قناة: د. محمد آل رميح.
📈 Analytical overview of Telegram channel قناة: د. محمد آل رميح.
Channel قناة: د. محمد آل رميح. (@mohdromih_drs) in the Arabic language segment is an active participant. Currently, the community unites 11 942 subscribers, ranking 7 434 in the Religion & Spirituality category and 6 326 in the Saudi Arabia region.
📊 Audience metrics and dynamics
Since its creation on невідомо, the project has demonstrated rapid growth, gathering an audience of 11 942 subscribers.
According to the latest data from 08 September, 2026, the channel demonstrates stable activity. Although there has been a change in the number of participants by 19 over the last 30 days and by 1 over the last 24 hours, overall reach remains high.
- Verification status: Not verified
- Engagement rate (ER): The average audience engagement rate is 17.08%. Within the first 24 hours after publication, content typically collects 5.74% reactions from the total number of subscribers.
- Post reach: On average, each post receives 2 039 views. Within the first day, a publication typically gains 685 views.
- Reactions and interaction: The audience actively supports content: the average number of reactions per post is 17.
- Thematic interests: Content is focused on key topics such as عَلَم, إِنسَان, كِتَاب, نَبِيّ, اِبن.
📝 Description and content policy
Channel description not provided.
Thanks to the high frequency of updates (latest data received on 09 September, 2026), the channel maintains relevance and a high level of publication reach. Analytics show that the audience actively interacts with content, making it an important point of influence in the Religion & Spirituality category.
Data loading in progress...
| Date | Subscriber Growth | Mentions | Channels | |
| 09 September | +3 | |||
| 08 September | +2 | |||
| 07 September | +8 | |||
| 06 September | +9 | |||
| 05 September | +3 | |||
| 04 September | 0 | |||
| 03 September | +1 | |||
| 02 September | +6 | |||
| 01 September | +2 |
| 2 | .
يومٌ عادي لحافظ قرآن
يذهب إلى المسجد الذي يبعد أربع دقائق من بيته ليصلي الفجر، فيقرأ وجهًا في ذهابه، ووجها في رجوعه.
فالمسافة القصيرة عند المتقن تتسع لبركات كثيرة.
ثم يرجع إلى بيته وربما نام.
وإذا استيقظ نهض إلى عمله وقام إلى دوامه، وعادته أن يأخذ من وقته في زحام الرياض عشرين دقيقة، يراجع في طريقه خمسة عشر وجها، فالقرآن مذلل على لسانه، لكثرة ترداده، فليس يفتش عن أوائل الصفحات، ولا يتلعثم بنسيان الآيات.
فإذا وجد زحامًا، أو استوقفته إشارة للمرة الثانية فرح ولم يضق ولم يتبرم! فما يضيق به الناس يتسع لورده! فالعادة أن هذا الزحام، وذلك الوقوف يزيد؛ في ورده إلى أربعة أوجه أحيانا.
وربما لم يكمل ورده إلا في الدرج أو على باب مقر عمله.
وفي الساعة الحادية عشر يتوضأ ويخلو بنفسه قليلًا من وهق العمل، ليصلي الضحى، فيصلي ركعتين خفيفتين ثقيلتين في الميزان، يتريث فيها شيئا، يصليها في عشر دقائق، يقرأ في كل ركعة وجهين تامين بتمهل وسكينة، وهنا يجد الفرق بين قراءته ماشيا وقراءة الصلاة، فطالما كان يجد روحه وراحته في ورده في صلاته.
ثم يصلي الظهر، ويحرص أن يأتي قبيل الإقامة بعشر دقائق، وهي كافية ليصلي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة ربع وجه.
وفي طريق عودته للبيت يراجع خمسة أوجه.
فالقرآن معه في كل فُرَج يومه، والدقائق التي لا يلتفت لها الناس يلتقطها فتكون له نورًا يوم القيامة.
ثم يأخذ قيلولته كالعادة.
ليستيقظ مع أذان العصر، ويحاول أن يصلي تحية المسجد، فربما استطاع أن يقرأ في كل ركعة نصف وجه.
ثم يرجع إلى بيته وأهله، إلى أذان المغرب ويذهب إلى الصلاة ويصلي النافلة البعدية، فلا تكاد تتجاوز خمس إلى سبع دقائق، يقرأ نصف وجه في كل ركعة، فهذه الدقائق لا تكاد ترى في حساب اليوم، لكنها تجتمع مع أخواتها وردًا مباركًا.
وهكذا في النافلة البعدية لصلاة العشاء.
وربما ذهب لزيارة أحد، أو حضر دعوة، أو ذهب للسوق يقضي بعض شأن أهله، فيقرأ في ذهابه ثلاثة أوجه، وربما أكثر، وهكذا في طريق عودته، فالطريق عند حافظ القرآن ليس مسافة بين مكانين، لكنه ورد بين توقفين.
ثم هكذا قبيل نومه يوتر بثلاث ركعات متوسطات، يقرأ في كل ركعة وجها أو وجهين.
فورده اليومي في يومه العادي جزءان، يقرأهما على مكث.
