1 403
Subscribers
No data24 hours
-47 days
-2830 days
Posts Archive
1 403
الحديث عن حقوق الرجل والمرأة لا يستقيم إذا جرى بمعزل عن السياق الاجتماعي أو العلاقة الاجتماعية التي يوجَد فيها كلٌّ منهما؛ فالرجل ليس مجرد "ذكر" مطلق، وإنما قد يكون أبًا أو ابنًا أو زوجًا أو غير ذلك، وكذلك المرأة قد تكون أمًّا أو بنتًا أو زوجة أو أختًا. وكل حالة من هذه الحالات يترتب عليها حقوق وواجبات مختلفة، وأفعال متميزة، لا بمجرد كونه إنسانًا أو رجلًا أو امرأة.
وبحسب العلاقة الاجتماعية القائمة، تأتيك أوامر ونواه ومحابّ ومكاره، فقد تميل الكفة ناحية الحقوق في علاقة اجتماعية، وقد تميل ناحية الواجبات في علاقة اجتماعية أخرى.
فحقوق الزوج على زوجته ليست هي نفسها حقوق الابن على أمه، وإن كانت الزوجة هي نفسها الأم، ولا واجبات الأم مثل واجبات الزوجة. بل إن معاملة المرأة للرجل تختلف باختلاف موقعه منها: فمعاملة الزوج ليست كمعاملة الابن، ومعاملة الأخ ليست كمعاملة الزوج.
ومما يُفسد كثيرًا من النقاشات حول "حقوق المرأة" أو "مساواتها بالرجل"، بل ومما قد يفسد تصوّر المرأة نفسها -سواء في نقاش أو في مطالعة ذاتية- أن يُنظّر لها باعتبارها "إنسانًا مجردًا" أو "أنثى مجردة" في سياق مطلق، دون اعتبار لهذه الروابط والعلاقات الاجتماعية. فقد تشتكي امرأة من معاملة ما، بينما تكون هذه المعاملة مشروعة إذا كان الرجل زوجًا لها، لكنها غير جائزة لو كان ابنًا أو أخًا.
ومن هنا يتضح أن بعض الحقوق والواجبات أو طرق التعامل، ليست راجعة إلى كون الرجل رجلًا أو المرأة امرأة، وإنما إلى طبيعة العلاقة التي تربط بينهما. فالزوج -مثلًا- له حق الطاعة والخضوع من زوجته، وأبيحت له أمور قد تكرهها، لم تُبح لغيره؛ لا لأنه "رجل"، بل لأنه في سياق الزواج الذي رتّب الشرع له حقوقًا خاصة. وتأمل قول النبي ﷺ: «لو كنتُ آمِرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها»، ولم يقل: "للرجل" على إطلاقه.
فهذا السياق الاجتماعي «كونه زوجًا» هو الذي جعل له هذه المكانه، ووضع له هذا الإطار.
فالخلاصة أن: الواجب قبل المطالبة بالحقوق أو الحديث عن الواجبات أو تحديد المعاملة الأنسب، هو تحديد الإطار الاجتماعي الذي يُوجَد فيه كل من الرجل والمرأة، ثم يُنظر بعد ذلك في الحقوق والواجبات وفق هذا السياق بعينه.
1 403
لم يعد الفُحش في القول، ولا التجرؤ على المحرَّمات، حدثًا استثنائيًا يثير الغضب والإنكار؛ بل أصبح مشهدًا يوميًا مألوفًا في فضاء مواقع التواصل. والأدهى من ذلك أنّ النفوس لم تَعُد تنفر منه، بل أخذت تتصالح معه تدريجيًا، حتى غدا بعضه مادة للضحك والتندر، وبعضه الآخر وسيلة للشهرة والانتشار. وهكذا نشهد تحوّلًا عميقًا في البنية الأخلاقية للمجتمعات.
