en
Feedback
قناة || السَّيْفُ التَّيْميّ⁩

قناة || السَّيْفُ التَّيْميّ⁩

Open in Telegram
851
Subscribers
No data24 hours
-27 days
-630 days
Posts Archive
أحبتي في الله، بعد تدبّر، قررت أن أتوقف عن النشر في هذه القناة لأجل غير مسمى لكن يطول. ولم يكن هذا القرار إلا رجاءً من الله أن أستثمر الوقت المتبقي في ما ينفعني وينفعكم جميعًا، وأن يجمعني بكم على الخير والمعرفة النافعة. أنصح كل من يطلع على ما قُدم هنا أن ينتفع بما هو خير، ويستفيد من كل علم أو ذكر أو فكرة صالحة عُرضت، ليعم الثواب على الجميع، فلا يذهب جهدكم سدى، بل يكون ذخراً لكم عند الله. فاستثمروا هذه الفرصة في العمل الصالح ، وأوصيكم، رحمكم الله، أن تنتفعوا بكل علمٍ أو ذكرٍ أو هدي مرّ عليكم خلال هذه السنوات الثلاث ، واجعلوه نورًا ينبت في القلوب، وثمارًا صالحة تُرفع بها درجاتكم، وتكون ذخراً لكم يوم لا ينفع مالٌ ولا جاهٌ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. فاجعلوا كل ذكرٍ، وكل فكرةٍ، وكل كلمةٍ صالحةٍ مرت عليكم، وسيلةً إلى رضوان الله، وسببًا لنوال الثواب، وذرّة خيرٍ يدوم بعد أن توقفنا، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، ويكتب لنا ولكم أجر كل نفع عمّ به من هذه القناة، ويجمعنا على الخير الذي ينفعنا في الدارين، آمين.

فالزيغ الأول منهم، والإزاغة الثانية عدلٌ من الله فيهم. فلا العبد خالقٌ لفعله، ولا الرب ظالمٌ لعبده، ولا الإنسان ريشة، ولا فعله مجازٌ كالذي تتوهمه الجهمية والأشعرية. بل الإنسان مخلوقٌ مستخلف، متصرفٌ بما خلق الله له، قائمٌ بالفعل، متحملٌ للتبعة، مختلفٌ عن الحجر من أصله وفرعه، ومن جهته وأوصافه. وهذا هو مذهب أهل السنة، وعليه جمهور السلف، لا إفراط فيه ولا تفريط، يجمع بين سلطان الربوبية وكمال العبودية، ويشهد بأن الله خالق كل شيء، وأن العبد فاعلٌ على الحقيقة، وأن التكليف حقّ، والثواب حقّ، والعقاب حقّ، والحجة قائمة، والميزان واضح. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ( الجبر والإختيار )

وقد عالج أهل الحق هذا الباب بألفاظ العرب الجارية، لا بأغاليط المتكلمين ولا بتأويلات الجهمية التي جعلت “الفعل” مجرد قيام القدرة بلا تأثير، ولا باختراع الأشعرية لمعنى “الكسب” الذي لا يساوي جناح بعوضة ولا يُفهم منه إلا نفي حقيقة القدرة وإثبات صورة الفعل دون روحه، حتى صار فعل العبد عندهم كمَن رفع حجراً وحده والآخر لم يرفع إلا يده على الحجر، فيقال للأول: أنت الرافع حقيقة، وللآخر: رفعت مجازًا! فيا لله من عقائد لا يقرّ بها عقل، ولا يدلّ عليها نقل، ولا يستقيم عليها أمرٌ ولا نهي. وغاية الحقّ أن الفرق بين العبد والحجر ليس فرعًا ولا ذريعة، بل أصلٌ تُبنى عليه سائر أحكام التكليف. فالحجر، وإن وضعته على الجبل أو قذفته في الهواء، لا قدرة له على الضدين، ولا علمٌ يميز به جهة الخير من الشر، ولا ميلٌ يستدعي أحد الوجهين دون الآخر، بل هو محرك بغيره، مقسورٌ مسخّر، لا نسبة له إلى الفعل إلا نسبة المحلّ والمحمول، لا نسبة الفاعل المختار. ومن قال: “العبد كالحجر”، فقد أبطل الأمر والنهي، ونفى الثواب والعقاب، وجعل إرسال الرسل عبثًا وعقوبة المذنب ظلماً وحاشاه سبحانه. أما الإنسان، فهو مخلوقٌ على هيئةٍ أخرى، فيها القدرة على الضدين، وفيها العلم بما ينبغي وما لا ينبغي، وفيها ميلُ القلب إلى جهة دون جهة، وفعلُ القلب الذي هو أصلُ الأفعال البدنية؛ فالعلم صفةٌ قائمة به، والقدرة محيطة بجوارحه، والميل متردد بين داعيين، والإرادة تخصص أحد الداعيين دون الآخر، وهذه كلها مما جعله الله في جوف العبد ليمتاز عن الجماد، ويستقيم عليه حمل الأمانة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلموهو أعلم الخلق بربه وخلقه :«أحبُّ الأسماء إلى الله حارثٌ وهمّام»، فجعل الإنسان حارثًا لكسبه، همّامًا لإرادته، لا صورة بلا معنى، ولا ظلًا بلا روح فلا يقال خلق الشر له فاضطر لفعله لأنه حارث وهمام فيسعى ليتعلم ويعرف الحق ويمتنع عن الشرور وله القدرة على الضد فيفعل الخير . ومع هذا كله، فإن هذه القدرات والميل والصفات والدوافع… كلها مخلوقة لله لا ربّ غيره. خلق القدرة كما خلق العين، وخلق الإرادة كما خلق اليدين، وخلق الميل كما خلق السمع والبصر، وخلق أسباب الخير والشر، وفتح للعبد بابين، وأقدره على السلوك في أيّهما شاء، ثم علم بعلمه الأزليّ الذي لا يخطئ ولا يتبدل ما سيختاره العبد لو خُلق، فكتب أفعاله فخلقه ، وابتلاه بأسباب الضدين ليقوم عليه العدل وتقام به الحجة. فإذا خصّص العبد جهته، خيرًا كان أو شرًا، خلق الله فعله موافقًا لتلك الإرادة. فليس العبد خالقًا لفعله عياذًا بالله ولا قادرًا على الاستقلال من دون ربه، ولا هو أيضًا مجبورٌ جبرَ الحجر، بل هو مختارٌ داخل دائرةٍ خلقها الله، يتحرك فيها بعلمٍ وقدرةٍ وميل، وكلها من خلق الله، ولكن نسبةَ الفعل إليه نسبةُ الفاعل القاصد لا نسبة المحلّ الذي يُقلبه غيره. وذُكر من تشبيه فعل الله فينا بخلقه الزرع بالماء هو من أحسن الأمثلة. فالله خالقُ الزرع، وخالقُ الماء، وخالق أسباب الإنبات، وجعل بعض مخلوقاته سببًا لمخلوقات أخرى؛ فليس الماء منشئًا بنفسه، ولا الزرع مستقلًا عن ربه، ومع ذلك لا يُنفى عن الماء أنه “به” نبت الزرع، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَات﴾ فالله الفاعل، والماء سبب، وكلاهما مخلوق له، ولا يلزم من ذلك إشراكٌ ولا تناقض. وكذلك العبد: الله خلق القدرة ← والعبد يمارسها ، الله خلق الميل ← والعبد يخصصه ، الله خلق الإرادة ← والعبد يوجهها ، الله خلق الفعل ← والعبد يوقعه ، الله خلق العقل ← والعبد يستدل به ، الله خلق العلم ← والعبد يبني عليه إمّا إيمانًا أو كفرًا وبهذا يتحقق معنى المسؤولية، وينتفي الجبر، ويبقى الخلق لله وحده، ويبطل قول القدرية الذين جعلوا للعبد خلقًا، والجبرية الذين جعلوا العبد خيالًا. وأما إن الله يعلم بعلمه الأزلي أن هذا العبد مكانه النار… فهو حقٌ محض. فاللهجل ذكره يعلم ما العبد صانع لو خُلق، وما يختار إن وُهِب القدرة والميل والعلم، فيخلق العبد، ويخلق له أسباب الخير والشر، ليبقى الامتحان قائماً، ثم يختار العبد ما علم الله أنه سيختاره، فيكون الشرّ مخلوقًا لله خلقًا، ومقصودًا للعبد قصدًا، فيعاقبه عليه عدلًا وحكمة. فإن قيل: إنما وجد العبد أسباب الشر ففعلها. قلنا: وجد أسباب الخير والشر معًا، والعبد هُمامٌ حارث، يعلم ويتصور ويقدر، ثم يختار، وما اختاره خُلِق له، وما فعله حُمل عليه. وإن قيل: “وما معنى أن يضل الله عبده وهو الذي اختار الشر؟” قلنا: الضلال ضلالان: ضلالٌ ابتدائيّ من العبد، وهو الميل الأول. وضلالٌ جزائيّ من الله، وهو الخذلان وترك التوفيق، وزيادة ما مال العبد إليه. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يقول: فلما عدلوا وجاروا عن قصد السبيل أزاغ الله قلوبهم: يقول: أمال الله قلوبهم عنه. الطبري

