en
Feedback
وَالْتقَتْ حَلَقَتا البِطانِ

وَالْتقَتْ حَلَقَتا البِطانِ

Open in Telegram

اللهمّ إنا نعوذُ بك من العجزِ و الكسلِ تواصل: @AbdElbadea1

Show more
1 228
Subscribers
No data24 hours
-47 days
-1930 days

Data loading in progress...

Tags Cloud
No data
Any problems? Please refresh the page or contact our support manager.
Incoming and Outgoing Mentions
---
---
---
---
---
---
Attracting Subscribers
September '26
September '26
+3
in 0 channels
August '26
+7
in 0 channels
Get PRO
July '26
+6
in 0 channels
Get PRO
June '26
+4
in 0 channels
Get PRO
May '26
+2
in 0 channels
Get PRO
April '26
+5
in 0 channels
Get PRO
March '260
in 0 channels
Get PRO
February '26
+2
in 0 channels
Get PRO
January '26
+2
in 0 channels
Get PRO
December '25
+7
in 0 channels
Get PRO
November '25
+1
in 0 channels
Get PRO
October '25
+3
in 0 channels
Get PRO
September '250
in 0 channels
Get PRO
August '25
+2
in 0 channels
Get PRO
July '25
+2
in 0 channels
Get PRO
June '25
+2
in 0 channels
Get PRO
May '25
+1
in 0 channels
Get PRO
April '25
+1
in 0 channels
Get PRO
March '25
+7
in 0 channels
Get PRO
February '25
+3
in 0 channels
Get PRO
January '25
+9
in 0 channels
Get PRO
December '24
+8
in 0 channels
Get PRO
November '24
+153
in 0 channels
Get PRO
October '24
+370
in 1 channels
Get PRO
September '24
+422
in 0 channels
Get PRO
August '24
+555
in 0 channels
Get PRO
July '24
+341
in 0 channels
Get PRO
June '24
+306
in 0 channels
Get PRO
May '24
+102
in 0 channels
Get PRO
April '24
+5
in 1 channels
Get PRO
March '24
+15
in 0 channels
Get PRO
February '24
+173
in 2 channels
Get PRO
January '24
+409
in 3 channels
Get PRO
December '23
+730
in 0 channels
Date
Subscriber Growth
Mentions
Channels
07 September0
06 September+2
05 September0
04 September0
03 September+1
02 September0
01 September0
Channel Posts
"(مُحكم ‏الود، ومتشابه الزلل). من الخلل في الموازنات وتقييم العلاقات أن ترى عشرات المواقف التي تدل على المحبة وموقفا واحدا يحتمل الإساءة، فتقدم محتمل الإساءة على ما ثبت بيقين الودّ، وكان الأولى بك أن تحتمل صريح الإساءة إكرامًا لسابق العهد؛ "وإذا كانت التوبة تجب ما قبلها من الذنوب، فالفضل يشفع لما بعده من العثرات". ومما يُروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: (لا يحل لامرئٍ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا)، وهذا في حق عموم المسلمين، فما ظنك بآحادهم ممن يجمعك معهم تاريخ ممتد من الصدق والمودة؟! فالخلاصة أن من تواتر لك صدقه في محكم أفعاله، وجب عليك أن تتجاوز عن متشابه زلاته."

2
[١٣] الصفنة: الوعاء. [١٤] الأكرع: جمع كُراع، وهو عظم الساق العاري اللحم. [١٥] الفرق: أي الخوف. [١٦] أي: وعاءهما الذي يحمل فيه الكتاب. [١٧] أخرجه أبو نعيم من طريق إسحاق بن إبراهيم به (الحلية ٥/ ١٣٥) وسنده ضعيف لأن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص ٩٩). [١٨] سبق تخريجه وتضعيفه قبل روايتين. [١٩] أخرجه أبو داود من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة به (المراسيل ح ٤٥٥) وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي قلابة وعمر - رضي الله عنه -. - تفسير ابن كثير (العربية)
17
3
علمنا، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم الله - صلى الله عليه وسلم -؟ السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوكون" قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبك رسولًا، ثم نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [١١]. وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرًا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق به [١٢]، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه. قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر، أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر - رضي الله عنه -، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنة [١٣] فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئًا؟ فقالا: لا، قال سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديًا يقول قولًا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم فأتيت بأديم، فأخذ يُملي عليَّ حتى كتبت في الأكرع [١٤]، فلما رجعت قلت: يا نبي الله .. وأخبرته. قال: "ائتني به" فانطلقت أرغب عن الشيء رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: "اجلس اقرأ علي" فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا هو يتلون، فتحيّرت من الفرق [١٥]، فما استطعت أن أجيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسمًا رسمًا فيمحوه بريقه، وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا وتهوكوا" حتى محا آخره حرفًا حرفًا. قال عمر - رضي الله عنه -: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكالًا لهذه الأُمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئًا أبدًا، فخرجا بصُفنيهما [١٦]، فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها [١٧]. وهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه [١٨]، وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه [١٩]، والله أعلم. [١] أخرجه الطبري بطريقيه وكلاهما ضعيف، فالأول فيه أيوب وهو ابن سيار الزهري وهو ضعيف (لسان الميزان ١/ ٤٨٢)، والطريق الثاني ضعيف لأنه