في سُلّم القيم الجديد، لم يعد الحياء رأس الفضائل، ولا البذاءة عارًا يلاحق صاحبها؛ بل تحوّل السباب إلى لغة "جريئة" تكسب صاحبها إعجاب المتابعين، وصارت الفواحش تُسوَّق في ثوب الحرية الفردية والمرح العابر. فتجد فتاة تنشر صورة لفيلم أو مسلسل اشتهر بمشاهده الإباحية، أو شابًا يتفاخر بمطالعته لفضائح الآخرين الأخلاقية، وكأن ذلك لون من الجرأة أو الذكاء الاجتماعي. هذا القدر من التصالح مع الفواحش، بل التفاخر بها، لم يكن مألوفًا في مجتمعاتنا من قبل.
ولعل أخطر ما في الأمر أنّ الاعتياد يقتل الحساسية. فما يُستنكر في المرة الأولى، يثير الضحك في الثانية، ثم يغدو مألوفًا في الثالثة، حتى يتحول إلى سلوك طبيعي في الوعي الجمعي. ومع بحث الناس عن متنفس يخفف أثقال الواقع، وجد صانعو المحتوى في الكوميديا غطاءً مثاليًا لتمرير الفحش، فإذا بالناس يضحكون وهم لا يشعرون أنهم يضحكون على حساب مناعتهم الذوقية والأخلاقية.
وقد ساعدت المنصات الرقمية على تكريس هذا المسار؛ إذ تدفع خوارزمياتها بالمحتوى الأكثر إثارة للدهشة والضحك والغضب إلى الصدارة، فيما تهمّش الخطاب الرصين والعميق. وهكذا تتشكل "أغلبية وهمية": حين يرى الفرد أن ما يمر أمامه يغلب عليه الفحش والبذاءة، يظن أن المجتمع بأسره كذلك، فيستسلم لتيار يخيّل إليه أنه السائد، بينما هو في الحقيقة صناعة خوارزمية موجَّهة.
1 403
في التصور الوطني الحديث، الذي تبلور مع نشوء الدولة القُطرية عقب انهيار المرجعيات الدينية الجامعة، لم يعد الوطن مرتبطًا بغاية عليا تتجاوز وجوده، بل صار قيمة مرجعية مستقلة، بل مطلقة بذاتها. فالدولة الحديثة -بوصفها كيانًا سياديًا- تُعامل باعتبارها الغاية العليا، ويُطلب من الأفراد الولاء والتضحية في سبيلها لذاتها، بغضّ النظر عن عدالتها أو التزامها بالدين. وهكذا مُنحت الدولة مكانة شبه مقدسة، تُصرف لها معاني الإخلاص والفداء والصبر، وهي معانٍ كان الأصل أن تُوجَّه إلى الله تعالى في التصور الديني.
ويتجلى هذا التحول في الخطاب الوطني المعاصر من خلال استعارة المفاهيم الدينية وإعادة توظيفها في إطار قومي، حيث يُعاد تعريف «الشهادة» مثلًا بوصفها موتًا في سبيل الدولة، لا في سبيل الله، بغضّ النظر عن عقيدة المقتول أو التزامه. وبذلك أصبح معيار التضحية والانتماء هو حماية الدولة ذاتها، لا حماية الدين.
كما امتد هذا المنحى ليشمل إعادة صياغة مفاهيم أخلاقية أصيلة كالأمانة والخيانة، والصلاح والفساد، بحيث أضحت الدولة الحديثة المرجع الأعلى في منح هذه الأوصاف أو نزعها. وهذا يعكس ما يسميه بعض علماء الاجتماع (كروبرت نيللي بيلا) بـ «الدين المدني» (Civil Religion)، أي إضفاء طابع تعبّدي على الدولة ورموزها، بحيث تُستحضر القيم الدينية ويُعاد إنتاجها في خدمة مشروع قومي أو وطني، ليصبح الولاء للدولة بديلاً عن الولاء لله، والشهادة في سبيل الوطن بديلاً عن الشهادة في سبيل العقيدة.
