Multifarious Writings
Open in Telegram
I jot down stuff when possible
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
1 036
Subscribers
-124 hours
+107 days
+3130 days
Posts Archive
خطب عبد الملك بن مروان بمكة فقال في خطبته:
"أيها الناس: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف "يريد عثمان بن عفان" ولا بالخليفة المداهن "يريد معاوية بن أبي سفيان" ولا بالخليفة المأفون"يريد يزيد بن معاوية" فمن قال برأسه كذا، قلنا له بسيفنا كذا". ثم نزل.
كل عام وأنتم بخير ❤️
يقول دوجين أن موضوع نظريته السياسية الرابعة هو "الدازاين" Dasein وليس الفرد أو الطبقة أو الأمة على غرار النظريات السياسية الثلاث التي جسدت روح الحداثة: الليبرالية، الفاشية، الشيوعية. أهم ما ينبغي فهمه بخصوص الدازاين قبل التعامل معه كمفهوم سياسي هو أن جوهره يكمن في وجوده، وأن مصدر المفهوميّة intelligibility الخاص به مرتبط بتموضعه في سياق معين في التاريخ والزمان. ما أراد هايدجر أن يقوله بخصوص مصدر مفهومية الدازاين هو أنه لا يوجد مرتكز أنطولوجي ثابت وموّحد تنبع منه المفهومية، كما في مثال الخير كمصدر للمفهومية عند أفلاطون مثلًا. بدلًا من ذلك، تتحدد عملية الفهم من خلال علاقة ديناميكية بين الدازاين وسياق تموضعه والوجود ذاته، وأهم ما يميز نتيجة هذه العملية أنها لا تستحوذ على الوجود- مصدر المفهومية - ولا تقدر على الوصول إلى صيغة نهائية له، فالدازاين هو دائمًا في إطار فهم محدد للوجود، وليس ذاتًا منعزلة يمكنها أن تصل إلى حقيقة الوجود كموضوع منفصل عنها. مثلًا، فلنفترض أن مجموعة من الأشخاص يبحثون على شيء محدد في غابة بغية أداء مهمة معينة، لكي تتم عملية البحث هذه، ينبغي أن يكون هناك فهم مسبق للغابة ككيان موجود على نحو معين، بمعنى أن مفهومية الدازاين تشير دائمًا إلى شيء خارجه مفترض بداهةً وبالتالي لا يمكن اختزالها في الوعي الذاتي على غرار الأنطولوجيا الديكارتية، هذا الخارج المحدد لعملية الفهم هو ما سمّاه هايدجر بالوجود في العالم، وهو ما تفترضه عملية الفهم سلفًا، كمثال البحث في الغابة الذي لا يتم إلا بوجود الغابة نفسها. أي أنه لا يمكن للدازاين أن يفهم نفسه بمعزل عن الوجود في العالم، لانتفاء إمكانية المفهومية الذاتية التي نجدها عند ديكارت وبعض المثاليين. رجوعًا إلى دوجين، اعتبار الدازاين الموضوع الأساسي لنظرية سياسية يعني بالضرورة: ١- التنازل عن إمكانية إقامة نظرية سياسية عالمية لأن الدازاين ليس كائنًا عالميًا ٢- انعدام إمكانية إقامة إطار معرفي موّحد شامل كالأمم المتحدة ونحو ذلك ٣- تعريف الإنسان أولًا ككائن تاريخي يتحدد جوهره من خلال تفاعله مع سياقه المحيط، السياق المحدد بتحديات معينة ترتبط برؤية محددة للعالم ٤- رفض أسبقية الإنسان كقالب سياسي نظرًا لأن الدازاين كمفهوم أنطولوجي يسبق أي مفهوم محدد عن الإنسان.
