en
Feedback
غِراس

غِراس

Open in Telegram
1 403
Subscribers
No data24 hours
-47 days
-2830 days
Posts Archive
«وكل أمة من أمم الإسلام تريد أن تنهض وتلحق بالأمم العزيزة يمكنها ذلك وتبقى مسلمة ومتمسكة بدينها، كما أن اليابانيين تعلموا علوم الأوروبيين كلها وضارعوهم ولم يقصروا في شيء عنهم ولبثوا يابانيين ولبثوا متمسكين بدينهم وأوضاعهم. فمتى أرادت أمة مسلمة أدوات أو أسلحة حديثة ولم تجدها؟ إن ملاك الأمر هو الإرادة فمتى وجدت الإرادة وجد الشيء المراد.» - شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم.

في أغلب الأحيان تكون أكبرُ عوائق إصلاح الأمة هم مصلحوها! أو هكذا يُصدِّرون أنفسهم. إذ يتأرجح حالهم بين الجهل بالواقع والجهل بالدين؛ فإمّا جهلٌ بالواقع يُحرِّم المباح ويُضيّق ما جعله الله ميسّرًا لطريق الإصلاح والنهضة في هذا الواقع، وإمّا جهلٌ بالدين يَستحلّ ما لا يحلّ، ويتوسّع كيفما هوى، بذريعة بلوغ الغاية. ويمكن للناظر اليوم أن يتأمّل حال النخبة في الجانبين: ففي المجال الديني نجد عددًا لا يُحصى من الطوائف التي تدّعي العمل لنهضة الأمة، وتزعم -بفعلها- امتلاك العلوم التي هي شرطٌ أصيل لهذا التصدّر، وهي في الحقيقة فاقدةٌ لميزانها أو سيّئةُ التنزيل لها. وفي المقابل، نجد من انصرف إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، فبلغ فيها مبلغًا، لكنه يتخبّط في العلم الشرعي، ويتعامل مع أحكامه بسطحية واختزال، فيُنتج خطابًا مشوَّهًا لا يقلّ خطرًا عن الأول.

كانت الثورة الفرنسية حدثًا مفصليًا لا في التاريخ السياسي فحسب، بل في بنية النظام العالمي والفكر الإنساني والأيديولوجيا الحديثة. إذ جاءت بحمولة فكرية كثيفة، وأعادت إنتاج جملة من المصطلحات المركزية، لا بمجرد تداولها، بل بإعادة تعريفها تعريفًا جذريًا. فمصطلحات مثل «المواطنة» و«الحرية» وغيرهما، لم تكن غائبة عن التداول قبل الثورة، غير أن دلالاتها كانت مختلفة اختلافًا عميقًا. فـ«الوطن» كان يُفهم بوصفه موضع الميلاد أو الإقامة، لا مركز الانتماء الأعلى، بينما كانت «الحرية» في الأدبيات الإسلامية مفهومًا أخلاقيًا وروحيًا؛ تُطلق على التحرر من الشهوة أو المعصية، بل إن بعض أرباب التعبد عدّوا الحرَّ حقًا من استكمل عبوديته لله، إذ العبودية لله هي عين التحرر من سائر أشكال العبودية. غير أن الثورة الفرنسية وتبعاتها أعادت شحن هذه الألفاظ بدلالات جديدة، فصار «الوطن» بديلًا عن «الأمة»، لا مجرد مكان، بل كيانًا جامعًا تُصبّ فيه كل معاني الولاء والانتماء، حتى حلّ محل الدين، بل محل الإله ذاته، كما صرّح بذلك بعض الفلاسفة. أما «الحرية» فقد أُعيد تعريفها بوصفها تحررًا مطلقًا من كل قيد، قيدٍ أخلاقي أو ديني أو غائي، وهو المعنى الذي كانت الأدبيات الإسلامية تطلقه على الفاسق المتمرّد، الذي لا ينقاد لأمر، ولا يخضع لحدّ، ولو كان صادرًا عن خالقه.