مرسل، وكلا الطريقين لهما شاهد كما يلي. [٢] أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وكذا ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا مختصرًا، وأخرجه إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد به، وحسنه الحافظ ابن حجر (إتحاف الخيرة ١/ ٢٣٨ ح ١٦٢)، وأخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن راهويه به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٥)، ومن الطريق نفسه أخرجه الضياء المقدسي (المختارة ٣/ ٢٦٥ ح ١٠٦٩) وحسنه محققه. [٣] أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن أبيه عن المسعودي به، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، ولأن عون أرسله، وعون هو ابن عبد الله بن عتبة، ويشهد لبعضه سابقه. [٤] التهوك: الوقوع في الأمر من غير روية. [٥] أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦)، وضعف سنده محققوه لضعف مجالد وهو ابن سعيد، ونقل الحافظ ابن حجر عن البخاري أنه لم يصح (الإصابة ٤/ ٣٠). [٦] أخرجه الإمام أحمد بسنده ولفظه (المسند ٣٠/ ٢٨٠ ح ١٨٣٣٥)، وضعف سنده محققوه لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي. [٧] السوس: بلدة من كور الأهواز (معجم ما استعجم ٢/ ٧٦٧). [٨] القناة: العصا المستوية (لسان العرب ١٥/ ٢٠٣). [٩] دانيال قيل: هو أحد أنبياء بني إسرائيل ممن وقع في أسر بختنصر فأتى به مدينة بابل، في العراق، ثم توفي ودفن في مدينة السوس (ينظر: فتوح البلدان ص ٥٣٣، وتاريخ الطبري ٣/ ١٨٧، والفتاوى ١٥/ ١٥٤). [١٠] أي: الماء الحار (لسان العرب ١٢/ ١٥٣). [١١] قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة (مجمع الزوائد ١/ ١٨٢). [١٢] أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق به.
14
4
﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ بِما أَوحَينا إِلَيكَ هذَا القُرآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِ لَمِنَ الغافِلينَ﴾ [Yūsuf: 3] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حكّام الرازي، عن أيوب، عن عمرو هو ابن قيس الملائي، عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قصصت علينا؟ فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلًا [١]. وقال أيضًا: حدثنا محمد بن سعيد العطار، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خالد الصفار، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن. قال: فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ثم تلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ. . .﴾ الآية [لزمر: ٢٣] وذكر الحديث، ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به [٢]. وروى ابن جرير بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملَّة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن يعنون القصص، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا الحديث، فدلَّهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلَّهم على أحسن القصص [٣]. ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كافٍ عن كل ما سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، أنبأنا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: فغضب، وقال: "أمتهوّكون [٤] فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني" [٥]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فسري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين" [٦]. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مسعر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس [٧]، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة [٨] معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر: اجلس فجلس، فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ [٩] قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم [١٠] والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنّك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما هذا في يدك يا عمر؟ " قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى
13
5
وهذا بالضبط ما يصرح القرآن بأنه يفعله. لذلك يرى المسلم أن انتقائية القرآن ليست مجرد اختصار أدبي، بل نتيجة طبيعية لوظيفته ككتاب هداية. أما عندما نجد نصًا يضم بجانب العقيدة والتشريع كميات كبيرة من التفاصيل النسبية والتقنية والمحلية والتاريخية، فمن المشروع أن نسأل: هل نحن أمام خطاب إلهي موجه إلى البشرية، أم أمام مجموعة من النصوص التي تجمع بين التاريخ والتشريع والأنساب والسرد الديني؟ هذا السؤال لا يحسم القضية وحده، لكنه سؤال مشروع جدًا عند مقارنة طبيعة النصين. الخلاصة أقوى نقطة ليست أن نقول: "القرآن مختصر والكتاب المقدس طويل." بل: القرآن ينتقي. ينتقي من القصة ما يخدم الهداية. يكرر القصة عندما يكون التكرار نفسه ذا وظيفة. يحذف عندما لا يحتاج السياق إلى التفاصيل. يغير زاوية السرد بحسب المقام. ويترك معلومات كثيرة كان يمكن أن يذكرها لو كان هدفه مجرد كتابة تاريخ مفصل. ولهذا يقول: «﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» فالقصة ليست الهدف. العبرة هي الهدف. ومن المنظور الإسلامي، فإن هذا الأسلوب ينسجم بصورة عميقة مع طبيعة القرآن باعتباره كلام الله الموجه إلى هداية البشر، لا مجرد كتاب تاريخ يروي كل ما يمكن أن يروى. ومع ذلك، فالإنصاف يقتضي أن نقول: هذا لا يثبت وحده أن القرآن من الله، ولا يثبت وحده أن الكتاب المقدس بشري؛ لكنه يصبح جزءًا من حجة تراكمية أقوى عندما يُدرس مع حفظ النص، واللغة، والاتساق، والبنية، والمحتوى العقدي، وطبيعة الوحي في كل منهما.