وهو كغيره من الناس، له أعمال تشغله وأهلون لهم حقوق، ومنغصات تكدر عليه صفوه، لكن سرّه ليس كثرة أوقات فراغه! ولكن في قلة ما يهدره من أوقاته!
هذا يوم عادي من أيام حافظ للقرآن، لكن الأيام العادية التي تعمر بالقرآن لا تبقى عادية!
ومع ذلك فإنه كثيرا ما يلوم نفسه يقول:
هذان جزءان في أوقات متفرقة، لم أجلس فيها جلسة خاصة للورد، ولو جلست لكان يومي ليس عاديًا حقًا! | 952 |
| 3 | .
نقل توماس أرنولد في كتابه الماتع -الدعوة إلى الإسلام- ص(٣٠٤) عن البروفيسور مونتيه قوله:
"الإسلام دين عقلي؛ بأوسع معاني هذه الكلمة". | 963 |
| 4 | وأخيرًا بماذا ختمت سورة يوسف؟ السورة التي سماها الله أحسن القصص.
سورة الإبتلاءات، ابتلاءات الكيد والجب والرق وكيد النساء والاتهام والسجن ثم الامتحان بالملك والسلطة والمال.
سورة الإحسان! الإحسان في حال الاستضعاف والإحسان في حال البلاء والسجن، والإحسان في حال الملك والقوة.
سورة الدعوة في مراحل الحياة الخافضة والرافعة.
سورة الثبات في مواجهة الإغراء، والثبات في السجن، والثبات عند فتنة الخروج من السجن بغير تبرئة، والثبات عند حصول الملك والقوة.
السورة التي نزلت بعد موت أبي طالب وخديجة.
سورة الفراق المحرق، واللهفة الأبوية، والحزن الطويل على الابن الأثير، والعين الباكية، وآلام السنين، ثم روعة اللقاء وفرحة الاجتماع بالأبوين والإخوة والأهل.
لقد ختمت هذه السورة بخاتمة جليلة:
•• فختمت بالدعاء بالثبات! كما قال ﷻ عن دعاء يوسف: (رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ).
•• وختمت بذكر بعض موانع الاستجابة للدعوة والحق، فجاء ذكر بعضها:
- المانع الأول: الغرم المالي، والكلفة الدنيوية، يقول ﷻ: (وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ)، وكثيرا ما تكرر في القرآن تجريد الداعية والمصلح من الأغراض الدنيوية وراء دعوته، إغلاقا للعذر لأهل الباطل، وتزكية للمصلح الصادق في دعوته أن لا يرقب مكسبًا دنيويا، ولا يربأ مغنما ماديا.
- المانع الثاني: الإعراض عن الحجج، والإدبار عن البراهين، يقول ﷻ: (وَكَأَیِّن مِّنۡ ءَایَةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ یَمُرُّونَ عَلَیۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ).
- المانع الثالث: الأمن من العقوبة والعذاب، قال ﷻ: (أَفَأَمِنُوۤا۟ أَن تَأۡتِیَهُمۡ غَـٰشِیَةࣱ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِیَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ).
- المانع الرابع: عدم الاعتبار عند السير في الأرض، قال ﷻ: (أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ).
فإن السير في الأرض ربما أيقظ قلب المعرض، فيرجف قلبه إذا رأى آثار السالفين، وفناء عمارتهم.
•• وختمت بتقسيم الناس في موقفهم من الحق إلى ثلاثة أقسام:
١ - من لا يؤمن بالوحي، وهم أكثر الخلق، (وَمَاۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِینَ).
٢ - من يؤمن ثم يقدح في إيمانه بما يشوبه من الشرك!، بالرياء والسمعة والتفات القلب عن ﷲ في توكّله وتوجهه، ونحوها مما يشرك به، وهم أكثر أولئك القليل ممن لم يدخل في القسم الأول، قال ﷻ: (وَمَا یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ).
٣- أهل الإخلاص لله في دعوتهم وعبوديتهم، قال ﷻ: (قُلۡ هَـٰذِهِۦ سَبِیلِیۤ أَدۡعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِیرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِیۖ وَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ)، وتأمل كيف أكد شأن الإخلاص، فقال: (إِلَى ﷲ)، ثم كرر فقال: (وما أنا من المشركين)، وقد جاء الثناء على أهل الحق والدعوة في الآية، بأن سبيلهم واحدة، لا تفرق فيها ولا اختلاف.
وأن أهلها أهل يقين بها لا يرتابون ولا يترددون، وهم أهل تميّز عن المشركين، في كل أحوالهم، ضعفا وقوة.
وهم سلسلة طاهرة يمضون على نهج من سلف، فليسوا خارجين عن طريقة النبوة الأولى، ولا مخترعين لسبيل لم تسلك، قال ﷻ: (وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰۤۗ)
•• ثم يأتي الختام الشجي، الختام بذكر سنة ﷲ في أهل الدعوات، بعد البلاء والتضحية والصبر، {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء}.