من حقيقة الفعل الإنساني، وفرق ما بين الحجر والإنسان، وبيان أن العبد مختار حقيقةً غير خالق لفعله، وأن الجبر الباطل إنما يثبت ع
من حقيقة الفعل الإنساني، وفرق ما بين الحجر والإنسان، وبيان أن العبد مختار حقيقةً غير خالق لفعله، وأن الجبر الباطل إنما يثبت عند نفي القدرة والعلم والميل - رسالة في تقرير مذهب أهل السنة والرد على الجهمية والأشعرية الحمد لله وليّ التوفيق، ومبدع الخلق على مراتب الحكمة، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، وصلى الله على سيدنا محمد، القائل بالحق، المبين لمن شاء الله هدايته مسالك الرشد واليقين. أما بعد، فإن من أغمض مسائل القدر، وأشدّها التباسًا على الأفهام، مسألة نسبة أفعال العباد إلى خالقهم، وتعيين حدّ ما للعبد وما لربه، والوقوف بين إفراط القدرية الغلاة الذين نزّهوا الله فأسقطوا ملكه، وبين تفريط الجبرية الذين عظّموا الله فأعدموا عدله، حتى جعلوا العبدَ محضَ ريشةٍ في مهبّ الريح لا قصد له ولا اختيار، فضلّوا عن سواء السبيل. فكان الحقّ بين الطرفين، يجمع بين إثبات خلق الله لكل شيء، وإثبات فعل العبد حقيقةً، لا مجازًا، ولا تبعًا، ولا صورةً بلا روح، بل فعلاً يقوم به، ويتعلق بعلمه وقدرته وميله وقصده، على نحوٍ يُقيم عليه الحجة ويصحّ معه الثواب والعقاب.