ما الذي يحقق أعلى مستويات الرجولة؟ القدرة العالية على التأثير في جماعة من الرجال الأحرار، وأعني بالأحرار التعريف الأرستقراطي المعهود للكلمة. على النقيض من التصوّر الشائع، لا علاقة للهرمية الحقيقية بالقوة العارية، فقد كان الأباطرة والملوك قديمًا يتفاخرون بإذعان الأحرار لكلمتهم طوعًا قبل أي شيء، إذ أن هذه الهرمية تنبع في الأساس من تقدير المعنى الحقيقي للأرستقراطية، التي تتجلى في الاعتقاد القائل بأن فضيلة الرجل تكمن في إدراكه لمكانته وخضوعه لمن هو أولى وأحق منه بالسيادة. ترأس هرمية من الرجال الأحرار والقدرة على قيادتهم والتأثير فيهم وتوجيههم يقتضي تحققًا استثنائيًا للفضائل في نفس القائد، وعلى هذا يؤسس خضوع الرجال الأحرار له. التجلي الأمثل لهذا التأثير هو ما يتحقق في المجتمعات في طور صعودها الأولى، نظرًا لقوة الروابط القبلية واستفحال العصبية؛ لكي يترقّى الرجل في بيئة كهذه يتعين عليه أن يثبت جدارة استثنائية على كافة الأصعدة.
"ليست العَلْمَنة في جوهرها أكثر من عملية نقل الإيمان الإنساني من الحيز اللاهوتي إلى أحياز أخرى، وليست العلمانية التي نحياها اليوم كرؤية عامة للعالم حصيلة قطيعة جذرية مع الإيمان الديني الغيبي كما يدعي لنفسه، بل إبدالًا للمضامين الإيمانية بحيث باتت تتعلق بعالمنا المباشر؛ إذ إنه من الممكن أن يتحول ما هو في اعتبار الإنسان مرجعية مطلقة وأخيرة، وأن يُستبدل الله بعوامل أخرى أرضية ودنيوية. هذا ما أسميه علمنة"
ــــ كارل شميت
أما الإلحاد الذي يدافع عنه ريتشارد دوكنز ودانيل دينيت مثلًا فهو يفترض افتراضات بخصوص المعرفة البشرية كلها قائمة على الالتفاف والحشو، ولا يوجد لها أي معنى في ضوء انعدام مرتكز متعالي للمعرفة البشرية.
المعنى الحقيقي للإلحاد هو التنازل عن إمكانية المعرفة اللامشروطة، مما يدمر الإلحاد كمنظومة تدعي حقيقة موضوعية أساسًا. إذا وُجد إلحاد غير محمل بحمولة دينية ستكون مسلمة الترابط بين الفكر والواقع بديهية بالنسبة له، بمعنى أن المعرفة البشرية مشروطة بأمور أخرى كقوالب الفكر والسياق التاريخي والثقافي وعلاقات القوى في المجتمع، ومن هذا المنطلق يستحيل الوصول إلى وجود الإله أو عدم وجوده كحقيقة موضوعية تامة.
مع ذلك معنى الإلحاد عند نيتشه معقد ولا يمكن وضعه بجانب العقلانية الإلحادية، لأن منظومة نيتشه لا تتيح إمكانية الوصول للإلحاد كحقيقة موضوعية بالمعنى العقلاني للكلمة.
أكّد نيتشه أنّ ادّعاء الإلحاد ليس فقط متوافقاً مع، بل وغيرُ منفصم عن، سياسة مناهضة للديمقراطية ومعادية للاشتراكية وغير سلميّة، فوفقاً له حتى العقيدة الشيوعية ليست سوى شَكلٍ مُعلمنٍ منَ الألوهيةِ… (منَ الإيمانِ بالعنايةِ الإلهية)."
―ليو شتراوس | فيلسوفٌ أمريكي يهودي من أصلٍ ألماني.
النسويات صدعوا رؤوس الناس بنقطة تركيز الخطاب الديني على المرأة، بافتراض إن الفرد العادي في كل خطوة في حياته بيرجع يقلب في أحكام الدين وبعدين يرجع يتخذ قراره، وحتى دائمًا في مبالغات حادة في نقطة علاقة المرجعية الدينية بطريقة تنظيم المجتمع وثقافته العامة، بينما في الواقع الدين مجرد معزز لما هو موجود أصلًا، فحجة إن المجتمع بهذا الشكل نتيجة لتأثره بالدين حصرًا باطلة. التركيز على المرأة ضروري في أي مجتمع سوي لأنها ببساطة الضامن الأوحد لاستمراريته. بعيدًا عن الدين تمامًا، التاريخ التطوري للبشر أقيّم وأرسخ من ٢٠٠ سنة ليبرالية وقيم فردانية وحريات وكلام فاضي. من أبسط الأمثلة، التغاضي عن خيانة الرجل في الثقافة العامة بغض النظر عن الحكم الديني مع التشديد التام على عقوبة خيانة المرأة نابع من مقدار التكلفة الاجتماعية المفروضة على العائلة في الحالة الثانية، بينما في الحالة الأولى التكلفة قليلة جدًا ومن السهل تفاديها في معظم الأحوال.