11
6
لاحظ شيئًا مهمًا: القرآن لا يعطيك عددهم بشكل مباشر باعتباره معلومة تاريخية هي محور القصة. لماذا؟ لأن عددهم ليس هو الدرس. الدرس هو الإيمان، والثبات، والقدرة الإلهية، والبعث. وهذا مثال ممتاز على الفكرة التي نتحدث عنها: القرآن يعرف المعلومة، لكنه لا يجعل كل معلومة جزءًا من الرسالة. 5. هل هذا مجرد أسلوب أدبي بشري؟ هنا نصل إلى النقطة الأهم. قد يقول شخص: "حسنًا، ربما كان محمد ﷺ كاتبًا ذكيًا، واستخدم أسلوبًا مختصرًا." وهذا احتمال يجب التعامل معه بجدية إذا أردنا أن تكون حجتنا عقلانية. لكن المسلم لا يعتمد على الاختصار وحده. إنما ينظر إلى الصورة الكاملة: القرآن يستخدم القصص بطريقة انتقائية للغاية، لكنه في الوقت نفسه يعيد بناء القصة داخل سياقات مختلفة، ويغير زاوية العرض، ويكرر بعض المشاهد، ويحذف أجزاء، ويضيف أجزاء أخرى، دون أن يبدو أن الغرض هو تقديم سيرة تاريخية كاملة. وهذا الأسلوب متوافق بصورة شديدة مع تعريف القرآن لنفسه: «﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾» و: «﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾» و: «﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» فالقرآن لا يقدم نفسه ككتاب تاريخ. إنه كتاب هداية يستخدم التاريخ والقصة لخدمة الهداية. 6. وماذا عن تفاصيل الكتاب المقدس؟ هنا يجب أن نكون منصفين. وجود التفاصيل في الكتاب المقدس لا يثبت وحده أنه ليس وحيًا. لكن بعض التفاصيل تجعل القارئ يتساءل عن طبيعة النص ووظيفته. خذ مثلًا سفر أخبار الأيام الأول. تبدأ أجزاء كبيرة منه بسلاسل طويلة من الأنساب: «آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ...» ثم تستمر قوائم الأسماء والأجيال والقبائل. ثم نجد تفاصيل عائلية وقبلية وأسماء كثيرة. قد يقول المسيحي إن الأنساب مهمة لإثبات النسب والتاريخ، وهذا تفسير ممكن. لكن من منظور القرآن، هناك اختلاف جذري في فلسفة النص: القرآن لا يحتاج إلى أن يخبرك بكل أسماء الأجداد حتى يثبت لك رسالة نبي. 7. مثال أكثر غرابة: تفاصيل بناء خيمة الاجتماع في سفر الخروج، توجد فصول طويلة مخصصة لتفاصيل بناء خيمة الاجتماع وأدواتها وموادها وأبعادها وملابس الكهنة. مثلًا: «"ويكون طول كل شقة ثمانيًا وعشرين ذراعًا، وعرض الشقة الواحدة أربع أذرع..."» ثم تستمر التفاصيل في وصف المواد والأبعاد والأعمدة والأغطية والأدوات. مرة أخرى، لا نقول إن هذه المعلومات "بلا معنى" بالضرورة. لكن السؤال الفلسفي هو: هل هذا هو الشكل الذي نتوقعه من خطاب إلهي عالمي موجه إلى البشرية كلها؟ أم نتوقع خطابًا يركز على العقيدة والأخلاق والهداية، ويترك التفاصيل المحلية الخاصة بعبادة جماعة معينة لمن يحتاج إليها؟ هذه ليست حجة قاطعة وحدها، لكنها تفتح سؤالًا مهمًا حول طبيعة النص. 8. الفرق الحقيقي ليس "الطول مقابل القصر" وهنا يجب ألا نقع في حجة ضعيفة. ليس صحيحًا أن: الكتاب المقدس طويل = بشري ولا أن: القرآن مختصر = إلهي هذه حجة لا تكفي. الأقوى هو أن نقول: القرآن يستخدم الطول والاختصار وفق الغرض. فأحيانًا يطيل عندما يحتاج السياق إلى ذلك، وأحيانًا يختصر قصة كاملة في بضعة أسطر. ودراسة أكاديمية عن القصة القرآنية تشير إلى أن القرآن يعتمد الجمل القصيرة بصورة ملحوظة في كثير من القصص المكية، مع تنوع الأساليب بحسب السياق والغرض. إذن المسألة ليست "قلة الكلمات". إنها التحكم في المعلومات. ماذا أذكر؟ ماذا أحذف؟ ماذا أكرر؟ ماذا أضع في هذا السياق؟ وماذا أؤجله إلى سياق آخر؟ وهذه هي النقطة الأكثر إثارة للاهتمام. 