قناة الدفاع عن الشيعة
Open in Telegram
قناة مختصة بنشر روايات اهل البدع والضلال العمرية ( تحت المجهر) بوت اسئلة عقائدية @a_313_3_13189BOT جميع قنواتنا ومنتديتنا 👇👇 https://telegra.ph/YabaAbdullah-06-01 جميع الوثائق حلالكم
Show more765
Subscribers
+524 hours
+377 days
+8430 days
Posts Archive
و ثانيا: أنّ التصحيح عند المتأخّرين مبنيّ على الظنّ و التعديل على القطع، و احتمال الخطإ في الظنّ أكثر فيحصل التزلزل، بخلاف التعديل فإنّ الاحتمال فيه أقلّ فيحصل الظنّ بالعدالة.
مضافا إلى أنّ الظنّ بعد النظر ممّا يعتبره جميع من قال بأنّ التعديل و الجرح من باب الظنون الاجتهاديّة دون الظنّ قبله.
و يحكى عن بعض الثاني، بناء على حصول المظنّة، و عدم الدليل على التفرقة، و قبح الترجيح بلا مرجّح، فالضرورة الملجئة إلى اعتبارها في الجملة من غير فرق كافية بعد ملاحظة ما ذكر، و هو كما ترى. و قيل: إن كان سند الرواية معيّنا معهودا بالذكر أو نحوه، كان الحكم بالصحّة تعديلا للراوي المعيّن و إلا فلا.
و لعلّ المراد أنّ الداعي- و هو التعديل في الأوّل- موجود، و المانع- و هو عدم الفحص- مفقود، فلا بدّ من القبول بخلاف الثاني.
و فيه أن يكون بناء التصحيح على الظنّ دون التعديل- مضافا إلى ما سيأتي- موجبا للتزلزل كما لا يخفى، فلا بدّ من ملاحظة كتب الرجال و الفحص عن المعارض ليرتفع التزلزل.
نعم، إن حصل من اتّفاق جمع كثير من العلماء على تصحيح خبر على وجه حصل به الظنّ المعتمد المطمئنّ المركون إليه، لا يبعد كفايته، و لكن الأوّل مع ذلك أولى، لما مرّ، بل هو أقوى، لأنّ اعتبار التعديل بتصريح الاسم و الإخبار بعدالة المسمّى ممّا لا خلاف فيه في الجملة، و إن كان جهة الاعتبار ممّا اختلف فيه.
و اعتبار التصحيح ليس كذلك، بل لم أجد قائلا معتمدا له. مضافا إلى حصول التزلزل بعد ملاحظة ما ذكر، مع أنّ العلم باختلاف المصحّحين في الجملة. و إبهام موضع الاختلاف و احتمال كون كلّ خبر ذلك المبهم، و حصول الظنّ القويّ بل العلم القطعيّ بحصول الخطإ في بعض الأخبار المذكورة من أوّل الفقه إلى آخره، و في بعض رواتها و لو في واحد منهم، بسبب اشتراك الاسم المحوج إلى ملاحظة القرائن الظنّيّة الرجاليّة و نحوها، ممّا يوجب حصول المظنّة في الجملة في بعضها، و كذا بسبب اختلاف الجرح و التعديل، و كذا بسبب اختلاف كون اللفظ دالا على التعديل و نحو ذلك.و بالجملة اتّضح ممّا أسّسنا بنيانه و شيّدنا أركانه و أورقنا أغصانه، من نفائس الأفكار و عرائس الأبكار، أنّ الطريق الحقّ الذي هو طريق المحقّقين و سبيل المحتاطين، عدم العمل بمجرّد تصحيح الأصوليّين و ملاحظة كتب الرجاليّين.
وللمزيد راجع : لب اللباب في علم الرجال الجزء : 1 صفحة : 61.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 55.
[الأمر الخامس] أنّ معنى العدالة و الكبيرة و عددها ممّا اختلف فيه، فلا يمكن الاعتماد على تعديل العدلين و جرحهم[1]
. و إنّ بعض الأصوليّين اعتبر في التزكية شهادة العدلين[2] و بعضهم اكتفى بالواحد[3]. و لا نعلم مذهب المعدّلين في ذلك مع أنّ تعديل أغلبهم مبنيّ على تعديل من تقدّمهم، و لا نعلم موافقتهم لهم أيضا. و أنّ كثيرا من الرواة ممّن كان على خلاف المذهب ثمّ رجع عنه و حسن إيمانه، و الفقهاء يعدّون روايته من الصحاح مع جهالتهم بالتاريخ و زمان صدور الرواية، و كذلك الإشكال في العكس.
و أنّ العدالة بمعنى الملكة لا يمكن إثباتها بالشهادة و الخبر، و أنّ شهادة فرع الفرع غير مسموعة، سيّما إذا كانت ذات مراتب، و أنّه لا يمكن العلم بالمعدّل و المجروح غالبا بسبب اشتراك الاسم، و لا يمكن العلم بصحة السند من جهة احتمال السقط، لاحتمال كونه ضعيفا، فلا فائدة في الجرح. و أنّا نرى الغفلة و الخلط في كثير من طرق روايات الشيخ عند نقل الأخبار من الأصول.
[1] . نسب هذا الإشكال الى الشيخ البهايي. الرسائل الرجالية: 1/ 83.
[2] . منتقى الجمان: 1/ 16. و هذا مذهب كل من قال بأنّ حجية قول الرجالي من باب الشهادة.
[3] . هذا مذهب المشهور. راجع نهاية الدراية: 369- 368.
و الجواب أوّلا: أنّه موجب لعدم إمكان التصحيح بعلم الرجال، و هو خلاف المدّعى، لأنّ المدّعى عدم الحاجة إليه، بل هو خلاف اتّفاق الفريقين.
و ثانيا: أنّه غير تامّ بالنسبة إلى من قال: إنّ الجرح و التعديل من باب الظنون الاجتهاديّة، فإنّ إنكار حصول الظنّ من ملاحظة علم الرجال مكابرة.
و ثالثا: أنّ الرجوع إلى علم الرجال من شرائط الاجتهاد، و كلّ مجتهد يرجّح شيئا من الأقوال فيما ذكر، فلا يبقى توقّف و حيرة.
و رابعا: أنّ البراهين الآتية كاشفة عن الأمور الباطنية.
و بالجملة فشناعة هذا و غيره ممّا ذكر و لم يذكر، ممّا لا يخفى على من له أدنى إدراك، و لا ينكرها إلا الخارج عن درجة الإنصاف و السالك في طريق الاعتساف، أو من ليس له إنصات أو إدراك أو التفات.
فالحاجة إلى علم الرجال في الجملة ثابتة، لما مرّ من التخلية و التحلية، فلا كلام للطائفة الضالّة الأخباريّة مع السلسلة العليّة العالية الأصوليّة، فلنرجع عنان الكلام إلى ثاني المقام فنقول : 🔰
المقام الثاني في بيان كون الحاجة إلى علم الرجال على الوجه الكلّيّ
بمعنى أنّ كلّ مجتهد لا بدّ له في العمل بأخبار الآحاد من ملاحظة سندها بالرجوع إلى علم الرجال أم لا، بل يكفي تصحيح بعض معتمد لبعض آخر؟
اعلم أنّه اختلف العلماء في هذه المسألة، فقيل بالأوّل بناءا على أنّ الأصل تحصيل العلم أو ما في حكمه. و لمّا تعذّر العلم و ما يقوم مقامه- أعني الشهادة و الرواية، لعدم كون التصحيح خبرا، من جهة كونه نقشا لا لفظا، و من جهة كونه- على تقدير كونه نبأ- دالا على التعديل التزاما باللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ لا باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، للاحتياج إلى ملاحظة الاصطلاح و العدالة و حرمة التدليس و نحوها، و لعدم الدليل على اعتبار الشهادة أو الرواية هنا كما سيأتي إن شاء اللّه- يكتفى بالظنّ الأقرب، و هو الحاصل بعد البحث.