من يتأمّل كتابات الرحّالة العثمانيين إلى فرنسا بخاصة، يدرك حجم الصدمة العميقة التي أحدثها في وعيهم ما شاهدوه من تبرّج النساء، وانهيار معايير الحشمة، والتطبيع الكامل مع الاختلاط بين الرجال والنساء. لم تكن تلك المشاهد عندهم مجرد فروقٍ اجتماعية، بل كانت دليلًا على اختلافٍ جذري في التصوّر الأخلاقي وبنية المجتمع نفسه. غير أن الأخطر من تلك الصدمة التاريخية، أن ما كان يُستغرب ويُستنكر بالأمس قد تحوّل اليوم في مجتمعاتنا إلى أمرٍ اعتيادي مقبول، بل إلى نموذجٍ يُحتذى في كثير من البيئات. وهو ما يفتح بابًا مقلقًا: إذ يُخشى أن يغدو ما يصدمنا اليوم في المجتمع الغربي -مما يتجاوز التعرّي والاختلاط- من الفحش والفجور أمرًا مألوفًا لدينا غدًا، ما دمنا ما زلنا نعيش حالة تبعية حضارية مكتملة الأركان. فنحن لم نكتفِ بالانبهار بمنجز الغرب العلمي والتقني، بل استوردنا معه منظومته القيمية والأخلاقية دون وعيٍ نقدي، ودون قدرة على الفرز أو المقاومة. ومع استمرار هذا الانبهار المجرّد، لا يعود السؤال: هل سنشبه الغرب؟ بل: إلى أي حدّ سنفقد أنفسنا ونحن نظن أننا نلحق به؟

من الخطأ ممارسة نقد جزئي لشخص ذي هوية فكرية متكاملة بمعزل عن هذه الهوية؛ فمثل هذا النقد يكون ناقصًا، وربما يشوّه الصورة بدل أن يوضحها. فالنقد لا ينبغي أن يُنتزع من السياق الكلّي للفكر الذي يصدر عنه الشخص، لأن الكلمة الواحدة أو الجملة الواحدة لا يُفهم معناها الحقيقي أو المراد منها وما تؤول له إلا إذا رُدّت إلى منظومته الفكرية وتركيبته وهويته. ولهذا، فحين يتكلم شخص ذو هوية إسلامية واضحة بكلمة قد تبدو موضع ملاحظة، فإن معرفتنا به وبمحبته لله ورسوله، وبمبادئه العامة، تجعلنا نؤولها في ضوء ذلك السياق الكلّي. أما إذا نطق شخص آخر بالكلمة نفسها، وهو يحمل هوية فكرية مخالفة أو مناقضة، فلا تُمرَّر منه على الوجه نفسه، لأن الخلفية الفكرية هنا تغيّر الدلالة والمعنى والمقصد. ومن هنا يمكن فهم اضطراب المختلفين في الحكم إذا انطلقوا من الجزئية وحدها؛ فقد يُحسنون قولًا أو فعلًا حين ينظرون إليه بمعزل عن هوية قائله، ثم هم أنفسهم لو أعادوا النظر في ضوء الهوية الكلّية لصاحب القول لوجدوا أن الحكم ينقلب، وأن الشيء الذي بدا حسنًا قد يقبح، أو يتغير وجه تقييمه تمامًا. فالرؤية الجزئية تُضلّل، بينما الرؤية الكلية تضع الأمور في مواضعها. وبذلك، يصبح النقد الحقّ نقدًا منطلقًا من الصورة الكاملة للإنسان، لا من كلمة أو جملة مقتطعة من سياقها الفكري العام.

أحد أهم أركان السعادة في العصر الحديث أن تنبع قيمتك الذاتية من نفسك أنت، من مسؤولياتك التي تتحملها ومن إنجازاتك الحقيقية مهما كانت صغيرة، لا من مقارنة نفسك بالآخرين ولا من نظرتهم إليك. فإن كنت رجلًا يعرف قدره، ويقوم بواجباته، ويصنع قيمته من داخله، سترضى عن نفسك مهما كانت حالتك. أما إذا جعلت معيار قيمتك مرهونًا بما عند الناس، فلن تعرف الرضا أبدًا؛ فالرجل الذي يعيش في فيلا، إن قارن نفسه بجيرانه الذين يعيشون في قصور، سيشعر بالنقص رغم وفرة ما لديه. ومن ثمّ، فالمقارنة ليست طريقًا لمعرفة الذات، بل طريقًا لطمسها. ومصدر خطورة المقارنة اليوم أنها لا تجري مع أناسٍ حقيقيين، بل مع صور افتراضية صنعتها الفلاتر. فالحياة المعاصرة تُدار إلى حدٍّ كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت عند كثيرين عمود الحياة لا مجرد جزء منها. لكن ما نراه هناك ليس حياة حقيقية؛ بل حياة مفلترة: مظهرٌ معدَّل، ورفاهٌ مبالغ فيه، ومشكلاتٌ مخفية، وصورٌ تُخفي كل ما هو عادي أو ناقص. وعندما تقارن نفسك بهذه النسخ المصنوعة، فأنت في الحقيقة تقارن نفسك بشيء غير موجود أصلًا، ولذلك لن ترضى عن حياتك مهما حاولت. قبل سنوات كان الناس ينتقدون المكياج لأنه يُظهر صورة غير دقيقة عن الواقع. واليوم، مع الفلاتر الرقمية، تضاعف الوهم أضعافًا؛ فلم يعد الأمر تحسين مظهر، بل صناعة نسخة مثالية لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. والآخرون، كذلك، يرونك بصورة مثالية غير واقعية، كما تراهم أنت. لهذا كلّه: احذر، فوسائل التواصل فيها فلتر قاتل!