9. الانتقائية القرآنية نفسها موضوع للدراسة الأكاديمية الأمر ليس مجرد فكرة دعوية حديثة. في Oxford Handbook of Qur'anic Studies نجد وصفًا للقرآن بأنه يستخدم الروايات باعتبارها أمثلة مرتبطة بالمخاطبين، وأن قصص شخصيات مثل نوح وموسى تظهر بإشارات قصيرة أو موسعة بحسب الغرض الوعظي في السورة. وفي دراسة أخرى عن الخلفية الكتابية للقرآن، يصف Gabriel Said Reynolds كيف يقلل القرآن من تنوع الروايات الكتابية ويعيد تقديم شخصياتها ضمن صورة مختلفة. كما أن دراسة حديثة تقارن القرآن والكتاب المقدس تستخدم صراحة مصطلح: Qur'an's narrative selectivity وتربط حذف التفاصيل وإضافة المنظورات الجديدة بالغرض الخاص بالسرد القرآني. إذن نحن لا نتحدث عن انطباع من نوع: "أشعر أن القرآن أجمل." بل عن خاصية يمكن تحليلها أدبيًا ونقديًا. 10. فلماذا يرى المسلم أن هذا ينسجم مع الوحي؟ لأن الصورة تصبح مثيرة للاهتمام عندما تسأل: لو كان هذا خطاب الله لهداية البشر، فماذا نتوقع منه؟ نتوقع ألا تكون كل معلومة فيه لمجرد إشباع الفضول. نتوقع أن تكون المعلومات مرتبطة بالغاية. نتوقع أن يكون هناك تركيز على: التوحيد. الأخلاق. المسؤولية. الآخرة. العبادة. العبرة من الأمم السابقة. وتثبيت المؤمنين.
11
7
القرآن والكتاب المقدس: انتقائية القصة بين الهداية والسرد التفصيلي عندما نقارن القرآن بالكتاب المقدس، لا ينبغي أن تكون المقارنة مجرد مقارنة في عدد الصفحات أو الكلمات. السؤال الأهم هو: كيف يتعامل كل نص مع القصة؟ وما الذي يختار أن يذكره؟ وما الذي يختار أن يحذفه؟ ولماذا؟ وهنا تظهر واحدة من أكثر السمات لفتًا للنظر في القرآن: الانتقائية الشديدة في سرد القصص. فالقرآن لا يتعامل مع القصة باعتبارها مجرد سجل تاريخي يريد أن يخبرك بكل ما حدث من البداية إلى النهاية، وإنما يستخدمها كوسيلة للهداية، والموعظة، وإثبات التوحيد، وتثبيت المؤمنين. وهذا ليس مجرد انطباع شخصي؛ فالدراسات الحديثة في السرد القرآني تتحدث بالفعل عن "الانتقائية السردية القرآنية"، أي أن القرآن يحذف بعض عناصر الروايات المشتركة، ويضيف أحيانًا منظورًا جديدًا، ويعيد ترتيب المادة بما يخدم غرضه الخطابي والديني. كما تصف دراسات أخرى القصص القرآني بأنه يستخدم الحذف والاختصار والتركيز بدل السرد التاريخي المتسلسل. 1. قصة يوسف: ماذا يحتاج الإنسان أن يعرف؟ قصة يوسف عليه السلام من أوضح الأمثلة. القرآن يبدأ: «﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ۝ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾» ثم يأخذك مباشرة إلى جوهر القصة: يوسف يرى الرؤيا → إخوته يحسدونه → يلقونه في البئر → يُباع → يتعرض للفتنة → يدخل السجن → يفسر الرؤيا → يُمكَّن في الأرض → يلتقي بأسرته. واللافت أن القرآن لا يهتم بكثير من المعلومات التي يمكن أن تكون موجودة في رواية تاريخية مفصلة. لا يخبرك باسم امرأة العزيز. ولا يجعل معرفة اسم ملك مصر شرطًا لفهم القصة. ولا يملأ السرد بتفاصيل عائلية لا تخدم المقصود. وفي النهاية يوضح الغرض: «﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» إذن القصة ليست غاية في ذاتها. القصة وسيلة للعبرة. وهذا يتفق مع ما لاحظته الدراسات الأدبية في القصة القرآنية من الإيجاز والحذف والتركيز على الوظيفة الدلالية والبلاغية. كما توجد دراسة حديثة مخصصة لإيجاز قصة يوسف في القرآن وكيف يمكن أن تضيع بعض الدلالات البلاغية عندما تُترجم البنية القرآنية الموجزة إلى لغة أخرى. 2. نوح: القرآن يترك التفاصيل ويركز على الرسالة قصة نوح مثال آخر. في القرآن: «﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾» ثم يركز القرآن على دعوته لقومه، ورفضهم، ثم الطوفان ونجاة المؤمنين. وفي سورة هود نرى مشهدًا شديد القوة بين نوح وابنه: «﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾» فيجيبه: «﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾» فيقول نوح: «﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾» ثم: «﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾» لاحظ كيف تم اختيار المشهد الذي يحمل معنى دينيًا وأخلاقيًا عميقًا: الإيمان ليس مسألة نسب. ابن نبي لا ينجو بمجرد كونه ابن نبي. والنجاة مرتبطة بالإيمان. أما في سفر التكوين، فالسرد يحتوي على تفاصيل تقنية كثيرة جدًا عن الفلك وأبعاده ومواده وترتيبه والحيوانات ومدد الطوفان. يمكن للمؤمن المسيحي أن يقول إن لهذه التفاصيل أغراضًا دينية أو تاريخية، وهذا اعتراض ممكن. لكن المقارنة التي تستحق النظر هي: لماذا يحتاج نص هداية إلى هذا النوع من التفاصيل، بينما يستطيع القرآن إيصال جوهر القصة دونها؟ 3. موسى: القصة نفسها تُستخدم بطرق مختلفة قصة موسى أقوى من ذلك. فالقرآن لا يضع حياة موسى في رواية واحدة طويلة مرتبة من ولادته إلى وفاته. بل يوزع الأحداث على سور مختلفة. في موضع يركز على ولادته: «﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾» وفي موضع يركز على المواجهة مع فرعون. وفي موضع آخر على السحرة. وفي موضع آخر على خروج بني إسرائيل. وفي موضع آخر على حادثة الخضر. والأهم أن القصة لا تُكرر حرفيًا. كل مرة يُعاد اختيار المشهد والعبارة والزاوية بما يناسب السياق. وهذا بالضبط من الأمور التي تناولتها الدراسات الحديثة في السرد القرآني؛ فهناك دراسات كاملة عن التكرار، والبنية، والتغير في تصوير الزمن، وطريقة إعادة استخدام قصة موسى في مواضع مختلفة من القرآن. إذن التكرار في القرآن ليس مجرد: "لقد قلت هذه القصة سابقًا، فلأكررها." بل: المشهد نفسه يُعاد توظيفه لخدمة غرض جديد. 4. أصحاب الكهف: حتى الغموض نفسه مقصود خذ مثالًا آخر. القرآن يقول: «﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾» ثم يقول: «﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾»
12
8
No text...
17
9
ما أشدّ الأسى أن ترى المودّة، وهي من أرقّ ما تهبه القلوب، لا تُستبقى في بعض النفوس إلا بالمال؛ كأنّ الإحسان وحده لا يكفي، وكأنّ الودّ لا يكون له قدرٌ حتى يُدفع في سبيله ثمن. وما أقسى أن يُصبح للمال سلطانٌ على ما كان يُرجى أن يكون خالصًا للقلوب.
25
10
يتلهّى، ويتشاغل، ويكتم، ويتجلّد، حتى إذا خلا بنفسه استبطن مشاعره، وأبصر ما كان يوارِي.
26
11
عَلِيلٌ أَحَاطَتْ بِيَ الجُرُوحُ بِعُنْفِهَا سَقِيمٌ فَلَا طِبَّ يُدَاوِي عِلَّتِي.
عَلِيلٌ أَحَاطَتْ بِيَ الجُرُوحُ بِعُنْفِهَا سَقِيمٌ فَلَا طِبَّ يُدَاوِي عِلَّتِي.
35
12
كأن قلبي غريبٌ بين ضلوعي، كلما ضممتُه إلى صدري ازداد اغترابًا.
34
13
ليس أشدَّ قسوةً على المرء من أن يخطئ، ثم لا يكتفي بخطئه؛ فيحوّله إلى محكمة، ويجلس فيها قاضيًا وجلادًا وشاهدًا، ثم لا يترك لنفسه منفذًا إلى الرحمة. كان ثمة رجلٌ إذا زلَّت قدمه في الطريق، لم ينظر إلى الحجر الذي عثر به، بل ظلَّ طويلًا يتساءل: كيف لم أنتبه؟ ولماذا فعلت؟ وكيف سمحت لنفسي أن أكون على هذا النحو؟ ثم لا يلبث أن يستدعي من ذاكرته أخطاءً قديمة، كأن خطأً واحدًا لا يكتمل عقابه إلا باستحضار جنايات العمر كلها. لم يكن يؤلمه الخطأ وحده؛ كان يؤلمه معنى الخطأ في عينيه. كان يرى الزلة دليلًا، لا حادثة. والتقصير حكمًا، لا موقفًا عابرًا. والفشل تعريفًا، لا مرحلة. فإذا أخطأ في كلمة، لم يقل: «أخطأت في الكلام»، بل تسلل إلى نفسه سؤال أشد فتكًا: «أيُّ إنسانٍ أنا حتى أقول مثل هذا؟» وإذا قصّر في حق أحد، لم يكتفِ بالندم على تقصيره، بل أخذ ينقّب في نفسه عن عيبٍ يفسّر به كل ما حدث، حتى يصبح الموقف الصغير مرآةً يرى فيها نفسه كلها مشوّهة. وكانت المشكلة أن ضميره لم يكن نائمًا؛ بل كان مستيقظًا أكثر مما ينبغي. كان يريد أن يكون صالحًا إلى الحد الذي لا يسمح له بأن يكون بشريًا. يطلب من نفسه أن تكون كلماتها محسوبة، ونواياها نقية، وقراراتها صائبة، ومشاعرها منضبطة، وأفعالها جديرة دائمًا بالصورة التي رسمتها لنفسها. فإذا خانته