en
Feedback
قناة || السَّيْفُ التَّيْميّ⁩

قناة || السَّيْفُ التَّيْميّ⁩

Open in Telegram
851
Subscribers
No data24 hours
-27 days
-630 days
Posts Archive
مقالة في نقض مذهب ديفيد هيوم وبيان الخلط بين الحتمية والعلّية إنّ القول في مباحث العلل والمعلولات بابٌ دقيقٌ تزلّ فيه الأقدام
مقالة في نقض مذهب ديفيد هيوم وبيان الخلط بين الحتمية والعلّية إنّ القول في مباحث العلل والمعلولات بابٌ دقيقٌ تزلّ فيه الأقدام، وتضلّ عنده الأفهام، إذ هو من أمهات المطالب التي عليها مدار العلوم، وبه انتظام الموجودات، وحصول الترتيب في الحوادث والآثار. وقد وقع في هذا الفنّ ما لا يليق بعاقلٍ يميّز ولا برجلٍ يعقل لزوم الضرورة في الأحكام وامتناع الترجيح بلا مرجّح

ومن زعم أنّ الكمال مجرّد وهم عقلي، قيل له: وكيف علمت أنه وهم؟ فإن علمت بميزانٍ فهو الميزان نفسه دليل على الكمال. وإن لم تعلم إلا بالعادة فالعادات لا تقوم إلا على انتظام، والانتظام صورة من صور الكمال. وإن قلت: إنه نافع، فالنفع لا يُعرف إلا بالإضافة إلى أصلٍ أعلى، وقياسٍ أكمل، لولاه لم يتميز النفع من الضرّ، لأن كل وهمٍ يريح النفس يكون نفعًا، فيلزم أن يتساوى الحق والباطل، والصدق والزور، وهذا فساد ليس بعده فساد. والعقول إذا اجتمعت على أمرٍ، وتطابقت فطرها على معنى، دلّ ذلك على أن وراءها أصلًا يتجاوزها، وأن هذا الأصل ليس من جنس الأفراد، لأن اشتراكهم في المعنى يدلّ على مرجع واحد مرتفع فوق الذوات، وهذا هو معنى الكليّات العقلية التي لا تُرى في المادة، بل توجد في النفس بوجودٍ أسبق من التجربة. ولو كانت الفطرة نسقًا خاصًا بالإنسان لا يتصل بالوجود، لما أمكنه أن يحكم على الأشياء بما ليس من جنسه، ولكن الإنسان يقيس ما خارج ذاته ويعرفه، وهذا وحده دليل على أن الفطرة موصولة بالوجود اتصال كشف لا اتصال اصطلاح

والمهم هنا أن الاحتجاج باللاغاية فرع عن تصور غاية مثالية تُقاس بها الأشياء، وهذه الصورة المثالية لا تأتي من الطبيعة، بل من عقل مسوّى على معنى الكمال، وهذا دليل آخر على الغائية، لا نفي لها. وأما قولهم إن التصميم ناقص أو معيب، فهو قولٌ يتهافت من جهتين: الأولى أن معنى النقص لا يُعرف إلا إذا كانت هناك صورة كمالٍ سابقة، يُقاس إليها الواقع، وإلا لما قيل هذا ناقص وهذا تام. وهذه الصورة لا تأتي من الحس، ولا من الطبيعة، بل هي حكم معنوي أعلى من الموجودات، لا يمكن أن يكون إلا من العقل الذي أُعطي معنى الكمال ابتداءً. والثانية أن ما يعدّه الإنسان عيبًا قد يكون جزءًا من صورة كلية لا يرى آثارها في مواضعها، فالمطر عند قوم رحمة، وعند آخرين نقمة، وهو في الحقيقة نظام واحد، لا ينفصل بعضه عن بعض. فالموجود في جملته تام، وإن بدت بعض أجزائه ناقصة لمن لم ير الصورة كلها. وأما السببية المنغلقة التي يحتج بها منكرو الغائية، زاعمين أن الكون مكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى ما وراءه، فجلية البطلان لمن ذاق طعم النظر، إذ السببية نفسها لا تقوم بذاتها، ولا تفسر نفسها بنفسها. فإن القانون الذي يربط الحوادث لا وجود له إلا باعتباره حكمًا كليًا يتجاوز الوقائع، فليس هو جسمًا ولا مادةً، بل هو علاقة بين أشياء. والعلاقة لا تقوم إلا بوجود طرفين، وهما في ذاتهما ليسا بقانون، ولا يمكن أن يولد القانون من مجموع ما ليس بقانون، كما لا يخرج الماء من النار. فإثبات قانون بلا واضع انقلاب في الوجود، وجعلٌ للتابع أصلًا، وهو من جنس الدور الممتنع والتسلسل الباطل. فإذا انكسرت هذه الدعاوى الأربع، لم يبق للمنكر ملجأ إلا الهروب، فإذا هرب انتهى إلى جحر صغير لا يتسع له: أن العالم بلا غاية، وأن الوجود بلا قصد، وأن القانون بلا حكمة، وأن النظام بلا ناظم. وهذا قلب لموازين العقل، وسقوط في هوة اللا معنى. والحق أن الوجود لم يكن قط لعبًا ولا صدفة، بل هو أثر حكمة، وخطّة قصد، وإحكام صنع، وأن آثار الفعل الهادي، والقصد السابق، والحكمة الجارية، أشد ظهورًا في الوجود من ظهور الشمس في كبد السماء. فمن رأى ولم يبصر، فكأنما غُشي بصره، ومن أبصر ولم يؤمن، فكأنما حُجب قلبه، وما الهداية إلا من الله. يبطل، وبعضها أن ينقض بعضًا، لأن ما بلا قصد لا ينتظم. فإذا قلت: القوانين تحفظ بعضها، قيل لك: القانون علاقة، والعلاقة تحتاج مَن يقيمها، وإلا صارت الوصف بلا موصوف، والدلالة بلا مدلول، والمعنى بلا حامل، وهذا استحالة. وإن قلت: الطبيعة تلتزم نفسها، قيل: الطبيعة نفسها ليست ذات إرادة، ولا عقل، ولا قصد، وما لا يتعقل لا يحفظ شيئًا، وما لا يحفظ شيئًا لا ينتظم. وإن قلت: هذا مجرد واقعية سببية، قيل: الواقعية السببية هي عين الغائية، لأن كل سبب يتجه إلى غايته بالضرورة ولا يتفرق عنها، وهذا هو تعريف الغاية بعينه إنّ الكمال ليس لفظًا يُتداوله الناس كما يتداولون ألفاظ العرف والعادة، ولا هو اصطلاحٌ يثبت في ذهن الإنسان بتركيب البيئة أو ضغط المجتمع، بل هو معنى مُستقرٌّ في بنية العقل قبل أن يتعلّق بما سواه، فإنّ العقل إذا نظر في الصفات رأى فيها قبول الزيادة والنقصان، ورأى أن ما يقبل الزيادة فله طرفان: طرفٌ هو منتهى النقص، وطرف هو غاية الكمال، ودرجة بينهما تتفاوت بها الموجودات. وهذا أصلٌ عقليّ لا يستمدّ وجوده من الحس، بل الحسُّ شاهدٌ عليه، لأن الحس لا يُدرك شيئًا إلا ويرى فيه قوةً وضعفًا، ونشاطًا وخمولًا، وترتيبًا وفسادًا، وهذه المعاني لا تقوم إلا على مقياس سابق في النفس، لولاه لكان الموجود عند الإنسان سواء، لا يفضل شيءٌ شيئًا، ولا يعلو معنى على معنى. فمن أنكر الكمال فقد أنكر التفاوت، ومن أنكر التفاوت فقد أنكر القياس، ومن أنكر القياس فقد أنكر الحكم، ومن أنكر الحكم فقد أبطل العقل من أصله، لأنه ما من عقلٍ إلا وهو يحكم على الأشياء: هذا أصوب، وهذا أردأ، وهذا أمثل، وهذا أخسّ. بل من أنكر الكمال وقع في لازم الكمال وهو لا يشعر، لأنه لم يترك الإنكار إلا إذ ظنّ الإنكار أرجح من الإثبات؛ فصار يحكم بأن نفي الكمال “أكمل” من إثباته، فدلّ ذلك على أنّه يُثبت ما ينفيه، ويستعمل الكمال في إنكار الكمال، وهذا عين التناقض. ثم إن الكمال ليس مجرد صورةٍ تسبح في الهواء، بل هو ضرورة وجودية، لأن كل صفة في العالم لها جهةٌ تطلبها، والصورة العقلية لا تنشأ من فراغ، بل تنشأ لأن للموجودات انحدارًا نحو ما هو أحسن وأتم، فالذرة تطلب الاستقرار، والجاذبية تطلب الانحناء، والحركة تطلب غايتها، والنظام يطلب انتظامه، وكل هذا لا يُفهم إلا من جهة وجود معيار عُلويٍّ تُنسب إليه الموجودات. وما من عقل سليم إلا ويرى هذه الحركة، ولا يفسرها إلا بحكمةٍ سابقة على الأشياء، منظمةٍ لمسالكها، ومقيمةٍ لمقاديرها.