إذ إن المبدأ نفسه الذي أسس له مذهبه لا يمكن إثباته تجريبيًا، فاسأله ما هي التجربة التي تثبت أن كل جملة غير قابلة للتحقق التجريبي بلا معنى وكيف يمكن وضع هذه الجملة تحت معيار الملاحظة البصرية ؟ وإجابة هذا السؤال مستحيلة، إذ إن الجملة نفسها ليست موضوعًا للحس ولا يمكن قياسها علميًا Scientific Measurement ولا إدراكها كإجراء تجريبي، وهكذا يصبح المبدأ نفسه بلا معنى وفق قاعدته Criterion of Meaning، وهذا انهيار داخلي يفضي إلى سحب البساط من تحت أقدام المذهب. وما يزيد الأمر وضوحًا أن كارناب أغفل أن التجربة نفسها تحتاج إلى أدوات عقلية مسبقة Conceptual Framework لفهمها فلا يمكن اختبار أي شيء من التجربة من دون التمييز بين الشيء واللاشيء Being and Non-Being، والسبب والمسبب Cause and Effect، والواحد والمتعدد Unity and Multiplicity، والإيجاب والسلب Positive and Negative، وكلها مفاهيم لا تستمد من الحس بل من العقل Reason، ومن ثم يصبح التحقق التجريبي تابعًا للمعنى Meaning وليس منشئًا له، وهو ما يناقض صميم المنهج الكارنابي، وما يزيد في انهياره أن العلوم النظرية Theoretical Sciences مليئة بالمفاهيم غير المرئية غير القابلة للاختبار المباشر مثل الكتلة Mass والطاقة Energy والقوة Force والشحنة Charge والاحتمال Probability، وطبقًا لمبدأ كارناب كل هذه المفاهيم بلا معنى لأنها غير قابلة للتحقق المباشر، وهذا يجعل العلم نفسه Science ومنه المنطق Logic والرياضيات Mathematics بلا معنى، مما يؤدي إلى انهيار معرفي كامل Epistemic Collapse، وما يعمق المأزق أن كارناب اعتمد على الجمل التحليلية Analytic Sentences والقواعد الشرطية Conditional Rules والنفي Negation والاقتران Conjunction والربط المنطقي Logical Connectives، ولكن هذه العناصر الأساسية للغة المنطقية Logical Language غير قابلة للتجربة الحسية، فلو طبقنا معياره حرفيًا تصبح اللغة المنطقية Language of Logic بلا معنى، وهذا انهيار آخر يثبت عدم صلاحية المذهب داخليًا. والضربة الأقوى تأتي من التصادم Fundamental Conflict بين كارناب وكريبكة، عند كريبكة Kripke، الاسم Name يشير مباشرة إلى الشيء نفسه Referent بغض النظر عن معرفتنا بالصفات Properties أو آثارها Effects، والدلالة خارجة عن العقل المتحدث Speaker Knowledge، بينما كارناب المعنى Meaning قائم على الصفات التجريبية Empirical Properties، والمرجع Reference تابع للمعرفة Knowledge، فإذا تغيّرت الصفات تغير المرجع، وهذا التصادم صارخ حيث يجعل كارناب المرجع مرهونًا بالصفات والتحقق بينما كريبكة يجعل الاسم ثابتًا في كل العوالم الممكنة Possible Worlds، وهو قلب نظرية المرجع Rigid Designator، وما يزيد من سقوط المذهب الكارنابي أن عبارة اللفظ يدل على موصوف له أثر في الواقع Underlying Effect in Reality تحت معياره معنى الموصوف يحتاج تعريفًا غير حسي Non-Empirical Definition، ومعنى الحقيقي Realistic Meaning ليس محسوسًا، ومعنى الأثر Effect قائم على المفهوم العقلي Conceptual Notion، إذن العبارة نفسها بلا معنى وتنهار الوضعية المنطقية من الداخل. وما يزيد في الإلزام أن أي تعريف للمعنى يجب أن يكون قابلًا للتطبيق دون الانهيار الذاتي وأن التحقق التجريبي ليس منشئًا للمعنى بل يتوقف على بنية عقلية مسبقة Conceptual Infrastructure، وأن أي مذهب يجعل المرجع تابعًا للصفات يفشل في تفسير الثبات في العوالم الممكنة، وأن اللغة Language والمنطق Logic لا يمكن أن يكونا بلا معنى وإلا انهار التفكير نفسه ، ومن ثم يظهر بوضوح أن وضعية كارناب تنهار داخليًا وتثبت زيفها عقليًا، وتفشل في تفسير العلوم النظرية Theoretical Knowledge، وتلغي اللغة والمنطق، وتصطدم بخارجانية الدلالة Externalism عند كريبكة، وهذا يوضح أن مذهب كارناب ليس إلا منظومة مغلقة Closed System على نفسها لا تقوم إلا على تصورات حسية محدودة، بينما العالم والعقل واللغة يمتدون إلى ما هو أوسع من مجرد التجربة المباشرة، فتتأيد النظرية التي تجعل الدلالة خارجة عن المعرفة والتجربة، والتي تسمح للأسماء بالثبات في كل العوالم الممكنة بغض النظر عن الأوصاف والإشارات التجريبية، وهو ما يحقق مفهوم المرجع الصارم الذي أرسى قواعده كريبكة، ويجعل اللغة والمعنى قائمين على الواقع المعرفي الكامل Full Epistemic Reality وليس على قيود التجربة الميدانية وحدها، فلا يترك مخرجًا إلا بالاعتراف بأن المرجع والمعنى مستقلان عن شروط التحقق، وأن التجربة لا تخلق المعنى بل تتحقق منه بعد إدراكه، وأن المنطق واللغة والعلوم النظرية تحتاج إلى بناء معرفي عقلي مسبق Conceptual Foundation قبل أي اختبار تجريبي ، وهذا وحده يمكن أن يكون قاعدة صلبة لفهم الدلالة خارجانية External Reference .

الوضعية المنطقية بعد أن تناولنا في مناقشاتنا السابقة مذاهب السلوكية Behavioralism والاستعمالية Pragmatism، وقد بينا كيف أن ال
الوضعية المنطقية بعد أن تناولنا في مناقشاتنا السابقة مذاهب السلوكية Behavioralism والاستعمالية Pragmatism، وقد بينا كيف أن التركيز على العلاقة بين السلوك واللفظ أو بين الاستعمال والاستخدام لا يغني عن إدراك جوهر الدلالة والمرجع Reference، نأتي اليوم لنقض وضعية كارناب عند تعريف المعنى، وهي الوضعية المنطقية Logical Positivism التي جعلت المعنى Meaning قائمًا على شروط التحقق التجريبي Verification Conditions متجاهلة ما سبقها من الزامات عقلية ضرورية، وما بعدها من الخارجانية الدلالية Externalism التي أرسى قواعدها كريبكة Kripke، فالمنهج الكارنابي إذ جعل كل معنى تابعًا للتحقق التجريبي فقد أسس لنفسه سلسة من الالتزامات الداخلية Internal Obligations التي لا تلبث أن تؤدي إلى انهيار عقلي Complete Intellectual Collapse، فالمبدأ المركزي عنده يقول إن الجملة لها معنى إذا وفقط إذا كان بالإمكان اختبار صدقها بالحس المباشر Empirical Observation أو التجربة الميدانية Empirical Verification، وما أكثر ما وقع فيه كارناب من توهمات