نفسه في لحظة، شعر كأن بناءً كاملًا قد انهار. ولذلك كان يراجع المواقف بعد انتهائها كما يراجع المرء رسالةً قبل إرسالها؛ يعيد الجملة، ويبدّل النبرة، ويبحث عن كلمة كان يمكن أن تكون ألطف، وعن صمت كان ينبغي أن يكون أطول، وعن جواب كان الأولى ألا يُقال. ثم يسأل نفسه السؤال الذي لا يجيبه شيء: «لماذا لم أكن أفضل؟» وهنا تكمن المأساة. فبعض الناس إذا أخطؤوا تعلّموا من الخطأ، أما هو فكان يتعلم كيف يعاقب نفسه بسببه. كان يظن أن القسوة على النفس نوع من المسؤولية، وأن جلد الذات دليل على صدق الندم، وأن الإنسان لا يتغير إلا إذا ظل يذكّره بأخطائه حتى لا يكررها. ولم يكن يدرك أن النفس التي تُقاد بالسوط قد تتعلم الطاعة، لكنها لا تتعلم بالضرورة الحكمة. فالندم الصحي يقول: «لقد أخطأت، فكيف أصلح ما أفسدت؟» أما جلد الذات فيقول: «لقد أخطأت، فكيف أثبت لنفسي أنني لا أستحق الصفح؟» وبين السؤالين مسافة شاسعة؛ في الأول ينظر الإنسان إلى الفعل، وفي الثاني ينقلب الفعل إلى هوية. ولعل أقسى ما في الأمر أن الإنسان الذي يبالغ في محاكمة نفسه قد يكون في نظر الآخرين أكثر رحمةً مما هو في نظر نفسه. قد يغفر لصديقٍ كلمةً عابرة، ويلتمس له العذر في غضبه، ويقول: «كان متعبًا، لم يقصد، كلنا نخطئ»، ثم إذا صدر منه الخطأ نفسه، أغلق أبواب الأعذار كلها، وأعلن على نفسه حكمًا لا يصدره على أحد. كأنه يؤمن بأن الرحمة فضيلةٌ للآخرين، أما هو فعليه أن يدفع ثمن إنسانيته كاملًا. غير أن الإنسان لا ينضج لأنه كره نفسه بما يكفي، ولا يصبح أفضل لأنه ظل يحدّق في عيوبه حتى أعمته عن رؤية ما فيه من خير. النضج ليس أن يصبح المرء بلا أخطاء؛ فهذا مطلب لا يليق بالبشر. النضج أن يعرف المرء كيف يحمل خطأه دون أن يسمح للخطأ أن يحمله. أن يقول: نعم، أخطأت. لكنني لست خطئي. وأنا مسؤول عن إصلاحه، لا عن تحويله إلى سجنٍ أقضي فيه بقية عمري. فما أكثر ما يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم الفرق بين محاسبة النفس وإهانتها. المحاسبة تضع المرآة أمام الوجه. أما الإهانة فتكسر المرآة ثم تجبر صاحبها على النظر إلى شظاياها. الأولى تُصلح. والثانية تستنزف. وليس المطلوب أن يتساهل المرء مع نفسه حتى يفقد ضميره، بل أن يمتلك ضميرًا عادلًا؛ ضميرًا يعرف أن الخطأ يحتاج إلى تصحيح، لا إلى إذلال، وأن الاعتذار لا يستلزم احتقار الذات، وأن الندم يمكن أن يكون بابًا إلى التغيير بدل أن يكون قبرًا للإنسان. ربما كان عليه أن يفهم أخيرًا أن بعض الأخطاء لا تحتاج إلى محاكمة جديدة كل ليلة؛ يكفي أن نتعلم منها مرة واحدة، ثم نمضي. فليس من الوفاء للخطأ أن نبقى أوفياء لعقوبته. وليس من الحكمة أن يحمل الإنسان على ظهره جثةَ شخصٍ كانه بالأمس، ثم يلوم نفسه كل صباح لأنه لم يولد اليوم كاملًا. هناك أشياء لا تُشفى بكثرة التفكير فيها، بل بقبول أنها حدثت، وفهمها، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم تركها في المكان الذي تنتمي إليه: في الماضي. فالإنسان الذي يريد أن يصير أفضل، لا يحتاج إلى أن يكره النسخة التي أخطأت منه؛ يكفي أن يفهمها، وأن يتجاوزها، وأن يمنح النسخة القادمة منه فرصةً لأن تكون أرحم وأوعى وأشد نضجًا. وفي نهاية الأمر، ربما لم يكن أشد ما يحتاج إليه ذلك الرجل هو مزيدًا من المحاسبة، بل قليلًا من العدل حين ينظر إلى نفسه. أن يتعلم، بعد سنوات من الوقوف أمام محكمته الداخلية، أن يقول لنفسه للمرة الأولى: «لقد أخطأت، نعم... لكنني ما زلت أستحق أن أتعلم، وأن أتغير، وأن أُغفر.» ثم يمضي.:::
41
14
الناس كتبٌ مفتوحة الناسُ كتبٌ مفتوحة، غيرَ أنّ حروفها لا تُقرأ بالعين، بل ببصيرةٍ تُحسنُ لغةَ الأرواح؛ فمن تعلّمَ لسانَهم، انكشفت له صفحاتُهم، وعرفَ أن لكلِّ صمتٍ عبارة، ولكلِّ نظرةٍ معنى، ولكلِّ قلبٍ كتابًا لا يفتحُه إلا من أحسنَ القراءة.