من منظور تاريخي، فكرة الحق الفردي والاستقلال النسبي للفرد وثيقة الصلة بالدين ونابعة من المسؤولية تجاه الأحكام الإلهية، ومنها تطوّرت فكرة حقوق الإنسان، بينما في المجتمعات التي لم تعرف الثواب والعقاب بنفس المعنى، لم تكن المرأة فردًا معترفًا باستقلاليته النسبية على هذا النحو أصلًا. مثلًا، الرجل الروماني كان يمتلك زوجته وأولاده فعليًا وهو السيّد الأوحد لأسرته، بينما الرجل العربي المسلم ليس السيد الفعلي لأن فلسفة السيادة مناقضة جوهرية لفكرة الاستخلاف التي تحدد مسؤولية الرجل برعايته للأحكام الإلهية، ولو أن تغاضيه عن بعض الأحكام أو تقصيره لا ينفي سلطته نهائيًا بالضرورة.
النسوية تفترض سلفًا وجود نوع من الفردانية المقدسة للمرأة، ومن هذا الأساس تشتق منها حقوقها المزعومة، في نفس الوقت الذي تعارض فيه الدين وتعتبره تمثيلًا للسلطة الأبوية، مع أن التحييد التام للدين، وأعنى بذلك تحييد مشتقاته الحقوقية والقانونية، سيؤدي بالتبعية إلى تدمير هذه الفردانية المزعومة وجذورها الدينية. عمومًا، الضامن الوحيد لوجود استقلالية نسبية للمرأة بمعزل عن علاقات القوى التي تشكل المجتمع، هو الدين الذي تسعى النسويات إلى تدميره.
أكثر الأشياء بديهية في أي موجود يتفاعل معه الإنسان في الواقع هو وجوده في حد ذاته، كافة الأمور الأخرى ثانوية من مسألة الوجود، لأنه لو لم يكن الشيء موجودًا، سيستحيل الحديث عنه بأي شكل ممكن. تاريخيًا، ذهبت بعض المذاهب إلى أنه ليس ثمة صيرورة إطلاقًا، وقالت بالتطابق بين الفكر والوجود الثابت، وثمة مذاهب أخرى ذهبت مذهب الصيرورة الديناميكية الكامنة في طبيعة الوجود، والمقصود هنا ليس صيرورة نيتشه، بل صيرورة هرقليطس، وهناك مذاهب دمجت الوجود بالصيرورة في تفسيرها لوجود الأشياء، وأخرى قسمت وجود الشيء كما يظهر في التجربة الفينومينولوجية إلى خصائص أولية وثانوية، إشارة إلى ما يعكس وجود الشيء في ذاته وما يعكس الشيء كما تؤطره التجربة البشرية. المفتاح الذي فتح به هايدجر تأويله للوجود هو تحليله الفينومينولوجي لاستخدام الأدوات، الذي انتهي فيه إلى أن وجود أداة معينة، الذي هو أكثر شيء بديهي فيها كما ذكرت آنفًا، لا يمكن تعريفه من خلال القوالب التقليدية المذكورة أعلاه، فوجود المطرقة مثلًا لا يمكن تحديده بمعزل عن عملية الطرق وخلفية الدلالات والعلاقات التي يتضح من خلالها وجود الأداة في سياق استخدامها. استخدم هايدجر اصطلاح "الجاهزية لليد" لوصف الحالة التي تكون فيها الأداة واضحة بديهيًا دون الحاجة إلى التفكير فيها نظريًا، وهو التأويل السابق أنطولوجيًا على ما سماه هايدجر بـ"الحضور في متناول اليد"، الذي يمكِّننا في التفكير في وجود الشيء بمعزل عن عالمه الخاص، العالم الذي يحدد وجوده. ما يعنيه هايدجر بالوجود في العالم، هو حالة الانكشاف ما قبل النظري للعالم بوصفه شبكة من العلاقات المتصلة التي يُلقى بالدازاين فيها، ويجد نفسه في علاقة ديناميكية معها، قبل وجود أي محاولة لفهمها ذهنيا. بمعنى أن الأشياء ليس حاضرة كجوهر في العالم ومن ثم يأتي الإنسان ليضفي عليها صفة العالميَّة worldliness من خلال تأويله الذاتي، بل على النقيض من ذلك، العالم في وضعه الأول، ليس حضورًا