295
Subscribers
No data24 hours
-37 days
-1030 days
Posts Archive
لدي الكثير لأخبرك به، لكن ساعي البريد رفض ان يوصل اليك الرسائل التي اكتبها اليك بحجة انها كثيراً جداً وثقيلة، لأنها تحمل كماً هائلاً من الخيبة والعتاب.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أراقب عامود الإنارة أكثر مما أراقبها، كنت أقف بعيدًا عنه وأتساءل، هل ينظر إليها بالطريقة نفسها التي أنظر بها، هل ينتظر خروجها كما أنتظر، هل يشعر بشيء عندما تمر من تحته، أم أنه مجرد عامود محترم يؤدي وظيفته دون أن يتورط في الحب، لكنني لم أعد أثق به، فكلما خرجت من منزلها، كان يضيء، يضيء، وكأنه يريد أن يقول لي، لقد رأيتها قبلك، وهذا بصراحة استفزني كثيرًا، قررت أن أواجهه ذات ليلة، وقفت أمامه وقلت، اسمع يا أخي، أنا الذي كلّفت العصفور بمراقبتها، وأنا الذي قضيت شهورًا أختبئ خلف الأشجار، فلا تحاول أن تأخذ مني دوري الآن، لم يجب، ظل واقفًا مكانه، باردًا، طويلًا، ومغرورًا بذلك الضوء الذي يخرج من رأسه، عرفت حينها أنني أمام منافس خطير، عدت إلى منزلي تلك الليلة، ولم أنم، كنت أفكر فيها، وفي عامود الإنارة، وفي الرجل الذي مات من شدة جمالها، وفي بائع الحشيش الذي تاب، وفي موصل البيتزا الذي فُصل من عمله، قلت لنفسي، كم حياةً أخرى ستدمر هذه المرأة دون أن تعرف، ثم ضحكت، لأن الحقيقة أن حياتي كانت قد تدمرت قبل الجميع، وفي الصباح، خرجت كعادتها لشراء الخبز، لكن هذه المرة لم أراقبها، قررت أن أتركها تعيش يومها دون أن أكون خلفها، مشيت بعيدًا، خطوت عشر خطوات فقط، ثم عدت، لا أعرف لماذا، ربما لأن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن كل شيء، إلا الشيء الذي جعله يشعر بأنه حي، وقفت خلف الشجرة نفسها، نظرت إليها، كانت تضحك مع امرأة من القرية، ضحكتها كانت تصلني بوضوح، وفجأة، أدركت أن أكثر ما يؤلمني ليس أنها لا تحبني، بل أنها سعيدة بدوني، هذه الفكرة وحدها كانت كافية لتجعلني أشعر بأنني كنت أعيش حياتي كلها في المكان الخطأ، هي لم تكن شريرة، لم تؤذني، لم تعدني بشيء، لم تقل لي يومًا إنها تحبني، أنا وحدي من صنعت الحكاية، ثم غضبت منها لأنها لم تعشها معي، وفي تلك اللحظة، نظرت إلى عامود الإنارة، كان يراقبها أيضًا، فقلت في نفسي، يبدو أننا وقعنا في المصيدة نفسها، ثم انطفأ، لأول مرة، شعرت أنني لست الوحيد الذي خسر.
كيف يولد الإنسان وفي فمه ملعقةٌ من ذهب؟!!
اين كان اجدادي عندما كان يوزع الإرث؟
الحياة ليست عادلة حتى مع جدّي السّابع.
الحياة ليست عادلة، بل هيَّ متحيّزة تدّعي الحياديّة، وغالباً ماتنحاز للسيّئين رغم انني فتىً سيئ إلى انها دائماً ضدي.
دخلت بُثينةُ يومًا علىٰ عبد الملك بن مروان
فـ قال لها:
ما لي لا أرىٰ فيكِ مما كان يلهجُ به جميل؟
فـ قالت:
يا أمير المؤمنين، إنَّه كان يرنو إليَّ بـ عيْنَين لَيْستَا في رأسك!
نجح أهل بثينة وعشيرتها في تشديد الرقابة على فتاتهم، ومنعها من لقائه، كان أهل جميل بالمقابل يشدون من أزره، ويحثونه على هجرها ومبادلتها الصد بالصد. لكن مكابرته لم تكن لتدوم طويلاً، فنظم من الشعر ما يصل إلى الشعور الممض بالذنب،
كقوله لها:
لا تحسبي أني هجرتك طائعاً
حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري
يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ
يتبعْ صداي صداك بين الأقبرِ
ما أنتِ والوعد الذي تعدينه
إلا كبرق سحابةٍ لم تمطرِ
أتوق جدًا إلى زيارة دمشق، أو إن صح التعبير، إلى العيش فيها. أشعر أن الحياة في دمشق، رغم بساطتها، هي حياة حقيقية، حياة تشبه الأشياء التي فقدناها دون أن نشعر. زقزقة العصافير في الصباح، ورائحة الخبز، وهدوء الأزقة، ووجوه الناس التي لا تستعجل شيئًا.
ربما لهذا أتوق إليها، لا كمدينة أريد زيارتها فحسب، بل كحياة أتمنى أن أعيشها. حياة بسيطة، هادئة، وقريبة من القلب.
هيّ سيدة جميلة جداً.. جميلة اكثر وأبعد بكثير مما يمكن أن تتخيله ياعزيزي القارئ،
وأنا رجل بسيط من قرية نائية وباهتة، هيَّ أميرة فاتنة لها خدم، وأنا هنا في الصباح استمرّ في رعاية الغنم.
ألم أخبرك سابقاً انها
مستحيلة؟