29
15
كان العرب لا يُعنون بتسجيل أيام مواليدهم، ولم يكن يوم الميلاد عندهم تاريخًا يُحتفى بضبطه أو يُحفظ للأجيال. وإذا كان هذا شأن الناس عامة، فكيف بالنبي ﷺ، وهو الذي بلغت مكانته في نفوس أصحابه مبلغًا عظيمًا، حتى حفظوا دقائق سيرته، ونقلوا أقواله وأفعاله وأحواله؟ ومع ذلك، اختلف أهل السِّيَر حتى في يوم وفاته ﷺ؛ فكيف بيوم مولده؟ بل إن الخلاف لا يقف عند اليوم، وإنما يمتد إلى الشهر نفسه. وهنا يقف المرء متسائلًا: على أي أساسٍ يُخصَّص ربيع الأول بالاحتفال بمولد النبي ﷺ؟ وأين كان ذلك في عهد الصحابة؟ وأين كان في زمن التابعين؟ وأين أثره في القرون التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية؟ أولئك الذين أحبوا رسول الله ﷺ حبًا لا يُدانيه حب، وبذلوا في نصر سنته وحفظها ما لم يبذله أحد من بعدهم؛ أفكانوا يجهلون بابًا من أعظم أبواب المحبة، ثم أدركه من جاء بعدهم بقرون؟ ثم ظهر الاحتفال بعد ذلك بقرون، ونُسب ظهوره إلى الدولة العبيدية؛ فكيف يتحول أمر لم يعرفه رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون إلى شعيرة يُجعل إنكارها انتقاصًا من المحبة، ويُجعل فعلها علامةً عليها؟ إن أكثر ما يخيفني ليس انتشار عادة، وإنما حين تلبس العادة ثوب الدين، فيصبح الموروث حجة، وكثرة الفاعلين برهانًا، ويغدو السؤال عن الدليل ضربًا من التشدد. فالإنسان قد يألف الشيء حتى يراه حقًا لمجرد أنه ألفه، وقد يقدّس الموروث لا لأنه قام عليه الدليل، بل لأنه ورثه عن آبائه ووجد الناس من حوله عليه. وحينها يصبح النقاش شديد العسر؛ لأنك لا تناقش فكرة فحسب، بل تناقش شيئًا امتزج في النفس بالهوية والعاطفة والاعتياد. ومع ذلك، لا ينبغي أن يحملنا الخلاف على ازدراء المخالفين؛ فليس كل من ضل في مسألة صاحب هوى أو مصلحة. في الناس من أُضلّل وهو يظن أنه يحسن صنعًا، ومن نشأ على قول فلم يخطر بباله أن يسأل عن أصله، ومن وثق بمن حوله فظن أنهم لا يدلونه إلا على الحق. وهنا يتجلى معنى عظيم: الهداية ليست بكثرة الأتباع، ولا بقوة العادة، ولا بقدم الموروث؛ إنما هي فضل من الله يؤتيه من يشاء. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ والقلوب بين يديه سبحانه، يقلبها كيف يشاء. ولذلك، كلما وجدت أمرًا يُنسب إلى الدين، فلا تسأل أولًا: كم شخصًا يفعله؟ ولا: منذ متى اعتاده الناس؟ بل اسأل: أين الدليل؟ وهل فعله رسول الله ﷺ؟ وهل عرفه أصحابه؟ وهل سبقنا إليه خير القرون؟ فالمحبة الصادقة لا تكون بمجرد ما تهواه النفوس، وإنما تكون باتباع من نحب. والدين أعظم من أن يُبنى على العادات، وأجلّ من أن تُثبت شعائره بكثرة الممارسين. فالحق لا يصبح حقًا لأن الناس اجتمعوا عليه، والباطل لا يصير حقًا لأنه طال عليه الزمن.