وليس المراد بالغائيّة أن كل فعلٍ له حكمةٌ باطنةٌ نحيط بها، أو أن كل جزءٍ من أجزاء العالم قد عرّفنا الله سرَّه الأعلى، بل معناها أنّ ما ظهر من الفعل دلّ على قصدٍ ظاهر، وأن النمط المتكرر ليس مما تلدُه المصادفات المتنافرة، ولا مما يصدر عن طبيعةٍ مفلوتةٍ من قانون. فانظر إلى الشمس: تجدها تجري في مدارها بلا اضطراب، وتبثّ ضياءها بلا تفاوت، ويتعلّق بها صلاح الأرض وما عليها في صورةٍ لو اختلّ منها جزءٌ يسير لفسد النظام. فهل هذا النسق من عمل الاتفاق؟ أم هو فعلٌ منسّقٌ، يُصيب موضعه، ويؤدّي ما يليق به من أثره؟ بل العقل يشهد أنّ الفعل الذي يمكن أن يتغيّر في طبعه، ومع ذلك يلزم نسقًا واحدًا على امتداد الدهور، لا يصحّ أن ينسب إلى الفوضى، لأن الفوضى لا تحفظ شكلًا واحدًا، ولا تحافظ على قانونٍ واحدٍ في ملايين السنين. فإن قال قائلٌ: القانون غير حتميّ، والفعل غير لازمٍ لصورته، فكيف يُحكم بأنه مقصود؟ قيل له: بل هذا عين الدليل على القصد؛ فإنّ ما ليس من شأنه الثبات لذاته، بل هو قابلٌ للانحراف، ثم لا ينحرف، ولا يزيغ عن خطّه في حقبةٍ بعد حقبة، فثباته دليل على قيّومٍ يقيمه، وعلى قصدٍ يربطه، وعلى غايةٍ تضبطه، إذ لو تُرك لطبيعته لم يلبث أن يتبدّل ويتحوّل. والغائيّة، بهذا المعنى، حكمٌ على الفعل في حال جريانه، لا حكمٌ على الغيب في مستقبل أدواره. فنحن لا نقول إن الشمس كاملة في فعلها على وجهٍ لا يتغير أبدًا، بل نقول: هي كاملة ما دام فعلها جارٍ على نسقه، مستقيمًا على حدوده؛ فإن تبدّل فعلها، تبدّل الحكم عليه، كما يتبدّل حكمنا على كل أفعال الفاعلين. الحجة الغائية في صورتها الراسخة، إذا أُخذت بصفائها، دلّت على أن الوجود كلّه مكتوبٌ بقلم القصد، وأن ما جرى فيه من الحركة والسكون، والارتفاع والانخفاض، والاتساق والارتباط، لا يكون قطُّ وليد فوضى، ولا أثر صدفة، ولا صناعة طبيعةٍ خرساء لا تسمع ولا تبصر. فمن رأى انتظام العالم، ورأى أن كل شيء يجري على سنن مخصوصة، لا يخرج عنها إلا ما يعود إليها، علِم ضرورةً أن وراء هذا الجريان إرادةً تدبّره، وحكمةً تنظّمه، وقدرةً تقيمه على سوقه، وأنه لا يمكن أن يكون بلا غايةٍ إلا ما كان بلا معنى، ولا يكون بلا قصدٍ إلا ما كان بلا نظام، والوجود أبعد شيء عن العدم واللغو. فأما احتجاج من أنكر الغائية بزعم أن الأسباب الطبيعية قد اكتفت بنفسها، وأن ما نراه من الأفعال والميلان في العناصر إنما هو شأن المادة نفسها، لا شأن قصدٍ من خارجها، فكشف كذب دعواه ألطف من أن يحتاج إلى كبير عناء، فإن السبب الطبيعي لا يكون سببًا إلا لأنه يفضي إلى نتيجة مخصوصة، على وجه مخصوص، لا يتخلّف عنها إلا لعلّة أخرى. وهذا وحده اعتراف بغائية السبب، لأن ما له وجهة فله قاصد، وما له غرض فلابد له من مريد. والعجيب أن الخصم ينكر الغاية بلسانه، ثم يثبتها ببيانه، إذ يقول: “الجاذبية تنزل الأشياء”، وما النزول إلا حركة ذات وجهة، وما الوجهة إلا معنى غائي، ثم يقول: النواة تنقسم لأجل الاستقرار، وما الاستقرار إلا صورة كمالية تطلبها المادة طلبًا، وهذه لغة الغاية وإن سُمّيت بغير اسمها. فالعقل يشهد أن كل سبب محرّك، وكل قانون حاكم، إنما هو أثر قصد سابق، وأن الطبيعة لا تملك أن تضع لأفعالها اتجاهًا، بل الاتجاه أثر قصد، والغاية أثر حكمة، والحكمة لا تكون إلا عن حيّ قيوم. وأما قولهم “العشوائيات كثيرة، فدلّ ذلك على أن الوجود ليس مقصودًا”، فذلك من أعجب الشبهات، لأن العشوائية لا تُعرف إلا على خلفية نظام، ولا يقال للشيء إنه فوضوي إلا إذا كان ثمّ ما يُخالفه من انتظام. فوجود العشوائي يثبت وجود النظام، كما أن وجود الظل يثبت وجود الضوء. بل إن ما يسمّونه “طفرة” أو “اختلالاً” لا يقع إلا داخل مجالات محددة، وضمن وثاقة قوانين صارمة، ولو خرج عنها لطاح الكون كما تتطاير الشظايا من معدن مسخون. والعشوائي إنما هو حادث في نظام، لا نقض للنظام، بل هو من دلائل الإحكام، إذ لا يسمح إلا بقدرٍ محدود، لا يزيغ عنه إلا لحكمة، ولا يتجاوز حدّه إلا إلى حدّ آخر مرسوم. فالعشوائي شاهد لا يأبى الشهادة: أنه لا يظهر إلا حيث يكون النظام أصلًا. وأما احتجاجهم بأن في العالم ما لا فائدة فيه، وما لا حكمة له في الظاهر، فذلك جهل بأقدار الأشياء، فإن الجهل بالفائدة لا ينفي وجودها، كما أن عدم العلم بالعلة لا ينفي العلة. ولو كان وجود الشيء وقفًا على معرفة الإنسان بوجه الانتفاع به، لكان أكثر الوجود باطلًا، لأن الإنسان لا يعلم من أسرار العالم إلا القليل. وهل كان الإنسان يعرف حكمة الجبال في تثبيت الأرض؟ وهل كان يعرف حكمة البراكين في دورة العناصر؟ وهل كان يدري حكمة الشعيرات الدقيقة في شرايينه، أو حكمة الأشواك في نبات الصحراء؟ فما حسبوه عبثًا ظهر أنه حكمة، وما عدّوه لغوًا تبين أنه نظام. والعيب ليس في الوجود، بل في قصور البصيرة.

فصلٌ في تحقيق معنى الغائيّة ونقضِ شبهاتِ نُفاتِها إعلم وفّقك الله أنّ الغائيّة بابٌ من أبواب النظر العقليّ لا يعرف قدرَه إلا
فصلٌ في تحقيق معنى الغائيّة ونقضِ شبهاتِ نُفاتِها إعلم وفّقك الله أنّ الغائيّة بابٌ من أبواب النظر العقليّ لا يعرف قدرَه إلا من أحكم التمييز بين الفعل والعبث، وبين النسق والاعتباط، وبين الصنعة والاتفاق. وهو أصلٌ عظيمٌ في أبواب التوحيد، إذ به تُدرَك حكمة الخلق، ويُعلم أن الموجودات لم تُلقَ في العدم ثم تُستخرج من الفوضى بالاتّفاق، بل جرت أفعالها على نظامٍ مطّرد، وسلكت مسالكَ مخصوصة دلّ العقل بها على أنّها لصاحب قصدٍ وحكمة. فالمراد بالغائيّة على التحقيق أن يجري الفعل من الشيء على وجهٍ مخصوصٍ، ملائمٍ لأثرٍ معيّن، على صورةٍ من الانتظام لا يكون مثلُها في المعتاد من نتاج الصدفة العمياء. فإذا تكرّر هذا النسق، وتطاول عليه الزمان، وانسجمت أجزاؤه بعضها مع بعض، علم الناظر أن تلك الملاءمة ليست خروجًا من باطن العشوائيّة، ولا اندفاعًا أعمى، بل هي لا محالة صادرةٌ عن قصد، موجّهةٌ إلى غاية، سواء علمنا كلَّ ما وراء تلك الغاية أو جهلناه.