منذ بداية توقيف الناشط الإماراتي #جاسم_الشامسي في سورية حاولتُ الاستفسار عن قصته من الأصدقاء ومن أصدقاء الأصدقاء في الجهات المعنية في دمشق، وبلغني أن الرجل بخير وأن الملف له تشعبات ما زالت قيد التحقيق، والمهم أنه ليست هناك نية لتسليمه إلى حكومة الإمارات التي تتعقبه. وقدمتُ نصيحتي المتواضعة لهم بتقديم بيان للرأي العام واحتواء الجدل، ولا أدري عن حساباتهم وأولوياتهم، وربما لو كنتُ مسؤولا عن الملف سأضطر للصمت وتجاهل النقاش العام والانشغال بحلّ تعقيدات الملف. أرى أحيانا طرفا من الجدل في هذه القضية على مواقع التواصل، ومنها ما ينشره ناشطون إماراتيون عن تسريبات تفيد بنية تسليمه، وهو أمر أستبعده ولا أعرف دليلهم عليه، وأرى جدلا آخر عن ربط ملف الشامسي بملف عصام بويضاني المعتقل لدى الإمارات منذ بدء التحرير، ولستُ مطلعًا على أي تفاصيل خاصة تؤكد هذا الربط أو تنفيه. أكتب هذا المنشور لكثرة الرسائل والتعليقات التي تطالبني بالتعليق على ملف الشامسي، مع أني لست صاحب قرار، وقد لا يكون لرأيي أيضا أثر مهم، لكن أكتب الآن ليعلم الإخوة المهتمون بمصير الناشط الإماراتي أننا متفقون على ضرورة الضغط لمنع أي خطوة لتسليم أي ناشط سياسي لأي حكومة، وأني كنتُ أحاول القيام بالواجب عبر التواصل الخاص أكثر من مرة بدلا من التعليق العام، لا سيما أن الملف معقد وأني لا أعرف كل تفاصيله. أدعو لمواصلة الضغط وإعلان التضامن، فحتى لو كان الشامسي يتلقى معاملة جيدة أثناء التحقيق فمن حق عائلته الاطمئنان عليه. وأعترض على بعض الإخوة الذين كتبوا -بدافع الحمية والحرص- انتقادات للحكومة السورية واتهامها بخيانة الشعوب مع أنهم لم يطلعوا على مجريات التحقيق، وأذكّرهم بالتحديات الوجودية الهائلة التي تواجهها هذه الحكومة مما لا يخفى على أحد. والفرق كبير بين الضغط للمطالبة بالعدل وبين التخوين المبني على الظن. أكرر أني لست مسؤولا ولا صاحب قرار، وأني مجرد ناشط وكاتب ومراقب، وأؤكد أني أغلّب حسن الظن في الحكومة السورية الحالية عمومًا بناء على معرفتي وعلاقاتي الشخصية التي لا أُلزم بها أحدًا، وهذا لا يعني التنزيه والتقديس واستبعاد وقوع الخطأ الذي يستدعي الإنكار. وأدعو لعائلة الشامسي بأن يعود إليهم سالما. والله أعلم. - أحمد دعدوش.

