البردُ عظامَ الليل.
نحن البشر نمشي بثقةٍ واهية،
نحسب أن العالم محصورٌ فيما نراه،
بينما الظلالُ من حولنا تحصي أنفاسنا،
وتتبع خطواتنا بصمتٍ يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
وفي كل قلبٍ نافذةٌ صغيرة…
إن تُركت بلا حارس،
تسلّل منها ما لا اسم له،
وما لا يُحبُّ كما نحب،
بل يتملّك…
ويتماهى…
حتى لا نعود نميّز بين خوفٍ في داخلنا،
ووجودٍ يقف خلفنا.
هذه الروايه دخلت طور اخر....
ليست عن بشرٍ فقط،
بل عن ما يراقبهم من وراء الحجاب،
حين تُطفأ الأنوار،
ويبدأ الليل الحقيقي...
وعلمَ يوسفَ يومَها… أنّ ما وراء أفكاره أكبرُ من عقلِه،
وأعظمُ من قدرةِ البشر أجمعين؛
وأنّ ما يلاحقه ليس خيالًا،
بل حقيقةٌ تتربّص بروحه من العالَمِ الّذي لا يُرى...
توهّم يوسف للحظة أنّ ما يحدث له ليس سوى ارتباكٍ داخلي،
لكن الصوت الذي تسلّل إلى جواره كان واضحًا، قريبًا بصورة لا تشبه الوهم.
– «يا يوسف… لازم تتخلص من ساره
ليو عايز تبقي كويس لازم نتخلص منها ؟»
ارتجف قلبه، والتفت بلا وعي، كأن الصوت يتحرّك معه.
وفجأة، جاءه صوت آخر… أكثر نعومة، أكثر خطورة، كأنه يخرج من صدره لا من الغرفة:
– «حبيبي… إنت ما مريض نفسي.
أنا عارفه كويس انك مالك»
انكمش جسده، وشعر بأن الهواء يضيق حوله.
ولم يمهله الخوف طويلًا، إذ اخترق الظلام صوت ثالث…
صوت كأنه مبلّل بالماء، خشنًا كصخرة رطبة:
– «يوسف… أنا بحَرّكك من العيادة هسي… قوم حاوديك مكان احلى»
تصلّبت أطرافه، وصار الصراخ محبوسًا في حلقه.
حاول المقاومة—لكن جسده لم يعد يسمع أوامره.
كانت يدٌ غير مرئية تمسكه من الداخل، كأنها تشدّ روحه من جذورها.
ثم… اختفى كل شيء.
أغمض عينيه للحظة،
وفي تلك اللحظة الشاحبة…
تسلّلت إليه رائحة البحر،
والنسيم يمرّ على وجهه كما يمر الموت على كتف حي.
فتح عينيه—
لم يعد في المستشفى.
كان واقفًا وسط الماء…
الموج يصل إلى ركبتيه، والبحر حوله..
نظر حوله مذهولًا.
الناس يتحركون على الشاطئ، يضحكون، يصرخون، يبيعون، يمشون…
عالم كامل يحيط به،
وعقله ينهار ببطء.
تحسس جيبه—
لا شيء.
هاتفه ما زال في المستشفى.
إذن… من الذي أحضره إلى هنا؟
بدأ يركض…
ركض بلا وعي، بلا اتجاه،
صرخ بصوت مخنوق لا يسمعه أحد،
والبحر يضرب ركبتيه بقوة،
والخوف يضرب قلبه بعنف أشد.
وفجأة…
جاءه الصوت من خلفه،
قريبًا… قريبًا لدرجة شعر معها بأنفاسه على عنقه:
– «تعال يا يوسف…
بتهرب لي؟
إنت ما داير البحر؟
طيب… داير شنو؟»
توقّف يوسف…
وتجمّد الدم في عروقه.
لم يعد يدري إن كانت قدماه مغروستين في الرمل،
أم أن الرعب هو الذي كبّله.
وعلم في تلك اللحظة—
أن ما يحدث له…
ليس كابوسًا، ولا وهمًا،
بل شيئًا أكبر من وعيه،
وأخطر من أن يقال بصوتٍ مسموع.
اختفاء يوسف من الغرفة..
كان الممرُّ هادئًا على نحوٍ مريب، والضوءُ الأبيض يتدلّى من السقف متعبًا مثل عينٍ لم تنمْ منذ أعوام. جلست سارة قرب باب الغرفة، وضمّت كفّيها في قلقٍ يكاد يُسمَع. كانت تحاول احترام رغبة يوسف في البقاء وحيدًا… لكن شيئًا في صدرها كان يطرق بعنف، إحساسٌ غامض يخبرها أن السكون ليس إلا ستارًا يخفي وراءه عاصفة.
في داخل المكتب المجاور، جلس الدكتور علاء مع ياسين وزينب يشرح لهم خطورة الحالة وما يمر به يوسف ..
لكن سارة… لم تستطع الصبر أكثر.
اقتربت من الباب، طرقت بخفّة وهمست:
– «يوسف… إنت كويس؟»
لا جواب.
تحسست قلبها، اقتربت أكثر، وانحنت على الفتحة الضيقة في الباب محاولةً أن ترى شيئًا من الداخل…
وفجأة—
تجمّد الدم في عروقها.
كانت الصدمة مثل صفعة:
السرير… فارغ.
دفعت الباب بقوة، كأن الأرض انهارت تحتها، ودخلت الغرفة بعينين تتنقلان بين الجدران كمن يبحث عن ظلّ ضائع. وجدت هاتفه على الأرض، وحذاءه عند طرف السرير. لم يكن هناك ما يفسّر خروجه… ولا أحد رآه.
همست، ثم ارتفع صوتها مذعورًا:
– «يوسف!!… يوسف وينك ؟!!»
انفجرت تركض خارج الغرفة، تُنادي، تُلهث، ووجهها شاحب مثل ورقة فقدت لونها.
صرخت في الممر تضرب الهواء بيديها:
– «ياسين!! زينب!! ألحقو… يوسف ما في الغرفة! اختفى… اختفى وما عارفه مشى وين!!»
ارتجّ الممرّ كله.
ارتبكت الوجوه.
وتجمّد الزمن للحظة…
كأن المستشفى نفسها شعرت بأن شيئًا غير طبيعي قد حدث للتو...
دبت الفوضى في الممر كخيطٍ انقطع فجأة من نسيج الليل. هرع الطاقم الطبي، وتحرّك رجال الأمن، وكلٌّ يحمل في عينيه سؤالًا واحدًا:
كيف اختفى مريض داخل غرفة مغلقة؟
بدأت مراجعة كاميرات المراقبة، شاشةً تلو الأخرى، الممرات، الأبواب، المصاعد، مخارج الطوارئ…
ولا أثر.
وكأن يوسف تبخر من الهواء.
في تلك اللحظة، وقف ياسين أمام سارة، وصوته مخنوق بالقلق:
– «يا سارة… يمكن إنتي نّمت شوية. يمكن طلع وإنتِ ما حسيتي.»
مسحت دموعها بارتباك، تهز رأسها بقوة:
1 917
استبيان اظهار وجود ، اي زول متابع الروايه يضغط القلب الاحمر ما متابعه اضغط الازرق
1 917
يسقط الصمت على الغرفة فجأة…
يوسف يجلس، كفّو على جبينو، والتنفس يتقلّص…
أفكار تتلاقح، وتجرجر بعض…
“أنا مريض؟ أنا مجنون؟ ولا شنو؟ ليه أنا؟ ليه ما قدرت أنقذهم؟ ليه رجع الألم؟ ليه؟…”
دوّامة…
تسحب روحو خطوة… خطوة…
لحدي ما يحس الأرض تحتو بدأت تتلاشى.
يغمض عينو…
وفجأة—
صوت البحر.
الموج…
رياح بارده
يفتح عينو ببطء، يلقى نفسو واقف في البحر…
الضباب مغطي المكان…
والموية بتضرب على ركبتيه.
يحاول يلتفت…
لكن جسمو تقيل…
كأنو مثبت في الرمل.
فجأة…
خطوات ناعمة… هادئة… وراهو.
قريبة…
قريبة شديد.
لكن… ما قادر يلف.
الجسد كلو متشنج.
وتجي ريحه…
ريحة حلوة… نسائية… فيها حاجة مألوفة وفيها حاجة بتخوف.
يوسف يفتح عينو أكتر… يحاول يتحرك…
لكن فجأة—
ذراعان ناعمتان يلفن خصره من الخلف.
حضن بارد… يقطع النفس.
قلبه يدق…
والبحر يصرخ.
ثم يهبط الهمس…
قريب في أذنو…
صوت بنت…
لكن ما سارة…
ولا أي صوت بيعرفو.
الصوت الرفيع يقول:
– سارة؟…
دي لازم تتخلص منها…
هي أول خطوة في الشفاء…
وأول خطوة… في النهاية
يتبع…
1 917
علاء – تمام…
عاوز أسألك سؤال تاني مهم:
قبل كل دا…
قبل البحر…
قبل الصوت…
كنت بتمرّ بشنو؟
ضغط؟ خوف؟ فقدان؟ حاجة وجعتك زمان؟
يوسف ينسحب لبرا رأسه لحظة…
نظرته تبحر بعيد… وكأن سؤال الطبيب فتح بوابة في ذاكرته:
– في…
في حاجات…
لكن ما داير أقولها…
خايف لو قلتها…
صوت سارة يجي خفيف… حنون… مكسور:
– قولها يا يوسف…
لو ما هسّة، متين؟
نحنا معاك.
دكتور علاء ينظر لهما، ويهز رأسه بتشجيع:
– الوجع البتخاف تقولهو…
هو ذاته الباب الداير يتفتح.
وما في شي ح يصحى ويأذيك…
إنت هسّة في مكان آمن.
وأنا هنا… ما بخليك تقع.
يوسف يتنفس بقوة… ثم يهمس:
– كان في موقف…
زمان…
وما اتجاوزتو.
يقترب علاء خطوة:
– دا البدايات يا يوسف…
وإحنا ح نمشي خطوة خطوة.
ما مستعجلين.
قول البتقدر عليهو… وخلي الباقي يجي بوقتُو.
وسارة…
تمد يدها ببطء…
وتلمس ظهر يد يوسف،
كأنها بتقولو: أنا هنا…
يوسف (بصوت هادي لكن موجوع):
– يا سارة… أحكي ليهم الحاصل… أنا ما قادر والله العظيم
سارة تتنهد، تنظر لعلاء ..
– الحاصل يا دكتور… يوسف كان معاه ثلاثة أصحاب… فرانك، ومارك، وأيمن.
ديل ناس كانو أخوانو… ما صحاب بس.
سافروا كلهم لمكان تاني للشغل بعد سنين من الصحبه … واتفقوا بعد ١٥ سنه فرقه يجو و يعملو ليوسف مفاجأة في عيد ميلادو…
لكن…
سارة تبلع ريقها، صوتها يرجف:
– عملو حادث… وماتو كلهم في اللحظة ذاتها.
الخبر وقع فوق يوسف زي جبل… دخل في حالة نفسية سنتين…
ما بنوم… ما بأكل… ما بقدر يقيف في الشارع البمرو فيهو العربات..