وانظر كيف تلتقي في هذا المشروع خيوط النصرانية والصهيونية؛ فالنصراني القومي يزعم حبّ الوطن، ولكن قلبه معلّق بعودة المسيح من أورشليم، والصهيوني ينتظر مخلّصه ليملك الأرض من النيل إلى الفرات، وكلاهما ينكر أن الأرض لله الواحد القهار. فإن تعارضت مصلحة الوطن مع ما يمليه دينهم المنحرف، انقلب ولاؤهم إلى حيث عقيدتهم، وسقط قناع الوطنية المصطنعة الذي لا يلبسونه إلا ليخدعوا به المسلمين. أفلا تعجب من قومٍ يدّعون حبّ الأرض، وهم أول من يبيعها متى خالفت نصوص كتبهم؟! ومن يتغنّى بالقومية وهو يستمدّ قدسيته من بيت المقدس الذي جعلوه رمزًا لظهور مخلّصهم اليهودي؟! وكيف يُرجى من هؤلاء صدقٌ في المودّة أو إخلاصٌ في الدعوى، وقد نُقض أصل التوحيد في قلوبهم؟ إنهم إذ يرفعون شعار الأرض للأجداد، فإنما يريدون أن يُسقطوا عن الأرض نسبها الإلهي، فيجعلوها يتيمة بلا خالق، وتُدار بلا وحي، حتى يفتحوا بابَها لسلطان البشر، يحكمونها بأهوائهم، ويستحلّونها بأصنامهم الفكرية والتماثيل الموروثة من حضارات الجاهلية الأولى. لكن الأرض لا تُدار إلا بمن خلقها، ولا تُستعمَر إلا باسم من استخلف الإنسان فيها، فمن عصى أمره فقد خان الأمانة التي حُمّلها. أفليس من التناقض أن يزعموا حبّ الوطن، ثم يُحاربوا شرع ربّ الوطن؟! ( على اعتبار محايلتهم على الشريعة الموسوية وتركهم ما هو خيرا شريعة الاسلام التي نسخت شريعتهم ورفعت عنهم الأغلال بجانب نقض الشريعة بالكلية من قبل النصارى ) وأن يتغنّوا بالكرامة والاستقلال، ثم يرضوا أن يكون فكرهم تابعًا لنظامٍ غربيٍّ لا يؤمن بربٍّ ولا يوم حساب؟! تلك هي قمة التبعية المقنّعة، التي يُلبسونها ثوب الكرامة، وهي في حقيقتها خضوعٌ للشيطان الذي قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، فادّعى السيادة بمادته، كما يدّعي القوميون السيادة بترابهم، فكلا الفريقين عبدوا العنصر، لا الخالق. ولذلك، فمشروعهم هذا لا يهدف إلا إلى طمس الهوية الإسلامية، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يربط الأرض بالسماء، والوطن بالعقيدة، والهوية بالوحي، فلا قومية عنده إلا للتقوى، ولا وطن إلا حيث يُقام شرع الله، ولا نسب إلا إلى آدم الذي قال له ربه: ﴿اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. فليعلموا إذن أن الأرض لا تورث بالاستيطان، ولا بالدم ولا بالجغرافيا، بل تُورث بالإيمان، وأن كل دعوى تُقدَّم على دعوى التوحيد فباطلة في أصلها، لأنها تنقض أساس الوجود، الذي هو العبودية لله وحده. وما مشروعهم القومي إلا وثنٌ جديد، صُنع من ألفاظ السياسة بدل الحجارة، وعبدته القلوب باسم "الوطن"، كما عُبدت الأصنام باسم "الآباء". فويلٌ لأمةٍ تستبدل بقول الله "الأرض لله" قولَهم "الأرض لنا"، وتستبدل بميزان الحقّ ميزانَ النسب، وتغفل أن من ملك الأرض حقًّا هو من خلقها، ومن ورّثها لعباده الصالحين دون سواهم. (تأمل خبثهم) لا يجرؤون أن يقولوا صراحة إنهم يريدون إسقاط الإسلام، بل يقولون نحن نحافظ على تراثنا، ونُكرّم أجدادنا، فإذا فتحتَ المعنى وجدت أن تراثهم صنم، وأن أجدادهم ملوكٌ عبدوا الكواكب والنيل! فإذا عارضهم مسلمٌ غيورٌ قالوا: متعصب، وإن دافع عن عقيدته قالوا: يُفرّق بين أبناء الوطن أي خبثٍ أعظم من هذا؟!

فهم يعلمون أنّ أمة الإسلام لا تُهزم بسيف، بل تُهزم إذا فُصلت عن عقيدتها، وإذا استبدلت بالولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ولاءً للأرض والتراب، وهذا ما يعملون عليه بليلٍ وخديعة. إنّ النصراني القومي لا يهمّه الإسلام في ذاته، ولا الوطن في حقيقته، بل غايته أن يُضعف سلطان التوحيد في النفوس، حتى إذا خفَت نوره، تمكّن من إعادة سلطان الصليب، ولو تحت مسمّياتٍ براقة. وليس يخفى على اللبيب أنّ الصهيونيةَ والنصرانيةَ يجتمعان على أصلٍ واحد: الاعتقاد بأنّ الأرض مقدّسةٌ بذاتها، وأنّ الشعوب المخصوصة بها أحقّ بالسيادة دون غيرها. وهذا عين ما حاربه الإسلام منذ فجره، إذ أعلن أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن التفاضل فيها ليس بالعرق ولا بالجنس، بل بالتقوى والعمل الصالح. ومن هنا نعلم أنّ دعوى “الهوية القومية” التي يرفعها هؤلاء ليست إلا ستاراً لإلغاء الهوية الإسلامية، إذ يريدون للمسلم أن يرى نفسه ابن الأرض لا عبدَ ربّ الأرض، وأن يفاخر بنسبٍ إلى الطين لا بنسبٍ إلى الدين، فإذا فُصل الإنسان عن مرجعيته السماوية صار كتلاً من التراب يحكمها الهوى وتُساق بالسياسة. ثم انظر كيف يُقدّسون رموزاً وتماثيل لأجدادهم، ويزعمون أنّ في حفظها وفاءً للوطن وتاريخاً للمجد، وما ذاك إلا صورة جديدة لعبادة الصالحين التي أفسدت الأمم من قبلهم؛ فكما أحبّ قوم نوح ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً ثم نصبت لهم التماثيل حتى عبدتهم من دون الله، كذلك يفعل القوم اليوم، إذ يجمعون بين حبّ الأجداد والغلوّ في صورهم وتماثيلهم، حتى صار الحجر عندهم أعظم حرمةً من أمر الله. والعقل يقبح ذلك؛ لأن من أحبّ أحداً حقّاً لم يرضَ أن يُجعل تمثاله نداً لخالقه، ولا أن تُنسب إليه صفات الخلود. فالرسم لذوات الأرواح مضاهَاة لخلق الله ومجاراة له في صنيعه، وهو طغيان في الوهم قبل أن يكون في الفعل. أما قولهم إن الأرض للأجداد وإننا نرثها منهم، فباطل من وجهين: أولهما أنّ الأجداد أنفسهم لم يملكوا الأرض استقلالاً عن خالقها، بل عاشوا فيها تحت سننه وقوانينه، ثم خرجوا منها كما دخلوا. وثانيهما أنّ الأرض ما خُلقت لتكون محلاً للهوى، بل ميداناً للابتلاء، وداراً للعمل والجزاء، فكيف تُتخذ ربّاً يُوحّد الناس حولها، وهي في أصلها سبب التفرّق والاختبار؟! إنّ الله سبحانه حكيم لا يخلق عبثاً، فاقتضت حكمته أن يُنزّل شريعته مع كل أمة لتستقيم على صراطه، فلا تُترك الأرض سُدى بلا وحيٍ ولا ميزانٍ من السماء. ولهذا كان الإسلام دين الوجود كله منذ أول الخليقة، إذ ما خلت الأرض من توحيدٍ إلا أرسل الله فيها نذيراً يذكّر الناس بملكوت ربهم، فالأرض لم تكن يوماً وثنية إلا بانحراف البشر عن الوحي، ولم تكن “قومية” إلا حين عصوا أمر الله وبدّلوا شريعته. فمن زعم أنّ الأرض وُجدت قبل الدين فقد جهل أصل الوجود، ومن جعل الوطن معيار الولاء فقد عبد التراب من دون الله. وإنّ أخطر ما في هذا المشروع النصراني-الصهيوني أنه لا يحاربك بسيفٍ ظاهر، بل يسلب منك عقيدتك باسم الوطن، ويستبدل بآيات ربك أناشيدَ قومية، فإذا بك تهتف باسم الأرض وقد نسيت من خلقها. فاحذروا هذا الدَسّ الخفي، واثبتوا على هُويتكم التي أنزلها الله، فإن من عرف ربه عرف أن لا وطن له إلا تحت ظلّ التوحيد، ولا عزّ له إلا بدينٍ جمع بين أهل الأرض والسماء على كلمةٍ سواء: أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً. وأيّ باطلٍ أعظم من أن تُجعل الأرض، التي هي مخلوقة لله، ميزانًا للمحبّة والولاء، أو أن تُتّخذ نسبًا يُفرّق به بين عباد الله؟! إنّها دعوى تمسخ المفاهيم، وتبدّل الثوابت التي بُنيت عليها الرسالات، فلو كان مجرّد السكنى أو الانتماء المكاني موجبًا للمحبّة والولاء، لكان إبليس من أهل الجنة، إذ سكنها زمانًا، ولما طُرد منها حين خالف أمر ربّه. فالأرض، وإن استقرّ عليها الناس، لا تُورَث إلا بالحكم، ولا يُستَوطن فيها إلا بشرع الله. ولذلك قال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، فجعل الإرث خاصًا بالصالحين لا بالمجرّدين من الإيمان. فالاستيطان إذن ليس حقًا طبيعيًّا مكتسبًا، بل ولايةٌ يمنحها الله لمن استقام على أمره. فمن حكم بغير ما أنزل الله فقد خلع عن نفسه لباس الخلافة، وإن أقام فيها ألف جيل، لأن الملك لا يُقاس بالعُمر ولا بالنسب، بل بالسلطان المشروع الذي مصدره الوحي الإلهي لا الإرادة البشرية. ولهذا كانت دعوى القومية النصرانية أخطر من مجرد انحراف فكري؛ لأنها تسلب الأمة مرجعيتها العليا، وتُبدل العلاقة بين الإنسان والأرض من علاقة عبوديةٍ واستخلاف، إلى علاقة ماديةٍ صمّاء، لا تعترف إلا بالحدود والتراب، فتُقزّم الإنسان من خليفةٍ في الأرض إلى عبدٍ لها.