و أنّ قبول التعديل موقوف بعدم معارضة الجرح، و تحقّق هذا الشرط موقوف على تعيين الراوي، و ذلك لا يتحقّق بمجرّد وصف الحديث بالصحّة، فلا يتحقّق شيء من أقسام التزكية، فلا بدّ من مراجعة السند و النظر في حال الرواة، ليؤمن من معارضة الجرح له، بأن يتفحّص عن معارضه بعد تعيين الراوي و توثيقه، فإن وجد يعمل بما هو القاعدة في صورة تعارض الجرح و التعديل و إلا فيعمل به، كما أنّه لا يعمل بكلّ خبر حتّى يتفحّص عن معارضه كالعامّ قبل الفحص عن مخصّصه.
فإن قلت: إذا كان بناء العمل على الظنّ، فلا وجه للمنع، لحصوله بمجرّد تصحيح من يعتمد بقوله، و اعتبار الأقوى مع عدم الدليل عليه متعذّر، فما من ظنّ إلا و يمكن أقوى منه، لكون الظنّ ممّا يقبل الشدّة و الضعف إلى مرتبة العلم، مع أنّه غير منضبط، مضافا إلى أنّ الظنّ الحاصل من تصحيح بعض المعتمدين ربّما يكون أقوى من تعديل بعض.
قلت:
أوّلا: إنّ المعتبر هو الظنّ الثانويّ الباقي بعد الفحص و حصول العجز، لكون الأصل هو العلم. و لا شكّ في أنّه إذا لوحظ اختلاف العلماء في كثير من الرجال، الذين يحتمل كون ما نحن فيه منهم احتمالا قويّا، يضمحلّ الظنّ البدويّ، فلم يكن باقيا حتّى يكون معتبرا.
و توهّم كون الإطلاق محمولا على ما هو المعتبر عند الكلّ، فاسد، إذ المتعارف في المحاورات العرفية التكلّم بمعتقدهم، مضافا إلى كون ديدن العلماء أيضا كذلك كما لا يخفى على المتتبّع.
فهذا التوهّم خلاف المشاهد، مع أنّ الصحيح عند الكلّ إنّما يتحقّق إذا تحقّق إخبار العدلين الموجب حصول المظنّة مع كون العدلين عادلين عند الكلّ.
و توهّم لزوم العسر أيضا فاسد، لسهولة الرجوع إلى كتب الرجال.
[الأمر الرابع] إنّ الاستقراء و تتّبع سيرة السلف يكشفان عن كون عمل العلماء بكلّ ما حصل لهم الظنّ بأنّه مراد المعصوم عليه السّلام و إن كان من رواية ضعيفة أو غيرها
، فلا حاجة إلى معرفة حال الرواة، بل المتّبع إنّما هو الظنّ.
و الجواب : أوّلا: أنّه افتراء كما يشهد عليه ما يحكى عن علم الهدى[1] من المنع عن العمل بالظنّ و الظنّي.
و ثانيا: أنّه مناقض لما يدّعيه النافون من كون عمل القدماء على القطع و كون الأخبار قطعيّة.
و ثالثا: أنّ السيرة ليست حجّة إلا مع الكشف عن قول الحجّة، و الكشف ممتنع بالنسبة إلى إثبات الأصل، بمعنى أنّ الأصل حجّية الظنّ. نعم، الظنّ حجّة إذا ألجأت الضرورة ارتكابا لأقلّ القبيحين.
و رابعا: أنّ الظنّ في أمثال زماننا لا يحصل إلا بملاحظة السند و تعديله بالرجوع الى علم الرجال، فتحقّق الحاجة إليه ثابتة للسلف و إن لم يكونوا محتاجين إلى الكتب، كما لا يخفى.
و خامسا: أنّ حجّية الظنّ لا بدّ لها من دليل و لا يتحقّق إلا بعد ملاحظة علم الرجال- كما لا يخفى- إلا إذا قلنا بكفاية مطلق الظنّ مطلقا، و هو في معرض المنع.
[1] . الذريعة: 2/ 528.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 54
[الأمر الثالث] إنّ جميع أحاديثنا مأخوذة من الأصول الأربعمائة، و تلك الأصول كانت قطعيّة الصدور[1].
و الجواب : منع الأخذ على سبيل الكلّيّة و منع قطعيّة الكلّ، كما يدلّ على ذلك ردّ الصدوق لكثير من أخبار الكافي و كذا الشيخ، سيّما الشيخ حيث ذكر في أوّل الاستبصار ما هو صريح في خلافه، بل كلامه دالّ على أنّ مراده من العلميّ أيضا ما يعمّ المظنون حيث فسّر القرائن المفيدة له بما لا يوجب القطع، مثل موافقة ظاهر الكتاب و السنة.
و لو سلّم القطعيّة عندهم، فنقول: إنّ أخبارهم بالنسبة إلينا من الآحاد، لعدم تحقّق التواتر و ما في حكمه بالنسبة إلى المشايخ الثلاثة كما لا يخفى، سيّما بالنسبة إلى جميع الأخبار من أوّل الطهارة إلى آخر الديات، و قطع شخص ليس حجّة للآخر، لعدم الدليل سيّما مع احتمال الجهل المركّب.
[1] . وسائل الشيعة: 30/ 256؛ الفوائد المدنية: 129.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 53
مضافا إلى أنّ بناء عملهم أيضا على الظنّ المعتمد، كما يدلّ عليه كلام الشيخ في أوّل الاستبصار[1]، حيث قسّم الخبر إلى المتواتر و الواحد، و قسّم الواحد إلى المحفوف بالقرائن و غيره، و حكم بكون الأخير- أيضا- معمولا به و لو حصل ترجيحه على ما يعارضه بأعدليّة الراوي، كما لا يخفى على من لاحظه.
و كذا عدم أخذ الصدوق جميع أخبار الكافي، مع كونه عنده يشعر بعدم كونها طرّا محفوفا بما يوجب القطع عند الكلينيّ أيضا، لاستبعاد اختفاء القرائن المفيدة للقطع في زمان يسير، مضافا إلى عمله برسالة أبيه كعمل الكلينيّ بقول بعض المشايخ، كما تشهد عليه ملاحظة الكافي.
[1] . الاستبصار: 1/ 4- 3.
و الحاصل أنّ دعوى قطعيّة جميع أخبار الكتب الأربعة سيّما- التهذيب و الاستبصار-، ليست إلا عن لجاج أو عناد أو غفلة. و لو سلّمت فلا تستلزم الاستغناء عن علم الرجال في الأخبار المتعارضة، التي أمرنا فيها بأخذ قول الأعدل و الأصدق و الأورع، و نحوها من الأحوال التي لا تعلم في أمثال زماننا إلا بكتب الرجال و في زمان معلوميّة الحال من الخارج إلا بعلم الرجال، لعدم انحصار العلم فيما دوّن و كتب، كما لا يخفى.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 43
و عن ابن إدريس أنّه طعن على الخبرين الدالّين على جواز بيع القرض[4] فقال- بعد نقلهما-: قال محمد بن إدريس: هل يحلّ لمحصّل و عامل بالأدلّة يرجع في ديانته إلى العمل بهذين، و فيهما ما فيهما من الاضطراب، و أصلهما و روايهما
[1] . جوابات أهل الموصل: 20.