ونمهد لهذا المقصود بثلاثة أصول عقلية ينبني عليها الكلام: أولًا، كل مجتمع لا ينتظم إلا بوضع درجات من الإلزام، خفيفة وثقيلة، تُراعى بها طبائع الناس، فالأشخاص متفاوتون في اللين والحزم والعناد، ومنهم من لا يلين إلا بما يُشعره بجدّية الأمر، فإذا أُلغيّت هذه الدرجات، وقع الاضطراب، وانتشرت الفوضى، وفقدت العلاقات وسائل الإصلاح التدريجي. ثانيًا، اختلاف المقامات يوجب اختلاف وسائل الإصلاح، فمقام الزوجية مقام خاص، تختلط فيه الألفة بالشهوة، ويعتاد فيه أحد الزوجين على حقوقه حتى تُنسى هيبتها، فلا يصلح له الوعظ وحده، ولا الهجر منفردًا، فالمقام يحتاج إلى وسيلة تناسبه، توقظ النفوس بلا إيذاء. ثالثًا، ما لا يُزال كله لا يُترك جله، وما لا يُستأصل بالكلية يُضبط بالحدود، فطباع البشر فيها حدّة وغضب، ومنعهم من كل حركة يؤدي إلى انفجارهم بضربٍ شديد محرّم، أو انهيار البيت بالطلاق، فكان لازمًا ضبط الغضب في أضعف صورة، وهي ضرب غير مبرّح، لا يحدث ألمًا، ولا يترك أثرًا، ولا يقع على الوجه، ولا يكسر عظمًا، ولا يهين كرامة. وبعد تقرير هذه الأصول، يظهر أن العلاقة الزوجية مبناها السكن والمودّة، غير أنّ النفوس البشرية ليست ملائكة، بل يعتريها نشوز ويغلبها العناد أحيانًا. ولذا جعلت الشريعة التدرّج في الإصلاح: موعظة، فهجر، ثم إشارة حسية غير مبرّحة، لا قصد بها الأذى، بل قطع الاستمرار في العناد قبل انهيار البيت، وهذه الإشارة علامة قوية تُنبه إلى تجاوز الحد، كما يرفع المعلم صوته على الطالب في حدّ المعقول، أو يسحب الوالد لعبة العناد من يده لا تعذيبًا، وإنما تربيةً وضبطًا. لماذا لا يُكتفى بالوعظ؟ لأن بعض النفوس إذا غلب عليها العناد أو الغفلة أو الشهوة لا تبالي بالكلام أصلًا. والكلام إذا استُهلك في العلاقة الزوجية فقد هيبته بالتكرار والاحتكاك الطويل. فيتقرر عقلا أن: الوسيلة التي تُستهلك بكثرة تفقد قدرتها على الردع. ومقام الزوجية من أكثر المقامات استهلاكًا للكلام. ثانيًا: لماذا لا يكفي الهجر وحده؟ الهجر علاجٌ مخصوص بنوعٍ معين من النفوس: وهو الذي غلبته الشهوة ولكنه غير عنيد. أما العنيد فلا يتأثر بالهجر أصلًا؛ لأنه يعتبره معركة إرادات، فيتشدد فيه ولا يتراجع. إذا كانت الوسيلة تقوّي من طبيعة المريض بدل أن تُضعفها، فهي غير صالحة له. الهجر مع العنيد يزيد العناد. إذن هو غير مناسب له عقلاً. ثالثًا: لماذا يحتاج العنيد إلى إشارة حسية؟ لأن العناد بطبيعته ليس حالة فكرية، بل هو توتر نفسي داخلي لا يكسره إلا شيء محسوس. تمامًا كما لا يفيق الغاضب الشديد بالنصيحة، بل بلمسة على كتفه. ولا ينتبه الساهي بكلمة، بل بنقرة خفيفة. ولا ينقطع تمادي المتخاصمين إلا بطرق الطاولة. هذه كلها إشارات حسية غير مؤذية، لكنها تقطع التيار النفسي المتصاعد، وتدخل معنى الجِدّ في ذهن الطرف الآخر. فالعقل يجعل الإشارة الحسية ضرورة عند قوة العناد التي لا تُقطع بالوعظ، وقوة الشهوة التي لا تُسكن بالهجر، وبرودة اللين المفرطة التي تحتاج تنبيهًا محسوسًا. فالضرب غير المبرّح إذن ليس عقوبة، بل حدّ للغضب حتى لا يشتط، وإشارة حاسمة قبل انهيار البيت، ووسيلة عقلية تناسب تفاوت الطبائع، وصورة إصلاح منزّهة عن الإيذاء، وسياسة تحفظ المجتمع من التفكك. إذا كانت الوسائل الكلامية والهجرية عاجزة عن إيقاف التمادي، فإن الإشارة الحسية المحدودة كاللمس الرمزي أو الضرب غير المبرح هي الطريقة الوحيدة التي تنبه الإرادة وتوقفها، دون أن تلحق ضررًا حقيقيًا، لأنها تدخل في نطاق الإدراك الحسي المباشر، فتصل إلى النفس حيث فشل العقل وحده، فتعمل على كسر حالة الصلابة في الإرادة التي تسمّى العناد أي أنها لغة يشعر بها جسده، فهذه الإشارة تصل إلى شعوره بشكل مباشر، وليس مجرد فكرة عقلية. ومن نسبه إلى الظلم فقد جهل حقيقته، لأن الشرع لم يفتح باب الضرب، بل حدّه، ولم يستبح العنف، بل ألغاه إلا صورة رمزية لا حقيقة لها من جهة الإيلام. فحكمه في ميزان العقل حسن، أقرب إلى حفظ الأسر، وأبعد عن الإضرار، وأضبط لطبائع البشر، وأليق بميزان العدل في دفع أعظم المفسدتين بأخفهما، مقتضى ما يُقرّه العقل ويشهد له العدل في كل حال. والله المستعان وعليه التكلان .

التحسين العقلي على مشروعية الضرب غير المبرّح في الإصلاح الزوجي اعلم أنّ الأحكام في المعاشرة الزوجية لا تُبنى على هوى أو رقّة
التحسين العقلي على مشروعية الضرب غير المبرّح في الإصلاح الزوجي اعلم أنّ الأحكام في المعاشرة الزوجية لا تُبنى على هوى أو رقّة الطبع وحدها، بل على حفظ النظام الأسري الذي به قوام الاجتماع الإنساني كلّه، فإذا كان الاجتماع البشري يحتاج إلى سياسة تردع الفساد وتسدّ ذرائع الاختلال، فإن صلاح البيت أولى بالسياسة، لأنه أصل كل صلاح أو فساد، ومرتكز كل اعتدال في المجتمع. فالحكم على الأفعال في هذا الباب منوط باعتبار مآلاتها وآثارها، وما يقتضيه العقل من وضع حدود تدفع الظلم، وتكسر حدّة النفوس عند غلبة العناد أو الشهوة، وتمنع انهيار الأسرة لأدنى سبب. وهذا لا يتأتى إلا بعقلٍ يفرّق بين الإيذاء المحظور والردع المشروع، الذي لا يتجاوز الإشارة والتنبيه، فلا يضرّ أحدًا ولا يعتدي على حقّ، بل يحفظ النظام ويرشد النفوس.

وهذا غاية ما يمكن أن يقال في نقض هذا المذهب، وبالله التوفيق.