المشروع النصراني-الصهيوني في طمس الهوية الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا
المشروع النصراني-الصهيوني في طمس الهوية الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّدٍ خاتم النبيّين، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره الكافرون. إنّ من أعجب ما يشهده عصرنا هذا أن تتزيّا النصرانيةُ بثوب القومية، وأن تتخَفّى الصهيونيةُ وراء شعارات الوطنية، لتبثّ في قلوب المسلمين داء الغفلة، وتزرع فيهم وداً مصطنعاً للأرض والحجارة، ليُبدّلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى، وليجعلوا من الأوطان أرباباً من دون الله. فهذا المشروع النصراني الصهيوني ليس طارئاً ولا وليدَ السياسة الحديثة، بل هو امتداد لسلسلةٍ طويلة من محاولات الطمس والتمويه، ابتدأت منذ أن رفع الله عيسى بن مريم عليه السلام، وبدأ أتباعه المحرّفون يسعون لجعل الدين خادماً للعرق وللسلطة، ثم ورثت الصهيونيةُ الحديثة تلك النزعةَ فألبستها لباس “الوطنية الجامعة” لتتسلّل بها إلى قلوب المغفّلين من المسلمين.

وخاتمة القول أن السنخية مذهبٌ فلسفيٌّ أفسده الوهم، وأفسد به الفلاسفة معنى الخالق والخلق، فصار عندهم الوجود كلّه دائرةً واحدةً تختلف في القوة والضعف، واندرست الحدود بين الواجب والممكن. والحقّ أن ما أثبتوه في العقل لا وجود له في العين، وأن ما سموه سنخية هو مجرّد مفهومٍ ذهنيٍّ لا حقيقة له، وأن الله سبحانه غنيٌّ عن مشابهة خلقه ومباينٌ لهم في كل وجه، يخلق ما يشاء بلا سنخٍ ولا علةٍ تقيّده، بل بقدرةٍ مطلقةٍ وإرادةٍ قائمةٍ بذاته. فمن عرف هذا أبطل شبه القوم، وردّ العقل إلى فطرته، وأثبت للخالق ما يليق به من الكمال، وللمخلوق ما يليق به من الفقر والافتقار، وسلم من إلزامات الفلاسفة وضلال سنخيتهم التي لم تلد إلا وحدة الوجود ونفي الخلق من العدم.

أولها أن هذا الذي سموه سنخية إنما هو اعتبارٌ ذهنيٌّ لا حقيقة له في الخارج، فإن الذهن هو الذي يجمع بين المختلفات تحت معنى واحدٍ كليٍّ، فيجعلها من سنخٍ واحد، كأن يجمع النار والشمس والمصباح تحت “النور”، مع أن كل واحدٍ منها متباينٌ في حقيقته. فقولهم إن العلة والمعلول لا بد أن يشتركا في سنخٍ واحدٍ إنما هو من باب الأوهام الذهنية، لا من الحقائق الخارجية. والخالق سبحانه مخالفٌ للمخلوق من كل وجه، فليس بينه وبين ما خلقه قدرٌ مشترك إلا في الألفاظ الذهنية التي يُعبّر بها العقل عن الأشياء. فمن نقل هذا الاشتراك اللفظي إلى اشتراكٍ حقيقيٍّ فقد عبد مفهومًا ذهنيًا لا ربًّا حيًّا قيومًا. وثانيها أنهم جعلوا “السنخية” لازمةً للتأثير، فقالوا: لا يؤثر الأعلى في الأدنى إلا بما فيه من مشابهةٍ له، لأن هذا المعنى لو صحّ لما أمكن حدوث شيءٍ جديدٍ في العالم، إذ لا يصح عندهم أن يوجد المختلف من غير مشابهةٍ سابقة. فالعالم عندهم قديم بقدم علّته، لأنه ليس بينهما تباين في الوجود، بل تسلسلٌ في المراتب. فقولهم بالسنخية يلزم منه نفي الخلق من العدم، ونفي إرادة الفاعل، وإبطال معنى القدرة المطلقة، لأنهم جعلوا الفعل نتيجةً ضروريةً للمناسبة بين العلة والمعلول، كما يفيض الضوء من الشمس لا باختيارٍ منها ولا قصد. وثالثها أن هذه السنخية التي يدّعونها تناقض ما يشاهد بالحسّ، فإن العقول تعلم أن الحوادث تُحدثها أسبابٌ لا تشابهها في الحقيقة، فالنقش لا يشبه النقّاش، والصوت لا يشبه اللسان، والحروف لا تشبه الإرادة التي حرّكتها. فإذا كان هذا مشاهدًا في فعل المخلوق الذي لا يقدر إلا بما أقدره الله، فكيف يُحصر فعل الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون في قانونٍ أعجز منه المخلوق؟ إنما هذا من قياس الخالق على المخلوق، ومن إلزام الربّ بما لا يلزم المربوب. ورابعها أن قولهم إن الوجود واحدٌ في أصله يجعل الواجب والممكن داخلين تحت جنسٍ واحد، وذلك يستلزم أن يكون كلٌّ منهما مركبًا من ذلك الجنس ومن الفصل المميز، وكل مفتقر ممكن الوجود، فلا يكون في الوجود واجبٌ بذاته. فإن زعموا أن الواجب بسيطٌ لا تركيب فيه، بطل قولهم بالسنخية، لأن البسيط الذي لا تركيب فيه لا يمكن أن يشترك مع غيره في جنسٍ أو طبيعة، وإلا لكان مركبًا من ذلك المشترك ومن ما يميزه. فإما أن يسلّموا بطلان السنخية، أو يلزمهم أن يجعلوا الواجب ممكنًا، وكلا القولين يهدم أصلهم من الأساس. وخامسها أن العقل الصريح يعلم أن القدرة الحقيقية إنما تظهر في إيجاد المختلفات والمتقابلات، لا في إحداث ما هو من جنس الفاعل نفسه، فمن زعم أن الفاعل لا يؤثر إلا في مثله فقد قيّد القدرة وضيّق الوجود، ونفى عن الإله صفته الكبرى، وهي أنه “على كل شيء قدير”. فقولهم بالسنخية إلزامٌ لهم بنفي كمال القدرة، ونفي الإرادة، بل ونفي الربوبية نفسها، لأن من لا يقدر إلا على ما يناسبه لا يكون ربًّا لكل شيء ، وأما قولهم إن الفاعل لا يؤثر إلا في مثله، فهو سلبٌ لصفة الكمال عن الخالق بالضرورة، لأن أعظم الكمال في الفعل أن يقدر الفاعل على إيجاد المختلفات والمتقابلات، لا على ما هو من سنخه فقط. فالذي لا يقدر إلا على إيجاد ما يشبهه، فهو ناقص القدرة محتاج في فعله إلى مشابهةٍ تقوّيه، لا إلى كمالٍ يقوم به. وهذا في العقل إلزام بالافتقار لا بالكمال، لأن من يحتاج إلى سنخٍ يجانسه ليُحدث فيه فعله، فقد جعل لفعله شرطًا خارجًا عن ذاته، فيكون مفتقرًا إليه، والافتقار نقصٌ يناقض الإلهية. فالقول بالسنخية لازمُه أن الفاعل لا يفعل بذاته، بل بقانونٍ خارجٍ عنها، وأن فعله مقيّدٌ بطبيعةٍ مشتركة، وهذا عين الافتقار الذي يتنزّه عنه الخالق. أما الكمال المطلق فهو في أن يفعل ما يشاء بلا واسطةٍ ولا سنخٍ، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. والحقّ أن السنخية كلها مبنية على خلطٍ بين المفهوم الذهني والحقيقة الخارجية، فالفلاسفة لما رأوا أن العقول تدرك الأشياء بمشابهاتٍ ومعانٍ كلية، ظنوا أن تلك الكليات هي أصول الوجود، وجعلوا ما يدركه الذهن أصلًا لما في الخارج. وهذا من أعظم الانعكاسات العقلية، إذ الخارج هو الأصل، والذهن تابعٌ له في التصوّر. فالسنخية إذن مقلوبة، لأنها تجعل الصورة الذهنية معيارًا للحقيقة الخارجية، وتحوّل مجرّد التصنيف العقلي إلى قانونٍ حاكمٍ على فعل الخالق جلّ وعلا. وإذا بطل أصلها، بطل ما بُني عليها من القول بالفيض والعلّة الأولى والمراتب الوجودية، وعاد الخلق إلى معناه الحقّ: فعلٌ إلهيٌّ قائمٌ بالقدرة والمشيئة، لا يفتقر إلى سنخٍ ولا إلى طبيعةٍ مشتركة. فالله سبحانه خالق كل شيءٍ من العدم، بإرادةٍ تامةٍ وقدرةٍ مطلقة، لا عن اضطرارٍ ولا عن مناسبةٍ، بل لأنه قال له: “كن”، فكان. والمخلوق مباينٌ لخالقه بتمام المباينة، لا يشاركه في وجودٍ ولا جوهر، بل يدلّ عليه بحدوثه وافتقاره.