لكن… بفضل أمو وأهلو… قدر شويّة شويّة يطلع من الحفرة دي…
يوسف يقاطعها :
– لا… بمساعدتك إنتي يا سارة… إنتي بس.
أمي وأهلي وقفو… لكن إنتي الجبرتِ الكسر…
إنتي الانقذتيني والله ...
سارة تخفض نظرها بخجل، وعلاء يبتسم ابتسامة هادية تحمل فهم عميق…
دكتور علاء (يميل على الكرسي للامام):
– طيب يا يوسف… خليني أسألك كم سؤال…
في كلام سارة… وفي الطريقة الاتكلمت بيها…
واضح ليا إنك عشت صدمة شديدة… وبتحارب آثارها لحدي هسه.
يوسف ينظر ليه بتوتر بسيط.
علاء:
– بتجيك كوابيس عن الحادث؟ عن صحابك؟
بتسمع أصواتهم مرات؟
بتحس إنك ما قادر ترجع للحياة الطبيعية زي باقي الناس؟
يوسف:
– أيوا… كتيرة…
مرات بسمع ضحكتهم… مرات بسمع صراخ…
ومرات… بحس إنهم واقفين معاي…
حاولت انهي حياتي كم مره بس ساره كانت حاضره..
علاء يهز راسو بهدوء، نبرة الطبيب الحاذق:
– يوسف… الكلام دا خلاني أشك إنك ما بس مريت بصدمة…
إنت احتمال كبير تكون مصاب بـ اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد…
النوع المعقد جدا ..
والذكريات ما تبقى ذكريات، تبقى جروح شغالة لحدي الآن.
يوسف (بتنهد):
– يعني… أنا مجنون يا دكتور؟
علاء – لا… أبداً.
إنت ما مجنون… إنت مجروح.
والزول المجروح… بيتعالج.
وإنت قطعت نص الطريق…
وبقيت لسه في نصه التاني… .
سارة تمسك يد يوسف بصمت، ويوسف ينظر ليها بامتنان، وعلاء يدوّن بعض الملاحظات…
علاء:
– حنشتغل سوا… خطوة خطوة.
وحنرجّعك لحياتك…
بلا خوف… بلا وجع… ولا كوابيس اتفقنا؟؟
يخرج دكتور علاء من الغرفة بخطوات هادئة، يقفل الباب وراه، متجه لزینب وياسين عشان يشرح ليهم الحالة…
في الغرفة، الهدوء يرجع يهبط زي سحابة تقيلة.
سارة تقعد جنب يوسف، تقرّب كرسيها، وتنظر ليه بنظرة كلها حنان.
سارة (بصوت خفيف):
– كلو ح يهون يا يوسف… والله كلو.
إنت بس ما تشيل هم… نحنا معاك.
يوسف يخفض رأسه، يمسك أصابعه بقوة، صوته ينكسر:
يوسف:
– سارة…
أنا مريض نفسي…
يعني أنا شنو؟
أنا بقيت مجنون؟
ولا أعمل شنو؟
أمشي أختفي؟
ولا أنسحب من الناس؟
ولا أضحك وأتظاهر إني كويس؟
أنا… ما فاهم نفسي.
سارة تمد يدها وتمسك يده ، تحركها بخفة :
سارة:
– يا يوسف…
إنت ما مجنون…
المرض النفسي زيو وزي اي مرض عايز علاج..
تتنفس بعمق وتواصل:
– أي زول ممكن يمرض… جسدياً أو نفسياً.
المرض النفسي ما بقلّل منك…
ولا بقلّل من رجولتك…
ولا بقلّل من قلبك.
يوسف – طيب… أنا أعمل شنو؟
أمشي كيف؟
أتعالج كيف وأنا خايف من الليله قبل بكرة؟
سارة (تقرب أكتر، صوتها مطمّن):
– تعمل حاجة واحدة بس…
تخـلّيني أقيف معاك.
وتخلي علاء يعالجك
وتسمع كلام الدكتور خطوة… خطوة.
إنت ما مطالب تكون قوي اليوم…
ولا مطالب تكون شجاع.
إنت مطلوب منك تتعالج.
يوسف يشهق شهقة صغيرة، يرفع نظره ليها:
يوسف:
– وإنتِ… ما ح تزهجي مني؟
ولا تخافي؟
ولا تقولي يوسف بقى ما طبيعي؟
سارة تبتسم ابتسامة صغيرة مهزومة بالحب:
– أنا لو بخاف… بخاف عليك، ما منك.
وما بزهج… لأنو البمرض اليوم، بكرة بطيب.
واهم شي عندي هسي انك تكون كويس.
يوسف (برأس منخفض):
– سارة…
أمم… لو سمحتي… خليني برااي شوية.
عايز أرتّب راسي…
ما قادر أستوعب الحاصل.
سارة تتردد لحظة، تحس بالخوف عليه، لكن تحترم طلبه:
– طيب… لكن لو حسّيت بأي حاجة… نادي.
أنا برا.
تبتسم بخفوت وتمشي، تقفل الباب وراها بهدوء.
1 917
رواية حوريه
بقلم : محمد ياسر
الفصل الخامس
«انا مريض نفسي»
قناه الروايه:
http://t.me/Rouhhee
المرضُ النفسيّ ليس صدعًا في الروح بقدر ما هو نداءٌ خافت، يطلب منّا أن ننصت لأنفسنا قبل أن ننهار بصمت.
هو تعبٌ تراكم، ووجعٌ لم يجد كتفًا يسنده، فصار يظهر في هيئة خوفٍ، أو شرود، أو ثقل لا يُعرف مصدره.
والاعتراف بهذا الوجع ليس ضعفًا… بل خطوة أولى نحو النجاة.
فالعلاجُ ليس هروبًا من الألم، بل عبورٌ واعٍ إليه كي يهدأ.
وكان يوسف يعلم هذا جيدًا،
يعرف أن الصمت لم يعد ينفع، وأن الاحتمال وحده لا يكفي…
لذلك استسلم للطبيب النفسي،
استسلامًا يشبه الشجاعة الأولى التي يُكتب بعدها شفاءٌ جديد..
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل،
صمتٍ يُخيَّل لمن يدخله أنّ الأنفاس تُسمَع فيه كوقع خطواتٍ على أرضٍ فارغة.
الهواء ساكن،
والجدران كأنّها تترقّب ما سيُقال.
جلس يوسف على حافة السرير، منكّس الرأس،
عيناه تائهتان كمن يبحث عن مخرجٍ لا يراه.
وعلى يمينه جلست أمّه زينب،
تقبض على يده بين يديها،
تُمرّر أصابعها فوق جلده في محاولةٍ لإخفاء ارتجافها.
كانت تحدّق في وجهه بقلقٍ يفضحه صمتها.
أمّا سارة…
فوقفت عند الباب، لا تجلس ولا تتكلّم،
تراقبه بنظرةٍ تحمل مزيجًا من الخوف والرجاء،
كأنّ حضورها هناك يكفي ليخبره أنّه لم يعد وحيدًا…
وأنّ ما ينتظره ليس مواجهةً منفردة.
كان الصمت بينهم جميعًا مشحونًا…
ليس فراغًا، بل توترًا ثقيلًا،
وسؤالًا معلّقًا في الهواء:
هل ستبدأ الليلة رحلة الكشف… أم رحلة السقوط؟
انفتح باب الغرفة بهدوء…
ودخل ياسين والد يوسف بخطوات تبين فيها السهر والتعب.
وقف من القرب السرير، وسحب نفس طويل:
– أنا آسف يا يوسف…
اتأخّرت عليكم شديد.
والله كنت مشغول بالقضية… اضطرّيت أقعد في المكتب لحدي ما خلّصت كم إجراء.
نظر لي ولدو نظرة فيها حنين ووجع:
– سامحني يا ولدي…
المفروض أكون معاكم من بدري.
زينب رفعت راسها ليهو…
عيونها فيها عتاب وقلق،
بس ما قالت ولا كلمة.
ياسين مشى ليها، ولامس كتفها برفق:
– معليش يا زينب…
اتاخرت عليكم
بعدها لفّ على سارة…
ابتسم ليها وسلم عليها بلطف:
– أهلاً يا سارة… كيفنك؟
سارة خطت خطوة لقدّام، صافحته باحترام:
– أهلاً عمّ ياسين… يا رب يوسف يقوم بالسلامة.
ياسين هزّ راسه، وقال بنبرة دافئة:
– آمين يا بتي…
وبعد ثواني، سألها:
– أبوك… مصطفى؟ كيف؟
ابتسمت سارة:
– بخير الحمد لله… جا من السفر قبل كم يوم. يسلم عليك
ضحك ياسين ضحكة خفيفة:
– دا زول طيب… وقفتو معاي زمان ما بنساها.
بلّغيه سلامي… وقولي ليهو مشتاقين ليهو
سارة:
– حاضر… بوصّلو.
سكتوا كلهم لحظة…
وفجأة الباب اتفتح تاني…
دخل دكتور علاء.
ياسين رفع راسه وقال:
– مرحب… دا دكتور علاء.
وقفوا كلهم… إلا يوسف،
الحظة براها اتغيّرت أول ما دخل.
وبكدا…
بدأ الطريق الصعب:
اول خطوات دخول الضلام عشان يلقى أول شعاع نور...
هدأ المكان…
دكتور علاء وقف في منتصف الغرفة، ناظر للجميع بابتسامة صغيرة:
– يا جماعة… لو تسمحوا، داير أقعد مع يوسف براهو دقيقة.
ياسين هزّ راسه وقال:
– حاضر يا دكتور… نحنا حنطلع.
زينب وقفت، قلبها متعلق بولدها:
– يوسف… لو دايرني أقعد؟
يوسف حرك راسه بالنفي…
لكن قبل ما يطلعوا كلهم، رفع عينه لسارة:
– إنت… أقعدي معاي.
سارة وقفت ساكنة للحظة، ثم جلست قريب منه…
يدها فوق ركبتها، لكن قريبة من إيده كأنها جاهزة تسنده لو وقع.
بعد خروج الجميع، قفل دكتور علاء الباب بهدوء،
وجلس في الكرسي المقابل ليوسف، ظهره مستقيم… وصوته مطمئن:
– طيب يا يوسف…
أنا ما دايرك تضغط على نفسك الليلة.
نتكلّم على قد ما تقدر…
ولو عجزت توقف، دا طبيعي.
يوسف يتنفس بعمق، عينه تهرب وترجع،
وسارة تنظر اليه فقط..
دكتور علاء يضع يديه فوق بعض:
– يوسف…
أول حاجة داير أعرفها:
لما سمعت الصوت في راسك… كنت حاسس بشنو؟
بس الشعور… ما لازم تفاصيل.
يوسف بلع ريقه:
– خفت… خفت شديد.
حسيت زول جوا راسي بَهدّدني…
زي… كانه ببعدني من كل حاجه.
دكتور علاء يومّئ ببطء:
– تمام…
الخوف دا جاك فجأة ولا حسّيت بيهو اتراكم من قبل؟
يوسف:
– ما فجأة شديد…
لكن قبل فترة… بقيت بسمع زي همسات… زي همهمة.
وأنا في البحر… ما حسّيت بنفسي. فجأة كنت في العربية.
علاء يسند ظهره على الكرسي، نبرة صوته ثابتة:
– لو قلت لي:
أكتر لحظة حسّيت نفسك ضايع فيها؟
لحظة واحدة… أي لحظة.
شنو بتطلع في بالك؟
يوسف يغلق عينيه…
يمد يده كأنه يمسك فراغاً يطير من بين أصابعه:
– لحظة…
لما فتحت عيني ولقيت نفسي مبلول.
والله يا دكتور حسّيت دا ما جسمي…
وحياتي اتشطبت منها صفحة، بدون وعي
سارة تضغط يدها على ركبتها.
تحاول ما تقاطع… لكن عيونها تقول "اتكلم… قول كل شي."
علاء يميل للأمام:
– حسّيت إنك ما موجود؟
ولا حسّيت إنك موجود لكن ما أنت؟
يوسف يفتح عينيه ببطء:
– موجود…
لكن ما أنا.
كأنو في زول تاني ماسك مقود حياتي.
وأنا اتفرّج بس.
علاء يكتب ملاحظة صغيرة، ثم يرفع رأسه:
1 917
اقتربت أكثر…
أنفاسها تلامس أنفاسه،
شفاهها تقترب ببطء…
تكاد تلامس شفتيه…
وفجأة
صوت غريب ينفجر داخل رأس يوسف :
«أوعه…
أوعه تخلّيها تلمسك…
أبعد…
أبعد هسسي…»
شهق يوسف
وكأن أحداً صرخ في أذنه.
تراجع للخلف بعنف،
وقع ظهره على السرير،
عيناه اتّسعتا رعباً:
«– زحّي…
زحّي مني يا سارة!!
خلاص…
اطلعي برا…
ما عايز شي…
براااا!!»
تجمدت سارة في مكانها.
عيناها تلمعان بصدمة وحزن…
لكنها لم تقترب.
لم تسأل.
لم تبكِ.
فقط نظرت له..
ثم قالت ..
- «يا يوسف صدقني ما بنفع فيك خير »
ثم قامت بهدوء…
وخرجت.
وتركت الباب نصف مفتوح…
وكأنها تنتظر أن يعود إليه صوته… أو روحه.
جلس يوسف في زاوية الغرفة كأن العالم انكمش عليه فجأة.
الجدران تقرّبت… الهواء ضاق… والليل صار كائنًا له فم وصوت.
الصوت بدأ أولًا كهمسة… ثم صار هديرًا يخبط في رأسه كأمواج سوداء:
«ما تلمسك… كيف تلمسك… ما تقرّب…»
الكلمات تمشي فوق جلده مثل أصابع باردة.
يوسف حاول ينهض… لكن الخوف شدّه من كاحله وسحبه للداخل.
لحظة واحدة… ثم انفجر بالصراخ.
ارتجف جسده… تقوّس ظهره… كأنه يتلقى صعقة كهرباء من يدٍ غير مرئية.
صرخ… ثم تلاشى كل شيء.
عاد إلى الدنيا على رائحة غريبة.
مزيج مطهرات.. ونَفَسٍ يشبه رائحة العيادات ...
فتح يوسف عينيه.
كانت زينب، والدته، تجلس بجواره… يدها ترتجف فوق صدره دون أن تجرؤ على لمسه.
وسارة… تجلس عند طرف السرير، عيناها واسعتان، كأنهما بركتان رغم الخوف.
بصوت خافت، كمن يسأل لغزًا لا يريد كشفه:
– أنا… وين؟
سارة تقترب خطوة… تكاد تُخفي رجفتها بابتسامة صغيرة:
– في المستشفى يا يوسف… إنت بخير؟
يوسف يضغط أصابعه على جبينه كأنه يريد أن يمسك الألم ليكسّره:
– صداع… راسي عايز يتفتّح نصين… الحصل شنو لي؟
زينب تنظر لسارة… تهز رأسها: ما تقولي كل شيء.
:
– «جاتك نوبة هلع… نوبة قوية… لكن عدت الحمدلله.»
عمّ الصمت…
ذلك الصمت الذي لا يُسمع فيه إلا قلب يحاول يبدأ من جديد.
يوسف لم يسأل لم يكثر من الأسئلة فقط اغمض عيناه وتنهد ...
دخل الطبيب بخطوات خفيفة، كأن الأرض تعرفه وتحترم حضوره.
اقترب، فتح ملفًا صغيرًا، وقال:
«– أنا دكتور سامر… والحصل ليوسف اسمه نوبة هلع. بإختصار العقل اعلن حالة طوارئ»
يوسف يرفع رأسه قليلًا:
– سببها شنو؟؟
ابتسم الطبيب :
– يا يوسف… نوبات الهلع ما بتجي بدون سبب … بتجي من التاريخ.
من الوجع الساكن جوّاك… من الخوف القديم… من الصدمات القديمه الما بتموت.
يوسف يخفض نظره… يسأل بصوت مكسور:
– يعني شنو؟
الطبيب ينحني قليلًا نحوه:
– «تذكرت موقف قديم ، وما قدرت تتجاوزو حصل ليك كل دا »
يوسف - « ما اتذكرت شي انا، والله كنت عادي بس ما عارف راسي كان كلو أصوات »
الطبيب رفع الملف… وقال بنبرة واضحة:
– أنا ححوّلك لطبيب نفسي ممتاز… اسمه دكتور علاء.
هو متخصص في الصدمات والهلع… وممكن يمسك الخيط الضعيف جوّاك ويقوّيه.
مجرد ذكر الاسم خلّى سارة ترفع رأسها، وتعاين ليوسف ...
زينب «– طبيب نفسي؟ يعني… الحالة خطيرة للدرجة دي»
يجلس الطبيب سامر على طرف السرير:
– أبدًا يا امي . لكن لازم نفهم جذور الخوف،
دا علاج زي أي مرض… نهايتو شفاء.
ودكتور علاء زميل قديم… وأنا واثق فيه تمام.
وهو ح يكون معاكم خطوة بخطوة من هسي.
يوسف يحاول يجلس مستقيمًا:
– طيب… متين بشوفه؟
الطبيب وهو يغلق الملف:
– هسي. دكتور علاء في الطريق…
دي حتكون أول جلسة ليك. بسيطة، مباشرة… وبتفتح بابك للعلاج من جديد.
وبين سكون الغرفة…
وبين العيون التي بدأت تطمئن…
شعر يوسف لأول مرة انه لابد من فتح جروح قديمه..
وأن هنالك يدًا تمتد نحو الظلام…هي قادرة على صناعة أول شمعة..
يتبع...
@HmadaChan
1 917
بــِروحــــي فتـــۘ❀ـَٰـآہ𓆩💙𓆪:
رواية: حورية
بقلم: محمد ياسر
الفصل الرابع
«فَتحُ جُرحٍ قَديم»
قناة الرواية:
t.me/Rouhhee
بعض الجروح لا تُشفى…
هي لا تموت أصلًا، فقط تنام.
تتظاهر بأنها هدأت،
ثم تعود في اللحظة التي تضع فيها رأسك على الوسادة،
لتفتح صفحةً كنت تظن أنك طويتها للأبد.
الجرح القديم… يشبه بابًا صدئًا في آخر الذاكرة،
تدفعه الأيام فيُغلق،
وتدفعه فكرة واحدة… فيُفتح من جديد.
ويوسف…
كان يسمع صرير ذلك الباب داخل رأسه منذ عاد من المستشفى.
بابًا لا يعرف ما وراءه…
ولا يملك القوة ليقفله.
دوّامة الوعي
جلس يوسف في غرفته،
كأنه محاصر بأسئلة لا تُشبه أي سؤال.
كيف وصل الى البحر ؟
لماذا اختفت ساعات من حياته؟
متى انكسر الضوء في رأسه؟
وأي يد أطفأت وعيه وأغرقته في ذلك الظلام؟
ماذا حدث؟
كان يشعر كأن جزءًا من عمره قد قُطِع بسكين.
مائة فكرة تدور حوله…
ألف شعور ينهش صدره…
ولا جواب.
حتى الهواء صار ثقيلاً،
والغرفة تتأرجح حوله كأنها سفينة بلا رُبّان.
ثم…
طرقٌ خفيف على الباب.
فتح الباب ببطء، ودخل والده ياسين…
إلى جانبه أمه زينب، ملامحهم كلها خوف..
جلس ياسين قرب يوسف،
يحاول أن يبتلع خوفه ويبدو قويًا:
–« يا ولدي… أحكي لينا. مالك؟ حصل شنو؟»
اقتربت زينب،
وضعت يدها على كتفه كأنها تخشى أن ينفرط:
«يوسف… حياتك مالا؟ إنت ما زي أول… في شي؟»
ياسين - «امك حكت لي كل حاجه ، نزلت البحر لشنو مالك أحكي لي؟؟»
يوسف لم يرفع رأسه.
كان ينظر إلى الأرض كأنها تحمل سرًّا ما.
يوسف «– ما عارف… والله ما عارف.»
نظر له ياسين بعينين تزدادان رعبًا:
–« كيف يعني ما عارف؟ في شي حصل؟ في زول ضايقك؟
سارة… مالا؟ حصل بينكم شي؟»
رفعت زينب صوتها قليلًا.
– «إنت ولدي… نحنا حاسين بيك.
من رجعت من البحر وإنت ما إنت.
قول، أي كلمة… ريّحنا.»
يوسف هزّ رأسه ببطء،
– «ما بقدر أشرح… لأني أنا ذاتي ما فاهم.
في حاجات جوّاي… لكن ما عندي ليها اسم, ممكن تخلوني برأي ؟؟»
تبادل الوالدان نظرة مليئة بالعجز.
تلك النظرة التي تقول:
"… نخليهو ياخد وقتو يمكن يرجع احسن."
وبعد دقائق صمتٍ ثقيل،
تراجعا ببطء…
انسحب ياسين، تبعته زينب بدمعة محبوسة.
كانا يعرفان أن هناك شخصًا واحدًا
يستطيع الوصول إلى يوسف حين يعجز الجميع.
اللحظة التي تغيّر الهواء
رنّ هاتف يوسف.
اسم أحمد – زميله في العمل.
ردّ يوسف بصوتٍ ميت:
– ألو؟
أحمد:
– يوسف… ياخي طمّنّي. حصل ليك شنو؟ سمعت كلام…
يوسف:
– أنا كويس… بعدين نتكلم.
المكالمة لم تتجاوز ثواني معدودة.
انتهت قبل أن تبدأ.
وقبل أن يعيد الهاتف إلى الطاولة…
طقّ… طقّ… طقّ
الطرق على الباب هذه المرّة كان أسرع،
أقرب،
أشدّ وجعًا على عصب يوسف.
صرخ وهو يغطي وجهه:
– ما عايز زول!! … خلوني براحتي!
أغمض عينيه بقوة،
يتمنى أن يختفي كل شيء…
أن يصمت العالم.
لكن الباب… انفتح.
خطوات خفيفة.
أنفاس مرتجفة.
ثم ذلك الصوت…
الصوت الذي استطاع، وحده،
أن يشق الظلام:
– يوسف…؟
إنت كويس؟
كانت سارة.
يوسف رفع رأسه بصعوبة،
عينيه حمراوين،
وصوته مكسور:
«– سارة… انا محتاج ليك ....»