فإذا أرادوا ضبطه وقعوا في أول مهاويهم، لأن النفع لا يُعقل إلا بتمييز، والتمييز لا يقوم إلا على معيار، والمعيار لا يمكن أن يكون هو النفع نفسه، وإلا لزم التسلسل الذي لا ينقطع. فإن النفع إذا لم يقم على شيء وراءه، كان محتاجًا إلى دليل، والدليل لا بد أن يكون أرجح منه، فإن جعلوه “نفعًا آخر”، احتاج هذا الآخر إلى ثالث، والثالث إلى رابع، فلا يقف البحث عند حد، ولا ينتهي إلى معيار، ويكون النفع قد طلب ما يثبته، فلم يجد إلا نفسه، وطلب ما يحدّه، فلم يجد إلا مثله. وهذا التسلسلوهو الذي نسميه أهل الترادف اللامحدود للمعيار يُبطل المعنى من أصله، لأن ما لم يكن له طرف يقف عليه لا يعقل أن يكون مقياسًا لشيء. ثم يُسأل القائل بالنفع بأي شيء تميز بين أثرٍ تظنه نافعًا وبين أثرٍ هو في نفسه غير نافع؟ لا بد لك من معيار يحكم، وإلا فأنت لا تتكلم عن “نفع”، بل عن اسم من غير مسمى. فإن قالوا: النفع هو ما يثمر أثرًا في الواقع. قلنا: وما هو هذا الواقع؟ إن كان واقعًا له قيام مستقل، فقد رجعتم إلى الصدق بالمطابقة، لأن أثر الفعل لا يُعرف إلا بقياس حدوثه وثبوته في موضوعٍ خارجٍ عن الذهن. وإن قلتم: لا حاجة إلى واقع خارج، بل يكفينا ما يقع في مجال التجربة، وقعتم في المهواة الثانية، لأن التجربة نفسها لا تكون معيارًا إلا بتمييز ما هو (تجربة ذاتية) مما هو واقعة مستقلة، وهذا التمييز لا يُدرك إلا بالاعتراف بموضوعٍ خارجي تُقاس عليه الخبرات، وهو عين ما نسمّيه المطابقة. فإن التجربة إذا لم يكن وراءها واقعٌ مستقل، صارت ظاهرة تميّز ظاهرة، واعتبار يميّز اعتبارًا، وحدوث يتقابل مع حدوث، فلا معنى للتمييز أصلًا. والوهم حينئذٍ يساوي الحقيقة مساواة مطلقة، لأن (الأثر) الذي تزعمون أنه معيار للصدق لا يستطيع أن يفصل بين ما هو “أثرٌ داخل بناء مثالي متوهّم” وبين ما هو “أثرٌ في واقع موضوعي”. وهذا الإلغاء للتمييز يسقط معنى الصدق من أساسه، لأن الصدق لا يتصور إلا بوجود ضدّه، وكلاهما لا يقوم إلا على موضوع يُنسب إليه القول. فإذا سقط الضدّ، سقط الموصوف، وكان الصدق والكذب سواءً، لا فرق بينهما إلا في الحروف. وهنا يظهر التناقض الجوهري الذي يُبيد النظرية من داخلها: النظرية التي جاءت لتجعل للصدق معيارًا، هي نفسها تمنع وجود أي معيار. لأنها إذ جعلت الصدق نفعًا، ولم تجعل للنفع أصلًا يقاس عليه، صارت كل دعوى صدق مجرد اسم لا واقع له، ولا دلالة له على شيء. وهذا الذي يسميه أهل المنطق انهيار البنية التمييزية، وهو أسوأ ما يصيب نظرية معرفية. ثم نقول لهم: إنكم بقولكم إن الحقيقة ما (يستقر عليه التحقيق ) كما قال بيرس تُدخلون المطابقة من باب أنتم أغلقتموه. فإن الاستقرار نفسه حكم على واقع، لأن ما يستقر عليه التحقيق لا بد أن يكون وصفًا واحدًا ثابتًا لشيءٍ له حقيقة قائمة بذاته، وإلا لكان التحقيق دائماً في دوران لا ينتهي، ولا يصح أن يُتصور فيه استقرار. فإن التحقيق بلا مرجع خارجي تحقيق بلا موضوع، والتحقيق الذي بلا موضوع عبث، فلا يصح بناء الصدق عليه. وإن قلتم: الحقيقة ما نصل إليه في آخر المطاف، قلنا: إلى ماذا؟ إن كان إلى وصفٍ لواقع، فقد عدتم إلى المطابقة، وإن كان إلى وصفٍ بلا واقع، فهو محض اصطلاحٍ وجدل لا علاقة له بالصدق. بل هو أشبه بما يسميه الرواقيون “التواطؤ الذهني”، لا معيارَ فيه إلا العادة. فالنتيجة التي لا محيد عنها: أن القائل بأن الحقيقة = النفع، لا يستطيع أن يثبت النفع إلا بمعيار خارج عنه، ولا يستطيع أن يثبت الصدق إلا بالتمييز، ولا يستطيع أن يثبت التمييز إلا بوجود واقع مستقل، ولا يستطيع أن يجعل للواقع أثرًا إلا بالرجوع إلى المطابقة، فإن أنكر المطابقة فقد أنكر أساس كلامه، وإن أقر بها فقد أفسد مذهبه. وهذا هو الإلزام الذي لا مهرب منه: البراجماتية لا تهدم المطابقة فحسب، بل تهدم معنى الصدق نفسه، لأنها تجعل الصدق مساويًا للوهم، والنفع مساويًا للخيال، والتحقيق مساويًا للعادة، والمعنى مساويًا للصوت. ولا تقوم المعرفة إلا بالتمييز، فإذا سقط التمييز، سقطت المعرفة. ثمّ إنّ المتكلم على طريقة بيرس وهو المقرّ بوجود واقع خارجي مستقل إذا قال إنّ الصدق ليس هو مطابقة القول لذلك الواقع، فقد جمع بين أمرين لا يجتمعان، لأنّ كلّ من يثبت واقعًا خارج الذهن إنما يحرص على إثباته ليتّخذه مرجعًا يرجع إليه القول، ويُعرف به الفرق بين الصواب والزلل. فإذا قرّر أنّ الصدق ليس هو الموافقة لذلك المرجع، فقد جعل وجوده وعدمه سواءً، وصار إقراره بالواقع بمثابة إقرار بشيء لا ثمرة له ولا حكم. إذ لا يُعقل أن يقال يوجد واقع مستقلّ عن الأذهان، لكنّ صدق الأقوال لا يُعرف بالرجوع إليه”، فهذه كالقول بوجود ميزان لا يُوزن به، وبوجود معيار لا يُحتكم إليه، وبوجود قبلة لا يُتوجّه نحوها. ومتى بطل الاحتكام بطل المعيار، وإذا بطل المعيار فوجود الواقع حينئذ كعدمه سواء؛ لأنّ الواقع إنما ثَبَت ليكون فارقًا بين الدعوى والبهتان.