ثابتًا لأشياء، وإنما انفتاح أولي على تأويل معين للوجود، فليس ثمة ذات منعزلة تسعى إلى فهم العالم، بل هناك الدازاين الذي هو الكائن الملقي به في العالم، والذي هو تأويل محدود للوجود، مما يعني أن نقطة البدء في تحليل الوجود والدازاين تنطلق أساسًا من تأويل معين للوجود. ما يحدد هذا التأويل هو الظاهرة العجيبة التي تسمى بالزمانية، والتي مرتبطة على نحو جوهري بما سمّاه هايدجر بالوجود نحو الموت، فالدازاين الذي هو موجود في العالم يكشف وجود الأشياء على نحو ديناميكي مدفوعًا باستشعاره الدائم للفناء، والفناء هنا لا يشير إلى الفناء البايولوجي، وإنما النفي الكامن في طبيعة الزمانية، الذي يستشعره الدازاين من خلاله محدوديته الخاصة، بمعنى أن هذا الموت الذي يقصده هايدجر ليس شيئًا يوجد في المستقبل الكرونولوجيّ، وإنما هو شيء يُستحضر في كل تأويل يقوم به الدازاين، لأن النفي كامن في طبيعة الوجود، وهو ما ينقل للدازاين فكرة أن كل تأويل من تأويلاته هو في واقعه تأويل جزئي، مما يعني أنه يستحيل على المرء أن يفهم كينونة هذا الشيء أو ذاك بمعنى الاستحواذ عليها في الذهن، ما يحدث هو أنه يفهمها جزئيًا وفقًا لبنية الوجود في العالم الموصوفة أعلاه، وكل تأويل يعيد تشكيل العالم على نحو معين بناءً على الكيفية التي يتموضع بها الدازاين في العالم. والتأويل الذي يقصده هايدجر ليس ثانويًا بإزاء أشياء حاضرة، بل هو سابق على حضور الأشياء، بمعنى أنه لا يوجد مثلًا كيان ثابت موجود "هناك" وذات موجودة "هنا" تضفي عليه دلالات معينة، فالدازاين هو دائمًا في حالة معينة من الفهم والتأويل، وهذا التأويل هو الذي يكشف العالم. أما العالم كأشياء حاضرة، فهو ثانوي أنطولوجيًا على التجربة الفينومينولوجية للدازاين، وهذا التأويل الذي يتعامل مع وجود الأشياء كحضور هو الذي يؤدى في نهاية الأمر إلى التقنية التي تطمس كل ما لا يمكن فهمه وموضعته في نموذج يعزز قدرة الدازاين على الهيمنة.
الليبرالية كأيدولوجية للأقنان
مِن حجج كارل شميت ضد الليبرالية أنها تفسد جِدّيّة الوجود البشري، لأن نفي التمييز بين العدو والصديق وإعطاء الأولوية للبعد الاقتصادي على حساب البعد السياسي يعني بالضرورة التنازل عن أكثر الأشياء جوهرية: الهوية الذاتية. زِد على ذلك، أن الليبرالية أنطولوجيًا تنفي واقعية الكليّات، فيغدو من المستحيل الحديث عن أي معايير فوقية للاحتكام إليها، ونتيجة لذلك، تحكم الأهواء الاعتباطية كافة المسائل، وأي معيار فوقي ينظر إلى بعين الشك والريبة. نتيجةً لذلك، كافة النقاشات السائدة في زمن الليبرالية تتمحور حول مسائل جزئية وثانوية، مع استبعاد تام لأي إمكانية للتعرض للمسائل الجوهرية، لأن هذه المسائل ستستدعي بالضرورة مفهوم "السياسي" بما ينطوي عليه من تمييز بين العدو والصديق نظرًا لاستحالة الوصول إلى اتفاق نهائي على مبادئ جوهرية محددة للبشرية بأكملها. خلاصة القول، تستدعي الخلافات الجوهرية التمييز بين العدو والصديق، التمييز الذي يستوجب النظر إلى حرب كإمكانية محتملة، بما يتناقض مع العقلية الليبرالية الرأسمالية التي تعتبر أن الغاية الأساسية هي مراكمة الثروة وتحسين الوضع الاقتصادي وتوسيع نطاق الحرية الفردية.