اقتربت بخطوات بطيئة،
كأنها تخشى أن ينكسر أكثر:
«بغض النظر عن انك كوركت فيني بدون سبب بس أنا جاية أطمن عليك…
بس كدا… ما دايرة منك شي.
إنت شكلك تعبان شديد».
يوسف:
– تعبان؟
«سارة… أنا ما عارف الحاصل لي شنو.
رأسي مليان أصوات… انا ما فاهم شي »
جلست قريبة..
ساره - «ما لازم تفهّم كل حاجة الليلة.
أهم شي… إنك ما تكون براااك.
أنا هنا… ما حأمشي.»
يوسف جلس علي نصف السرير اتجهه إلى ساره ..
– «سارة… أنا بخاف.»
ساره– «وأنا بخاف عليك…
بس الخوف بنقيف قدامه سوا، مش انت برااك.»
ارتجفت شفاه يوسف،
وكأن كلمة واحدة منها كانت طوق نجاه
– ما تخليني يا سارة…
فهمست، بصوتٍ يشبه ضمادة:
«– يوسف لو كل الدنيا خذلتك…
أنا ما بخذلك»
تنهد يوسف…
–« يا سارة…
في حاجة لازم أقولها ليك.»
ترفع حاجبها بخوف، وتجلس أقرب:
–« قول يا يوسف… أنا معاك.»
يشهق، ثم يمرّر يده على وجهه:
– «كنت في البحر…
عارفة؟
واقف جنب الشاطئ… ساكت…
والموية تحتي
فجأة…
لقيت نفسي مبلول… وأنا في العربية!
مبلول عديل يا سارة…
وكأنّي طلعت من البحر هسي دا»
يرتجف صوته:
– أنا ما فاهم…
كيف حصل دا؟
في شنو؟
مالي؟
ولا كيف؟
والله يا سارة حسّيت إني ما أنا…
سارة كان قلبها يدق بسرعة، لكنها تحاول تهدي نبرة صوتها:
«– طيب… نمشي دكتور؟
نراجع دكتور علاء؟
يمكن في حاجة بسيطة…»:
«– أنا…
أنا مشيت لي دكتور علاء…»
تتسع عيناها بصدمة:
ساره – «ومشيت برااك؟
ليه ما قلت لي؟
ليه خليت نفسك تعاني؟
لازم نمشي ليهو مع بعض…
نفهم الحاصل… سوا.»
ثم تمد يدها ببطء…
بحنانٍ يعرفه يوسف أكثر من اسمه،
وتلمس شعره من الأمام،
تحاول تسكّن ارتجافه.
اقتربت منه…
عيناها في عينيه،
كأنها تبحث عن روحه بين جفونه.
«– حبيبي…
أنا جنبك…
ما بخليك،
ولا بخليك تواجه دا برااك أبداً.»
1 917
كانت علاقتها بيوسف ضعيفة جدًا…
لكن القدر كان يكتب شيئًا آخر.
ثم خرجو كلهم من أجل إبلاغ الأطباء أن يوسف قد عاد
حين فتح يوسف عينيه وغادروا من في الغرفه كان الضوء خافتًا… والغرفة صامتة إلا من صفير جهازٍ يراقب نبضه كأنه يراقب ما تبقّى من روحه.
دخل ثلاثة أطباء، خطواتهم هادئة، ملامحهم متعاطفة بطريقة تُفهم دون كلمات.
اقترب الطبيب الأكبر، وقال بنبرةٍ مدروسة:
– «الحمد لله على سلامتك يا يوسف… فقدت الوعي لفترة.»
يوسف رفع رأسه بصعوبة، كأنه يحمل جبلًا.
– «اصحابي ؟؟ …»
صوته خرج مبحوحًا، مترددًا، كأنه يخشى الإجابة أكثر من الجهل.
تبادل الأطباء النظرات.
ثم تقدّم الطبيب قائلاً:
– «لن نتحدث عن هذا الآن… صحتك أولًا.»
لم يكن الأمر تهرّبًا…
كانوا يعلمون أن الجرح أكبر من قدرة قلبه على التحمل.
فقرّروا أن يمنعوا عن جسده أول ضربة…
حتى ينهض ليستقبل التالية.
لكن يوسف لم يسكت:
– «كيف ماتوا؟ أنا عايز اعرف كيف ماتو؟ ولي جو وكيف اتلاقو؟؟»
الطبيب جلس بجانبه، وقال بصدق لا مراوغة فيه:
– «يا يوسف…، بسبب حادث سير.»
وساد صمت طويل…
كأن الحزن نفسه يراقب من زاوية الغرفة.
ثم قال الطبيب الآخر، محاولًا أن يكون لطيفًا:
– «في الحقيقة… كانوا عائدين من المطار.
أيمن هو الذي اقترح أن يأخذكم ك مفاجأة…
فذهبوا من المطار مباشرة إلى بيتكم.
تَمازحوا في الطريق… ضحكوا…
اشتروا لك هدية عيد ميلادك.»
يوسف أغلق عينيه…
ورأى المشهد كأنه فيلم لا يستطيع إيقافه.
الطبيب أكمل بصوت منخفض:
– «لكن… سيارة ما كانت تسير بعكس الطريق اصطدمت بهم.
انقلبت سيارتهم أربع مرات.
مات سائق السيارة فورًا…
وأصدقاؤك الثلاثة…
لم يجدوا فرصة ليقولوا كلمة واحدة.»
يوسف حرك يده ببطء نحو قلبه…
كأنه يتحسس مكانًا احترق داخله.
لم يبكِ.
لم ينهار.
بل جلس ساكنًا…
كأن الصدمة جففت حتى الدموع.
الأطباء تركوه بسلام،
وغادروا الغرفة دون كلمة إضافية،
فالألم كان واضحًا بما يكفي.
خاطرة قصيرة..
الموت…
ليس صدى بعيدًا كما نظن،
إنه خطوةٌ تقف خلفنا دائمًا،
تنتظر لحظة واحدة فقط
لتضع يدها على كتف الحياة
وتقول: «انتهى الدور…»
يأتي في ضحكة طريق،
الموت ليس عدوًّا…
هو الحقيقة الوحيدة التي لم تكذب علينا يومًا.
يذكّرنا أننا مؤقتون،
وأن كل من نحبهم
يتركون فينا مساحة فارغة
لا يملأها شيء.
ولولا الموت…
لما عرفنا قيمة اللحظة،
ولا ثِقل الذاكرة،
ولا معنى أن نقول لأحد:
«ابقَ… فإن غيابك يقتلني.»
العودة بلا روح
يوسف عاد للحياة…
لكن بلا حياة.
جلس في البيت أيامًا طويلة
لا يتحدث،
لا يأكل،
لا ينظر لأحد.
كان يفتح قروب أصدقائه
ويرسل رسائل كل ليلة:
«وينكم؟
مارك… ياخي رد.
أيمن… قوم بالله.
فرانك… إنت صاحي؟»
بدون رد .
حتى جاء يومٌ
وضعت زينب هداياهم أمامه.
الهدايا التي كانوا سيقدمونها له في منتصف الليل.
قالت بصوت متكسّر:
– «افتحها… يمكن ترتاح.»
لكن يوسف…
انفجر.
مزّق كل شيء.
كسّر الهدايا.
حطم الساعات.
طرد الجميع.
حتى أمه.
ثم جلس على الأرض،
يجمع القصاصات بيدين ترتجفان،
يبكي لأول مرة
منذ موتهم.
وفي تلك الليلة
اعترف قلبه بالحقيقة:
الثلاثة لن يعودوا.
وبدأ عام كامل من الظلام…
عام لا صوت فيه إلا أنفاس رجل
يحاول ألا ينهار.
وفي تلك السَّنةِ السَّوداء…
كان هناك ظلٌّ صغيرٌ
يمشي خلف يوسف،
يتربّص بالصمت،
ويعدّ أنفاسه،
وينتظر اللحظة التي
سيخلع فيها العتمة
ويتحوّل إلى ضوء.
اسم ذلك الظل…
كان سارة.
وسارة لم تكن ظلًّا فقط،
كانت اليد الوحيدة التي امتدّت نحوه،
الحبل الأخير المتدلّي من أعلى الهاوية،
كانت طوق نجاته
وأخرجته – وعاد يوسف الى حياته بسبب ساره ... أو هكذا ظننّا جميعًا...
يتبع..
@HmadaChan
1 917
رواية : حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الرابع
«يوم ميلاد… بلا شموع»
قناه الرواية:
https://t.me/Rouhhee
كانت الذكريات أول أعداء الإنسان؛
تخرج عليه حين يطمئن،
وتلدغه حين يظن أنه نجا،
كأن الماضي ليس زمناً مضى…
بل روحًا تتسكع داخل القلب ولا تموت.
وكان يوسف يعرف هذا أكثر من غيره؛
فكل خسارة عاشها
بدأت دائمًا من تلك الغرفة الصغيرة في صدره…
حيث لا سبيل للهروب.
قبل 5 سنوات..
كان يوم ميلاده الثالث عشر من يناير،
كان القدر يهيّئ له ضربة قاسية
لم يكن مستعدًا لها مهما اشتدّ ظهره.
ثلاثة رجال يسافرون نحوه في اللحظة نفسها:
مارك من بريطانيا،
فرانك من مصر،
أيمن من مدينته البعيدة.
ثلاثتهم قرروا أن يعودوا في هذا اليوم،
أن يعيدوا الزمن خمسه عشره سنه للوراء،
أن يدخلوا بيته لحظة منتصف الليل
ويصرخوا: «كل عام وانت الخير !».
لكن يوسف…
لم يكن يتذكر ميلاده أصلًا.
هو لم يحتفل به يومًا،
ولا عرف له معنى،
ولا سعى إليه.
كان الناس يذكّرونه…
وهو لا يشعر.
أما والدته..
فكانت الوحيدة التي تعرف،
والوحيدة التي تحاول أن تخفي عنه الحقيقة هذا العام،
والوحيدة التي قلبها يرتجف كل دقيقة
وهي تتمنى أن تصل المفاجأة قبل أن يصل أي خبر آخر.
كانت تخرجه من البيت بحجج واهية:
– «أمشِ اشتري لي ملح.»
– «أمشِ شوف خالتك.»
– «تعال ودّيني السوق .»
لأن يوسف لو بقي دقيقة واحدة بالبيت…
كان سيعرف أن شيئًا كبيرًا يتحضّر له.
لكن الطريق…
لا يعطي ضمانات لأحد.
فلاش باك — «أولاد الحي»
قبل خمسه عشره سنه،
كان الحي يعرف ضحكة واحدة تتوزع على أربعة أولاد:
يوسف، مارك، فرانك، أيمن.
يوسف…
الهادئ الذي يلمّ شملهم.
مارك — محمد عبدالسلام —
لكن اسمه الحقيقي مات يوم قال له يوسف ضاحكًا:
«إنت بتحب الفيس بوك كأنك مديره مارك … من الليله اسمك مارك ومافي زول حيناديك غير كدا!»
فضحك الولد… وصار الاسم قدرًا.
فرانك — محمد أحمد —
ملامحه جعلت الحي يناديه بذلك بلا نقاش كان يشبه الممثل فرانك كثيرا..
أيمن…
الرجل الصغير الذي يعقلهم كلهم.