45
16
كان العرب لا يُعنون بتسجيل أيام مواليدهم، ولم يكن يوم الميلاد عندهم تاريخًا يُحتفى بضبطه أو يُحفظ للأجيال. وإذا كان هذا شأن الناس عامة، فكيف بالنبي ﷺ، وهو الذي بلغت مكانته في نفوس أصحابه مبلغًا عظيمًا، حتى حفظوا دقائق سيرته، ونقلوا أقواله وأفعاله وأحواله؟ ومع ذلك، اختلف أهل السِّيَر حتى في يوم وفاته ﷺ؛ فكيف بيوم مولده؟ بل إن الخلاف لا يقف عند اليوم، وإنما يمتد إلى الشهر نفسه. وهنا يقف المرء متسائلًا: على أي أساسٍ يُخصَّص ربيع الأول بالاحتفال بمولد النبي ﷺ؟ وأين كان ذلك في عهد الصحابة؟ وأين كان في زمن التابعين؟ وأين أثره في القرون التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية؟ أولئك الذين أحبوا رسول الله ﷺ حبًا لا يُدانيه حب، وبذلوا في نصر سنته وحفظها ما لم يبذله أحد من بعدهم؛ أفكانوا يجهلون بابًا من أعظم أبواب المحبة، ثم أدركه من جاء بعدهم بقرون؟ ثم ظهر الاحتفال بعد ذلك بقرون، ونُسب ظهوره إلى الدولة العبيدية؛ فكيف يتحول أمر لم يعرفه رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون إلى شعيرة يُجعل إنكارها انتقاصًا من المحبة، ويُجعل فعلها علامةً عليها؟ إن أكثر ما يخيفني ليس انتشار عادة، وإنما حين تلبس العادة ثوب الدين، فيصبح الموروث حجة، وكثرة الفاعلين برهانًا، ويغدو السؤال عن الدليل ضربًا من التشدد. فالإنسان قد يألف الشيء حتى يراه حقًا لمجرد أنه ألفه، وقد يقدّس الموروث لا لأنه قام عليه الدليل، بل لأنه ورثه عن آبائه ووجد الناس من حوله عليه. وحينها يصبح النقاش شديد العسر؛ لأنك لا تناقش فكرة فحسب، بل تناقش شيئًا امتزج في النفس بالهوية والعاطفة والاعتياد. ومع ذلك، لا ينبغي أن يحملنا الخلاف على ازدراء المخالفين؛ فليس كل من ضل في مسألة صاحب هوى أو مصلحة. في الناس من أُضلّل وهو يظن أنه يحسن صنعًا، ومن نشأ على قول فلم يخطر بباله أن يسأل عن أصله، ومن وثق بمن حوله فظن أنهم لا يدلونه إلا على الحق. وهنا يتجلى معنى عظيم: الهداية ليست بكثرة الأتباع، ولا بقوة العادة، ولا بقدم الموروث؛ إنما هي فضل من الله يؤتيه من يشاء. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ والقلوب بين يديه سبحانه، يقلبها كيف يشاء. ولذلك، كلما وجدت أمرًا يُنسب إلى الدين، فلا تسأل أولًا: كم شخصًا يفعله؟ ولا: منذ متى اعتاده الناس؟ بل اسأل: أين الدليل؟ وهل فعله رسول الله ﷺ؟ وهل عرفه أصحابه؟ وهل سبقنا إليه خير القرون؟ فالمحبة الصادقة لا تكون بمجرد ما تهواه النفوس، وإنما تكون باتباع من نحب. والدين أعظم من أن يُبنى على العادات، وأجلّ من أن تُثبت شعائره بكثرة الممارسين. فالحق لا يصبح حقًا لأن الناس اجتمعوا عليه، والباطل لا يصير حقًا لأنه طال عليه الزمن.
1
17
دنوتُ من المُنى حتى حسبتُ بأنني بلغتُ، فإذا الآمالُ أبعدُ ما تكونُ وكلّما لاحَ لي وجهُ الذي أبتغي توارى، كأنّ الوصلَ ذنبٌ لا يُصانُ
37
18
وكنتُ أراكَ أقربَ من وريدي فأصبحتَ الغريبَ وأنتَ مني.
39
19
الجانب المظلم من امتلاك عقلٍ لا يعرف السكون، وروحٍ لا تكفّ عن التوق إلى التحفيز، هو ذلك الصمت الذي تخشاه حين يخلو العالم من ح
الجانب المظلم من امتلاك عقلٍ لا يعرف السكون، وروحٍ لا تكفّ عن التوق إلى التحفيز، هو ذلك الصمت الذي تخشاه حين يخلو العالم من حولك. تسعى بلا انقطاع إلى الأفكار، والأحاديث، والناس، والاحتمالات؛ لا لأنك عاجز عن الوحدة، بل لأنك تعرف أن اللحظة التي يهدأ فيها كل شيء، ستجد نفسك وحيدًا أمام الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الفرار منه: أفكارك ذاتها. وربما لهذا يبدو بعضهم وكأنهم لا يخافون شيئًا؛ لا لشجاعةٍ مفرطة، ولا لأن الخوف غاب عن قلوبهم، بل لأنهم أدركوا أن الهروب من مخاوفهم لن ينقذهم منها، وإنما سيتركهم وحيدين معها. وما من خوفٍ أشدّ من أن تهرب من العالم بأسره، ثم تجد نفسك في النهاية وحيدًا مع ذاتك. لذلك يواجهون ما يخيفهم؛ لا لأنهم لا يخافون، بل لأنهم يعرفون أن مواجهة الخوف، مهما كانت مؤلمة، أهون من الهروب منه ثم قضاء العمر برفقته في صمت.
51
20
العلاقات جَميعها تُقاس بِسؤالٍ واحد فقط؛ أين كُنت حيّنَ اشتَدّت عليَّ الأيام؟
53