تعريف السنخية ونقد قول الفلاسفة فيها السنخية عند الفلاسفة هي أن العلة لا تفعل إلا في معلولٍ يناسبها، ولا يصدر عنها إلا ما يشا
تعريف السنخية ونقد قول الفلاسفة فيها السنخية عند الفلاسفة هي أن العلة لا تفعل إلا في معلولٍ يناسبها، ولا يصدر عنها إلا ما يشاكلها في الوجود، إذ لا تأثير عندهم بين متباينين لا جامع لهما. فبنوا على هذا أن الخالق لا يفيض إلا عن ذاته ما يوافقها، وأن العالم كله أثرٌ صادرٌ عن واجب الوجود صدورًا ضروريًّا، لا عن اختيارٍ وإرادة، لأن إرادته بزعمهم لا تتعلق إلا بما هو من جنسه في الوجود. فجعلوا الوجودَ حقيقةً واحدةً تختلف بالشدة والضعف، وجعلوا الخالق والمخلوق متشاركين في أصل الوجود، متغايرين في مرتبته، وقالوا: ليس بينهما إلا تفاوت في الكمال، كما يتفاوت ضوء الشمس عن نور السراج، فالله عندهم نورٌ أقوى والعالم نورٌ أضعف. وهذا الأصل هو الذي سمّوه “السنخية”، وهو عند التحقيق شرك وجوديٌّ باطل، لأنهم لم يثبتوا لله وجودًا يختص به، بل جعلوا وجوده جنسًا مشتركًا بينه وبين خلقه، فصار واجب الوجود عندهم مبدأً كليًا يتنزل منه الوجود في مراتبه، حتى ينتهي إلى أضعفها في المادة. فليس عندهم خالق ومخلوق، بل علّة ومعلول، وليس عندهم فعلٌ اختياريٌّ، بل صدورٌ ضروريٌّ يقتضيه السنخ بين العلة ومعلولها. وهذا المذهب باطل من أوجه كثيرة.

فإن قلت: هذا التواتر من أيّ نوعٍ هو؟ أهو تواتر الرواية أم تواتر الوجدان؟ قلنا: بل هو تواتر مركّب من كليهما، لأنّ الإنسان ما آمن بالله بطريقٍ واحد، بل شهد له الحسّ والعقل والفطرة والنقل جميعًا، وتظاهر بعضها على بعض، كما تتعاضد الحواسّ في إدراك الشيء الواحد من وجوهٍ مختلفة. فالطفل الصغير إذا شبّ في أيّ أمّةٍ من الأمم، سمع اسم الإله يتردّد على ألسنة الناس في الدعاء والقسم والرجاء والخوف، ورأى قومه يقدّسون ويعبدون، فيتولّد في نفسه علمٌ ضروريٌّ بأنّ وراء هذا الوجود قوّةً قاهرةً عالمةً مدبّرة، وهذا العلم لا يحتاج إلى برهانٍ فلسفيٍّ، لأنّه بمنزلة العلم الضروريّ الذي لا يزول من النفس إلا بعرضٍ طارئ من فساد الفطرة أو مكابرة العقل. ولو نظرت في الأمم قاطبة لرأيت هذا التواتر في صورةٍ من صور النبوّة كذلك، فإنّهم جميعًا يقرّون بوجود رسلٍ أو وسائطٍ بين الله والناس، يبلّغون عنه الشرائع أو الحكم أو الأسرار. فالهندوس يتحدّثون عن “آفاتار” ينزل من السماء في صورة بشرٍ مخلَّص، والفرس عرفوا “زرادشت” نبيّ النور الذي جاء ليميز بين الخير والشر، والصينيون تحدّثوا عن حكماء مؤيّدين من السماء، واليونان نسبوا أقوال حكمائهم إلى الإلهام، وأهل الكتاب من بعدهم تناقلوا أنبياءهم جيلًا بعد جيل، والعرب قبل الإسلام كانوا يعلمون أن في الأمم السابقة أنبياء ورسلًا، حتى كانوا يقولون “اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك”. فلو جمعنا هذه الأخبار من جميع الأمم، لوجدناها متفقةً في جوهرها على أنّ الله لا يترك خلقه سدى، وأنّ بينه وبينهم وحيًا وتعليمًا. فهذا التواتر المعنويّ في النبوّة شبيهٌ بالتواتر المعنويّ في أصل وجود الله، لأنّ اختلاف الأمم والأزمنة والطبائع يمنع عادةً تواطؤهم على هذا المعنى، إذ لا جامع بينهم يوحّد قصدهم إليه، ولا منفعة لهم تجتمع فيها الأهواء حتى يختلقوه اتفاقًا. فاجتماعهم على معنى الإله والنبوة مع تباعد أقطارهم وتنافر لغاتهم هو أعظم دليلٍ على أن ذلك من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا من الصناعة البشرية ولا من الهوى. ثم إنّ هذا التواتر لم يقتصر على أصل الوجود الإلهي، بل تعدّاه إلى صورٍ تفصيلية متقاربةٍ في كلّ الأمم: الإيمان بالملائكة، والشياطين، والعالم الآخر، والثواب والعقاب. فكلّ أمةٍ جعلت وراء الإنسان قوى نورانية وقوى ظلمانية تتصارع على قلبه، وجعلت بعد الموت دارًا يجازى فيها العبد على عمله. وهذه المعاني، مع اختلاف أسمائها، هي بعينها التي أخبر بها الوحي، فكانت بمثابة الشهادة التاريخية على أنّ أصل النبوّة واحد، وأنّ العلم بالغيب متوارثٌ منذ العهد الأول للإنسان، يتنقّل في الأمم على ألسنة الرسل، حتى طمسه التحريف، فبقيت بقاياه كالرماد يدلّ على النار التي كانت. ولو كانت هذه المعاني من وضع الخيال الإنساني، لما اتفقت فيها العقول المختلفة هذا الاتفاق العجيب؛ لأنّ الخيال تابعٌ للطبيعة والعادة والبيئة، فما تضعه أمةٌ لا يخطر على بال أمةٍ أخرى في أقصى الأرض، ولكنّ هذه العقائد الكبرى تجدها حاضرةً في كلّ ذهن، مقرّرةً في كلّ وجدان، متوارثةً في كلّ بيت، فهي أسبق من الفلسفة والعلم والسياسة واللغة نفسها، بل هي التي شكّلت مدارك الإنسان ووجهته إلى الغاية. ولما بعث الله نبيّه محمدًا ﷺ، كانت رسالته ختمًا لهذا التواتر الإلهي في وعي البشر، فجمع ما تفرّق من الحقائق في الأمم، وأعاد للوحي صورته النقية بعد أن تكدّر بالتحريف والهوى. فدلّ هذا على أن النبوّة المحمدية ليست انقطاعًا عن الماضي، بل هي الميلاد الكامل للعقيدة المتواترة في أصلها، التي شهد لها التاريخ والضمير والوجدان. فمن كذّب بها فقد كذّب بجميع ما عرفته الإنسانية عن ربّها، وكذّب بصوت الفطرة الذي لم ينقطع في أي جيلٍ من أجيالها. فكان الإيمان بوجود الله وبالنبوة ليس نظريّةً دينيةً محدثة، بل هو العلم الأوّل الذي قام عليه وعي الإنسان، والركيزة التي لا يستقيم إدراكه من دونها، ومنكروه إنما ينكرون أنفسهم قبل أن ينكروا ربهم، لأنّهم يمحون من عقولهم ما لا يمكن محوه من تاريخ النوع الإنساني، وما لا يمكن تصوّر وعيٍ بدونه. فثبت أن هذا التواتر الكوني في الإيمان بالله ووحيه هو البرهان القاطع على أن الدين ليس صناعة عقلية ولا اجتماعًا على وهم، بل هو الحقيقة التي وُجد بها الإنسان، والتي بها استقام عقله وميزانه. فمن رام ردّها فقد رام قلب فطرته، ومن جحدها فقد جحد ما تراه عينه كلّ يوم في مرآة التاريخ وكيان النفس، إذ لا يُعقل أن تتفق البشرية كلها على خبرٍ كونيٍّ لا أصل له، ولا أن تجتمع عقولها على وَهمٍ واحدٍ في أصل وجودها وغيتها، إلا أن يكون ذلك الوهم هو عين الحقيقة، وتلك الحقيقة هي الله الواحد الذي شهد له كل شيء في الوجود.