أخطرُ ما يعترض المتشرِّعة أن يُقيموا قاعدةً كلية يتوهّمون عمومها، ثم يُنزِّلون عليها الجزئيات من غير تحرٍّ لحدودها ومحلّ عملها. فإذا عرضت لهم جزئياتٌ ظاهرُها الخروجُ عن القاعدة، حمّلوها التأويل دفعًا للتعارض، مع أنّ مقتضى النظر الأصولي أن تُعرَض القاعدة على الجزئيات، لا أن تُحمَل الجزئيات على قاعدةٍ لم تُضبط شروطها. ومن تمام المنهج الأصولي أن العموم لا يُغني عن الفحص التفصيلي؛ فالفاعلُ المكلَّف مأمورٌ بتحقيق المناط في كل واقعة، لينظر: هل تدخل تحت القاعدة بدليل معتبر، أم تمتاز بوصفٍ يقتضي خروجها؟ فمن جَمَدَ على قاعدةٍ توهّم إحكامها، ثم ألغاها عند اختلاف الوقائع، فقد جعل هواه حكمًا، وإن ظنّ أنه يتحاكم إلى أصل شرعي. ومن أظهر الشواهد على هذا الخلل ما يقع في استعمال قاعدة “المصالح والمفاسد” أو “الضرورات”؛ إذ يتخذها بعضُ الملتزمين بمتبوعٍ ما ذريعةً لتصحيح كل فعل يصدر عنه، سواء وافق القاعدة فعلاً أو كان مجرد توهّمٍ وتصريفٍ لمسلكٍ لا يسوّغه الشرع. والأَوْلى بمن أراد الاتساق أن يحكم على الجزئية المخالفة للشرع بما تستحق، لا أن يجعل متبوعَه فوق الميزان الشرعي فيُؤوِّل له كل زلّة. وليس من مقتضيات المتابعة أن يكون المتبوع معصومًا؛ فالعصمةُ قد خُتِمت بموت النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن للمرء أن يلازم متبوعه ويستمر في تأييده في الجملة، اتّباعًا لموازنات معتبرة، من غير أن يلتزم تصويب خطئه أو تأويل زلّته. أمّا من جعل الولاء مقتضيًا لتصحيح كل قولٍ وفعل، فقد أثبت لمتبوعه حظًّا من العصمة التي لم تُكتب لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التعميم هو محاولة الإمساك بالعالم بقبضة واحدة؛ مريح ذهنيًا، لكنه غالبًا كسل معرفي. كلما زاد التعميم، قلّت القدرة على رؤية التعقيد، وازدادت المسافة بين الفكرة والواقع. ولهذا قيل: "العلم معرفة الاستثناء"؛ فالاستثناء هو اللحظة التي يتشقق فيها السطح، فتظهر البنية العميقة التي تُخفيها القاعدة العامة، أو القالب. الاستثناء يُعلّم القاعدة، يعيد تشكيلها، يكشف حدودها، ويمنعها من التحول إلى يقين مزيّف. تأمل حال هؤلاء الصغار الذين يكثرون من إطلاق أوصاف مثل: جهمي، مدجن، مرتد، وغيرهم في كل الاتجاهات والأفكار. (لا أريد أن يضيق مثالي حيز المقال والقاعدة) ستجد أن جميعهم يقتربون من السطحية الفكرية، كلما زادت إطلاقاتهم وتعميماتهم، إذ التعميم المفرط هو علامتهم الأبرز.

ليس الاجتماع البشريّ فراغًا تتحرك فيه الكائنات اعتباطًا، بل لا بدّ له من مركزٍ يلتف الناس حوله؛ مركزٍ يحدّد ما هو مقدّس، وما هو محلّ الولاء، وما هو معيار الحقّ والباطل. وفي الدولة الحديثة، ورغم ما قيل طويلًا عن أنّها “دولة المواطن” و“دولة الحقوق”، إلا أنّ الممارسة التاريخية والواقع المعيش يكشفان عن انقلابٍ هادئٍ وخفيّ: المركز لم يعد الإنسان، بل الوطن. والوطن هنا ليس الأرض والناس، بل الدولة بوصفها كيانًا اعتباريًا تمثّل السلطة والنظام والحدود والشعار والعَلَم. هذا التحوّل غيّر بنية الاجتماع جذريًا؛ إذ صار المواطنون يتعاملون مع الدولة وكأنّها الغاية العليا، لا الوسيلة، ومع الوطن وكأنّه الذات الكبرى التي تستحق أن تُفدى بكل شيء، حتى بالمواطن نفسه. جاءت الحداثة السياسية بشعار كبير: المواطن هو مصدر الشرعية، وهو الأصل الذي تُبنى عليه الدولة. لكن ما حدث فعليًا هو أنّ الدولة سرعان ما استعادت المركز، وأعادت الإنسان إلى الهامش. فظهرت صيغة جديدة للاجتماع تقوم على: وطنٍ هو المركز، ومواطنٍ هو الأداة. وهكذا، صار الوطن هو “القيمة العليا” التي تُقاس بها كلّ القيم الأخرى: مصلحة الوطن، كرامة الوطن، هيبة الوطن… بينما تُترك “مصلحة المواطن” في ذيل القائمة، إن ذُكرت أصلًا. هذا الانقلاب لم يكن مصادفة، بل جزءًا من هندسة معرفية تُعيد ترتيب الوعي بحيث يرى الفرد ذاته من خلال الوطن، لا يرى الوطن من خلال ذاته. الوطنية هنا ليست موقفًا سياسيًا يتبناه الناس عن وعي، بل هي بنية شعورية تُزرَع في نفوسهم منذ الطفولة: في الكتب المدرسية، والأناشيد الصباحية، والاحتفالات الرسمية، والإعلام، والرموز البصرية. يُنشَّأ الإنسان على أن: حياته تُقاس بقدر ما يخدم الوطن. ألمه الخاص “تضحية وطنية”. فقره الشخصي “ظرف قومي”. خوفه وذلّه “ثمن الاستقرار”. بهذا التكوين، لا يكذب المواطن على نفسه حين يتباهى بـ“إنجاز وطني” لا يناله منه شيء؛ ولا يتناقض عندما يفتخر بقوة الدولة وهو شخص ضعيف؛ ولا يرى مفارقة حين يفدي الوطن بنفسه وهو لم يحصّل حقًا بسيطًا من حقوقه. ذلك أنّ الوطنية هنا ليست وعيًا نقديًا، بل تكوين نفسي: طريقةٌ في الشعور قبل أن تكون طريقةً في التفكير. أخطر ما تنتهي إليه مركزية الوطن أنّها تجعل التضحية بالمواطن أمراً مقبولاً بل واجباً: تُسوَّغ البطالة بأنها “ظروف وطنية”. يُبرَّر القمع بأنه “حماية للوطن”. يُطلب من المواطن الصبر باسم “الصالح العام”. ويتحمّل وحده نتائج السياسات، بينما تنسب الدولة نجاحاتها لنفسها لا لأبنائها. بهذا المنطق، يصبح المواطن مادة خام في مشروع الدولة: يُستهلك، يُستخدم، ويُطلب منه الامتثال الدائم لخطاب رسمي يحمّلُه المسؤولية دائمًا ويعطيه الفضل نادرًا. وبينما يتجرّع الفرد الذلّ والفقر والخوف، تراه يفاخر بما يسمّيه “إنجازًا وطنيًا” وكأنه تعويض نفسي عن فقدان الذات. إنه لا يخدع نفسه؛ هو فقط يفكّر بالطريقة التي دُرِّب على أن يفكّر بها. في هذا النمط من الاجتماع، يصبح الوطن أشبه بمعبودٍ رمزيّ تُقدَّم له القرابين اليومية: الوقت، والمال، والطاعة، والأعمار. يحظى الوطن بكلّ القداسة بينما يُجرد الإنسان من قداسته. وتُصنع سردية دولةٍ قويةٍ باهرة، بينما يظلّ المواطن فردًا هشًّا وحيدًا أمام مؤسساتها. وهنا يولد التناقض الأكبر: وطنٌ يتباهى بإنجازات لا تعود على أبنائه، وأبناءٌ يحتفلون بوطنٍ لا يلتفت إليهم.

«وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة تماماً تؤثر في وجداننا وتعيد صيانة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، إذ أن أولئك الذين يشاهد أطفالهم توم وجيري، ويرتدون التيشيرت، ويشاهدون الأفلام الأمريكية (إباحية كانت أم غير إباحية)، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كماً هائلاً من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم المحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجه علماني شامل ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أية دعاية صريحة أو واضحة.. وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة. ونظراً لعدم إدراك البعض لأشكال العلمنة البنيوية الكامنة هذه، فإنه لا يرصدها، ولذا، يخفق هذا البعض في تحديد مستويات العلمنة الحقيقية، وعلى هذا، فقد يُصنف بلد باعتباره إسلامياً (مثلاً) لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة التي أشرنا إليها.» عبد الوهاب المسيري، الموسوعة.

#جاسم_الشامسي رجلٌ وقف مع إخوانه في سوريا، نصر قضاياهم، تألم لألمهم، شاركهم أحزانهم..ثم لما فرج الله عنهم شاركهم فرحتهم ولجأ
#جاسم_الشامسي رجلٌ وقف مع إخوانه في سوريا، نصر قضاياهم، تألم لألمهم، شاركهم أحزانهم..ثم لما فرج الله عنهم شاركهم فرحتهم ولجأ إلى ديارهم..وقد صاهرهم فتزوج منهم.. هذا الرجل حقه أن يكرم ويحترم أُخوةً في الدين و وفاء لما قدَّمه. فقد قال نبينا ﷺ: "حسن العهد من الإيمان". وقال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" أطلقوا سراح #جاسم_الشامسي

https://youtu.be/UMGGgEPS4DU?si=HlAaptIDGe-y_GeF "الإبراهيمية" ديانة التخذيل عن الجهاد

الداروينية الاجتماعية هي المنطلق الذي تبنى عليه كثير من خطابات التحفيز المالي المنتشرة على وسائل التواصل، وفيها أن الغني غني
الداروينية الاجتماعية هي المنطلق الذي تبنى عليه كثير من خطابات التحفيز المالي المنتشرة على وسائل التواصل، وفيها أن الغني غني لذكائه واستحقاقه، والفقير فقير بسبب مؤهلاته وانعدام موهبته!