الرسالة القاطعة في نقض القول بالبراجماتية وإظهار تناقضها في أصل معناها قيل: إن الحقيقة عند قومٍ من المحدَثين هي ما ينفع، وما
الرسالة القاطعة في نقض القول بالبراجماتية وإظهار تناقضها في أصل معناها قيل: إن الحقيقة عند قومٍ من المحدَثين هي ما ينفع، وما يُجدي، وما يثمر أثرًا في العمل، وسمّوا ذلك بالبراجماتية، وزعموا أنّ الصدق لا يُطلب لذاته، ولا يُقاس على واقعٍ خارجٍ، بل على ثمرةٍ تُنال، ومنفعةٍ تُدرك، وغايةٍ تُستوفى. وقال بعضهم، وهو وليم جيمس: “الحقيقة بنت التجربة النافعة”، وقال شارلز ساندرز بيرس: “الحقيقة ما يستقر عليه التحقيق الطويل”، وأتبعهم ديوي بما يفيد أن الحقيقة ليست مطابقة، بل أداة استعمال. وهذا الكلام وإن تلجلج في الأفواه، فإنه عند غربلة العقل يُرى أجوفَ خاوياً، لا يحتمل وزنًا، ولا يقوم على قدم. فإن أول ما يُسأل عنه القائل بهذا المذهب: ما معنى “النفع” الذي جعلتموه معيارًا للصدق؟ أهو معنى قائم بنفسه، محدد الحدود، يمكن التمييز به بين “النافع” و”غير النافع”؟ فإن قالوا: نعم، سألناهم عن حدّه، لأن الكلام في ماهية الحقيقة منوط بضبط هذا المعنى.

بوست جديد عن البراجماتية

فالصواب أن المعنى قائم على بنية عقلية حقيقية توليدية، وأن الاستعمال تفسير لها لا علة منشئة، وأن اليقينيات ضرورية لا تخضع لتواضع، وأن اللغة لا تُفهم إلا على ضوء عقلٍ سابق على كل لفظ، وأن انكار هذا كله ليس إلا سفسطة في ثوب فلسفة، وأن مذهب فيتجنشتاين ليس إلا عودة حديثة لشغب بروتاغوراس القديم، حيث صار “الاستعمال مقياس كل شيء”، كما كان الإنسان عند صاحبهم مقياسًا لكل شيء، وكلاهما واحد في إبطال الحقائق الثابتة، ولا يثبت شيء أصلاً إلا بها.

وإن قالوا: الاستعمالات نفسها تُنتج القاعدة، لزم التسلسل الممتنع، لأن الاستعمال الأول بلا قاعدة لا يمكن تمييزه من اللغو، فيبطل كونه استعمالًا لغويًا أصلًا، فكيف تولّد منه قاعدة؟ وكيف يتعلم الجيل الأول من البشر معنى الألفاظ إن كانت المعايير كلها محصورة داخل لعبة لاحقة عليهم؟ فلا بد إذن من افتراض بنية عقلية مشتركة سابقة على كل استعمال، وهي التي سمّاها المعاصرون “اللغة التوليدية”، أي: القدرة الفطرية التي بها يميّز العقل بين الممكن والمستحيل في اللغة قبل أن يستعمل شيئًا. وهذا وحده كافٍ لهدم دعوى فيتجنشتاين، لأنه يثبت أن المعنى ليس نتاج استعمال، بل إن الاستعمال تابع لبنية سابقة عليه، والعلة لا تكون معلولةً لمعلولها. وإن زعموا أن اليقينيات – كحتمية الهوية وعدم التناقض وصور الاستدلال الضرورية – ليست يقينيات، بل “قواعد لعبة” كالتي يتواضع عليها أهل شطرنج، فقد أبطلوا العلم كله، لأن اللعبة لا تملك قوة الإلزام العقلي، وما جاز تغييره لا يكون ضروريًا. فإذا جاز نفي الهوية، جاز أن يكون الشيء هو لا هو، فَبَطَل كلّ حدّ، وإذا جاز نفي عدم التناقض، جاز إثبات الشيء ونفيه معًا، وبطل كل برهان. فإذا اعتمد فيتجنشتاين على اللغة ليشرح اللغة، فقد احتاج في شرحه إلى صحة قوانين العقل، وهو ينفيها، فصار قوله متناقضًا بنفسه، إذ يتكلم بلسان من ينقض لسانه. وإن قال قائلهم: ليست اللغة محتاجة إلى يقينات، بل هي “ممارسات” يتعلمها الناس اجتماعياً، قيل لهم: هذا باطل، لأن الممارسة المجردة لا تولّد معنى، ولأن التعلم نفسه لا يتصور دون تمييز سابق بين الصواب والخطأ. فقول الطفل “أنا ذاهب” بدلاً من “أنا رايح” جملة لم يسمعها من أحد، ومع ذلك يحكم بصحتها، لأنه يعتمد قواعد لم يتلقّنها من استعمال، بل هي راسخة فيه برسوخ القدرة على التفكير ذاته. فلو كان المعنى استعمالًا فقط، لكان الطفل عاجزًا عن إنشاء بنية لغوية لم يتلقَّها، لكنه قادر، فبطل الأصل الذي بنى عليه فيتجنشتاين مذهبه. ثم إن فيتجنشتاين يحاول إغلاق باب الميتافيزيقا، ويقول: “حدود لغتي هي حدود عالمي”، وهذه عبارة لا يمكن أن تصح إلا إذا كانت الميتافيزيقا صحيحة، لأنها حكم على الوجود من خارج اللغة، فهو يتكلم عن العالم كلّه بحدٍّ لا يمكن صياغته من داخل اللغة التي قيل إنها مغلقة. فجاء كلامه شاهدًا عليه لا له. فهو كمن يقول: “لا يوجد شيء اسمه العلو” ثم يطلق حكمًا فوقيًّا على الأشياء جميعًا. وهذا خُلف بيّن. ثم إن مذهبه يؤدي إلى السفسطة عينها؛ لأنه إذا لم يكن هناك معيار موضوعي خارج “الألعاب اللغوية”، فلا يمكن التفريق بين الادعاء الصادق والباطل، ولا بين العلم والوهم، لأن كل جماعة يصبح لها لعبتها الخاصة، ولا سلطان لواحدة على الأخرى. فإن كان كذلك، فكيف تكلّم فيتجنشتاين نفسه بلغة “عامة” يدّعي أنها تحلل ماهية كل لغات البشر؟ أليس هذا خروجًا من لعبته الخاصة إلى دعوى كلية؟ وإذا كان الخارج ممتنعًا عنده، فكيف أثبت ما ادعى؟ وإن كان ممكنًا، فقد بطل مذهبه. وما يسميه “استحالة اللغة الخاصة” لا يبطل إلا بهدم دعواه؛ لأن استحالة اللغة الخاصة لا تثبت إلا إذا سلمت بوجود بنية مشتركة ضرورية بين العقول، وهذه البنية هي نفس ما حاولت المثالية والسلوكية طمسه. ومتى ثبتت بطل القول بأن “المعنى استعمال”، وصار “المعنى” أمرًا موضوعيًا في بنية الذهن لا في حركة اللسان وحدها. وإذا كان كل معنى فرع استعمال، فكيف نفهم استعمالات القرون الأولى؟ وكيف نعلم أن كلمة اليوم امتداد لكلمة الأمس؟ هذا لا يمكن إلا إذا كانت هناك ماهية ثابتة للمفهوم تُعرف بها هوية اللفظ عبر الزمان. فإن أنكروا الماهية، بطل الامتداد، وصارت اللغة انفصالات زمنية بلا رابط. وإن أقروا بها، فقد نقضوا أصلهم. وهكذا ترى أن مذهب فيتجنشتاين ينخر في ذاته من أربع جهات: أنه يجعل ما يحتاج معيارًا خاضعًا لما لا يقوم إلا به، وأنه يبني على استعمال لا معنى له دون قواعد سابقة، وأنه ينفي يقينيات لا يقوم له قول إلا بها، وأنه يحكم على اللغة كلها بحكم لا يثبت إلا إذا تجاوز اللغة، وما يتجاوزه يبطل مذهبه من أصله. وفوق هذا كلّه، فإن قوله بـ“التشابه الأسري” في المعاني لا يستقيم إلا بنفي ما هو أرسخ منه: المعنى الأصولي للفظ، وهو الماهية المشتركة التي بها نعرف هوية الكلمة عبر الأزمنة، ونميّز أصل مفهومها من فروع استعمالاتها. فالاستعمال لا يمكن أن يوحّد المعاني المتباعدة إلا إذا كان هناك قدر مشترك سابق يجمعها ويجعلها من جنس واحد، وهذا القدر هو “الأصل الدلالي” الذي يتقدّم على الاستعمال ولا يُستمدّ منه. فإذا سقط الأصل، انفرط العقد، ولم يبقَ إلا ألف استعمال لا رابط بينها، فينهدم القول بالأسرة نفسها؛ لأن الأسرة لا تتصور بلا نسب يجمع أفرادها، والمعنى لا يُعقل بلا أصل يجمع فروعه.