[2] . الكافي: 4/ 79- 78، باب نادر، و فيه ثلاثة أحاديث. و اعلم انّ نقل الكليني رحمه اللّه هذه الأخبار في باب النوادر يشعر بعدم اعتماد الكليني رحمه اللّه على هذه الأخبار كما لا يخفى لمن له أدنى اطلاع على منهج الكليني رحمه اللّه في الكافي.
[3] . غنية النزوع: 131.
[4] . تهذيب الأحكام: 6/ 189، ح 26؛ 6/ 191، ح 35، باب الديون و أحكامها.
واحد، و هو محمّد بن الفضيل، و أخبار الآحاد عندنا لا يعمل عليها و لا يرجع في الأدلّة إليها، لأنّها لا تثمر علما و لا [توجب][1] عملا[2].
و عن الشيخ أنّه طعن في كتابي الأخبار على خبر حذيفة، و هو مرويّ في الكافي[3] بطرق متعدّدة، و على خبر عمّار الدالّ على جواز بيع الدراهم بالدنانير نسيئة، المروي في الكافي[4] و نحو ذلك.
و عن الصدوق أنّه طعن في باب الرجلين يوصى إليهما، فيتفرّد كلّ واحد منهما بنصف التركة، على خبر مرويّ في الكافي[5] فقال: لست أفتي بهذا الحديث، بل أفتي بما عندي بخطّ الحسن بن عليّ عليه السّلام[6] مع أنّ الأوّل- كما قيل- متأخّر.
فإن قلت: لعلّ الردّ من جهة المعارضة بالأقوى، الكاشفة عن صدور المردود تقيّة لا من جهة الضعف و عدم الصحة، أو يكون المراد نفي التساوي في الصحّة، لكون خطّ المعصوم عليه السّلام أصحّ، و كون المشهور أو المنكر- و في الأصول المعتمدة أيضا- أصحّ.
[1] . زيادة أثبتناها من المصدر.
[2] . السرائر: 2/ 43.
[3] . الكافي: 4/ 78، ح 1 و 3، باب نادر، و الخبر يصرّح بأنّ شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا. قال الشيخ قدّس سرّه: و هذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه أحدها أنّ متن هذا الخبر لا يوجد في شيء من الأصول المصنفة و إنما هو موجود في الشواذ من الاخبار ... الاستبصار: 2/ 66؛ تهذيب الأحكام: 4/ 169.
[4] . الكافي: 5/ 248، ح 17، باب الصروف. راجع الاستبصار: 3/ 94؛ تهذيب الأحكام: 7/ 101.
[5] . الكافي: 7/ 47، ح 2، باب صدقات النبي صلّى اللّه عليه و آله و فاطمة و الأئمة عليهم السّلام و وصاياهم.
[6] . من لا يحضره الفقيه: 4/ 213.
قلت: ذلك خلاف الظاهر، سيّما بالنسبة إلى كلام الشيخ عندهم، و كذا كلام الصدوق في أوّل كتابه: و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد مارووه، بل قصدت إلى إيراد ما افتي به و أحكم بصحّته[1]، إلى آخر ما قال.
و بالجملة لا ريب أنّ ما ذكرنا يوجب التزلزل و عدم سكون النفس إلى ما قال الكلينيّ، فلا وجه لإثبات الأحكام الشرعيّة بمجرّده، سيّما على القول بعدم حجّيّة مطلق المظنّة.
و ممّا ذكرنا ظهر أنّ كلّ ما يرويه الصدوق في الفقيه أيضا ليس غنّيا عن الرجال، لعدم جواز الاعتماد أوّلا على أخباره، لما مرّ، و عدم صراحة كلامه ثانيا في دعوى العلم بالصحّة كما لا يخفى، بل الظاهر من قوله: «و أحكم بصحّته» أنّه باجتهاده لا شهادته، مع أنّه ما يذكر في أثناء كتابه، ممّا يدلّ على عدم قطعه بصدور حديث يعارض ما في أوّله و يقدّم عليه، فإنّه ذكر حديثا ظاهره استحباب تثنية الغسل فطعن عليه بانقطاع السند، و مع ذلك أفتى به بالحمل على تجديد الوضوء[2]. و غير ذلك ممّا هو مذكور في باب ما يصلّى فيه من الثياب[3] و باب الدين[4] و باب المزراعة و الإجارة[5] و باب الوصيّ يمنع الوارث ماله[6] و باب مسّ الميت[7] و نحوها.
[1] . من لا يحضره الفقيه: 1/ 2- 3.
[2] . من لا يحضره الفقيه: 1/ 39، ح 80.
[3] . من لا يحضره الفقيه: 1/ 247.
[4] . من لا يحضره الفقيه: 3/ 181.
[5] . من لا يحضره الفقيه: 3/ 244.
[6] . من لا يحضره الفقيه: 4/ 222.
[7] . من لا يحضره الفقيه: 1/ 143.
و كذا أخبار الشيخ في الكتابين، بل من لاحظهما علم أنّ العمل فيهما على الترجيح.
و بالجملة فمن تتبّع و تأمّل و أنصف يعرف فساد قول الخصم قطعا.
و أمّا رابعا: فلأنّ المراد إن كان قطعيّة تلك الأخبار بسبب كلّ واحدة من تلك القرائن، ففساده واضح لا يحتاج إلى البيان. و إن كان المراد قطعيّتها بسبب مجموعها من حيث المجموع، فلا ريب في استلزامها الاحتياج إلى علم الرجال، فإنّ منها- كما صرّح- كون الراوي ثقة أو نحوه، و هذا لا يعلم غالبا إلا بعلم الرجال، كما مرّ.
و توهّم كون القطعيّة للمشايخ، مع أنّه خلاف المراد، غير نافع، لثبوت الحاجة في الجملة حينئذ أيضا كما لا يخفى، مع أنّ ثبوت القطعيّة لهم غير مستلزم لاستغنائها عن علم الرجال كما لا يخفى.
و منها: استبعاد حصول القطع بصحّة جميع أخبار الكتب الأربعة، لأنّه لا يحصل غالبا إلا بالتواتر أو التظافر أو الاحتفاف بالقرائن القطعيّة، و الأوّلان معلوما الانتفاء و كذا الأخير، لكثرة التقيّة الموجبة للاختفاء.
و منها: وجود راو في السلسلة معلوم الكذب و الافتراء على وجه يمنع من الاطمئنان بإخبار الثقة بأنّه صحيح.
فإن قلت: إذا أخبر العادل بصحّة خبر يجب قبوله، كما أنّ الكليني أخبر بصحة أخبار الكافي حيث قال في أوّله: و قلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف، يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم، و يرجع إليه المسترشد، و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السّلام و السنن القائمة التي عليها العمل و بها يؤدّى فرض اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أن قال: و قد يسّر اللّه- و له الحمد- تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخّيت، فمهما كان من تقصير فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لإخواننا و أهل ملّتنا[1]، إلى آخر ما قال، فإنّ الكلينيّ ثقة في غاية الوثاقة، و أخبر بتأليف ما سأل السائل ممّا يحصل به العلم من الآثار الصحيحة، و عدم تقصيره في إهداء النصيحة، مع أنّه لم يذكر قاعدة يميّز بها بين الصحيح و غيره، مع تمكّنه من جمع الصحيحة، لوجود الاصول الصحيحة في زمان ثقة الإسلام.