وبهذا المعنى يمكن القول إن الدولة الحديثة في التصور القومي قد اكتسبت طابعًا «إيمانيًا» متجاوزًا، أشبه بالمقدَّس، إذ صارت تحدد معايير الولاء والبراء، والصلاح والطلاح، بل وحتى مرتبة «الشهادة». ورغم أن هذا التصور لا يُصرَّح به عادةً على أنه بديل عن الدين، إلا أن الممارسة السياسية والخطاب الاجتماعي يبرزان بوضوح عملية استبدال «الدين» بـ«الدين المدني».
1 403
هذا الكلام غير صحيح ولا منضبط، بل أقَلُّ ما يُقال فيه: إنَّه مُجمَلٌ إجمالًا مُخِلًّا.
بل إن الفرقة الناجية إطارٌ منهجي، من دخل فيه نجا، ومن تخلّف عنه كان متوعَّدًا بالنار؛ وهذا نصّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر افتراق أمته إلى فرق، وبيّن أن فرقة واحدة فقط هي الناجية.
والنجاة هنا ليست بطاقة عضوية أو اشتراك، وإنما هي وعد بالنجاة المطلقة لا بالنجاة العينية. فالنجاة العينية مرتبطة بشروط وأوصاف في الأفراد، أما النجاة المطلقة فهي منوطة بفرقة محدّدة ذات منهج واضح مؤطَّر. ولو جَرَيْنا مع فكرة صاحب المنشور لكان الوعد بالنجاة خاصًا بالأنبياء وحدهم، لأنهم المعصومون فقط! وهذا باطل.
ومعنى الحديث أن هناك فرقةً منهجيةً موعودة بالنجاة من إثم الافتراق في الجملة، وليس معناه أن أفرادها لا يخطئون أو لا يقع منهم خلل. فالحقّ موجود داخل هذه الفرقة، بحيث لا يفوتها من مجموعها وإن فات بعض أفرادها، ومن أراد الحق فليطلبه عندها. وهذا لا ينفي وقوع الخطأ على كثير منهم.
وكذلك الوعيد الوارد في شأن سائر الفرق، هو من جنس نصوص الوعيد الأخرى: يقرر قاعدة عامة، لكن تنزيلها على الأعيان مشروط بانتفاء الموانع وتحقق الشروط.
والفكرة التي تبنّاها صاحب المنشور هي بعينها الفكرة التي بُني عليها كتاب ما بعد السلفية، حيث تقرّر فيه أن الحق موزّع على جميع الفرق، وأنه لا توجد فرقة استوعبت في منهجها كامل طريق النجاة، لا أهل الحديث ولا غيرهم! فبحسبه: قد ينجو المرء في باب، ويهلك في باب آخر، والباب الآخر نجا فيه مبتدع من أهل النار! وهذا قول باطل يهدمه حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إن كان أهل الحديث ناجين في باب هالكين في باب آخر، فالنتيجة أنهم ليسوا ناجين في الجملة، ويصبح حالهم كحال الجهمية الذين ربما أصابوا الحق في باب وهلكوا في آخر، والمتيجة النهائية: ستفترق الأمة على فرق كلها هالكة!
وفي ما بعد السلفية صُوِّرت النجاة على أنها مساوية للإيمان الكامل، أي: لا أحد -بعد الأنبياء- متوعَّد بالنجاة المطلقة، بل الجميع متوعَّد بالهلاك! وهذا تحريف لمعنى الحديث.
الخلاصة: الخلل هنا ناشئ من عدم تحرير معنى الفرقة الناجية، وعدم التفريق بين المفهوم الكلي للنجاة وبين تنزيله على الأفراد. فالفرقة الناجية تصورٌ منهجي محدد، والنجاة المطلقة وعد شرعي محدد. أما تنزيل هذا الوعد على كل فردٍ من أفرادها فمرتبط بالشروط واللوازم التي نصت عليها الشريعة.
1 403
تأثير الدولة القُطرية على خُطب الجمعة تأثير سلبي عميق، سواء على الخطباء أو على الشعوب.
فالأحداث العظام تقع في دولة إسلامية مجاورة، ومع ذلك لا يُذكر عنها شيء على منابر الجمعة، لأن السلطة تُقيد الخطباء وتفرض عليهم الصمت بأوامر عليا.