كانوا أربعة…
أكثر من إخوة… أقل من أن تُفسّر علاقتهم بالكلام.
يلعبون، يركضون، يعبرون الحي كأنه ملكهم،
يقفزون فوق أسوار الجيران،
يهربون من الحارس،
يضحكون حتى البكاء.
وحين تفرّقوا…
مارك إلى بريطانيا،
فرانك إلى مصر،
أيمن إلى مدينة أخرى…
بقي يوسف وحده يحمل ذكرياتهم كمن يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.
حتى اتفقوا أخيرًا
أن يعودوا في يوم واحد…
يوم ميلاده.
يوم « الشمل الكبير ».
لكن الأقدار…
كتبت نهاية أخرى.
الاتصال...
كان يوسف في منتصف الشارع،
ينهي مشوارًا بلا معنى،
حين رنّ هاتفه.
ظهر اسم أمه زينب
– «أها يا أمي، خير؟»
لكن صوتها كان مكسورًا…
باهتًا…
مخنوقًا.
– «تعال البيت… هسّي…»
ثم انقطع الخط.
ارتجف يوسف.
ضغط على البنزين…
السيارة انطلقت كأنها تهرب من شيء أسود.
وعند أول الشارع…
رأى الناس متجمعين.
وجوه شاحبة.
دموع.
سيارة شرطة.
وصوت بكاء مكتوم.
ركض.
صرخ.
– «أبوي وين؟!»
جاءه صوت والده من الخلف:
– «أنا هنا… أنا تمام… ما تشيل هم»
امي تمام بخير.
ابوي كويس
إذن… من الميت؟
من يستحق هذا الصمت الثقيل؟
لم يجب أحد.
حتى جاء رجل الشرطة العجوز،
صديق والد يوسف،
ووضع يده على كتفه وقال:
– «تعال المشرحة… لازم تتعرّف على الجثث.»
يوسف - « جثث منو»
الشرطي- « ما حكيتو ليوسف حاجه »
هز والده رأسه علامه على التأكيد
يوسف- « فهموني فشنو؟؟؟؟»
ياسين ( والد يوسف) « يا ولدي اهدي اول أرح معانا حتفهم كل حاجه»
المشرحة — «ثلاثة جدران بيضاء»
دخل يوسف المشرحة وهو نصف حي.
الباب الحديدي فتح بصوت يشبه نعيقًا باردًا،
والجو داخل المكان كان زمهريرًا.
ثلاثة جثث
ثلاثة أغطية بيضاء.
رفع الفني الغطاء الأول.
كان مارك.
مارك الذي كانت ضحكته تسبق أنفاسه…
صار صمتًا كاملًا.
فتح الفني الغطاء الثاني.
كان فرانك.
وجهه القوي صار هدوءًا مخيفًا.
ثم الغطاء الثالث.
كان أيمن…
الرجل الصغير الذي كان يعقّلهم كلهم…
راقدًا بلا نفس.
جلس يوسف على الأرض…
الهواء يضيق…
الدماغ تجمد…
والقلب يرتطم بين ضلوعه كأنه يريد الخروج.
وقال بصوت مخنوق:
«كيف ؟
ليه جايينني؟
ليه ؟
متين حصل كدا ؟»
لكن الموت لا يفسر.
وفي تمام الساعة 12
يوم ميلاده…
انطفأ يوسف تمامًا،
وسقط فاقد الوعي
في حضرة ثلاثة وجوه
كانت كل حياته.
السقوط الطويل
دخل في غيبوبة لثلاثة أسابيع.
الأطباء قالوا كلامًا طبيًا باردًا:
«صدمة عصبية حادة.»
«اضطراب ما بعد الصدمة.»
لكن الحقيقة؟
الحقيقة أن روحه لم تستطع العودة وحدها.
كانت زينب والدته تقضي ساعات تمسك يده
وتبكي بلا صوت.
حتى في الأسبوع الثالث
راودت يوسف الاحلام ، كأنه يعيش حياه أخرى في عالم اخر ...
ولكن فجاه فتح عينيه ببطء…
ورأى الوجوه:
أمه، خالته، سهى…
وسارة.
سارة كانت واقفة في الخلف،
تمسك دفترًا صغيرًا،
تخفي نصف وجهها بشعرها،
وكأن وجودها خجل لا يريد أن ينكشف.
1 917
لكن…
في مكانٍ بعيد من قلبه…
كان اسم سارة يلمع مثل نقطة نور صغيرة.
وكأنه الشيء الوحيد الملون…
في يومٍ بلا لون..
تحرك يوسف عبر الصابره الي دكتور علاء ، وكله امل لإنقاذه.
جلس أمام الدكتور علاء.
يده ترتجف.
علاء نظر له بثبات:
– «الحلم الأخير… حسّسك بشنو؟»
– «زي زول بيقع… وضلوعي بتتكسر… وكنت حاسس بالوجع.»
– «قبل ما تنوم… بتحس بالخوف؟»
يوسف – «قبل… وأثناء… وبعد.»
علاء – «عصبيتك؟»
يوسف – «زي نار… بتولّع بدون سبب.»
سكت يوسف فجأة…
ورفع رأسه…
وعينيه مليانات خوف.
– «دكتور…
قول لي…
أنا مجنون؟
فيّ شنو؟»
ابتسم علاء بهدوء:
– «المجنون ما بيسأل السؤال دا يا يوسف.
العقل المرهق ما جنون…
العقل المرهق دا نداء.
وإنت سمعت النداء… وجيت.
دا أول خط نجاة.»
يوسف مسح وجهه:
– «بس أنا خايف… خايف أنوم.»
علاء – «وخوفك ما غلط.
الغلط إنك تواجه براااك.
لكن أنا معاك هسي .»
علاء – «يوسف…
إنت مريت بصدمة؟
بحاجة ما بتنقال بسهولة؟
حاجة غيّرت مجرى حياتك؟
كسّرتك؟»
يوسف شهق نفس…
وبدت روحو كلها ترتعش…
يوسف – «مريت…
مريت بحاجة…
لكن…
في صدمة…
لو فتحت بابها…
ما ح أوقف بكا…
وما مستعد…
ما مستعد أسترجعها الآن.»
علاء ما حاول يسأل اكتر
ما حاول يسرّع اللحظة…
لأنه كان عارف إن الصدمات ما بتتفتح بسهوله..
علاء – «تمام يا يوسف.
إحنا ما بنفتح جروح قديمه
في ابواب صاحبها يكون جاهز قبل ما يدقها.
المقابلة الجاية…
خليها لمن تكون مستعد.
لمن تحس قلبك يقدر يشيل الحكاية.
وأنا…
أنا ح أكون هنا.
ينسمعها مع بعض…
ونرتّب الخراب اتفقنا؟ »
يوسف وقف…
جسمه تقيل…
والباب البيفتحه بيده كان أخف من الباب البيقفل جوّا روحو.
وهو طالع…
كان صدره لسه مكتوم…
لكن لأول مرة…
في شرارة صغيرة براّقة…
شرارة بتقول:
"ما لازم أحارب براي. "
خاطرة قصيرة:
كأنّ البحر خُلق للرجل الذي يُجيد الكتمان.
يهرب إليه لا لينجو… بل ليضع أوجاعه فيه
كمن يخبّئ سرًا في صدر صديقٍ أمين.
هناك، عند الحافة الزرقاء،
يستعيد الرجل جزءًا من نفسه،
ويتنفّس الحقيقة بلا شهود،
كأن الهروب—أحيانًا—أقرب طريق للثبات.
البحر… المكان الوحيد الممكن يتنفس فيه يوسف
يوسف ما بدخّن،
ما بشرب،
ما بيعرف طريق الانتشاء الصناعي.
انتشاءه الوحيد…
إنه يقيف قدّام البحر،
ويرفّع صدره،
ويخلّي الهواء يدخل لحد آخر الرئة.
البحر مكانه السري…
زر إعادة التشغيل…
المنفذ الوحيد الهارب منه ومن نفسه.
جلس على صخرته.
الموج يتكسّر تحته.
والهواء يملأ صدره كأنه دواء.
كان يوسف يسير كأنه مأخوذٌ بقوةٍ لا يفهمها…
الرغبة في دخول البحر لم تكن قرارًا، بل كانت إحساسًا طافحًا من داخله، إحساسٌ ضاغط يشبه نداءً قديمًا يعود ليطالب بحقّه.
وقف عند الحافة، نظر إلى الآفاق الواسعة كمن يحاول أن يقرأ شيئًا مكتوبًا على حافة الدنيا، ثم بدأ ينزل… خطوةً بعد خطوة…
خطوات بطيئة، هادئة، لكنها مُحمَّلة بثقل سنوات طويلة.
تنفّس بعمق.
كأن صدره يحاول أن يبتلع العالم قبل أن يطفو أو يغرق.
وفجأة—بلا سابق إنذار—انبثق صوت من العدم،
صوت لم يكن خارجيًا تمامًا… ولا داخليًا تمامًا…
صوتٌ خافت، بارد، ينفذ إلى العظم:
«أغرق… ما عندك أمل تعيش.»
وفي لحظة…
انطفأ كل شيء.
ظلام حالك.
ظلام يشبه حفرة بلا قاع…
ثم صمت طويل كأن الزمن نفسه حبس أنفاسه.
…
وفجأة صوت سيارة…
انفجار ضوء…
ارتجاج في الروح…
فتح يوسف عينيه ببطء،
وجد نفسه جالسًا داخل الصابرة أمام باب منزله.
ملابسه تلتصق بجسده، تنقط ماءً كأنه خرج من البحر في هذه اللحظة.
يداه ترتجفان.
أنفاسه متقطعة.
نظر إلى المقود، إلى الباب، إلى الطريق أمامه…
ولا شيء في ذاكرته يخبره:
متى قاد؟
كيف عاد؟
أين اللحظة التي حملته من قاع البحر إلى عتبة بيته؟
كل ما عرفه…
أن الليل أكبر منه،
وأن ثمة سرًّا ثقيلاً حدث…
ولا يزال يقطر من جسده كما يقطر ماء البحر الآن.
نزل يوسف من السيارة مترنّحًا،
كل خطوة يخطوها تترك خلفه أثر ماء…
كأنه لا يزال يخرج من البحر، لا من الشارع.
صعد الدرج ببطء،
ورأسه يعجُّ بأسئلةٍ لا يملك حتى شجاعة صياغتها:
كيف وصل؟ لماذا عاد؟ ماذا حدث؟ هل كان ذلك الصوت وهمًا… أم نداء؟
ضغط على الجرس.
فتحت أمه الباب—زينب، تلك التي تعرف وجع أولادها حتى قبل أن ينطقوا.
حدّقت فيه بدهشة حادّة، بنظرة أمّ ترى الشرّ قبل أن يُذكر.
قالت بصوت متوتر:
«يوسف… إنت كويس؟ مالك مبلول كدا؟ مشيت وين؟»
لكن يوسف لم يملك أي كلمة.
اقترب فقط…
ثم انهار في حضنها كطفل سُلبت منه كل الحيلة.
ارتمى بكل ثقله—ثقل الماء، ثقل الخوف، ثقل شيء لم يفهمه بعد—
وبكى… بكى بصوتٍ عالٍ كأنه يبكي للمرة الأولى في حياته.