فعلم أنّ كلّ ما فيه صحيح و إلا لزاد السائل الإشكال و الحيرة، و لما جاز اكتفاء المتعلّم به و رجوع المسترشد إليه و أخذه منه.
قلت: يمكن اشتماله على الصحيح و غيره، لعدم النفي، و شهادة خبر سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله و نحوه، ممّا لا يجوز الاعتماد مع وجود قرينة مائزة متداولة معهودة اعتمد عليها، حتّى بالنسبة إلى غير السائل ممّن يأتي إلى زمان ظهور القائم- عجّل اللّه فرجه-، لعدم منع احتمال الانعدام عن الاعتماد، كما هو حال المعتمدين من الموثّقين و غيرهم، و لكن حصل الاختفاء بسبب التقيّة و نحوها.
كما أنّهم يطلقون لفظا يريدون منه معناه المتعارف باصطلاحهم مع امكان اختلاف الاصطلاح.
مضافا إلى أنّ النبأ من أنواع الكلام، و الكلام من أنواع اللفظ، و اللفظ من أنواع الصوت، و المكتوب في الكافي لا يصدق عليه الصوت، فلا يصدق عليه النبأ و الخبر.
و إمكان القدح في دليل حجّية خبر العادل من حيث هو هو، و توهّم عدم فائدة ذكر الضعيف ضعيف، لجواز كونه مؤيّدا أو موجبا لحصول الاطمئنان بعد الاعتضاد، كالشهرة و نحوها ممّا احتمل وقوعه أو غير ذلك من الفوائد.
[1] . الكافي: 1/ 8.
و يدلّ على ذلك ذكر الأخبار العلاجيّة، و اعتراف الكلينيّ بعدم معرفة الصحيح إلا في قليل بقوله: و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقلّه[1].
نعم لا فائدة في ذكر ما علم كونه موضوعا بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة، مع أنّ الكليني قد يخبر عن غير المعصوم عليه السّلام كما لا يخفى.
و أيضا إنّه قال: «رجوت»[2] و الرجاء غير العلم، و لا أقلّ من الاحتمال المنافي للقطع، و احتمال هضم النفس غير نافع كما لا يخفى. و إنّه يحتمل كون إخباره بصحّة أخبار الكافي باعتبار الظهور الموجب للاعتماد و الركون و لو بالدليل الظنّي، كالعرض على كتاب اللّه، كما صرّح بعض بأنّ الصحيح عند العلماء أعمّ من مقطوع الصدور و مظنونه، و قد مرّت إليه الإشارة.
و الإخبار بالصحّة- و لو سلّمنا كونه عن علم- لا يستلزم إلا العلم بالصحّة بهذا المعنى لا بمعنى قطعيّ الصدور.
و عدم عمل القدماء بالظنّ مطلقا- حتّى الظنّ المخصوص- ممنوع، لكون عملهم بظواهر الكتاب ممّا لا يمكن إنكاره. و اقتصارهم على نقل الحديث من غير تمسّك بالأمارات الظنّية غير قادح، فإنّ الاشتغال بشيء لا يستلزم إنكار غيره، و حينئذ لا يجوز الاعتماد، لعدم حجية ظنّ المجتهد لمثله.
لا يقال: الظنّ المخصوص تجب متابعته.
لأنّا نقول: هذا فرع ثبوت كونه كذلك بوجدان الدليل القطعيّ أو إخبار المعصوم عليه السّلام، و أمّا مع عدمهما فلا، فإنّ ما يعتقده عالم دليلا ليس دليلا لعالم آخر.
[1] . الكافي: 1/ 9.
[2] . الكافي: 1/ 8.
و أيضا لو سلّم حصول القطع له لا نسلّم حصوله لغيره بمجرّده كما لا يخفى. و يشهد عليه عدم إيراد الصدوق جميع ما في الكافي، و الشيخ جميع ما في الفقيه، فلا يكون للغير قطع لا بالصدور و لا بلزوم الاعتماد. أمّا الأوّل فواضح. و أمّا الثاني فلعدم الدليل كما أشرنا إليه.
و أيضا حكي عن جماعة من القدماء الطعن في بعض أخبار الكافي بما يقتضي أن لا يكون محّل اعتبار، و كونه أصلا في الحكم بصحّة الأخبار. فعن المفيد أنّه قال في رسالته في الردّ على الصدوق: فأمّا ما يتعلّق به أصحاب العدد من أنّ شهر رمضان لا يكون أقلّ من ثلاثين يوما، فهي أحاديث شاذّة قد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها[1] مع أنّه مذكور في الكافي[2].
و كذا عن ابن زهرة[3]. و عن السيّد أنّه طعن على الخبر الدالّ على سهو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المرويّ في الكافي.
[الأمر الثاني] أنّ الأخبار المودعة في الكتب الأربعة- الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار- كلّها قطعيّة الصدور معلومة الصحّة، لا يحتاج في الاعتماد عليها إلى معرفة حال رواتها و صفة سلسلة سندها
، بل يجوز الاعتماد عليها و إن كان في طريقها و سندها الكذّاب الملعون و المقدوح المطعون، لشهادة بعض الأجلاء- كالكليني و الصدوق- بصحّتها و اعتضاد بعضها ببعض[1].
و كون الراوي ثقة غير راض بالافتراء و لا برواية ما لم يكن بيّنا واضحا عنده و إن كان فاسد المذهب أو فاسقا بجوارحه، و نقل الثقة العالم الورع في كتابه الذي ألّفه لهداية الناس، مع تمكّنه من تحصيل القطع في الأحكام، و تمسّكه.
[1] . راجع الفوائد المدنية: 371- 377؛ الحدائق الناضرة: 1/ 14- 24. و اكثر من فصّل في هذه الجهة استدلالا هو الحر العاملي حيث ذكر في خاتمة وسائله اثنين و عشرين وجها. وسائل الشيعة: 30/ 251- 265، الفائدة التاسعة.
بأصل مع تمكّنه من التمسّك بآخر. و كون الراوي ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم أو كونه ممّن ورد في شأنهم من الأئمة أنّهم ثقات مأمونون[1] أو أمناء اللّه[2] و نحو ذلك.
[1] . جاء في رجال الكشي عن علي بن المسيب قال: قلت للرضا عليه السّلام شقتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت، فعمن آخذ معالم ديني فقال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا. رجال الكشّي: 594، رقم: 1112.
[2] . روى الكشي عن جميل بن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: بشّر المخبتين بالجنّة:
بريد بن معاوية العجلي و أبو بصير ليث المرادي و محمّد بن مسلم و زرارة، أربعة نجباء، أمناء اللّه على حلاله و حرامه، لو لا هؤلاء انقطعت آثار النبوة و اندرست. رجال الكشّي: 170، رقم:286.
🔸- و هو فاسد من وجوه:
أمّا أوّلا: فلأنّه لا ريب أنّ الرواة و المشايخ غير معصومين، فيحتمل في حقّهم السهو و النسيان، و مع هذا الاحتمال يضمحلّ أساس القطع بالوجدان.