أما على مستوى الشعوب، فالأثر أشد خطورة، إذ إن الأمر يتجاوز الجانب السياسي ليصبح قضية عقدية، متعلقة بعقيدة الأمة ووحدة الولاء والبراء. فقد جرى برمجة الناس على أن "أمتهم" تساوي حدود القطر والدولة، حتى صارت مصائب المسلمين في الدول المجاورة، التي هي في الحقيقة جزء من الأمة بل وأقرب إلينا دينيًا وروحيًا من بعض أجزاء أوطاننا، لا تُعدّ في نظرهم شأنًا يخصهم.
وهكذا تغلّبت عقيدة "سايكس بيكو" على عقيدة "إن هذه أمتكم أمة واحدة" نتيجة تربية الشعوب وصناعتها على عين الدولة القُطرية، فضعفت الروابط الإيمانية الجامعة، وحلّ محلها شعور ضيق بالانتماء إلى حدود رسمها الاستعمار.
1 403
(٤)
إن تجزئة عناصر تغيير المجتمعات وتجريد كلٍّ منها من سياقها الوظيفي والتكاملي خللٌ منهجيّ خطير. فمن يقع في هذا الخطأ يرفع أحد العناصر -كالدعوة أو الجهاد أو العمل السياسي- إلى مرتبة منهجٍ شاملٍ صالحٍ لكل زمانٍ ومكان، متجاهلاً اختلاف الظروف: درجة الإيمان الجماهيري، مدى ارتباط الناس بالشريعة، طبيعة النظام الحاكم وجيشه، ودرجة القمع والاستبداد.
قد يبدو هذا التنظير بعيدًا عن الواقع الظاهر، إذ لا يعلن أحد صراحةً أنه سيعتمد عنصرًا واحدًا معزولًا عن بقية عناصر النهوض. لكنّ الواقع العملي يبيّن خلاف ذلك: كثير من الخطابات الدعوية أو الجهادية أو السياسية تنحو نحو صلابةٍ تعسفيةٍ في توحيد طريق الإصلاح، فتُقلِّل من قيمة جهود الآخرين وتُفتي بأحقيّة طريقٍ واحد، ما يؤدي إلى تفتت العمل التكاملِيّ، بل وقد يصل إلى تناحر بين أبناء الطريق الواحد.
لذلك يجب أن تُفهم عناصر التغيير كحلقةٍ متكاملةٍ لا يجوز فصل أحد أركانها عن الآخر:
الدعوة تُهيئ القلوب وتبني الظهير الشعبي؛
السياسة تهيئ الأرضية القانونية والاجتماعية وتقلص مساحة التضييق؛
والجهاد أو «الصدام» وسيلةً لقطع طريق الطغيان واستئصاله وفرض الهيمنة الشرعية.
وليس في هذا ما يمنع أن يتقدم عنصرٌ على آخر في ظرفٍ خاصّ، فتأخذ له الأولوية والحتمية؛ فالجهاد الدفاعي قد يفرض الاستجابة الفورية، ولا يجوز التَّخيير حينها بين الجهاد والدعوة والسياسة حين تستلزم الضرورة اتخاذ قرارًا حاسمًا.
المنهج السليم إذن هو إدراك ما بين العناصر من تمهيد لغيرها وتهيئة، والعمل بتكاملٍ استراتيجيٍّ مدروسٍ لا بتفكيكٍ أيديولوجيٍّ ضيّق. بهذا الفهم تُصان الجهود وتتضافر الوسائل بدل أن تتقاتل الرؤى، فيتجلّى التغيير الحقيقي ليس حلماً مفصولاً عن الواقع، بل مشروعًا متكاملاً حكيمًا ومؤثرًا.