"في بيان تواتر وجود الله تعالى وصدق النبوة" إنّ المتأمّل في تاريخ الإنسان منذ فجر وجوده إلى يوم الناس هذا، ليجد أنَّ الإيمان
"في بيان تواتر وجود الله تعالى وصدق النبوة" إنّ المتأمّل في تاريخ الإنسان منذ فجر وجوده إلى يوم الناس هذا، ليجد أنَّ الإيمان بالله، والإقرار بوجود عالمٍ غيبيٍّ وراء المحسوس، قد استقرّ في النفوس استقرار الضرورة، وتوارثته الأجيال كما تتوارث لغاتها وغرائزها، حتى صار من طبيعة الوعي البشري التي لا تنفكّ عنه. فكلّ أمّةٍ من الأمم، مهما اختلفت ألسنتها وتباينت أوطانها، إذا استقرأت أخبارها وآثارها، رأيتها مجتمعةً على أصل الإيمان بالإله الأعلى الذي له الخلق والأمر، وإن اختلفت أسماؤه وصفاته في ألسنتهم. وما من حضارةٍ نشأت إلا وأقامت لنفسها طقوسًا تعبّدية تشير إلى اعتقادها بوجود ذلك الغيب المتعالي، وما من بدائيٍّ وُجد إلا وله وجهةٌ يتعبّد بها لربٍّ يراه فوق الأسباب والمسبّبات. فكان هذا الإقرار العامّ بوجود الله نوعًا من التواتر الكوني، يشهد به التاريخ، والعقل، والفطرة معًا، ولا يتخلّف إلا شواذّ من الملاحدة، لا يُلتفت إلى مخالفتهم كما لا يُلتفت إلى مكابرة الحسّ بالبصر والسمع.

أصل هذه العقيدة يرجع إلى مزج بين الفكر الحلولي والفلسفة الأفلاطونية، حيث تصوروا أن للوجود مركزًا مطلقًا، وأن كل المخلوقات تجري في هذا المركز كأنها مظاهر أو أفكار صادرة عنه، فجعلوا النبي ﷺ مركز الوجود ومصدر الفيض، واستعملوا ألفاظًا مثل الحقيقة المحمدية واللاهوت والناسوت لتبرير هذا الغلو، وظهر هذا عند بعض متصوفة ابن عربي، والحلاجية، والإحسائيين، وبعض فروع الطرق الاتحادية الحلولية، فجمعوا بين غلو التصوف وميول فلسفية قديمة. أما أهل السنة فيثبتون أن النبي ﷺ أعظم المخلوقات وأشرفها، وأن الله خلق العالم لأجله ليس دليلًا على ألوهيته، بل على شرفه وفضله وعلو مقامه، فهو عبد الله ورسوله، لم يزل مخلوقًا مطيعًا، يقول الحق تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) ، وهذا نص يقطع أي تأويل إلى تأويلهم الكفري . لقد حاول الغلاة مزج العقل بالفلسفة لتبرير عقيدتهم، لكن العقل الصحيح والنقل الصريح يردهم عن هذا الادعاء الباطل، فالوجود الحقيقي للبشر مخلوق، والفضل والمقام لا يغير حقيقة المخلوق، وكل محاولاتهم لتسويغ الحلول في النبي ﷺ أو جعله محور الكون كامل لا تخرج عن كونه شركًا محضًا . إن هذا التيار يظل درسًا قويًا في خطورة مزج التصوف بالغلو والفلسفة القديمة، وكيف أن استخدام ألفاظ مثل "الحقيقة المحمدية" أو "اللاهوت والناسوت" دون حذر يقود إلى عقائد شركية باطلة، ويؤكد على أن تقدير النبي ﷺ ورفع مكانته لا يجوز أن يتعدى حدود البشر والعبودية لله وحده، وكل نص يثبت شرفه ومقامه يجب أن يُفهم في إطار العبادة والخضوع لله، لا في إطار الألوهية أو الحلول في الجوهر. وأهل السنة يقررون أن النبي ﷺ أعظم المخلوقات وأشرفها، وأن خلق الله العالم لأجله لا يعني ألوهيته ولا يجعل له حقيقة غير بشرية، بل يثبت شرفه ومقامه عند الله، فهو عبد الله ورسوله، لم يزل مخلوقًا مطيعًا، كما جاء قوله تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي"، وهذا نص قطعي يقطع أي تأويل إلى ألوهية، والخلق لأجله يثبت الفضل والمقام، لا يثبت اللاهوت أو الناسوت، ولا يجوز أن يتحول هذا التقدير إلى نسبة ألوهية له، فإن ذلك شرك أكبر مخرج من الملة. وهذه الطائفة لا تختلف عن بقية غلاة الصوفية في القديم والحديث من جهة الغلو في النبي ﷺ، ومن جهة الحلول والاتحاد، فهم جميعًا على خرق الصراط المستقيم، يخلطون بين التقدير المشروع وبين الألوهية، ويستعملون ألفاظًا قديمة وحديثة لتغطية فساد عقائدهم، فلا فرق بين الأفلاطونيين والحلاجية والإحسائيين من حيث النتيجة، وهي الخروج على العقيدة الصحيحة وادعاء محال فوق الممكن، وإسقاط حقيقة التوحيد على خلق الله ، فإن الله خلق الإنسان على فطرة سليمة، فيها تمييز بين الحق والباطل، والخالق والمخلوق، والميل إلى العدالة والاعتدال. لكن هذه الفطرة قد تنحرف بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: ضعف العلم، وغلظة الهوى، وتأثر النفس بالبدع والأفكار الفلسفية أو التأويلات الباطلة ، فالبشر بطبيعتهم يبحثون عن من يُحتذى به ويُلجأ إليه، فإذا رأوا النبي ﷺ مقامه عظيمًا وفضله شامخًا، وأعماله تتجاوز قدراتهم، ينجذبون إلى رفعه فوق الحد المشروع، فيميلون إلى اعتقاد أن له قدرة على إعطاء النفع أو دفع الضر بذاته، وأن شرفه يستلزم نوعًا من الألوهية، بينما الحقيقة أن كل ذلك مقيد بالعبودية لله وحده.