أمه تحاول أن تلمس رأسه، أن تطمئنه، أن تسأله…
وهو لا يستطيع الرد.
كل ما يخرج منه:
نحيب رجلٍ رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.
وهناك… عند عتبة البيت، في حضن أمّه،
لم يولد الخوف فقط،
بل وُلدت حكاية جديدة…
حكاية ظلامٍ بدأ يبتلع يوسف من تلك اللحظة،
ظلام لا يعرف أحد—ولا حتى هو—إلى أين سيقوده...
يتبع...
1 917
رواية حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الثاني
قناه الرواية:
https://t.me/Rouhhee
"السقوط الأول… حين يبدأ الليل في تذكُّر اسمه"
كان الليل تلك الليلة ثقيلًا…
ثقيلاً لدرجة تشبه يدًا فوق صدر نائمٍ، تمنعه من التنفّس.
يوسف ألقى جسده على السرير بعد يومٍ طويل، لكن النوم لم يأتي كراحة…
جا كضيفٍ متوحّش، فتح الباب بدون استئذان.
وما إن غفا…
حتى شعر كأن الظلام ليس حوله—
بل داخله.
الجبل
وجد نفسه واقفًا على قمة جبلٍ لا يُرى آخره.
ريح باردة تضرب وجهه… باردة لدرجة تشبه أصابع ميّت ينفض عنها تراب المقابر.
تحت قدميه…
هاوية سوداء، لا قاع لها.
ثم…
شيء يقترب من خلفه.
شيء يلمسه أولًا بخفّة…
ثم بقسوة…
ثم يدفعه بقوةٍ لا تشبه البشر.
حاول يتمسّك بحافة الجبل،
لكن الصخور كانت تنسحب من بين أصابعه كأنها حيّة…
كأن الجبل يرفضه.
صرخ:
– «في منو؟!»
بدون رد
وفجأة…
سقط.
السقوط كان بطيئًا… مرعبًا…
بطيئًا لدرجة يسمع فيها قلبه وهو ينفصل عنه.
ثم توقّف.
لم يسقط على الأرض…
بل سقط في حضن امرأة.
امرأة بلا ملامح.
وجهها ضباب،
شعرها طويل، مبلّل، كأنها خرجت من البحر قبل دقيقة.
لكن رائحتها…
كانت رائحة الموت تماما.
شدّته لصدرها…
أصابعها السوداء انغرست في ضلوعه.
سمع طَق.
ثم أخرى.
ضلوعه تنكسر.
ثم صرخ…
وفجأة…
استيقظ...
نهض على رنين جوّاله.
صدره يوجعه… كأن الكسر كان حقيقي.
نظر الشاشة:
الدكتور علاء.
– «ألو…»
– «يوسف؟ صباح الخير اتصلت عليك عشان اذكرك لازم تلاقيني الليله للمقابله»
– « يا دكتور تاني في حلم… كان حقيقي يا دكتور. حسّيت نفسي بموت.»
– « كدي اهدا وتعال العيادة اليوم… ضروري.»
– «حاضر.»
اغلق الهاتف، ويداها لا إراديا اتصلتا بطوق نجاته...
رفع هاتفه واتصل بسارة.
ردّت بنبرة تعب:
– «ألو… صباح الخير يا يوسف.»
– «سارة… الحلم الكان…»
قاطعته وهي تزفر:
– «الله يهديك يا يوسف… ما تبدأ اليوم شنو كل شويه حلمت. المهم، موضوع العريس… ناوي تتقدم متين؟ أهلي دايرين رد.»
سكت لحظة.
ثم انفجر…
– «دا كل همّك؟!
يا سارة دا كل همّك؟!
أنا بقول ليك بحلم بحاجات بتكسر ضلوعي…
وانتي تقولي عريس؟!»
– «يوسف… إنت مالك؟»
– «أعمل شنو؟!
راتبي يادوب مكفيني… وانتي عارفة!
أنا بقول ليك أنا بخاف… وأنا بتكسر من جوّا…
وانتي… ولا همّك!»
شهقت:
– «إنت بتصرخ لي شنو؟!»
– «عشان أنا ضايع… وأنا ما قادر أرتّب نفسي. بس.»
وقفل الخط.
وظل واقفًا…
احس إن هنالك شئ انكسر… لا يعرف قلبه ام قلب ساره...
تحرك يوسف الى الدوام يوسف كأن الليل ترك على روحه طبقة من الرماد.
لم يكن حيًّا تمامًا… ولا غائبًا تمامًا.
كان شيئًا شفافًا، يعبر الهواء بلا صوت.
الدوام
صعد الدرج ببطء.
العالم حوله بلا ألوان…
أبيض وأسود… كأن الحياة فقدت الحبر الذي تُكتب به.
كان يسمع أصواتًا بعيدة… كأن أحدهم يناديه من آخر نفق.
ولم يرد.
جلس أمام مكتبه. وضع يديه على لوحة المفاتيح…
لكن أصابعه لم تعترف بالأرقام.
كان يكتب… ثم يمحو… ثم يحدّق في شاشة لا يفهمها.
أحمد، ، حاول أن يوقظه من الغيبوبة:
– «يوووسف… ياخي انت كويس؟»
لم يلتفت.
– «يا زول… أنا بتكلم معاك.»
يوسف حرّك رأسه قليلًا، لكنه ظل صامتًا…
كأن صوته مكسور في مكانٍ ما.
– «إنت الليله مالك في شي حاصل بينك وبين ساره .»
لم يجب.
تركة أحمد بحسرة، ومشى نحو مكتب المدير.
مكتب خالد – المدير المباشر
خالد كان رجلاً صريحًا، عمليًا، لا يحب الدوران.
نظر إلى يوسف من وراء المكتب، تأمّل وجهه الباهت، وطلب منه الجلوس.
– «يوسف…»
رفع يوسف رأسه ببطء.
– «تعال نتكلم بصراحة… الحسابات ال دخلتها أمس كانت كلها غلط.»
ظل يوسف ينظر إلى الطاولة… كأنه يراها لأول مرة.
– «أنا ما بلومك… أنا بس داير أعرف: شنو الحاصل؟»
يوسف بصوت خافت، متكسّر:
– «يا خالد… ما عارف…»
– «أنا مديرك… لكن قبل كدا أنا بني آدم، وبعرف التعب لمن يهد زول.
أنت الأيام دي… ضايع يا يوسف. ضايع شديد.»
تنفّس يوسف بعمق… وحاول أن يجمع شتات جملة واحدة:
– «ما بقدر… أركز… رأسي مليان… أصوات… وأفكار… وخوف…»
خالد انحنى للأمام، تحدث بنبرة فيها قسوة… وفيها رحمة:
– «يا ابني… ما في زول بيقوى براهو
الضعف ما عيب… العيب إنك تغلط وتغلط بدون ما تراجع غلطك.»
ارتجفت يد يوسف قليلًا.
لم يكن يبكي… لكن عينيه كأنهما تحملان موسمًا كاملًا من المطر الممنوع.
– «أمشي البيت… ارتاح. ما داير منك شغل اليوم.
وبكرة… تجيني بعد ما ترتّب نفسك.
أوعك تخلي روحك تقع قدّامي يا يوسف… أنا شايفك بتنهار.»
وقف يوسف.
تأمّل الأرض… ثم قال ببطء:
– «شكراً…»
– «ما بينا شكر … شوف نفسك أول.
الدوام ما بخلص… بس صدقني روح الانسان ممكن تخلص انتبه علي نفسك يا يوسف انت غالي علي شديد »
خرج يوسف من المكتب…
والعالم ما زال أبيض وأسود.
والخوف ما زال يهمس في أذنه كظلٍّ يحاول أن يعيش معه.
1 917
Repost from بــِروحــــي فتـــۘ❀ـَٰـآہ𓆩💙𓆪
خاطرة قصيرة:
المريض النفسي ليس ضعيفًا…
إنه شخص انهزم وحده، ثم جمع نفسه وحده،
وذهب للطبيب وحده،
ليقول بأدب: «ساعدوني… قبل ما أسقط.»
والطبيب النفسي ليس ساحرًا…
هو صديق يُعيد ترتيب الفوضى،
ويقول لك: «ما عيب تبكي… العيب تتظاهر بالقوة لحدّ ما تقع.»
دخل يوسف على الدكتور علاء.
رفع الطبيب رأسه وقال بابتسامة:
– «ليه ملامح الخوف دي كلها ؟ اتفضل اجلس يا ابني .»
يوسف – «دكتور… أنا شفت حاجة… ما طبيعية.»
– «اقعد… واحكي.»
يوسف – «ظل… ظهر قدامي… في المراية… وأنا صاحي.»
– «هل كنت مرهق؟»
يوسف – «مرهق… وخايف… راسي ما بيهدا كلو افكار »
– «يوسف… الخوف لمن يزيد… بخلي الخيال حقيقي. لكن دا ما معناهو إنك مجنون.»
يوسف – «أنا… ما داير أكون نسخة مرعبة من نفسي حاسس انو دا م انا »
– «أمشي البيت هسي ، وتعال لي بكره أخد ليك منوم عشان تقدر تنوم ، وسجل رقمك هنا حاتواصل معاك عشان مواعيد المقابله.»
خرج يوسف… وقلبه أخف قليلًا.
اتصل بسارة، فقالت له:
– «ما قدرت أستناك… أنا في مقهى قريب من المستشفى… تعال.»
---
المقهى
كانت سارة تجلس قرب النافذة..
كانت ترتدي عباءة بسيطة، وطرحة بلون الورد الهادئ.
وجهها صادق… ومليان طيبة… كانها خلقت من أجل الحب..
يوسف مغرم بها… يسميها طوق النجاه
هي كانت صديقته لسنين…
ضحكوا مع بعض… بكوا… وقفوا جنب بعض…
إلى أن انقلبت الصداقة—بهدوء—لحُب لا يعلَن بسهولة.
جلس أمامها.
ابتسمت وقالت:
– «مالك؟ شكلك مرهق.»
يوسف – «ما نمت كويس.»
ساره – «لسه الاحلام بتجي »
– «بصوره متكرره يا ساره ، الاحلام دي لو كانت انتي كان حيكون اهون..»
ضحكت وهي تخفض عينيها.
سكتت لحظة… ثم قالت كلامًا لم يكن ينتظره:
– «يوسف… في موضوع مهم.»
– «خير؟»
– «جاني عريس…»
تجمد قلبه.
– «و…؟»
– «العريس دا… متعلق بي شديد. وأهلي… ما عايزين يرفضوه.»
– «سارة…»
– «لكن…»
رفعت عينيها نحوه بثبات:
– «أنا ما عايزة… غيرك إنت.»
– «ما بقدر أعيش بدونك. وإنت عارف الكلام دا.»
– «سارة…»
– «لازم نعمل خطوة جدّية. قبل الأمور تكبر.»
كانت تنظر إليه بنظرة فيها خوف… وحب… ورجاء.
نظرة زولة مستعدة تقاتل الدنيا… بس ما تخسر يوسف.