وأخيرًا: لا نغفل أن كل وسيلةٍ -وخاصة السياسية والجهادية- قد تُعرّض للتمييع أو الغلو، الإفراط والتفريط. فالعمل السياسي عرضةٌ للتمييع تحت ضغط السلطة والمساومات، والجهاد قد يبتلى بالغلو والتطرف إذا غابت الضوابط الشرعية والحكيمة. لكن هذا الخطر لا ينفي أصل مشروعية الوسيلة عند توافُر شروطها، بل يوجب سنَّ ضوابطٍ شرعية وفكرية وأخلاقية ورقابة علمية تحفظها من الانحراف، فتُستخدم الوسائل المباحة بما يحقق المقاصد دون الوقوع في الموبقات.
1 403
المنظومة المرجعية الغربية، منظومة جزئيات وتعامل مع المواقف، لا منظومة مرجعيات وكليات!
المصلحة والبراجماتية هي المرجع، وهي أيضا الهدف!
1 403
(٣)
إن منهج التغيير الذي يظن أن الدعوة وحدها قادرة على إنشاء مجتمعٍ إسلامي، منهجٌ وهمي، وأصحابه إمّا واهمون، وإمّا يخفون خوفهم وراء هذا الوهم! فالطواغيت يقتاتون على فساد الشعوب وانحلالها، ولن يتركوا مصلحًا ولا صالحًا دون تضييق وحصار. وإن بناء الناس وتربيتهم إيمانيًّا عملٌ شاقٌّ عسير، بينما إفسادهم ونشر الشهوات بينهم أيسر من حركة إصبع، ولا سيما في هذا العصر الذي ملك فيه الطاغوت من الأدوات والوسائل ما لا يملكه أصحاب الدعوة والتربية المجرّدة من القوة.
1 403
(٢)
العلاقة بين الدعوة والصدام ليست علاقة تضاد، بل علاقة تكامل. فالدعوة وحدها، إذا بقيت ضمن الحدود التي يسمح بها المستبدون والظالمون، بل الكفرة أحيانًا، لن تبلغ مرحلة التغيير الجذري، بل ستظل محصورة في هامش ضيق، أشبه بما يريده الطغاة من دينٍ معلمنٍ على هواهم. ولهذا، فلا بد أن يقترن مسار الدعوة -في لحظة ما- بالمفاصلة والصدام المشروع الذي يزيل عروش الباطل ويقتلع جذور الفساد المزروع في القلوب والعقول.
وفي المقابل، فإن الصدام لا يمكن أن يستغني عن الدعوة، ولا أن يتصادم معها، والدعوة هنا يقصد بها الدعوة الإيمانية، وليست مجرد الدعوة الفكرية.
فالمواجهة مع الطواغيت لا تقتصر على النخب وحدها؛ لأن الطاغوت يملك جيوشًا جرارة مدججة بالسلاح والعدد، وهو ما لا تقوى عليه النخبة وحدها. إنما تحتاج النخبة إلى ظهير شعبي واسع، وهذا الظهير لا يتكوّن إلا عبر الدعوة، وبث روح الإيمان، وإحياء العاطفة الدينية التي تحرك الجماهير وتشدها إلى معركة الحق.
وعليه، فإن منهج التغيير الحق يقوم على ركنين أساسيين:
1. نخبة قائدة واعية.
2. ظهير شعبي مؤمن.
فالدعوة هي التي تصنع القلوب المؤمنة المستعدة، وهي التي تمدّ الصدام بوقوده البشري والمعنوي. والصدام هو الذي يفتح الطريق أمام هيمنة الشريعة وتمكينها. فهما جناحان لا يستغني أحدهما عن الآخر.
فالدعوة، وسيلة الصدام، والصدام، وسيلة الوصول.
ولهذا، فإن الداعية الذي لا يريد الصدام عليه أن يقرّ بأن للصدام لحظة لا بد أن تأتي، وأن تجاهلها تقصير. وكذلك من يتعجل المفاصلة والجهاد، عليه أن يدرك أن للدعوة وقتها، وللإعداد مرحلته، وأن كلا المسارين يمهّد للآخر ويعضده، حتى يكتمل مشروع التغيير وتتحقق الغاية.