( تمهيد ) (طوائف الغلاة في التصوف ) أبرزهم طائفة( الحقيقة المحمدية) هذه الطائفة التي يطلق عليها بعض العلماء الحقيقة المحمدية
( تمهيد ) (طوائف الغلاة في التصوف ) أبرزهم طائفة( الحقيقة المحمدية) هذه الطائفة التي يطلق عليها بعض العلماء الحقيقة المحمدية الأفلاطونيين هي من أغرب الغلوات التي ظهرت في عالم التصوف، جمعوا بين الفكر الحلولي والتأويلات الفلسفية القديمة، وسموا أنفسهم بحملة "الحقيقة المحمدية"، وزعموا أن النبي ﷺ ليس مجرد بشر، بل هو مركز الكون كله، ومنبع كل الفيض، وأن الله خلق العالم لأجله، فاستدلوا بهذا على أنه له حقيقة إلهية تشبه ما يسميه النصارى لاهوت المسيح، وأن وجوده ليس مجرد وجود مخلوق بل وجود متحقق بذاته، متسامي على كل مخلوقات الله، بحيث أصبح عندهم النبي وحدة مطلقة للوجود، وظهر في كل شيء كما تظهر الشمس بضوئها في كل مكان، وزعموا أن الفيض الإلهي يتجلى من خلاله في الكون كله، وأن أولياء الله المتقدمين والمتأخرين يتلقون من هذا الفيض، فيرتقون في المقامات، حتى يُخيل لهم أن بعضهم متحد بالنبي ﷺ في الجوهر، وهذا كله شرك صريح مقيت.

فالثابت بالضرورة أن الإنسان: ناقص العلم، قليل الإحاطة، قصير النظر ، محدود القدرة، وأنّ كل حكمٍ يصدر عنه هو جزء ناقصٌ من لوحةٍ كاملةٍ لا يراها. والثابت بالضرورة أيضًا أن الشرع الإلهي: لا يتناقض،لا يتهاوى،لا يتبدّل، لا ينهار،لا يحتاج ترقيعًا،ولا يقع في مآلات الفساد، بل حيثما حلّ أقام نظامًا، وحيثما رُفعَ ظهر الفساد، فإن كمال الحكم بكمال أثره، لا بكمال معرفة المكلّف به. فإذا رأى الناس أن الشريعة تلد الخير حيث نُفّذت، وتمنع الشر حيث نُصِبت، وأن أحكامها أطول عمرًا من جميع قوانين الأرض، وأن آثارها تزداد قوة بتغيّر الزمان، علموا أن واضعها محيطٌ بالعلل، كامل العلم، واسع الحكمة، وأن التشريع البشري محالٌ عليه بلوغ هذه المرتبة، لأن الإنسان لا يملك شيئًا من الكمال، ولا شيئًا من الإحاطة، ولا شيئًا من العلم بالمآل. فثبت من هذا كلّه أنّ التشريع حقّ الله وحده، وأن الشرع الكامل لا يكون إلا من الكامل، وأن أحكام البشر مهما زُيّنت فهي سلاسل من الظنون، وأن الشريعة الربانية وحدها تجري على نظامٍ محكمٍ لا يأتيه الباطل.

اعلم وفّقك الله أن النظر الصحيح في أحوال الوجود، وتأمّل سير الأمم، وتتبع سنن الله في خلقه، يفضي بالعاقل المتجرّد إلى حقيقة لا يتطرّق إليها تردّد، وهي أن التشريع، من حيث هو تشريع، لا يصلح أن يصدر إلا عن كاملٍ في علمه، محيطٍ بعلله ومسبّباته، نافذٍ إلى مآل الأمر قبل حدوث أوله، وأنّ كل ما يصدر عن البشر في أبواب الحكم والسياسة والقضاء والأخلاق فهو وإن حسن وجهه، محكومٌ عليه بالنقص، مقضيٌّ له بالعجز، لأن أصله خارج من عقلٍ محدود، ونظرٍ قاصر، وإحاطةٍ ممتنعة. فإن التشريع ليس وضعًا لصورة فعلٍ ظاهر، ولا ضبطًا لحركة في زمن بعينه، بل هو حكمٌ على شبكةٍ من الأسباب التي تتسلسل في الخلق، وتتداخل، وتتفرّع، وتتزايد، حتى تبلغ من التعقيد مبلغًا لا تقوم به العقول مهما بلغت قوتها؛ إذ الفعل الواحد ليس له مسببٌ واحد، ولا أثرٌ واحد، بل تنبعث عنه آثارٌ قريبة تُدرِكها الأعين، وآثارٌ بعيدة لا تُرى إلا بعد دهر، وآثارٌ اجتماعية لا تتبيّن إلا إذا اجتمع الناس على سلوكٍ واحد، وآثارٌ حضارية لا يُكشف غطاؤها إلا إذا تبدّلت الأزمنة والسلطنات، وآثارٌ سياسية واقتصادية وأخلاقية ونفسية وثقافية وسننية وقدرية، كل واحد منها يجرّ ما بعده، ويُولّد ما هو أعظم منه. وهذه ليست (ظواهر )، بل عللٌ شرعية هي روح الحكم، وهي التي يدور معها الشرع وجودًا وعدمًا. فالعِلّة الشرعية ليست وصفًا مُفردًا أو سببًا ظاهرًا، بل هي العقدة الكبرى التي إذا قُطِع منها خيطٌ واحد اختلّ المجموع، وإذا غاب منها جزء واحد اختلّ الحكم كلّه. فانظر إلى الخمر مثلًا، ليس وجه تحريمها في مجرّد الإسكار، بل العِلّة فيها سلسلةٌ مترابطة: فسادُ العقل، وانحلال الضبط، ونشوء العداوة، وخراب الأسرة، وسقوط الهيبة، واضطراب الأمن، وفتح أبواب الجريمة، وتقلّب الأسواق، وانحطاط الأخلاق، وضياع الدول. وهذا كلّه مسبّبات ممتدة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، بعضها قريب وبعضها بعيد، بعضها يقع في الفرد، وبعضها يسري في الأمة. وكذلك الربا، ليس علّته في زيادة مالية، بل في سلسلةٍ من المؤثرات: تركّز الثروة، وإفقار العامة، وإثارة الاحتقان، وإعاقة الإنتاج، وفتح باب الفساد السياسي، وتحالف رأس المال والسلطان، وإفساد الأسواق، ثم سقوط الدول والحضارات. وهذه أيضًا ليست معلوماتٍ نظرية، بل شبكةٌ من العلل التي لا يحيط بها بشر. وإذا تأملت باب الزنا، رأيته بابًا لا يقوم حكمه على مجرد (الفعل ) بل على ما يولّده إذا شاع، من اختلاطٍ في الأنساب، وانهيارٍ في الأسر، وتبدّلٍ في الأخلاق، وضعفٍ في الغيرة، وتمزيقٍ للنسيج الاجتماعي، وفسادٍ للذرية، واضطرابٍ في نسب الأولاد ، وتسليع أجساد البشر والعبث بأعراض النساء ، وهذا كله علل ممتدة لا تقع تحت حصر. ومن عرف هذا علم أن واضع الحكم ينبغي أن يكون محیطًا بكل هذه السلاسل، عالمًا بما يظهر منها وما يخفى، وما يكون منها وما سيكون، وما يطرأ منها على الأمم إذا تغيّرت الأعراف أو تبدّل السلطان أو نزعت البركة أو نزل القدر. وكل هذا لا سبيل إلى الإحاطة به إلا لمن خلق الأسباب وأجرى المسبّبات، وجعل للوجود نظامًا لا يضلّ ولا يتبدّل، وهو الله جلّ جلاله. وأما الإنسان، فمهما بلغ عقله، لا يرى إلا طرفًا يسيرًا من هذه الشبكة؛ فهو لا يدرك إلا المسبب القريب، ولا يرى إلا ما أدركه حسّه، ولا يقدّر إلا ما جرّبه، لا يعرف ما يحدث بعد عشرين عامًا، ولا ما يظهر في أمة أخرى، ولا ما يجري إذا تغيّر الزمن، ولا ما ينعكس على المجتمع إذا صار الفعل عادة. فالعقل البشري أسير اللحظة، أسير الظاهر، أسير المحسوس. بل لو علم كل ما كان في الماضي، لما أمكنه الحكم، لأن الماضي نفسه مبني على جهل العلل؛ فالوقائع معروفة، ولكن العلل التي قامت بها الوقائع مجهولة، والعلل التي خفيت عن أهل زمانها لا يمكن لبشرٍ بعدها أن يكتشفها، ولو فُرِض أنه عرف كل الماضي، فهو جاهل بالمستقبل، والشرع حكمٌ على المستقبل لا على الماضي. وهنا تبرز المسألة الكبرى ، حيث لكمال لا يصدر إلا عن كامل،والإحاطة لا تكون إلا لمحيط، والشرع لا يكون شرعًا إلا إذا كان مبنيًا على كمال الإحاطة. فإذا رأيت الشرع الإلهي قائمًا على نظامٍ واحد لا يتناقض، يحفظ الدين، ويحفظ النفس، ويحفظ العقل، ويحفظ المال، ويحفظ النسل، ويقيم العدل، ويردع الظلم، ويمنع فساد الأمم، ويصلح الصغير والكبير، ويُثمر نظامًا واحدًا في كل زمان ومكان، لايقدرون على الاتيان بمثله أو يفوقه ، علمت أن هذا الشرع ليس من صنع البشر، لأن البشر عاجزون عن الإحاطة في أصلها. نحن لا نحتاج إلى الإحاطة لنحكم بكمال الشرع، بل نحتاج إلى رؤية آثار الكمال. كما أن الإنسان لا يحتاج لمعرفة تركيب السماء ليعلم أن نظام الفلك خارج عن قدرته، ولا يحتاج معرفة تركيب اللغة ليعلم أنه لا يستطيع الإتيان ببيان القرآن، ولا يحتاج معرفة تفاصيل صناعة الدواء ليعلم أن الطبيب أدرى منه.