و كون مجموع القرائن المذكورة عند الاجتماع مفيدة للقطع لو سلّم غير مفيد في قطعيّة كلّ الأخبار، فإنّ جلّها خال عن كثير منها.
و أمّا ثانيا: فلأنّ المشايخ المتقدّمين مع قرب عهدهم لم يكونوا قاطعين، كما مرّ إليه الإشارة، فإنّ كلّ من قال بكونهم قاطعين قال بأنّ مرادهم من الصحّة القطع بالثبوت. و على تقدير عدم كون مرادهم منها ما ذكر لم يقل أحد بكونهم قاطعين، و قد مرّ أنّ المراد هو الأعمّ.
و لو سلّم القطع منهم فحصوله لهم لا يستلزم حصوله لغيرهم لا عقلا و لا عادة، لإمكان تصوّر الانفكاك و وقوعه كما في الإجماع المنقول بالنسبة إلى الناقل و المنقول له.
و القول بأنّ العلم بمعنى ما تسكن إليه النفس و تقتضي العادة بصدقه الذي يسمّى علما عاديّا و شرعيا، يحصل من خبر الثقة الضابط المتحرّز عن الكذب و غير الثقة المتحرّز عنه أو المحفوف خبره بما يدلّ على صدقه، كما كان حاصلا للصحابة و أصحاب الأئمّة بخبر العدل الواحد و بالمكاتبة على يد الشخص الواحد، فاسد، لأنّ باب احتمال الخطإ العادي غير مسدود، و معه ينسدّ باب العلم العاديّ.
و إرادة ما يعلم لزوم العمل به هذر من الكلام، لأنّها مع كونها خلاف الظاهر تجعل النزاع لفظيّا، مع أنّ العلم بكون الراوي ثقة أو الظنّ به لا يحصل غالبا إلا بعلم الرجال، كما مرّ.
و بالجملة فدعوى العلم إذا كانت ممّا تقتضي بفسادها عادة أهل الحرفة التي ينتسب إليها المدّعي و إن تأمّل غيرهم ممّن ليس يأنس بها، غير مسموعة.
و مجرّد الاطمئنان الذي يزول بعد التأمّل و ملاحظة احتمال الخطإ- كما هو في أكثر أهل التقليد- ليس علما، و لذا يذمّ الكفّار بتقليد آبائهم، و العامّة المطمئنّون بالظنون و الاستحسانات في مقابل النصّ، و العوامّ المطمئنّون بالاعتبارات العقليّة في المسألة الفقهيّة بمجرّد الرجوع إلى كتب الحديث و الفقه، فإنّ في ذلك هدما للشريعة و لزوم الهرج و المرج و اختلال النظام.
نعم الجزم الذي لا يزول بأدنى تشكيك معتبر، و هذا لا يحصل من مجرّد خبر الثقة، لما مرّ و إن حصل منه الاطمئنان الذي يجوز معه الخلاف عقلا و عادة، و هو غير الاطمئنان العلمي العاديّ- الذي يجوز معه الخلاف عقلا لا عادة- و العقليّ الذي لا يجوز معه الخلاف لا عقلا و لا عادة.
فدعوى العلم بصحّة الأخبار المودعة في الكتب الأربعة فاسدة، بل الظنّ بها أيضا بالنسبة إلى كلّ واحد واحد منها، كما لا يخفى.
و أمّا ثالثا: فلأنّ تنصيص بعض الأصحاب بالصحّة معارض بوجوه:
منها: عدم اعتناء أكثر العلماء به و عدم ثبوت الصحّة عندهم به، و لو كان كافيا لتمسّكوا به، لإغنائه عن كلفة علم الرجال.
و منها: استبعاد حصول التميّز بين الصحيح و السقيم- المعلوم اختلاطهما من الخارج- على وجه لا يحصل الخطأ أصلا، لعدم العصمة، فيتحقّق احتماله في بعض مبهم احتمالا موجبا للتزلزل في الكلّ، الذي لا يرتفع إلا بمعرفة صفات الراوي من علم الرجال.
و كذا العجب أنّ القدماء لم يعوّل بعضهم على بعض- كما يشهد عليه كتاب الصدوق- مع قرب عهدهم و سهولة اطّلاعهم باعتقاداتهم و شهاداتهم، و بعض المتأخّرين من يعوّل مع بعده، و ستظهر إيرادات أخر ممّا سيأتي، إن شاء اللّه تعالى.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 37
قلت: الفرق أنّ الأوّل من باب الشهادة على المجهول و الثاني من باب الشهادة على المعلوم، و الأوّل غير مسموع و الثاني مسموع.
فإن قلت: كيف يمكن تحقّق الشهادة و اطّلاع المصنّفين على حال الرواة مع بعد العهد؟
قلت: الشهادة قد تكون علميّة، و العلم قد يحصل من الشياع و نحوه[2] كما في عدالة سلمان و أبي ذرّ و أمثالهما و فسق أضدادهما.
[1] . و يمكن أن نجيب عنه بوجه آخر: و هو أن الاعتماد على الكتب الرجالية، لأجل ثبوت نسبتها إلى مؤلفيها فإذا ثبتت نسبتها عن طريق التواتر و الاستفاضة، أو الاطمئنان العقلاني الذي يعد علما عرفيا أو الحجة الشرعية يصح الاعتماد عليها. و لأجل ذلك تقبل الأقارير المكتوبة و الوصايا المرقومة بخطوط المقر و الموصي أو بخط غيرهم، إذا دلت القرائن على صحتها. كليات في علم الرجال: 37- 36.
[2] . و حاصل الجواب انّه قد يكون المشهود به أمرا يكون مبادئه قريبة من الحسن و إن لم يكن بنفسه حسيا، و ذلك مثل العدالة و الشجاعة فإنّهما من الأمور غير الحسية، لكن مبادئهما حسية من قبيل الالتزام بالفرائض و النوافل و على ذلك فكما يمكن إحراز عدالة المعاصر بالمعاشرة يمكن إحرازه بقيام القرائن و الشواهد على عدالته أو شهرته و شياعه بين الناس على نحو يفيد الاطمئنان. كليات في علم الرجال: 41.
و أمّا عدم تحقّق الرواية فلذلك أيضا، لأنّها أيضا شهادة إلا أنّ الفرق: أنّ المراد من الشهادة في هذا المقام لزوم التعدّد و من الرواية عدمه، مع التساوي في اشتراط العدالة و نحوها.
و أمّا عدم تحقّق الظنّ الاجتهادي، فلأنّ ملاحظة مخالفة الفحول و اختلاط الفسوق و العدول، و تعارض الأخبار الكاشف عن عدم صحّة الكلّ، و احتمال صدور الخطإ عن غير المعصوم عليه السّلام يقتضي التزلزل في صحّة كلّ من الأخبار المودعة في الكتب المتداولة قبل ملاحظة السند، بخلاف ما يصدر منهم في المدح و القدح و نحوهما كما لا يخفى، و ذلك غير خفيّ على الذكيّ بل الغبيّ.
نعم لا بدّ في قبوله من خلع ثوب الاعتساف و التلبّس بلباس الإنصاف.
و أمّا غيره فهو ممّن لا يصحّ التخاطب معه بشيء من الخطاب سيّما ما يتعلّق بمثل هذا الباب.