1 403
إن الطاغية كلما وجد الدعوة مقتصرة على الوداعة والمسالمة، بعيدة عن أي نفَس من المفاصلة أو الصدام، ازداد جرأة في تقليم أظفارها، وتضييق مساحتها، وتحجيم دورها شيئًا فشيئًا. فالطغاة لا ينظرون إلى التدين في المجتمع كقطع متفرقة أو جماعات متناثرة، بل يتعاملون معه كسلّم متدرج أو كخطوات تسلسلية: التدين المعلمن يتطور إلى التدين التقليدي، ثم هذا يمكن أن يصل إلى قدر من التدين الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ثم بعدها إلى التدين الحركي والصدامي.
ولهذا يضع الطاغوت -ومعه القوى الكبرى وأجهزة المخابرات في العالم- سقفًا لا يُسمح بتجاوزه، سواء في عدد المتدينين أو مستوى التدين ذاته ودرجته. وما إن يقترب المجتمع من هذا الحد حتى يبدأ التضييق والتحجيم، ليظل التدين محصورًا في المساحة التي يرضونها ولا تهدد سلطانهم.
ومن هنا يظهر فشل الدعوات التي تنادي بنبذ الصدام، سواء كان الصدام الحركي أو الجهادي أو السياسي، أو حتى الصدام المجتمعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اقتصر المسار الدعوي على التهدئة والتنازل. فهذه الدعوات مجرد دعوة للتدجين، لا تصلح أبدًا ولن ترضي المستبدين، لأنهم سيظلون يعتبرون أي ارتفاع في مستوى التدين أو أي زيادة في عدد المتدينين تهديدًا مباشرًا لسلطتهم.
1 403
«يعجبني حينًا، وأتعجب حينًا آخر أن أجد طالب علم يحيط علمًا بكافة المذاهب التي كانت في القرن السابع والتي اندثر بعضها أو كاد، وهو لا يملك أدنى فكرة عن "الليبرالية" أو "الرأسمالية" أو غيرها من الأفكار والمذاهب التي أصبح أربابها على اختلاف بلدانهم وألوانهم يروجون قيمها وشبهاتها عبر كافة وسائل الإعلام للناس، بل إن الناظر في عالمنا اليوم لا يشك أن هذه المذاهب والنظريات أصبحت تتحكم في النظم والشركات والمؤسسات التي تمسك بمراكز القوة والتأثير في العالم.
إن هذه "القطيعة" بين طالب العلم، و"انحرافات عصره" تصب ولا شك في خانة أعداء الأمة، بل إنها قد تفضي في أحايين أخرى إلى اختلال المعايير لدى طالب العلم ذاته، فيُفاجأ الغيورون من هذا الشخص وأمثاله بمواقف متناغمة مع الاستبداد أو مشروع تغريبي معادٍ للأمة، وهذا ربما لم يكن مرده بسبب وجود اتفاق أو تبعية، بقدر ما أسميه داء "الغيبوية الفكرية" التي تعمل عملها في تشكيل مواقف هذا الشيخ أو آرائه.»
- الشيخ وليد الهويريني رحمه الله.
1 403
«الأقوياء وحدهم هم أصحاب الحق في التحدث عن الرحمة والإنسانية والسلام والعالمية. أما الضعفاء والفقراء والمتخلفون المتفرقون ممن يتحفزون للنهوض والوثوب فينبغي أن يكون حديثهم كله موجهاً لما يُعين على تكتلهم وتميزهم عن الجماعات البشرية الأخرى.»
1 403
بمناسبة بدء المدارس (٢)
[التعليم والأسرة]
حين نتحدث عن أثر التعليم السيئ، فإن الأنظار تتجه عادةً إلى الطالب: مستوى تحصيله للمهارات، قدرته على التفكير، أو مدى تأهله للحياة العملية، وما يحدثه التعليم في تكوينه. لكن ما يغيب عن النقاش غالبًا هو أثر هذا التعليم على الأسرة ذاتها، التي تتحمل نصيبًا وافرًا من تبعاته الخفية.