الرسالة الجامعة في أنّ الشريعة لا يضعها إلا كاملٌ محيط، وأنّ البشر محالٌ عليهم التشريع
الرسالة الجامعة في أنّ الشريعة لا يضعها إلا كاملٌ محيط، وأنّ البشر محالٌ عليهم التشريع

المقارنة بين العقوبات ومغالطة “أنت أيضًا” الحمد لله الذي جعل العدل ميزانًا، وحكّم العقل والفطرة في التفريق بين الحق والباطل، وجعل لكل فعل جزاءه، وصلى الله على سيدنا محمد، المبلغ الحق، المتمّم الشرائع، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن كثيرًا من الناس، عند وقوع حكم على مجرم بسبب فعله الخاطئ، يلتفتون إلى أحوال غيره، ويقولون: “عاقبوا فلان وتركوا فلان الآخر، إذن هناك ظلم أو تحيّز”. وهذا التوجّه يقع في مغالطة منطقية مشهورة تُعرف باسم Tu Quoque، أو ما يُسمّى بالعربية مغالطة “أنت أيضًا”، وهي محاولة لإبطال الحكم على أساس ما فعله الآخرون أو لم يفعلوه، لا على أساس القضية نفسها. إن الحقائق واضحة ،فالعقوبة تُقاس بالفعل، لا بمن حوله. فإذا ارتكب شخص ما جريمة أو خرق قاعدة أخلاقية أو قانونية، فإن استحقاق العقوبة قائم بذاته، مستقلاً عن أي مقارنة مع من لم يُعاقب. فالفعل الخاطئ هو معيار العدالة، لا حالة الآخرين، وكل محاولة لتوظيف أمثلة خارجية لإظهار الظلم هي مغالطة، لأنها تُشوّش على القضية الأصلية، ولا تلغي استحقاق العقوبة. فالعقل يميز بين الصواب والخطأ، وبين المجرم ومن لم يجرم، وبين الفعل ذاته وحكم الآخرين عليه. ومن هنا يظهر أن العدالة الموضوعية لا تتأثر بتفاوت الأحكام في قضايا مختلفة، حتى لو بدا أن الظروف متشابهة ظاهريًا. الفرق بين القضايا غالبًا في الأسباب، الظروف، الأدلة، أو النية، وكل هذا يبرّر ما قد يبدو تفاوتًا خارجيًا. ولا يخفى أن هذه المغالطة شائعة في النقاشات الاجتماعية، والسياسية، وحتى في التعليقات على الأحداث اليومية: فالكثير يحاولون توظيف حالات أخرى لانتقاد الحكم، لكن العقل يدرك أن الحكم على الفعل نفسه مستقل، ولا يمكن تفنيده بالمقارنة بمواقف خارجية. وفي هذا نجد أن العدالة تقتضي التركيز على الفعل ذاته، وعلى استحقاق العقوبة وفق الأسباب والظروف الخاصة به، لا على ما حدث في قضايا أخرى أو مع أشخاص آخرين.

الله. فالظهر تقع في ابتداء انحدار الشمس وزوالها عن كبد السماء، أي في أول انكسار الضوء بعد شدّة، وهي ساعة السكون في النهار؛ إذ يكون الناس قد بلغوا غاية نشاطهم في العمل وابتدؤوا بالهدوء والراحة والغداء، فهي صلاةٌ تُصادم راحة الجسد لا قرار الإرادة. فمن صلّاها حافظ على انتظام الوقت واستقامته، ومن تركها كان متراخيًا من باب الفتور، لا من باب الإعراض. هي إذًا امتحانٌ في ضبط الوقت والنظام، لا في التعارض القيمي بين الله والدنيا كما في العصر. أما العصر فتمتاز بأنّها تقع في أوج ازدحام المقاصد؛ حيث يلتقي آخر جهد النهار بأول ميل النفس إلى التفلت والانصراف، فهي ذروة الإرادة البشرية في التزاحم بين حبّ المعاش وحبّ المعبود. فمن أقامها، فقد قدّم الله في موضعٍ تتزاحم فيه الأهواء، ومن تركها، فقد رجّح الهوى على الأمر، وذلك هو مناط الكفر في أصل الإرادة. فصار الوعيد في ترك العصر أغلظ لأنه أصدق شاهدٍ على حقيقة النفس، إذ لا يتركها العبد إلا وقد غلبت عليه إرادة غير الله. فأما العشاء والفجر فهما في طرفي اليوم، والإنسان فيهما إمّا مستغرق في النوم أو منجذب إليه، فالمعركة فيهما مع الغريزة الحيوانية التي تطلب الدعة والراحة، لا مع العقل والإرادة التي تحاكم القيم. فالمؤمن قد يكسل عنهما لا لأنه زهد في أمر الله، بل لأنّ جسده غلبه، كما يغلب الموج السابح القويّ. فإن قاوم وقام، دلّ على صدق عبوديّته، وإن فتر، عوتب على ضعف عزيمته لا على فساد إيمانه، لأنّ أصل الإرادة الإلهية ما زال في قلبه حيًّا، وإن ضعفت همّته عن تمام الامتثال. وأمّا العصر فمقامها أرفع وأدق، لأنها في وسط اليوم، وقت يقظة العقول واشتداد الأعمال وتزاحم المقاصد، فهي ميدان اختبار الإرادة والعزيمة لا ميدان مقاومة النوم أو الكسل. فمن تركها، لم يتركها لأنّ بدنه خائر، بل لأنّ قلبه آثر الدنيا على الله، وفضّل مصلحته على أمر مولاه، فكان تركه برهانَ خللٍ في التعظيم، لا عجزٍ في الطاقة. ولهذا قال النبي ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، لأنّ الترك فيها يدل على انكسار جوهر الإيمان الذي هو تقديم الله على كلّ إرادة سواه، فالعصر مقياس الموازنة بين العبد وربّه في ميدان الاختيار، لا في ميدان الغريزة. بينما الفجر والعشاء مقياسان لصدق المجاهدة ومقدار مقاومة النفس، لا لمعيار التوحيد في الإرادة. فالذي يتخلف عن العشاء والفجر هو مريضُ عزيمةٍ لا مريضُ قلب، والذي يضيع العصر مريضُ قلبٍ لا مريضُ عزيمة، لأنّ هذا قد قدّم هواه على أمر مولاه، وذاك قد غلبه جسده لا عقيدته. فكسل الفجر والعشاء غلبةُ الطبع، وكسل العصر غلبةُ الهوى، والفرق بينهما كالفرق بين من غلبه نومه ومن غلبه حبُّ الدنيا.