و ثالثا: أنّ القدماء ذكروا في شأن بعض الرواة أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه[1]. و لا ريب أنّ ذلك البعض ليس معصوما، بل غاية الأمر كونه عادلا، و العادل ليس مصونا عن السهو و النسيان، فيكون الخطأ في قوله محتملا سيّما من اختلف منهم في كونه إماميّا أو غيره، كأبان بن عثمان.
فحكمهم بصحّة ما صحّ عن ذلك البعض مع احتمال الخطإ ينادي بأعلى صوته بأنّ مرادهم من الصحّة ليس القطع و اليقين بثبوت الخبر عن المعصوم عليه السّلام، بل ما يعتمدونه، سواء كان على وجه القطع بالصدور أو الظنّ المعتمد.
و احتمال حصول القطع لهم بخبر ذلك البعض- بانضمام القرائن الخارجيّة- فاسد، فإنّ ظاهر كلامهم نظرا إلى إتيان لفظ الاستقبال في قولهم: «يصحّ» و دلالة المقام بيان القاعدة الكلّيّة بأنّ كلّ خبر يحصل العلم أو نحوه بصحّته إلى ذلك البعض فهو صحيح بالنظر إلى حاله لا بالنظر إلى القرائن، لا بيان حكم الأخبار الشخصيّة بأنّا وجدنا جميع الأخبار الصحيحة إلى ذلك البعض صحيحة بالنسبة إلى من قبله.
فإرادة الأوّل تدليس، و لا أقلّ من كون ذلك سببا لإجمال مرادهم من لفظ الصحّة، فلا يكون المتيقّن إلا حصول الاعتماد لهم في الجملة، فقولهم: تلك الأخبار صحيحة إخبار عن الاعتماد، فإذا كان بناؤهم على تحصيل الاعتماد بالقطع أو الظنّ من جهة القرائن، كان الاعتماد على اعتمادهم من قبيل الاعتماد على اجتهاد الغير، و هو غير جائز إجماعا ظاهرا. مضافا إلى التزلزل الحاصل من جهة احتمال الخطإ و نحو ذلك.
فلا بدّ لغيرهم أيضا من تحصيل الاعتماد و لا يحصل من حكمهم، لما مرّ، بل يتوقّف على ملاحظة السند و الرجوع إلى علم الرجال، فإنّ الصحيح عند القدماء ربّما يكون متحقّقا بملاحظة القرائن المفيدة للاعتماد، بخلاف الصحيح عند المتأخّرين، فإنّ القرائن لمّا اختفت عليهم بسبب التقيّة و نحوها احتاجوا فيه إلى ظنّ كون الراوي عدلا إماميّا ضابطا، و ذلك لا يحصل غالبا إلا بعلم الرجال كما لا يخفى.
و رابعا: أنّ الأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهم السّلام تدلّ على لزوم الرجوع إليه كما مرّ، فإنّ ترجيح الأعدل عند التعارض لا يمكن إلا به، لعدم تعرّض القدماء لذلك إلا الشيخ نادرا، على وجه لا يكون كافيا بالنسبة إلى الأخبار المتعارضة، فكأنّ ما ذكر المستدلّ اجتهاد في مقابل النصّ، بل العقل القاطع، كما مرّ.
و خامسا: أنّ الشيخ، الذي هو مرجع الأخباريّين، قد بنى على الاجتهاد في السند و الدلالة، كما يشهد عليه كتاباه للمتتبّع، فالعجب ممّن تابعه ينكره فكأنّه داخل في جملة من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و يقولون ما لا يفعلون.
و كفاية اجتهاده لغيره ممّا لا دليل عليه.
و حجّة النافين أمور:
[الأمر الأوّل] ما يظهر من صاحب الحدائق في مقام إبطال الاصطلاح بتنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة المشهورة و نحوه، مدّعيا صحّة الأخبار،
و هو: أنّ التوثيق أو الجرح الذي بنوا عليه [تنويع][1] الأخبار إنّما أخذوه من كلام القدماء، و كذلك الأخبار التي رويت في أحوال الرواة من المدح و الذمّ إنّما أخذوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صحّحوه من الأخبار و ضمنوا صحّته، كما صرّح به جملة منهم، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي و الفقيه و كلام الشيخ في العدّة و كتابي الأخبار[2]، فإن كانوا ثقات عدولا في الإخبار بما أخبروا ففي الجميع و إلا فالواجب تحصيل الجرح و التعديل من غير كتبهم و أنّى لهم به!
لا يقال[3]: إخبارهم بصحّة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظنّ القوي باستفاضة أو شياع أو شهرة معتدّ بها أو قرينة أو نحو ذلك.
لأنّا نقول: [فيه][4].
[1] . زيادة أثبتناها من المصدر.
[2] . أي تهذيب الأحكام و الاستبصار.
[3] . قال صاحب الحدائق في الهامش: هذا أحد الأجوبة التي أجابوا بها فيما ذكرنا، صرح به شيخنا أبو الحسن قدّس سرّه في كتاب العشرة الكاملة، حيث إنّه في الكتاب المذكور كان شديد التعصب لهذا الاصطلاح و ترويج القول بالاجتهاد، إلا أنّ مصنّفاته الأخيرة تدلّ على عدوله عن ذلك و ميله إلى العمل بالأخبار، و إن كان دون طريقة الأخباريين من الجادة الوسطى التي قدمنا الإشارة إليها. الحدائق الناضرة: 1/ 16، هامش: 1.
[4] . زيادة أثبتناها من المصدر.
أوّلا: إنّ أصحاب هذا الاصطلاح مصرّحون بأنّ مفاد الأخبار عند المتقدّمين هو القطع و اليقين، و إنّما عدلوا عنه إلى الظنّ لعدم تيسّر ذلك لهم.
و أمّا ثانيا: فلما تضمّنته تلك العبارات ممّا هو صريح في صحّة الأخبار بمعنى القطع و اليقين بثبوتها عن المعصومين.
فإن قيل: تصحيح ما حكموا بصحّته أمر اجتهاديّ لا يجب تقليدهم فيه، و نقلهم المدح و الذم رواية يعتمد عليهم فيها.
قلنا: إخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذّابا و نحو ذلك أمر اجتهاديّ استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا[1].
و بالجملة فهم ممّن سهرت عيونهم في تصحيحها و ذابت أبدانهم في تنقيحها، و قطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان و هجروا في تنقيتها الأولاد و النسوان، سيّما و قد ورد عن الأئمّة عليهم السّلام المنع عن العمل بكلّ رواية تحرّزا عن الأحاديث الموضوعة.
فهؤلاء الثقات إذا سمعوا ذلك كيف يحتمل نقلهم ما لا يثقون بصحّته و لا يعتمدون على حقّيّته، بل من المقطوع و المعلوم عادة من أمثالهم أنّهم لا يذكرون و لا يريدون في مصنّفاتهم إلا ما اتّضح لهم فيه الحال، و أنّه في الصدق و الاشتهار كالشمس في رائعة النهار، لأنّهم نوّاب حفّاظ الشريعة و حرّاسها، و بهم استحكام بنائها و أساسها، فلا حاجة إلى ملاحظة السند الموقوفة على الرجوع إلى علم الرجال غالبا، كما مرّ[2].
[1] . الحدائق الناضرة: 1/ 16- 17. و قد ذكر المحقق البحراني رحمه اللّه وجها ثالثا لم يشر اليه المصنّف رحمه اللّه. فراجع.