مهما بلغت النخبة من العلم والوعي، ومهما اتّسعت فيها روح البذل والتضحية، فإنّها -بطبيعتها المحدودة عددًا وتأثيرًا- لا يمكن أن تنهض وحدها بتجربة إصلاحية مكتملة. فالنخبة أفراد معدودون، أمّا المجتمعات والعوام -سمِّهم ما شئت- فهم القاعدة الواسعة التي لا غنى عنها في أي مشروع تغييري، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال تجاوزهم أو الاستغناء عنهم. ومن هنا يصبح وجود خطاب موجَّه للعامة ضرورة لا ترفًا. غير أنّ من أكبر مشكلات الحركات الإسلامية، ولا سيما ذات الطابع الجهادي، أنّ خطابها الرئيس يتوجه غالبًا إلى طلاب العلم والخواص الذين يملكون أصلًا من الإيمان والحماسة ما يكفي ليحملهم على التضحية بالنفس. أمّا الخطاب الموجَّه للعامة، الذي يبني الوعي، ويصوغ القناعات، ويؤهّل الجماهير لحمل مشروع الإصلاح، فهو نادرٌ أو يكاد.

حين يُعاد تسمية «الخطأ» بوصفه «ابتلاءً»، يُكرَّر ألفَ مرة؛ وحين يُجمَّل «سوءُ التخطيط» باسم «التوكّل»، يُقبَل عليه كأنه عبادة. وعندئذٍ تفقد الحركاتُ الدينية قدرتَها على إدراك علّتها، فتغدو الهزيمةُ دورةً تتجدّد بلا نهاية. وأخطرُ ما يلمّ بالحركات الإسلامية أن تتحصّن ضدّ النقد بسياجٍ من المقدَّس المتوهَّم؛ فليس الخطأُ حينذاك واقعةً تُصحّح، بل قدرًا يُستسلَم له، فتضيع معه كلُّ فرص الإحياء والإصلاح.

إنَّ التجاربَ الإصلاحية، على تنوّع مساراتها وتباين طرائقها، مطالَبةٌ بأن تُوجِّه بصرها إلى المشترك الذي يجمعها، لا إلى المختلف الذي يفرّقها؛ فحين يكون الدافع واحدًا، والغاية رضا الله، تتّسع دوائرُ العذر، ويُفهَم اجتهادُ كلِّ تجربة في سياقها الصحيح. ثم إنّ من لوازم النظر الرشيد إدراكَ تعقيد الواقع المعاصر، فهو واقعٌ لا يُقاس بسهولة بأي واقعٍ سابق؛ إذ تعقيده يربك حتى أهل الخبرة، ويجعل طرق الحلّ غير واضحة المعالم. وهذا التعقيد نفسُه يفرض مزيدًا من التروّي في الأحكام، ويُوسّع دائرة الفهم والاعتذار. كما يجب التفريق بين الحكم الشرعي على الفعل في ذاته -وهو ما دل عليه الدليل من حيث الأصل- وبين تنزيل الحكم على المكلّف بحسب الزمان والمكان والقدرة والمصلحة -وهو باب فقه الواقع واستجماع القرائن- وبين الحكمة في إظهار الحكم أو كتمانه، وهو باب آخر له صلته بالمقاصد والسياسة الشرعية، لا بمجرد الفتيا النظرية. وخلط هذه المراتب يؤدي إلى اضطراب في الفهم، وربما إلى إفسادٍ في الحكم وتنزيله. فالصواب الشرعي ليس مجرد مطابقة حكمٍ لنصّ، بل تحقيقٌ لمناطه، واعتبارٌ لواقعه، وتقديرٌ لمآلاته، حتى يجتمع «نور الوحي» و«بصيرة الفقه» و«حكمة السياسة الشرعية». ومن اجتمعت له هذه الثلاث رأى طريق الإصلاح على حقيقته: طريقًا يحتاج إلى علمٍ راسخ، وصبرٍ واسع، ونيةٍ خالصة، لا إلى حدّة أحكام أو ضيق أعذار.