وهنا…
بدأ الليل الحقيقي
يُفتح بابه الأول...💙
يتبع
@HmadaChan
1 917
Repost from بــِروحــــي فتـــۘ❀ـَٰـآہ𓆩💙𓆪
روايه حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الاول
قناه الروايه:
https://t.me/Rouhhee
“ما قبل الفتحة الأولى للظلام”
كان يوسف يشبه الخرطوم في هدوئه الصباحي.
مدينة تبدأ يومها ببطء… كأنها تعتذر عن الليل.
ويوسف كذلك—شابٌ لا يحب الضجيج، ولا يخطط لثورات، ولا يطلب من الحياة إلا أن تمشي بخط مستقيم، بلا زوايا حادة.
كان يستيقظ قبل الفجر بدقائق، يمدّ يده نحو هاتفه ويتأكد من الوقت، ثم ينهض متثاقلًا كمن يحمل على كتفيه نصف ليل العالم.
يغسل وجهه بماءٍ بارد، ويستمع إلى خريره كأنه نشيد صغير يعيده لهدوئه القديم.
ثم يقف للصلاة… هادئًا، مطمئنًا، خاشعًا كما يحب.
لم يكن “متدينًا مثاليًا”، لكنه كان يعرف أن الصلاة هي الشيء الوحيد البينقذه لما باقي الحياة تتخلى عنه.
كان يسجد… فيبرد صدره، ويرفع رأسه… فيرجع له بعض الهواء.
بعد الصلاة يعود إلى غرفته الصغيرة.
سرير على يمين الباب، مكتبة خشبية عتيقة على اليسار، ورائحة بخور علّقتها أمّه في الجدران قبل أن تذهب للعمل.
كانت أمه معلّمة… تعرف كيف تزرع الدفء في البيت حتى لما تسكت.
وأبوه محامٍ هادئ، صوته عالي في المحكمة، لكنه يمشي في البيت على أطراف أصابعه حتى لا يوقظ “عائشة”… الصغيرة التي تركض نحوه كل يوم لحظة يرجع من العمل، كأنه بطل خارق عاد من معركة.
اختار يوسف قميصًا مكويًا نصف كيّ، وخرج.
فتح باب سيارته القديمة—التي كانت تصدر صوتًا يشبه:
“تنهيده ، كانها تشتكي منه، كأنك تقول الفيني كملت ما عندي حيل لمشوار واحد ؟”
ثم أدار المفتاح، فاهتزّ المحرك قليلًا قبل أن يستسلم للعمل.
كان يسميها “الصابرة”، لأنها الوحيدة التي لم تخذله في سبع سنوات.
الطريق
الشمس كانت تتسلل من بين المباني، والنسيم الخفيف يلامس وجهه كأنه يربّت عليه.
لكن يوسف لم يشعر بالراحة.
كان الإحساس الثقيل الذي بدأ قبل أسبوع لا يزال يرافقه:
شيء يأتيه ليلًا…
يجلس معه…
ويهمس في أذنه بصوت لا يشبه أصوات البشر ولا الشيطان ، صوت في دماغه ، زحام من الأفكار بدون نهايه...
رنّ الهاتف.
ظهر اسمها:
سارة.
ممرضة… طيبة… لطيفة… أكتر زولة بتعرف كيف تهدّيهو ..
يوسف – «صباح الخير يا سارة.»
ساره – «صباح النور… صحيت بدري؟»
يوسف – «كالعادة. صليت ومشيت.»
ساره – «الحمد لله… واها دعيت لي؟ .»
يوسف– «اكيد يا ساره اكيد.. ثم تنهد»
ساره – «يوسف… إنت كويس؟ صوتك اليوم غريب.»
ساره – «راسي يا ساره راسي ..حلم صاحاني… ما كان مريح.»
ساره – «عن شنو؟»
يوسف – «باب… وصوت… وضباب…»
ساره– «يوسف… أنت قلت قبل كده إنو الليل بقي صعب عليك. في شنو بالضبط»
يوسف – «لكن الليلة… كانت أصعب.صدقيني ايام وحتعدي ، أها أحكي لي الحاصل عليك شنو؟؟»
سكتت قليلًا ثم قالت:
– «أها… عندي كلام مهم. لما تجي المستشفى بعد الشغل… هتكلم معاك.»
يوسف – «موضوع شنو؟»
ساره – «مهم… بس ما تخاف.»
يوسف – «ممكن أتاخر …»
ساره – «ياخ تعال بس…»
في المكتب
وصل يوسف لدوامه.
المكيف شغال بنص طاقتك، والورق فوق الطاولات كأنه ينتظر شخص يعتذر منه .
قبل أن يجلس، سمع صوت صديقه أحمد:
– «يا يوسف! الصابرة جابتك ولا لزيتها؟؟ ؟»
يوسف – «جابتني… وجابت أخبار ما لطيفة.»
احمد – «ياخي العربية دي لو عندها لسان كانت اشتكتك للمرور.»
يوسف – «ولو عندها لسان… كانت قالت ليك ارحمنا وخلينا في حالنا»
ضحكا.
احمد – «سارة اتصلت؟»
يوسف – «اتصلت.»
احمد– « كانت بتتكلم معاي شكلها دايرة تتكلم عن موضوع الخطوبة.»
يوسف – «أنا داير أستقر… ألتزم… أصلّي… أعيش مع زولة تشبهني. وسارة هي الوحيدة البتفهمني.»
احمد – «خلاص… أمش ليها بعد الشغل وشوف البحصل شنو.»
يوسف – « راسي عايز يطق ، كل يوم بقيت بحلم بس الليلة… الحلم كان غير.»
احمد – «كيف؟»
يوسف – «في صوت… قال لي: "ما تنوم بدري الليلة".»
احمد – «مجرد كابوس.»
يوسف – «لكن الصوت… كان جوه دماغي حاسس بيهو جوه.»
عدد
سكت أحمد…
هز رأسه بخفة…
وقال:
– «يوسف… إنت لازم ترتاح. القلق دا ما طبيعي.»
---
تصدعات الخوف
مر اليوم ببطء.
كل ورقة يلمسها تُذكّره بالباب الأسود.
كل صوت في المكتب يعيد تلك الجملة:
“ما تنوم بدري الليلة…”
مع نهاية الدوام خرج يوسف.
ركب الصابرة…
لكن ما أن نظر للمرآة الخلفية حتى رأى ظلًا يمرّ بسرعة—بلا ملامح… بلا وجه.
صرخ:
– «يا ساتر!!»
تعرقت يداه.
قلبه ضرب بقوة.
ذكر فورًا اسمًا واحدًا:
الدكتور علاء.
طبيب نفسي… يعرفه منذ سنة… لما مرّ يوسف بقلق شديد.
ضغط على دواسة البنزين، واتجه مباشرة نحو المستشفى النفسي.
---
المستشفى النفسي
الممرات كانت تشبه كتبًا قديمة انسكب عليها الضوء.
وجوه المرضى ليست مخيفة… بل موجوعة.
ناس جالسين في صمت—كل واحد ماسك بجرح داخلي ما عنده شكل.
في الزوايا، أصوات خطوات… همس… وبكاء مكتوم.
هنا… يعرف الإنسان أن أكثر الناس ابتسامًا
هم أكثرهم ألمًا.
1 917
يا أمةَ العروبة… إن لم تنصرونا بالعَتاد،
فانصرونا بالدعاء، بالكلمة، بالضمير.
فقد سبقكم الغربُ إلى ما ظننّاه واجبًا منكم.🇸🇩❤️
1 917
🌍🇸🇩 مبادرة «وطن ما بينقسم» 🇸🇩
✊ صوت المظلوم... ما بنسكت
في زمن الألم والدم، ووسط صمت العالم، قرّر شباب السودان يقولوا كلمتهم:
«وطن ما بينقسم»
مبادرة شبابية مستقلة خرجت من رحم المعاناة، لتكون صوت الفاشر وكل المدن الموجوعة.
نحن ما بنمثل جهة... بنمثل الناس — المقهورين، المغتصبين، المفقودين، والمشرّدين.
🇸🇩 مهمتنا:
• إيصال صوت المواطن المظلوم في الفاشر وكل ربوع السودان.
• توثيق الانتهاكات بدقة وشجاعة، ومطالبة المجتمع الدولي بالعدالة والمحاسبة.
• نشر الوعي بحقوق الإنسان وثقافة السلام والتعايش.
• الوقوف بجانب الضحايا إنسانيًا وإعلاميًا — دون خوف ولا تردد.
🇸🇩 رؤيتنا:
وطن واحد ما بينقسم.
وطن العدالة، الكرامة، والسلام —
الناس فيهو عايشين دون خوف، دون دم، دون ظلم.
🇸🇩 قيمنا:
❤️ الإنسانية أولًا
🕊️ الصدق والتوثيق الدقيق
🤝 التكاتف والتضامن
⚖️ العدالة والسلام للجميع
🇸🇩 شنو بنعمل:
• كتابة ونشر تقارير ومقالات توعوية وتحقيقية.
• جمع شهادات وحقائق ميدانية مع احترام خصوصية الشهود والضحايا.
• تنظيم حملات تضامن إلكترونية وميدانية.
• التعاون مع منظمات حقوقية محلية ودولية لكشف الحقيقة.
🇸🇩 شعارنا:
> ✊ "صوت المظلومين ما بصمت"
💔 "وطن واحد، قلب واحد، وجع واحد"
⚖️ "وطن ما بينقسم — العدالة لينا كلنا"
🗣️ انضم لينا... وشارك صوتك.
كل تغريدة، كل بوست، كل كلمة بتفرق.
السودان محتاج لينا كلنا — عشان وطننا ما بينقسم. 🇸🇩
📲 تابعنا على:
🔹 واتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Vb6tzCR8V0toegGMUN36
🔹 تليجرام:
https://t.me/sudan1b
🔹 فيسبوك:
https://www.facebook.com/share/1X75K4jLHp/
🔹 رابط الانضمام للمبادرة:
https://chat.whatsapp.com/FCQCiMIhp7z3VgKohqFv3T?mode=wwt
#وطن_ما_بينقسم 🇸🇩
#صوت_الفاشر 🔊
#العدالة_للمظلوم ⚖️
#الفاشر_تنزف 💔
#لا_للتطهير_العرقي 🚫
#مع_الضحايا 🤝
#أنقذوا_الفاشر 🕊️
#السودان_ينادي 📣
#صوت_الإنسانية ❤️
#ما_بنسكت_عن_الحق ✊
1 917
*المغول إقتحمو السودان*
حين كتب «ألكسندر دوما» جملته الشهيرة:
"Cherchez la femme"
أي "ابحث عن المرأة"،
كان يقصد أن وراء كل مأساة، ثمة امرأة.
أما اليوم، فلو عاش في زمننا هذا، لقال:
"Cherchez la UAE" — ابحث عن الإمارات.
فكل خرابٍ في جسد هذه الأمة، ستجد هناك يدًا تمتد من بعيد، تُحرّك خيوط الدمار كعازفٍ خبيثٍ لا يُخطئ النغمة.
حين قلتُ إن المغول عادوا واقتحموا السودان، لم أكن أكتب استعارة أدبية.
بل كنت أصف واقعًا أشدّ مرارة من التاريخ نفسه.
المغول الذين قرأنا عنهم كانوا عاصفةً من حديد، يقتلون بلا رحمة،
لكنهم على الأقل، كانوا يحاربون أعداءهم.