[2] . الحدائق الناضرة: 1/ 8- 9.
و فيه:
أوّلا: أنّ العمل بأخبار هؤلاء في المدح و القدح و نحوهما من أحوال الرواة في الجملة ممّا أجمع عليه الفريقان و إن اختلفوا في جهة الحجيّة إنّها الشهادة أو الرواية أو الظنّ الاجتهاديّ، و ليس حال تصحيحهم كذلك، فالإجماع القاطع مرجّح و موجب العمل به ثمّة، مضافا إلى أنّ العقل الذي هو النور الساطع أيضا بذلك قاطع، حذرا عن لزوم المفاسد الشنيعة التي منها لزوم إبطال الشريعة، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة و بصيرة!
و ثانيا: أنّه لا يخلو الجرح و التعديل عن الأقسام الثلاثة، و لا يتحقّق شيء منها في تصحيحهم. أمّا عدم تحقّق الشهادة فلأنّها عبارة عن إخبار جازم بما شاهده أو سمعه أو علمه.
و كلام الصدوق الذي هو أصرح في مقصود المستدلّ بزعمه يدلّ على خلافه حيث قال: بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي تقدّس ذكره[1]، فإنّه يدلّ على أنّ تصحيحه إن كان يكون من باب حكمه و فتواه، و ذلك ليس شهادة بل اجتهاد، و لا أقلّ من الاحتمال المنافي للاستدلال، بخلاف قولهم في المدح و القدح و نحوهما، فإنّ ظاهر الأخبار الشهادة كما لا يخفى.
[1] . من لا يحضره الفقيه: 1/ 3.
لا يقال: لا بدّ في حصول الشهادة من السماع من الشاهد، و لا يكفي مجرّد نقله في كتابه في كونه شهادة.
لأنّا نقول: هذا مشترك الورود، و هذا هو الداعي في عدم كون الجرح و التعديل من باب الشهادة، للزوم عدم حصول حديث صحيح أصلا أو ندرة حصوله غاية الندرة، و كذا كونهما من باب الرواية، فينحصر الأمر في الأخير، و سيأتي عدم حصوله في الأوّل و حصوله في الثاني، و إنّما ذكرنا الاحتمالين الأوّلين جريا على طريقة القائلين بهما[1].
فإن قلت: فعلى هذا فما الفرق بين القسمين؟
قلت: لو بني الأمر على ظاهره لزم فساد الشريعة و إبطال الدين، لعدم وفاء ما وافق القرآن أو السنّة أو نحوهما بعشر من أعشار الشريعة، كما لا يخفى على من طالع كتب الأخبار.
مضافا إلى أنّ المعصوم عليه السّلام أمر بردّ ما خالف. و أمّا ما لم يكن مخالفا و لا موافقا- لعدم ذكر مضمونه في القرآن و السنّة نظرا إلى ما بلغ إلينا كما هو الغالب- فلم يذكر حكمه، فلا بدّ في العمل به، الذي لا محيص عنه، من الاعتماد الحاصل من معرفة حال الرواة الموقوف غالبا على علم الرجال[1].
[1] . و قد استدلّ للحاجة الى علم الرجال بسيرة العلماء. و أصل هذا مستفاد من كلام الشيخ قدّس سرّه حيث قال: انّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، و وثّقت الثقات منهم، و ضعّفت الضعفاء و فرّقوا بين من يعتمد على حديثه و روايته و من لا يعتمد على خبره، و مدحوا الممدوح منهم و ذموا المذموم و قالوا فلان متهم في حديثه و فلان كذاب و فلان مخلط و فلان مخالف في المذهب و الاعتقاد و فلان واقفي و فلان فطحي و غير ذلك من الطعون التي ذكروها و صنفوا في ذلك الكتب، و استثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم، حتّى أنّ واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في اسناده و ضعفه بروايته، هذه عادتهم على قديم الوقت و حديثه لا تنخرم. عدة الأصول: 1/ 142- 141.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 33
و أمّا النقل
فروايات:
منها: ما ورد في علاج التعارض بين الأخبار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر[1].
و وجه الدلالة واضح، فإنّ الأخذ بقول الأعدل موقوف على معرفة عدالتهما أو أعدليّة أحدهما، و لا يحصل ذلك غالبا إلا بعلم الرجال، لما مرّ. و سياق الكلام بل الإتيان بصيغة المضارع يناديان بأنّه في بيان القاعدة الكلّيّة و ليس قضيّة [في] واقعة شخصيّة، مع عدم الخلاف في اتّحاد الحكم. و وروده في الحكم غير قادح لكفاية الإيجاب الجزئيّ في المقام، مضافا إلى الإجماع المركّب.
[1] . الكافي: 1/ 68- 67، ح 10، باب اختلاف الحديث؛ وسائل الشيعة: 27/ 107، ح 33334.
و منها: ما رواه زرارة قال: سألت الباقر عليه السّلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال عليه السّلام: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشّاذّ النّادر، فقلت: يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم، فقال عليه السّلام: خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك[1]؛ الحديث.
و وجه الدلالة ظاهر كما مرّ. و توهّم الاختصاص و نحوه هنا مثل ما مرّ.
و منها: ما روي عن الصادق عليه السّلام: إنّ لكلّ رجل منّا رجلا يكذب عليه[2]، و مثله عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله[3].
وجه الدلالة أنّ مقتضى ذلك الحديث عدم الاعتماد بكلّ حديث، و توقّف العمل على التميّز بين الموثوق به و غيره، و لا ريب أنّ ذلك غالبا لا يحصل إلا بعلم الرجال كما مرّ.
و منها: ما روي عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا و يسقط صدقنا بكذبه علينا عند النّاس- إلى أن قال-: و كان أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ عليه السّلام قد ابتلي بالمختار[4].
[1] . غوالي اللئالي العزيزية: 4/ 133، ح 229؛ مستدرك الوسائل: 17/ 303، ح 21413.
[2] . لم نعثر على نصّه، و ان نقله المحدّث البحراني رحمه اللّه. الحدائق الناضرة: 1/ 8.
[3] . قال صلّى اللّه عليه و آله: ستكثر بعدي القالة علي. المعتبر في شرح المختصر: 1/ 29.
[4] . رجال الكشي: 305، رقم: 549. قال السيد الخويي رحمه اللّه: هذه الرواية لعل فيها تحريفا، فإنّ المختار بن أبي عبيدة كان في الكوفة، و الحسين بن علي عليه السّلام كان بالمدينة، و لم ينقل و لا بخبر ضعيف كذب من المختار بالنسبة إلى الحسين عليه السّلام، و غير بعيد أنّ المختار الذي كان يكذب على الحسين عليه السّلام أنّ يكون رجلا آخر غير المختار بن أبي عبيدة. و للتفصيل راجع معجم رجال الحديث: 19/ 102- 110، رقم: 12185.
وجه الدلالة واضح، و القصور لو كان بالعمل مجبور، مضافا إلى عدم الاحتياج إليها بالنسبة إلى الاصوليّين، لعدم الخلاف بينهم، و الأخباريّون غير قائلين بالقصور في أمثال ما ذكر سيّما ما ورد في علاج التعارض.
مضافا إلى ما ذكره بعض الأخباريّين[1] من رواية هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن و السّنّة أو تجدوا معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد دسّ[2] في كتب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبيّ، فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله[3].