تفنيد نظرية فيتجنشتاين الإستعمالية إنّ قول فيتجنشتاين: (معنى الكلمة هو استعمالها )يبدو لأول وهلة تفكيكًا للمثالية وإرجاعًا لل
تفنيد نظرية فيتجنشتاين الإستعمالية إنّ قول فيتجنشتاين: (معنى الكلمة هو استعمالها )يبدو لأول وهلة تفكيكًا للمثالية وإرجاعًا للمعنى إلى الفعل، ولكنه في حقيقته إلغاءٌ للمعنى نفسه من حيث أراد تقريره، لأنه يجعل ما يحتاج معيارًا خاضعًا لما لا يقوم إلا به. فلو كان المعنى تابعًا للاستعمال، فالاستعمال لا يكون “استعمالًا صحيحًا” إلا إذا انضبط بقواعد تسبق الاستعمال نفسه، وإلا استوى العبث والبيان، وصار هذيان السكران مساويًا لكلام العالم، لأن كلاهما “استعمال”. وما لا ينضبط بحدٍّ يميزه لا يصح الاحتجاج به، وإلا استحال الكلام كلّه لغوًا. وحينئذ لا معنى لقولهم “الاستعمال يحدد المعنى” إلا بافتراض معيار فوق الاستعمال، وهو عين ما أنكروه، فوقعوا في الدور.

﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا ۝٣٠ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِیࣰا وَنَصِیرࣰا ۝٣١﴾ [الفرقان ٣٠-٣١] يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ(١) -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ(٢) عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدين -أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُصغُون لِلْقُرْآنِ وَلَا يَسْمَعُونَهُ(٣) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وَكَانُوا إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى لَا يَسْمَعُوهُ. فَهَذَا مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ [عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ أَيْضًا مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ](٤) الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ تَدَبُّرِهِ وَتَفْهُّمِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ زَوَاجِرِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، والعدولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ -مَنْ شِعْرٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ طَرِيقَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ غَيْرِهِ -مِنْ هُجْرَانِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الكريمَ المنانَ القادرَ عَلَى مَا يَشَاءُ، أَنْ يُخَلِّصَنَا مِمَّا يُسْخطه، وَيَسْتَعْمِلَنَا فِيمَا يُرْضِيهِ، مِنْ حِفْظِ كِتَابِهِ وَفَهْمِهِ، وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وأطرافَ النَّهَارِ، عَلَى الوجه الذي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ الطبري رحمه الله

جفون العذارى من خلال البراقع...عنترة

فإن العلّة عند العقلاء ليست هي الضرورة القاهرة التي لا يتخلّف معها الحكم، بل هي جهة الترجيح ووجه البيان، يُفهم بها لماذا حصل الشيء ولم يحصل غيره. ولا يلزم من ثبوت جهة الترجيح أن تكون الأفعال لا تتخلّف عن أسبابها بحال، فربما عُطّل تأثير الشيء لمعارض، وربما تغيّر حكمه بإرادةٍ أعلى، ولا يمنع هذا من إثبات أصله. فكيف سوّى هذا القائل بين العلّة والحتم، ثم نفى العلّة بعلةٍ لا تصح إلا في الحتم؟ فصار كلامه في الحقيقة نقضًا لما لا نقول به، وإبطالًا لشيء ليس في مذهبنا، إذ نحن لا نثبت أن النار محرقة بذاتها على وجه لا يتخلّف، ولكن نقول هي سبب غالب، يجري عليه الحكم إلا بصارف، فانتفى ما توهّموه ولم ينتف ما نثبته.