أو بتعبير أفضل، الإنسان الليبرالي الذي يفقد الوجود جديته هو القن الذي لا يعرف إلا العمل والفتات الذي يجنيه منه، وهو لأنه بطبيعته يعمل للآنيّ ولا يدرك ذاته ككيان متصل تاريخيًا كما تستوجب النظرة الأرستقراطية، يرى في كل ما لا يصب في مصلحته الفردية خطرًا ينبغي التخلص منه.
البيانات الشخصية للأفراد على نطاق واسع عملة ثمينة جدًا في العصر المعلوماتي، لأنها ضرورية لبناء النماذج التي تنظم كافة المجالات الحديثة، بدايةً من الدعاية بكل أشكالها، وانتهاءً بطرق الهندسة الاجتماعية. اعتماد الأفراد بمحض إرادتهم على هواتفهم لضبط كل شيء في حياتهم، كالحالة الصحية، ومواعيد النوم والطعام والشراب، بل وحتى شرب الماء!، يساهم في تفاقهم هذه المسألة إلى أقصى حد ممكن. زد على ذلك أنه من الضروري للانخراط في الحياة الحديثة أن يكون جزء هائل من بياناتك الشخصية متاح لجهات معينة، لدرجة أنك قد لا تستطيع إخفاء فلس واحد من ممتلكاتك في بعض الأحيان، فضروريات الحياة في يومنا هذا تتطلب تعاملات غير أمنة للبيانات الشخصية، البيانات التي هي، كما ذكرت، وقود النماذج التي تهندس وجود الأفراد.
مزية الشمولية الصينية أنها موجهة من قبل كيان دولاتيّ النزعة، يحتكر هذه السيادة لنفسه خدمةً لمشروع "سياسي" مرتبط بمصير أمة تاريخية بالمعنى الأصيل للكلمة، ولأنه يستحيل تلافي هذه الشمولية في عصر الرقمنة، لا يصح طرح الحجج "التقليدية" ضد هذه الميول، فصراع الشمولية موجود لا محالة، والفرد في عالم اليوم هو مجرد قن بلا جذور، فحريٌ بأي مشروع سياسي ناضج أن يستخدم هذه الأسلحة بكل ما أوتي من قوة. أما الشمولية الغربية الناعمة، فهي لا تظهر للأفراد بنفس القسوة كونهم مُهندسين أصلًا للتماشي معها في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم، كون الشخص يمتلك هاتفًا في حد ذاته علامة على دخوله هذه المنظومة بنسبة محددة. الفرق بين القن الغربي، وهذا يشمل عالمنا العربي كونه خاضعًا للحضارة الغربية ولسيولتها الثقافية، والقن الصيني، أن هذا الأخير لا تحكمه شمولية بلا معنى أو منفعة عائدة عليه بشيء.على الأقل، تساهم الشمولية الصينية في حفظ العائلة وتوفير مساحة ثقافية وإطار محدد للفرد الصيني ليكوّن لذاته كينونة خاصة، أما الغربي، والعربي بالتبعية، فقنانته بلا أي معنى، وإن وُجد عائد فهو آني تمامًا. لست من محبي الشمولية بأي حال من الأحوال، لكن انتقادها في هذا العصر دليل على عدم فهم قواعد اللعبة جيدًا.