فالتعليم النظامي اليوم لا يكتفي بساعات طويلة يقضيها الطالب في المدرسة، بل يحمّله جبلًا من الواجبات اليومية، والتحضير للدروس، والمشاريع المستمرة. وإذا افترضنا أن كل طالب يحتاج إلى ساعة لحل الواجبات وساعة أخرى للمراجعة والتحضير، فإن لدينا في البيت ثلاثة أو أربعة طلاب يقضون ست إلى ثماني ساعات إضافية بعد الدوام المدرسي. فماذا بقي من وقتٍ يجمعهم كأسرة واحدة؟
لقد تحوّل البيت إلى مدرسة موازية، والأهل إلى معلمين تحت ضغط دائم. جلسات الطعام، والحوارات العائلية، والأنشطة المشتركة، صارت تتلاشى أمام صخب المذاكرة وصراخ الواجبات. فيصبح التواصل الأسري هشًّا، والعلاقة بين الأبوين والأبناء محصورة في سؤال روتيني: «أنجزت واجبك؟». وهكذا ينقلب التعليم من وسيلة لبناء الإنسان إلى أداة لتفكيك الأسرة.
وما زاد الأمر سوءًا هو ما استجدّ في أنماط التعليم المعاصر. فبدل أن يتجه نحو التخفيف أو نحو بناء العقل والمهارة، صار ينزلق أكثر نحو "الإكثار" اللا منضبط واللا واعي، لا "البناء" المتزن. المعلمون اليوم يطلبون من الطلاب تصوير فيديوهات وهم يقومون بأنشطة معينة، أو إعداد مطويات وأبحاث ومشاريع منزلية معقّدة. وفي بعض المواد لا يكتفي المعلم بتكليف واحد، بل يضاعفها: واجب مكتوب، ثم بحث، ثم مطوية، ثم فيديو! وهذه التكاليف لا ينهض بها الطالب وحده، بل تُلقى أعباؤها على الأهل الذين يجدون أنفسهم في سباق دائم مع الزمن والموارد لإنجازها. والنتيجة: استنزاف إضافي يقتطع من وقت الأسرة، ويحوّل لحظاتها الطبيعية إلى ورش عمل مضغوطة.
إن أخطر ما في الأمر أن هذا الضغط المستمر يسرق من الأهل دورهم الطبيعي في التربية. فبدل أن يكونوا مرشدين وموجّهين للقيم والخبرات الحياتية، يجدون أنفسهم أسرى متابعة الدروس والدرجات. وهكذا تضيع الحقوق العاطفية والإنسانية للأسرة: الحق في الوقت المشترك، في اللعب، في الحوار، في الترفيه، وفي بناء الذكريات.
وإذا سألنا عن البديل، وجدناه في سلسلة من الدروس الخاصةٍ والعامة، تستنزف الأسرة ماديًا وتقتحم خصوصية البيت، فتحوّله إلى مضيفة دائمة بلا استقرار ولا هدوء.
والنتيجة أن التعليم السيئ لا يخرّب عقول الأفراد فحسب، بل ينهش نسيج الأسرة ذاته. فهو يزرع التوتر، ويستبدل المودّة بالضغط، ويجعل العلاقة بين البيت والمدرسة علاقة استنزاف لا علاقة تكامل.
إن إصلاح التعليم ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية الأسرة. فالتعليم الذي يحترم وقت الطالب ويحفظ كرامة الأهل هو وحده الكفيل ببناء أجيالٍ متوازنة، وأسرٍ متماسكة، ومجتمعٍ قادرٍ على النهوض.
1 403
ليست إمكانيات هواتف آبل ولا جودتها، ولا حتى إقبال الطبقات الميسورة على اقتنائها، هي ما يمنحها هذه القيمة السعرية المرتفعة، وإنما ضجيج الفقراء وحديثهم عنها!
1 403
بمناسبة بدء المدارس
[التعليم: آلة تجهيل الشعوب!]
يزداد يقيني يومًا بعد يوم أنّ أسوأ ما نفعله بأبنائنا هو حبسهم داخل منظومة التعليم المدرسي النظامي لما يقرب من عقدين من الزمن. فنحن نضيّع أعظم فترات حياتهم، وهي الأقدر على التعلّم والانتفاع، في هراءٍ وتدجينٍ لا ينتج معرفة حقيقية ولا حرية فكرية، بل يكرّس وظيفة واحدة: إنتاج أفرادٍ يعملون كعجلاتٍ في آلة الدولة أو السوق.