واعلم وفّقك الله أن الكلام في إثبات العلل والأسباب ليس من جنس ما يتوهمه بعض الغافلين، ممن ظنّ أن القول بالسبب يستلزم القول بضرورة قاهرة لا تتخلّف، فخلط بين معنى الضرورة والحتم، وبين معنى العلّة والإيضاح، ووقع في اضطراب القول، إذ جعل ما ليس بواجب واجبًا، ثم أنكر الواجب لعدم تحقّق ما ليس بلازم، فجمع بين فساد التصوّر وفساد التصديق. فإن العاقل إذا نظر إلى الموجودات نظر اعتبار، علم أن الحوادث لا بد لها من مُحدِث، وأن كل ما يتجدّد لا ينفك عن سبب يفسّر تجدّده، فإن العقل يأبى وجود شيء من غير مرجّح، كما يأبى اجتماع الضدّين وارتفاع النقيضين، وهذه أصول لا يستقيم معها قول من زعم أن الأشياء تتوالى دون سبب يربطها، أو أن اقترانها عادة محضة لا معنى وراءها، فإن مجرّد الاعتياد لا يفسّر حدوث شيء، ولا يقوم مقام العلّة في البيان، بل هو وصف تابع لا يقوم بنفسه. ومن أعجب ما يُستغرب من قائل هذا المذهب أنه ينفي العلّة بحجة هي من جنس العلّة نفسها، ويهدم السببية وقد بنى إنكاره على علاقة سببية، إذ قال: لما لم أشهد الضرورة بين الشيئين لم أثبت بينهما ارتباطًا. فجعل عدم المشاهدة سببًا لعدم الإثبات، فاستعمل العلّة التي يُنكرها، واحتجّ بما لا يكون إلا إذا كانت العلّة ثابتة، فصار قوله مبنيًا على نقيض مقصوده. وذلك تناقض في أصل النظر، لأنه أثبت التأثير لينفي التأثير، وجعل الإدراك علّة لنفي العلّة، وطلب في المعلول ما لا يلزم في أسماء العلل. فإن العلّة التي يستقيم بها العقل ليست هي الضرورة القاهرة التي لا يُتصوّر معها التخلّف في كل حال، بل هي جهة الترجيح والبيان، سواء كانت مطردة أو كانت خاضعة لتقدير مَن يغيّرها إذا شاء. ولذلك قلنا إن النار سبب في التسخين، لا لأنها واجبة التسخين في كل وقت وزمان، بل لأنها في جملة أحوالها تُسخِّن، ومن جاز عليه التخلّف لمعنى أعرَض لم تخرج عِلّيته عن أن تكون سببًا، إذ الأصل في العلّة أنها مُعرِّفة للحكم، مبينة لوجه حصوله، لا أنها موجبة له بذاتها إيجابًا لا ينفك. فإذا بيّنت هذا، ظهر لك أن من نفى العلل إنما نفى صورة لم يقل بها عاقل، فصار كلامه نقضًا لما لا نثبته، وجعل اعتراضه وارداً على غير محل النزاع. ثم بنى على هذا التصوّر الفاسد نفيًا عامًا، فقال: لما لم تثبت الضرورة لم تثبت السببية. وهذا تبديل لمعاني الألفاظ، إذ الضرورة شيء، والسببية شيء آخر، فكيف يصح أن يلزم هذا من ذاك؟ ثم إنك إذا تأملت طريقته وجدته قد جعل المشاهدة أصلًا في الإدراك، حتى إذا لم يشهد حقيقة التأثير حكم بعدمها، وهذا قلب لطريق العقل، فإن المشاهَد لا ينطق بمعنى العلّة، وإنما يدلّ على مقرون ومقترن، وأما كون هذا مقترنًا بذاك لوجه، فهذا من حكم العقل لا من حكم الحسّ. ومن جعل الحسَّ حاكمًا في المعاني العقلية صار كمن يطلب إدراك الروائح بالبصر، أو يطلب وزن المعاني بالمسطرة، وهو من جنس تخليط السفسطة. ثم انظر رحمك الله إلى أنه لمّا نفى العلّة من جهة عدم رؤيتها، أثبت أن عدم الرؤية مؤثر في نفي الثبوت، فجعل عدم الإبصار سببًا لعدم الاعتبار، وذلك عين ما ينقض به مذهبه، فإن عدم الإدراك ليس علّة لعدم الوجود، وإلا لزم أن يكون كل ما غاب عن الحس معدومًا، وهذا من السخافات التي لا يقول بها طفل. فكيف يستقيم لمن كان قوله مبنيًا على جعل الجهل أصلًا في الحكم، أن يطعن على أهل العلم الذين أثبتوا العلل بالعقل السليم الذي لا يتغيّر؟ واعلم أن الأمر إذا وصل إلى هذا الحد، ظهر أن المذهب في نفسه متهافت؛ لأنه لا يمكن لصاحبه أن يتكلم بكلام، ولا أن يحتج بحجة، إلا ووقع في العلّية التي ينفيها، إذ الاستدلال كلّه قائم على ربط المقدمات بالنتائج، وجعل بعض المعاني طريقًا إلى بعض، وهذا هو عين السببية في باب الفكر. فمن نفى السببية فقد نفى لزوم النتيجة عن مقدمتها، فإذا فعل ذلك لم يعد لكلامه معنى، وحكم على منطقه بالخلاء، وعلى قوله بالبطلان الذاتي. وإذا كان العقل لا يُدرك شيئًا إلا بأن يجعل هذا سببًا في العلم بذاك، امتنع القول بنفي السببية إلا لمن نفى العقل كله، وهذا لا يقول به إلا من سَلَب نفسه أحكامها، وصار قوله أشبه بكلام النائم لا بكلام العاقل، إذ النوم يجمع الصور بلا علّة، وأما العقل فلا يجمعها إلا بوجه. فصار مآل هذا المذهب أن يجعل الإنسان يقظته نومًا، ومعرفته خيالاً، وتمييزه جهلاً، وهذا تهديم لأصل اللغة، فإن التمييز بين الدلالة والمدلول، وبين الخبر والمخبر عنه، وبَيْن الإثبات والنفي، كل هذا مبني على علّة عقلية يُعرف بها أحد الطرفين من الآخر، فإذا نُفيت العلّة بطل الفرق، وإذا بطل الفرق لم يثبت كلام، وإذا لم يثبت كلام بطل قول القائل.