الأمر المثير للشفقة هو التنافس العجيب بين الأقنان لحشر أنفسهم في هذه المنظومة التعيسة. على سبيل المثال، تجد شابًا فقيرًا يعيش في إحدى الضواحي المهمشة بعيدًا عن هذا الهراء يحلم بالذهاب إلى المدينة للعثور على عمل وشراء أشياء لا تزيده إلا قنانة وعبودية لأنه قد تشبع ذاتيًا بقيم القنانة فبات يجر نفسه نحو هذا المسار بنفسه، بل ويجهد نفسه جهدًا هائلًا، فقط ليحقق هذه الحالة التعيسة. مع ذلك، لا يمكن إلقاء اللوم عليه، لأنه المجتمع بنفسه، وكافة الضغوطات المحيطة، تدفعه نحو هذا المسار. خصوصًا بالنظر إلى حقيقة انعدام إمكانية الاكتفاء الذاتي اقتصاديًا في العصر الحالي.
الفرد العادي في يومنا هذا لم يعد محتاجًا لسيد ليستعبده عبودية صريحة، لأنه مُهندَس ذاتيًا لاستعباد نفسه بنفسه، وبل وتحمل كل الصعاب في سبيل هذه العبودية.
أينما تولي وجهك ترى أناسًا يتنافسون في القنانة والعبودية، والمجتمعات بذاتها بهرمياتها الرديئة منضبطة ذاتيًا لتعزيز هذه الرداءة. والكارثة الأكبر أنه لا يوجد مخرج فعلي من هذا الهراء.
ليس في هذا الكلام تشاؤم إطلاقًا، فما نحن عليه اليوم هو حالة من الغير الممكن التعامل معها بمسميات كهذه، عنيت التفاؤل والتشاؤم.
"فأيّان ما يدعي هؤلاء (الشبان) أنهم أسيء فهمهم لزم أن يكون الجواب هو أن جُلّ ما عندهم أدنى وأحط من أن يُفهم: إذا استقام سلطان سوي ستغدو المسألة مقتصرة علي وضع هؤلاء في مكانهم الحق، كما قد يفعل الواحد منا مع طفل غدت حماقته مزعجة أو متطفلة أو وقحة."
في مواجهة الشُبّان، يوليوس إيڤولا (1967)، بتصرف
من أمارات فساد المجتمع الإيطالي المعاصر ظهور أسطورة الشُبّان، إلي جانب الأهمية التي تحظى بها قضيّتهم، بالإضافة إلى وجود نوع من البخس المضمر لكل من هم ليسوا شبّانًا. يَلوحُ أنّ المعلمين وعلماء الاجتماع في الوقت الحاضر يخشون فقدان الصلة بـ "الشبان"، دون أن يتبينوا أنهم بذلك يَهْوُون إلى شكل من أشكال الصبيانيّة. يقال أن الشبان لديهم ما يعلمونا إياه، وأنهم قادرون على أن يبينوا لنا سبلًا جديدة لنتبعها ( حتي النواب المسيحيين الديمقراطيين تحدثوا علي هذا النحو)، على حين أنّ أولئك الذين بينت لهم الحياة خبرة حقة يجب أن يتنحوا - وذاك علي الضد مما سلّم به بنو البشر على الدوام، حتي بين البدائيين. شَهِدنا التلفاز يرحب بمظاهرات أولئك الشبان على نحو قانع بها؛ حتي وهم على شفا جرف هار. فعلى سبيل المثال، سمعنا البعض يعبر عن استيائه العميق من أن المدارس ليست "ديمقراطية" بعد، ويدعو إلى شيء على الطراز السوفييتي أو إلي لجان داخلية، علي الأرجح بغية تهيئة المعلمين ووضعهم علي الصراط المستقيم. إن حقيقة أن الطلاب يحتلون الجامعات - كما يفعل العمال في المصانع- من أجل هذا المطلب أو ذاك، وأنه مجوّز لهم القيام بذلك، أو حتى أن الشرطة ملزمة بحمايتهم، تعني في الواقع سيادة نموذج "إيطاليا المُحرّرة". قَطعَاً نحيا في عصر الانحلال، والطَور الذي أصبح سائدًا على نحو متزايد هو طَور الفرد "عديم الجذور". بسبب انعدام أي معني للمجتمع والقيود التي كانت تحكم الوجود سابقًا: تلك القيود التي لم تكن في سابق العهد سوى قيود العالم البرجوازي والأخلاقيات البرجوازية — والتي لا تزال صامدة في أماكن شتى. لذا كان من الطبيعي والمشروع أن تظهر مشاكل جديدة فيما يخص الشبان. بيّد أن الوضع ككل يجب أن يؤخذ في الاعتبار؛ ينبغي أن يلم كل حل سديد بالنظام برمته - كل شيء آخر، بما في ذلك ما يتعلق بالشبان، مجرد عاقبة. إن احتمالية ظهور اقتراحات إيجابيّة من السواد الأعظم من الشبان في إيطاليا لأمر مستبعد هذه الأيام، فأيّان ما يدعي هؤلاء أنهم أسيء فهمهم لزم أن يكون الجواب هو أن جُلّ ما عندهم أدنى وأحط من أن يُفهم: إذا استقام سلطان سوي ستغدو المسألة مقتصرة علي وضع هؤلاء في مكانهم الحق، كما قد يفعل الواحد منا مع طفل غدت حماقته مزعجة أو متطفلة أو وقحة.