ولا يمكن فهم وظيفة المدارس المعاصرة بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي نشأت لخدمته. فالتعليم النظامي لم يكن — تاريخيًّا — مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أداة للهندسة الاجتماعية تهدف إلى تشكيل مواطنٍ يخدم منظومة السلطة والاقتصاد. ومن هنا ظهرت الفكرة القائلة بأن مهمّة المدرسة هي صناعة «المواطن» أكثر من تكوين «الإنسان»؛ كما عبّر عن ذلك جون ديوي حين أشار إلى أن هدف التربية صار تشكيل المواطن لا الإنسان.
الفكرة ليست جديدة. فقد نقد غوستاف لوبون التعليم الذي يحوّل المتعلّم إلى آلةٍ للحفظ والطاعة، ورأى فيشته أن التعليم يجب أن يُوجَّه نحو الدولة وحدها، لا نحو حرية الفرد. بل ذهب برتراند راسل إلى أنّ التعليم الإجباري يهدّد حرية الإرادة، إذ يخرج الطالب من المدرسة وقد فقد القدرة على التفكير المستقل. هذه الشهادات الفكرية توضّح أنّ التعليم الإجباري يمكن أن يُستغَل لتكريس الطاعة بدل أن يكون فضاءً للحرية والنقد.
والمحصلة العملية أن ثمانية عشر عامًا من الدراسة الرسمية غالبًا ما تنتج مهارات محدودة: قدرة على القراءة والكتابة، ومعرفة يسيرة بالحساب، وقليلًا من التخصّص العملي في السنوات الأخيرة. أما الخسائر فهي أعمق: تجهيل منهجي، قولبة فكرية، وانعدام للرؤية النقدية. فينشأ جيلٌ لا يملك ثقافة راسخة ولا قدرة على تقييم الخيارات المعرفية أو الحياتية، فيتحوّل إلى آلةٍ وُجِدت لتُوظَّف ثم تموت.
ويتكامل التعليم مع الإعلام ليشكّلا معًا أعظم أدوات السلطة في صناعة الولاء. فالإعلام — التقليدي والرقمي — يصوغ واقعًا بديلًا عبر خطابٍ مُنمّطٍ وحساباتٍ موجهة (المعروفة بـ«دمى الجورب») تلمّع صورة السلطة وتشوّش على الحقائق. لذلك لا عجب أن يصدّق بعض الناس ما يُبثّ إليهم ويكذّبوا ما يعيشونه واقعًا من فقرٍ وظلمٍ وتجهيل.
الأنظمة الشمولية تحتاج دائمًا إلى حدٍّ أدنى من التأييد الشعبي لتستبقي وجودها، وهذا الظهر الشعبي لا يتولّد عفويًّا، بل يُصنَع بالتجهيل والإخضاع والتدجين. وهنا تكمن خطورة التعليم النظامي والإعلام الرسمي: إذ يتحوّلان إلى مصنعٍ كبيرٍ لإنتاج مواطنٍ منزوع الإرادة، فاقدٍ للبصيرة، مستعدٍّ للتضحية بنفسه من أجل منظومةٍ لا ترحمه.
والخلاص من هذه الدائرة يتطلّب ثلاثة مسارات متكاملة:
1. تحرير التعليم: تحويله من الحفظ والتلقين إلى التفكير النقدي والتعلّم الذاتي.
2. إعلام مستقل: يتيح الوصول إلى مصادر متنوّعة ويمارس الرقابة على السلطة.
3. مناعة معرفية مجتمعية: عبر نشر ثقافة التساؤل والوعي النقدي، وتشجيع مبادرات التعلّم الموازي والمستقل.
من دون ذلك، ستظل المدرسة والإعلام مصنعين لإنتاج الطاعة العمياء، لا فضاءً لبناء الإنسان الحرّ القادر على صناعة مصيره.