ما معنى مقولة: "الناس على دين ملوكهم"؟ وكيف يُعملها الطغاة في الواقع؟ يعمد الطغاة إلى إعادة تشكيل المجتمعات من جميع الجوانب العلمية والعملية، بحيث لا يتبقى أي صوت ناقد أو مقاوم. وتُستخدم الشعوب -في رؤيتهم- كأدوات ووسائل لتحصيل الملذّات لصالح النخبة الحاكمة، دون إثارة أي ضجيج. وتتمثّل الآليات التي يعتمدونها في التالي: 1. هندسة الوعي عبر احتكار السردية السلطة لا تكتفي بالحكم بالقوة، بل تحكم بما ترويه عن نفسها وعن الواقع. فهي تعيد صياغة القصة العامة: من هو العدو؟ من هو الصديق؟ ما معنى التقدم؟ ما معنى الوطنية؟ وتستخدم لذلك: الإعلام الموجَّه - السينما والدراما - منصّات التواصل - المناهج المدرسية - الرموز والشعارات. وهكذا يرى الناسَ العالمُ بعيون السلطة، لا بعيونهم. 2. بناء نمط "الإنسان النموذجي" كل سلطة تحاول إنتاج نموذج معيّن من البشر: - السلطة العسكرية تريد إنسانًا منضبطًا، يُعلي من قدرها ويرى فيها طبقة أعلى من بقية المجتمع. - السلطة الأيديولوجية تريد مؤمنًا بالعقيدة الرسمية. - السلطة النيوليبرالية تريد مستهلكًا مطيعًا. ويتم ذلك عبر: القدوة الإعلامية، الرموز، القصص الناجحة، الخطاب الديني الرسمي، الأغاني الوطنية، والبطولات المصنوعة في المختبر الإعلامي. 3. هندسة الخوف الخوف أحد أعظم أسلحة السلطة. وليس الخوف من السجون فحسب، بل أيضًا من: فقدان الوظيفة - خسارة المكانة الاجتماعية - العزلة - الفوضى - "العدو" الخارجي أو الداخلي. وهكذا يُعاد تشكيل الشعب عبر حسابات البقاء والخوف والأمن الموهوم أكثر من حسابات المبادئ والقيم. 4. التحكم في الاقتصاد لتشكيل الطاعة عندما تسيطر الدولة أو الرأسماليات المرتبطة بها على: (الوظائف، الرواتب، العقود، الدعم، الضرائب) فإنها تحوّل الاقتصاد إلى آلية انضباط: تصبح لقمة العيش وسيلة لضبط السلوك، لا مجرد حاجة. والناس الأكثر فقرًا هم الأكثر قابلية لإعادة التشكيل، لأن حاجاتهم الأساسية تُدار من فوق. 5. صناعة الانشغال الدائم (هندسة الوقت والطاقة) تستنزف السلطة وعي الناس عبر: (البيروقراطية الطويلة، الضغوط الاقتصادية، ساعات العمل المفرطة، إثارة قضايا جدلية متواصلة، ترفيه لا نهاية له) فالإنسان المُرهَق لا يفكّر، وإن فكّر لا يقاوم. 6. إعادة إنتاج النخب الموالية السلطة لا تعمل وحدها؛ فهي تحتاج إلى بنية فكرية تُبرّر تصرفاتها. ولذلك تُنتج شبكة من النخب تتمثل في: مثقفون رسميون، رجال دين متماهُون، إعلاميون، أكاديميون، رجال أعمال، زعماء قبائل وعائلات. هؤلاء يعملون كوسطاء بين السلطة والشعب، ويعيدون تقديم خطابها في صورة "قابلة للاستهلاك". 7. استخدام القانون كأداة تشكيل لا كأداة عدل القانون في الأنظمة السلطوية ليس محايدًا، بل يُسنّ لحماية السلطة، ويُفسَّر لخدمة السلطة، ويُطبَّق بانتقائية. وهكذا يتعلم الناس -ببطء- أن المسموح والممنوع لا يُعرَف من القانون، بل من مزاج السلطة. 8. إعادة تشكيل القيم والأخلاق إن أخطر ما تفعله السلطة ليس ظلم الأفراد فحسب، بل إعادة تشكيل مفهوم الخير والشر على نحو يجعل الفساد طبيعيًا، بل في بعض الأحيان واجبًا. أولًا: إعادة تعريف الفضيلة والرذيلة تُعيد السلطة صياغة القيم وفق احتياجاتها، فتصبح: المصلحة الخاصة: "ذكاءً"، الفساد الإداري: "مرونة"، التملّق: "كياسة"، الطاعة العمياء: "وطنية" وحين يتبدّل معنى الأخلاق، يتبدّل معها وعي الناس وحدود ما يعتبرونه مقبولًا أو مذمومًا. ثانيًا: تطبيع الفساد عبر القدوة السيئة الناس يتعلمون بالسلوك لا بالشعارات؛ وحين يرى المجتمع أن: المنافقين يُرفَّعون، الفاسدين يعيشون في ترف، والشرفاء يُقصَون أو يُعاقَبون، حينها يترسّخ في الوعي الجمعي أن الفضيلة خاسرة، وأن الرذيلة هي الطريق المختصر للنجاح. وهذا هو الانهيار الأخلاقي الأعظم: أن يفقد الناس احترامهم للخير ذاته. 9. تحويل المواطن إلى مستهلك السلطات المعاصرة لا تريد مواطنًا ناقدًا، بل مستهلكًا متابعًا، مُنفعِلًا لا فاعلًا. فالإنسان الذي يُغرق وعيه بالسلع والترفيه أقل قدرة على الوعي السياسي. وهذه آلية تعتمد عليها الأنظمة النيوليبرالية أكثر من الأنظمة البوليسية القديمة.. وقد تتداخل الآليات وتتراكب بنسب مقدرة بحسب استطاعة كل نظام من تحصيل الآليات. 10. تفتيت المجتمع وصناعة الانقسامات تزرع السلطة -بوعي شديد- خطوط صدع داخل المجتمع: طائفة ضد طائفة طبقة ضد طبقة متدين ضد مدني قديم ضد حديث نساء ضد رجال وهكذا ينشغل المجتمع بصراعاته الداخلية، بينما تعيش السلطة فوق الضجيج.

ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يرون الإنسان إنسانًا، بل وظيفةً تُشغَّل، وموارد تُستثمر، وأرقامًا تُعاد صياغتها في جداول الربح والخسارة؟ إنهم لا يتعاملون معنا بوصفنا ذواتٍ واعية، لها حاجاتها وآلامها، بل باعتبارنا أشياء: عناصر في معادلة اقتصادية لا تعرف سوى العائد والجدوى. ولهذا فنحن بالنسبة لهم لسنا أكثر من مجرد حجر أو مطرقة: أداة تُستخدم ثم تُلقى جانبًا عند أول اهتراء. فهل رأوا حجرًا يبكي؟ أو مطرقةً تتوجّع؟ فلماذا تستنكر يا أيها الإنسان أيلامهم لك وقد نُزِعَت عنك صفتُك الإنسانية في وعيهم إذ يتسلّطون عليك؟ هكذا يُسقط العقل الرأسمالي المتوحّش -مهما تلحّف بالدين أو الشعائر أو اللغة الأخلاقية- فلسفة الأدوات على البشر؛ فيصبح الموظف موردًا، والعامل كلفةً، والإنسان «رأسمالًا بشريًا» يمكن استبداله عند الحاجة. بل قد يؤدي الرأسمالي منزوع الرحمة صلاته وهو يفكّر لا في تهذيب النفس، بل في تحسين آليات السيطرة على الآخرين، وتعذيب المقهورين، وإن سمى ذلك تجويد العمل. وهنا تظهر المفارقة: أن يمارس الإنسان عباداتٍ هدفها تقويم الروح، بينما يتعامل مع عباد الله كأنهم أجزاء في آلة لا كائنات لها كرامة وقيمة في ذاتها. ومن يقارن حال العامل اليوم بحال القنّ في الإقطاع، قد يظن أن التاريخ قد تقدّم وأن الوضع قد تحسّن… لكن المقارنة العميقة تكشف أن الفارق لم يكن دومًا في جوهر العلاقة بل في آلياتها. الإقطاعي كان يمتلك الأرض ومن عليها، أما الرأسمالي فيمتلك الزمن والطاقة والجهد؛ وكلاهما -إن غابت الأخلاق- ينتهي إلى النتيجة نفسها: إنسانٌ مفرّغ من إنسانيته، محكومٌ بنظامٍ يرى قيمته في ما ينتجه لا في ما هو عليه. إن الصراع الحقيقي ليس بين أنظمة اقتصادية فحسب، بل بين تصوّرين للإنسان: تصوّرٍ يرفعه إلى مقام الكرامة، وآخر يحوّله إلى كائن مُستعمَل، لا يرى العالم منه إلا ما يدرّه من نفع.

نحن نعيش حالةَ تيهٍ عامٍّ مكتملِ الملامح؛ لا مردَّها إلى سذاجةٍ منّا بقدر ما تعود إلى تعقيدات الواقع وتشابكاته. وكلُّ عثرةٍ في طريق إصلاح هذا الواقع ينبغي أن تتحوّل إلى درسٍ نتعلمه، لا حفرةٍ نسقط فيها مرّةً بعد أخرى. لقد أفضت حالةُ الحصار والتبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية التي انزلقت إليها المجتمعات الإسلامية إلى إطالة الطريق أمام أي مشروعٍ حقيقيٍّ للنهوض، وسيظل هذا الطريق ممتدًّا وشاقًّا إلا أن يشاء الله. ويبدو أن الأمر يحتاج أجيالًا تتبعها أجيال؛ كلُّ جيلٍ يخطو خطوةً، أو يضع لبنةً في صرح الإصلاح والبناء. وأُدرك أن دروب الإصلاح المنشود قد تتعدّد وتتباين، وأن بلوغ الغاية يتطلّب عملاً ممتدًّا يشمل مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية؛ فلا إصلاحَ حقيقيًّا ينجح ما لم يستوعب هذه الجوانب جميعًا، إذ إنّ كلًّا منها يتفاعل مع الآخر ويؤثّر فيه. غير أن المشكلة اليوم لا تكمن في غياب الرؤية أو نقص الوعي بسبل الإصلاح، بقدر ما هي في العوائق التي تُحارب أي محاولة جادّة لتغيير الواقع؛ عوائق تُغلق الأبواب وتضيّق المساحات، وتكرّس أنماطًا من النفوذ والتبعية تُعيق كلّ مسارٍ إصلاحي، عوائق يفرضها علينا أتباع السيد الغربي الذين يتحكمون في رقابنا!