قال يونس: وافيت العراق، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام و وجدت أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام متوافرين فسمعت منهم و أخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرّضا عليه السّلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه عليه السّلام و قال لي: «إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللّه عليه السّلام:
لعن اللّه أبا الخطّاب و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون في هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن[4] الحديث.
و وجه الدلالة أنّ الحديث ظاهر في دسّ الكاذبين من المعلومين و المجهولين في أخبار الأئمّة الطاهرين و خلط السقيم بالصحيح و الغثّ[5].
[1] . هو صاحب الحدائق. منه رحمه اللّه.
[2] . الدسّ: الإخفاء و دفن الشيء تحت الشيء على ما في القاموس. و الدسّ هنا هو على وجه الاستعارة كما لا يخفى. منه رحمه اللّه. القاموس المحيط: 2/ 215، دس.
[3] . رجال الكشّي: 224، رقم: 401.
[4] . رجال الكشّي: 224، رقم: 401.
[5] . أي المهزول. منه رحمه اللّه.
بالسمين، فلا بدّ من معرفة من شأنه ذلك ممّن لم يذكر في الحديث ليجتنب عمّا يخبر به و يمتثل النهي، و لا يحصل ذلك غالبا إلا بعلم الرجال.
فإن قلت: قد صرّح في ذيل الحديث- كصدره- بالأمر بأخذ ما وافق القرآن و سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و ردّ ما خالفه، فيكفي في العمل مجرّد الموافقة في الدلالة فلا حاجة إلى ملاحظة السند.
في بيان الحاجة إلى علم الرجال و هاهنا مقامان:
الأوّل: مقام إثبات الحاجة إليه في الجملة على سبيل القضيّة المهملة، التي هي في قوّة الجزئيّة في مقام سلب السلب الكلّيّ، ردّا على الأخباريّين المنكرين لها.
الثاني: مقام إثبات الحاجة إليه كلّيّة بجعل القضيّة المهملة مسوّرة بسور الكلّية في مقام الردّ على بعض الأصوليّين القائل بجواز العمل بتصحيح الغير.
فنقول في المقام الأوّل:
[الأوّل: مقام إثبات الحاجة إليه في الجملة على سبيل القضيّة المهملة]
[أدلة مثبتي الحاجة الى علم الرجال]
اعلم أنّ الاحتياج إليه في الجملة ثابت بالعقل و النقل.
أمّا العقل:
فأوّلا: أنّ الخبر الذي لا محيص عن العمل به من حيث هو ممّا يحتمل الصدق و الكذب- كما هو المقرّر- فترجّح أحدهما و الحكم به موقوف على مرجّح، لقبح الترجيح بلا مرجّح و التعيين بلا معيّن.
و المرجّح إمّا علميّ أو ظنيّ؛ و العلمي إمّا داخليّ أو خارجيّ. و الداخليّ هو المتواتر بأقسامه. و الخارجيّ هو الاحتفاف بالقرائن القطعيّة.
و كلاهما منتف في غالب الأخبار كما لا يخفى على من تأمّل و راجع وجدانه، لقلّة الوسائط و اختفاء القرائن بالتقيّة، و سيأتي لذلك مزيد إيضاح. فتعيّن العمل بالمرجّح الظنّيّ، حذرا عن لزوم الأقبح من التكليف بما لا يطاق، أو العسر و الحرج و اختلال النظام، أو الهرج و المرج و التسوية بين الراجح و المرجوح، أو ترجيح المرجوح أو الخروج عن الدين، فإنّ العقل يحكم بارتكاب أقلّ القبيحين، لسلامته عن القبح الزائد و قبح العمل بالقبيح الزائد قبيح.
و ذلك المرجّح أيضا إمّا داخلي أو خارجي. و الأوّل عبارة عن وثاقة المخبر و عدالته و الاعتماد عليه و نحوها، و الثاني عبارة عن الاحتفاف بالقرائن الظنّيّة كاعتضاد بعضها ببعض و سيرة المسلمين و نحو ذلك. و لا شكّ أنّ الثاني غالبا منتف كما لا يخفى على المتأمّل، و سيأتي له إيضاح- إن شاء اللّه تعالى-، فتعيّن الأوّل.
فلا بدّ من العلم بالوثاقة و نحوها أو ما يقوم مقامه من الظنّ الذي ثبتت حجّيّته، و ذلك لا يحصل إلا بالاختبار أو الإخبار كما لا يخفى. و الأوّل متعذّر غالبا بل كلّيّا، لأنّه موقوف على نحو المصاحبة و المعاشرة[1] الموقوفتين على المقارنة في زمان الوجود و الملاقاة المخصوصة. و الكلّ منتف، فتعيّن الثاني.
و ذلك إمّا بالإخبار الشفاهيّ الملفوظيّ أو المكتوبيّ، و الأوّل متعذّر غالبا، لتوقّفه على وجود المخبر المقارن المصاحب، و هو غير موجود، فتعيّن الثاني، و محلّه كتب الرجال، فتعيّن الحاجة إليها و إلى العلم بأحوالهم.
و ثانيا: أنّ جلّ الأخبار متعارضة، و العمل بأحدها و تعيينه بلا مرجّح قبيح عقلا، و التسوية بينها مع العلم بالرجحان في الواقع أيضا قبيحة، فلا بدّ من تحصيل العلم بالمرجّح، و يحصل ذلك من الرجال، فلا بدّ من تحصيل علم الرجال، حذرا عن القبيح.
و ثالثا: أنّ حجّيّة الخبر إمّا من جهة الآيات كآية النبإ[2] أو من جهة إفادة الظنّ. و على التقديرين لا بدّ من معرفة وثاقة الرواة، أمّا على الأوّل فواضح، لاعتبار العدالة في مفهوم الآية الذي هو المستند، و يمتنع عند العقل العمل بالمشروط من دون حصول الشرط. و أمّا على الثاني فلأنّ الظنّ غالبا لا يحصل إلا بمعرفة وثاقة الرواة، لانتفاء الاعتضاد و الاحتفاف بما يوجب الاطمئنان و الاعتماد من القرائن الخارجيّة غالبا، و المعرفة موقوفة بالرجوع إلى علم الرجال، لما مرّ.
و رابعا: أنّا نعلم بالتسامع و نحوه أنّ الرواة بعضهم كاذب و وضّاع و ضعيف، فقبل معرفة وثاقة السند و نحوها يحصل التزلزل في صدور الخبر عن المعصوم عليه السّلام، و معه يكون العمل به و نسبته إلى المعصوم عليه السّلام قبيحين، لعدم الاطمئنان الموجب لتحقّق النسبة، و المعرفة لا تتحقّق إلا بعلم الرجال كما مرّ.
و خامسا: أنّ التعبدّ بما يحتمل الخطأ خطأ و قبيح، فلا بدّ من تحصيل ما يرفع به الاحتمال في مقام السند و الدلالة، و ممّا يرفع به الاحتمال في مقام السند حصول الاطمئنان، فلا بدّ من طلبه حتّى يحصل العلم بالتعذّر و الضرورة الملجئة إلى العمل بما ليس ذلك فيه. و ذلك لا يحصل غالبا إلا بعلم الرجال كما لا يخفى.
📕 لب اللباب في علم الرجال المؤلف : شريعتمدار الأسترآبادي، محمد جعفر الجزء : 1 صفحة : 31