أما اليوم، فقد خرج علينا مغولٌ جُدد — لا وجوه لهم،
لا دين لهم،
لا شرف لهم.
إنهم «قوات الدعم السريع»،
قوةٌ خرجت من رحم الخيانة، تغتسل في دماء الأبرياء،
تسجد للمال، وتُبايع الشيطان.
المغول، رغم وحشيتهم، لم يفعلوا ما يفعله هؤلاء.
المغول كانوا يقتلون، نعم،
لكنهم لم يعرفوا لذة اغتصاب امرأة أمام زوجها،
ولا نشوة ذبح رجلٍ بينما تُهان روحه برؤية أحبّ الناس إليه يُنتهك جسدها أمامه.
أيُّ حقدٍ هذا؟ أيُّ انحطاطٍ بشريٍ يجعل الإنسان يبتكر أشكالًا جديدة من الألم؟
قواتٌ فقدت كل معنى للإنسانية،
تُطفئ أنوار المدن، لتشعل ليلًا من الصراخ،
تُحوّل الأمهات إلى جثثٍ تبكي بأعينٍ مفتوحة،
والأطفال إلى صورٍ معلّقة على جدران الذاكرة.
لكن يا صديقي، الخيانة لا تأتي وحدها،
وراءها دومًا يدٌ تُغذيها، تموّلها، وتبتسم بخبثٍ وهي تشاهد الجثث تُعدّ على الشاشات.
تلك اليد… هي الإمارات.
التي لم تكتفِ بتخريب العقول،
بل امتدت لتخرب الأوطان، لتزرع الفتنة حيثما مرّت،
ولتُشعل حروبًا ليست لها فيها إلا مصلحةٌ واحدة:
أن تبقى النار مشتعلة، لتتدفأ هي على رماد الشعوب.
هي التي موّلت، وسلّحت، وفتحت السماء لطائراتٍ تحمل مرتزقة ومؤنًا وسلاحًا لقَتَلةٍ مأجورين.
هي التي دفعت لأجل سدّ النهضة لتشعل العداء بين مصر وأثيوبيا والسودان.
هي التي باعت كرامة العرب في سوق التطبيع.
السودان اليوم يُقسّم كما يُقسّم الميت بين الورثة.
دارفور سقطت، والفاشر أُسرت،
والبلد الذي كان اسمه "السودان" صار أربع جراحٍ نازفة على خريطةٍ واحدة.
أطفالٌ جياعٌ يموتون وهم ينادون أمّهاتٍ لن يسمعن النداء،
نساءٌ يغتسلن بالدموع بعد أن سُرقت منهنّ الحياة،
ورجالٌ مقيّدون بالعجز، يتمنون الموت فلا يجدونه.
هل تعلم ما هو أشدُّ أنواع الموت؟
أن تموت وأنت ترى وطنك يُغتصب،
ولا تستطيع أن تصرخ.
السودان تُباد.
نعم، هذه ليست مبالغة.
بل الحقيقة التي يُراد دفنها تحت الضجيج.
السودان تُباد، لا برصاص الأعداء فقط،
بل بصمت الإخوة، وبلادة العالم،
وبتواطؤ الذين ينامون على الوسائد الوثيرة بينما الخرطوم تئنّ من الجوع والرعب.
اكتبوا… تحدّثوا… صرخوا.
لا تدفنوا أصواتكم كما دُفنوا تحت الركام.
قولوا للعالم إن في دارفور نساءً يُغتصبن لأنهن وُلدن هناك،
وأن في الفاشر أطفالًا يموتون لأنهم لم يجدوا ماءً ولا خبزًا ولا حضنًا.
اللهم اشهد،
أنّ السودان يُنزف أمام أعيننا،
وأنّنا لم نصمت خوفًا، بل قهرًا.
اللهم اشهد، أننا نحملها في قلوبنا وإن عجزت أيدينا عن حملها.
اللهم كن في عونهم،
فقد خذلهم القريب قبل البعيد.
السودان لا يستحق هذا الموت.
بلاد الطيبة والكرم،
بلاد النيل والذهب،
بلاد الجدود الذين ماتوا واقفين…
ستموت الآن؟
لا.
لن تموت، ما دام فينا قلبٌ ينبض لأجلها، وما دامت الكلمات لم تُكسر بعد.
> اللهم ارحم السودان،
وامسح على قلوب أهلها،
وانزع عن أرضها يد الطغاة والمأجورين.
"عزيزي القارئ صوتك أمانة… فلا تصمت."
#إنقذو_الفاشر
#محمد_ياسر
1 917
*انا صاحب ال سبع والعشرون عاما*
لم أدرِ متى تغيّر كلُّ شيء،
ولا في أيِّ لحظةٍ بالتحديد صرتُ "رجلًا" كما يقولون...
كنتُ أظنُّ أنَّ الكِبَر قرارٌ نتّخذه، أو مرحلةٌ نشعر بها كما نشعر بالجوع أو التعب،
لكنّها جاءت بصمتٍ، كأنّها سرقتْني من طفولتي خُلسةً وأنا منشغلٌ بضحكٍ مع الأصدقاء أو بمتابعةِ مسلسلٍ قديمٍ من أيّام الطفولة.
ما زلتُ أرى نفسي ذاك الصبيَّ الذي يركض في الأزقّة،
يندهش من الفراشات، ويؤمن أنّ الحياة أبسط من أن تُثقلها الفواتير والمواعيد والاجتماعات.
أعود من عملي فأجد داخلي ذلك الطفل يصفّق كلما رأى "سبونج بوب"،
ويضحك عندما يرى مجموعة أطفالٍ يلعبون بالكرة في الشارع،
فأجلس معهم، لا مجاملةً لهم، بل لأنّ قلبي هناك... معهم.
كنتُ أظنُّ أنّ الناس من حولي يرونني كما أرى نفسي،
شابًّا عادياً، يلهو ويضحك ويؤجل الجدّ للأيام القادمة،
لكن حين صاحبتُ من هم أصغر سنًّا، رأيتُ فيهم ماضيي،
رأيتُ أفكاري القديمة واندفاعي الطائش وأحلامي التي لم تكتمل،
كنتُ أرى فيهم نسخةً منّي يوم كنتُ لا أُدرك معنى "المسؤولية"،
يوم كان الغد بعيدًا بما يكفي لأتغافل عن التفكير فيه.
والمفارقة أنّهم صاروا يسألونني المشورة،
ينتظرون كلمتي وكأنّها وحيٌ لا يُخطئ.
كنتُ أضحك في سرّي، وأتساءل: متى أصبحتُ أنا مَن يُسأل؟
متى تحوّلتُ من "المخطئ" إلى "الناصح"، من "الطفل" إلى "الملجأ"؟
حتى جاء يومٌ وقف فيه خالي، الرجل الذي كان يربّت على كتفي وأنا صغير،
الذي كان يقرّعني إذا أخطأت، ويمنحني العيدية بابتسامةٍ واسعة،
وقف أمامي وقال بصوتٍ مبحوح: يا محمد، أريد أن أستشيرك في أمرٍ ما.
كان يتحدث وأنا أستمع، أظنُّه يبوح فقط،
لكنّه أنهى كلامه بسؤالٍ جعل الدنيا تسكت في رأسي:
قالها باللهجه السودانيه البحته: هسي انا يا محمد أسوي شنو؟؟؟
حينها فقط، شعرتُ بثقل العمر على كتفي،
تذكّرتُ كل السنوات التي مرّت دون أن أودّعها كما يجب،
تذكّرتُ كل الأشياء التي تغيّرت من حولي وأنا لم ألاحظ.
ضحكتي لم تعُد نفسها، وقلبي صار أهدأ، وصمتي أطول.
لم أعد أركض خلف الأشياء كما كنت، صرتُ أتركها تأتي إن أرادت،
وكأنّي تعبت من المطاردة.
كبرنا يا صديقي...
لا لأنّنا أردنا، بل لأنّ الأيام دفعتنا في طريقها دون أن تسألنا إن كنّا مستعدّين.
كبرنا حين بدأ الناس يثقون برأينا،
حين صار الحزن لا يحتاج سببًا واضحًا،
حين صارت العودة إلى البيت تعني الراحة لا العقاب،
وحين صارت نصيحتنا لغيرنا نسخةً من ندمنا القديم.
كبرنا...
حين أدركنا أنّ الضحكة التي كنّا نطلقها بلا حساب،
صارت الآن مشروطةً بوقتٍ ومكانٍ ومزاج.
حين صار الخوف على من نحب أكبر من حبّنا لأنفسنا،
وحين أصبحنا نغفو ونحن نعدّ ما تبقّى من العمر، لا ما أنجزناه فيه.
كبرنا يا أنا...
لكنّ الطفل فينا ما زال يلوّح من بعيد،
يقف عند أول شارعٍ من طفولتنا،
ينادينا بصوته القديم: "ارجع … الدنيا هناك كانت أبسط!"
كبرنا دون أن نشعر،
وما بين الأمس واليوم، صرنا غرباء في أجسادنا الجديدة.
تغيّرنا... لا لأنّنا خذلنا الطفولة، بل لأنّ الحياة علّمتنا أن نكمل الطريق،
ولو بوجهٍ يشبه الرجال وقلوبٍ لم تكبر بعد.
فالكِبَر ليس في العمر، بل في الوعي الذي يوجِعك كلّما تذكّرتَ أنّك لم تعُد كما كنت.❤️❤️
#محمد_ياسر
1 917
صباح الخير، عزيزي الفاقد الأمل،
اعلم أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
لا تظن أن الأمل شجرة تُزرع في الربيع فقط؛
فالأمل يُولد أحيانًا في منتصف المقابر،
في قلب الخيبات،
حين يمدّ الله إليك خيط نورٍ خافتٍ،
ويقول لك بصوتٍ لا يُسمع: قم، فما زال فيك نبضٌ يحب الحياة.
على هذه الأرض ما يستحق الحياة،
وإن ضاق بك الوطن، وإن خانتك الطرقات،
فثمة يدٌ خفيةٌ تُمسك بك كي لا تسقط تمامًا،
وثمة نفسٌ جديد ينتظرك عند أول فجرٍ بعد العتمة.
لا تفقد الأمل،
فكم من وردةٍ نبتت من صخرٍ صامت،
وكم من قلبٍ عاد يخفق بعد أن حسبوه رمادًا.
الحياة لا تُكافئ الأقوياء دائمًا،
لكنها تبتسم للذين لم يتركوا أنفسهم في العاصفة.
عش كما لو أنك خُلِقتَ لتشهد الجمال رغم الخراب،
وابتسم كما لو أن الحزن لا يعرف عنوانك.
فما زال في العيون ضوء،
وفي القلوب سكنى،
وفي الطريق — رغم طوله — جهةٌ تُدعى الغد.
على هذه الأرض، يا صاحبي، ما يستحق أن نحيا من أجله:
نظرةُ أمٍّ، وضحكةُ طفل، وسماءٌ بعد مطر،
وصلاةٌ تُعيد الطمأنينة إلى القلب.
فلا تُطفئ مصباحك،
فمن يدري؟
لعلّ الله يُعدّ لك فجرًا
يُشبه الحلم الذي ظننته مستحيلًا. 💙
#محمد_ياسر