من تفاهات هذه الحقبة، وجود اعتراف ضمني بأن معنى الحياة هو شيء يخلقه الإنسان بنفسه، وليس شيئًا موضوعيًا يوجد بمعزل عن وجود الإنسان الفرد. حتى العظماء الذين ذهبوا مذهب المعنى الفردي كقدرة على تجاوز العدمية لم يقصدوا بذلك إنشاء معنى ذاتي خالص، وإنما عدّوا وجود ثقافة عضوية قائمة شرطًا أساسيًا من شروط خلق هذا المعنى. اليوم في معظم الحديث الرائج عن خلق المعنى غياب لإدراك فكرة المعنى ذاتها، وغالبًا ما يُذكر هو أمور ذات منزلة ثانوية من مسألة المعنى بالفهم التقليدي لها كشيء متجاوز للقدرات الإنسانية المحكومة بمنطق الصيرورة: الكينونة المحضة. وفقًا لتعريف النجاح الرائج هذه الأيام، لا تعد أعلى نقاط النجاح سببًا كافيًا لخلق المعنى. حتى العظائم من أمور الدنيا كتأسيس الدول والإمبراطوريات وخلق الحضارات ترجع في أساسها إلى نظرة روحية وُلدّت كنتيجة للتفاعل مع تراث قائم وأرستقراطية قادرة على أخذ مهمة تاريخية على عاتقها، وليس معنى هذه المهمة بأمر ذاتي بتاتًا.
ما يقصد اليوم بالمعنى الذاتي هو ما يمكن أن نسميه بـ"وجودية القنانة".
القن الوجودي افتراضاته عن المعنى غالبًا متوقفة على زيادة في راتبه الشهري، حتى يحقق ما سماه داڤيلا بحرية العبد في يوم عطلته.
ينبغي التركيز على التحولات المفاهيمية الكبرى قبل معالجة القضايا الدينية نظرًأ لتبدل دلالة المصطلحات، مع الأخذ في الحسبان أن كل كلمة مرتبطة بسياق معين من الدلالات يعكس رؤية معينة للعالم.
من علامات انحطاط السلطات الدينية المعاصرة: العجز عن التفرقة بين معنى بعض صور العمل المقبولة قديمًا والمعنى الحديث المرتبط برؤية كونية مخالفة جوهرية للعقيدة الدينية.
وبشكل عام، بلا أدنى مبالغة، الدين حاليًا مختنق ومقموع لأنه محاصر من رؤية معينة للعالم مناقضة تمامًا لرؤيته.
النتيجة: نظرة الإنسان المتدين الحديث لنفسه وللعالم هي بذاتها الرؤية الحداثية، مع وجود طفيف لمسحة دينية باهتة غريبة على النمط العام.
في استحالة اجتماع ما نسميه بالقنانة الحديثة مع الحياة الدينية السليمة.
"فلم يعد يعرف البتَّة فائدة للأديان، بل صار يكتفي، إن صح التعبير، بتسجيل وجودها في العالم بنوع من الذهول البليد"
ـــ نيتشه