وهكذا يختم سياق قصة البلاء العظيم، العظيم في وقعه، وفي تنوعه، وفي طوله، إن العاقبة لأهل التقوى والإيمان والصدق.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷲ. | 1 003 |
| 5 | أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)!
فذكر ما لحقه من بلاء الرق ثم قال: (وَكَذَ ٰلِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ)!
ثم تأمل قوله ﷻ: (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ)، فهو محيط بأمور العباد يدبّر شأنهم ويقضي لهم، ثم لعلهم أن يكرهوا بعض ما يجدون، ولا يعلمون أن الخير فيما يدبر لهم ربهم.
• تعلمنا سورة يوسف بشرية المجتمع! ولو كان مجتمعا صالحا، فتذكر لنا حال الأب الملهوف، والأبناء الذين يحسدون أخاهم، والشاب الذي تثور فيه رغبات الرجولة ويكبتها، والسجين الذي يتمنى الخلاص!
هكذا تعلّمنا السورة دون تسامٍ على الطبع البشري، ولا عيش في المثاليات.
• علمتنا سورة يوسف أن الأخذ بالسبب قد لا ينتج النتيجة:
فقد احتاط يعقوب فقال: (لا تقصص رؤياك)، ولكنه قص الرؤيا ووقع المحذور.
وقال يوسف لصاحبه الذي ظن أنه ناج: (اذكرني عند ربك)، ولكن صاحبه نسي ولم يذكره عند الملك.
وقال يعقوب: (لا تدخلوا من باب واحد)، خوفا عليهم، ومع هذا غاب عنه ابنه الثاني.
• وتعلمنا سورة يوسف أن التدبير الإلهي للأمور ربما كانت على خلاف ما يتوقع، فنهاية حب يعقوب ليوسف كانت مكر إخوته به، ونهاية إلقائهم له في الجب الإعزاز في بيت العزيز، ونهاية السجن الملك العظيم لمصر، فلا تتذمر مما تلاقي من المحن، ولا تجزع لها.
• وعلمتنا سورة يوسف أنَّ الحديث عن النعمة قد يكون له آفة:
ولذا قال يعقوب ﷺ لابنه: (لا تقصص رؤياك على إخوتك)، وأما التحدث بنعمة ﷲ فالمقصود أن من الشكر أن يذكر الإنسان ما أكرمه ﷲ به من نعمه، إظهارًا للامتنان والشكر، فإن خشي حسدًا أو بغيًا فليحذر.
وعلمتنا سورة يوسف أن الخلوة مبعث الشهوة، ومحرك الطمع في الحرام، ولذا طمعت امرأة العزيز وتعرضت ليوسف ولكن الله عصمه.
• وعلمتنا سورة يوسف أن الإخلاص ينجي العبد الصالح، قال ﷻ: (وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ)
وفي قراءة سبعية: (المخلِصين).
• وعلمتنا سورة يوسف أن المؤمن يجب عليه ألا يعرض نفسه لمواطن الفتن، وأنه يجب أن يفر من موضع الفتنة ومكانها، ولهذا لما عرضت الفتنة على يوسف فرّ وهرب: (وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِیصَهُۥ مِن دُبُرࣲ).
وفي سنن أبي داود ﻋﻤﺮاﻥ ﺑﻦ ﺣﺼﻴﻦ، ﻳﺤﺪﺙ ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﻣﻦ ﺳﻤﻊ ﺑﺎﻟﺪﺟﺎﻝ ﻓﻠﻴﻨﺄ ﻋﻨﻪ، ﻓﻮاﻟﻠﻪ ﺇﻥ اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻴﺄﺗﻴﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺴﺐ ﺃﻧﻪ ﻣﺆﻣﻦ ﻓﻴﺘﺒﻌﻪ، ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻌﺚ ﺑﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﺒﻬﺎﺕ»
- وتعلمنا سورة يوسف أنّ المؤمن داعية إلى الخير ولو كان في بأس وألم:
انظر إلى يوسف عليه السلام وهو في البلاء لم تنسه المحنة والكرب أن يدعو إلى التوحيد، فقال: (یَـٰصَـٰحِبَیِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابࣱ مُّتَفَرِّقُونَ خَیۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَ ٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ).
وقد سلك معهما مسلكًا لطيفًا في الدعوة، فدعاهما بتقبيح الباطل فقال: (أأرباب متفرقون).
• وتعلمنا سورة يوسف أن الداعية الناجح، والمصلح النابه، هو الذي يبتدئ الناس بالبذل والعطاء والعطف والإحسان، فإنهم إذا رأوه على هذا الخلق قبلوا دعوته، ومالوا إليه، ولذا قال الرجلان له حين سألا تأويل الرؤيا: (نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِیلِهِۦۤۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ)!
فرأيا من إحسانه ما حملهما لوصفه بذلك.
• بل إن سورة يوسف تؤكد على المؤمن أن يكون خلقه الإحسان في كل أحواله، قال له صاحبا السجن في السجن: (إنا نراك من المحسنين)، وقالها له إخوته وهو في أبهة الملك وعزّ السلطان: (إنا نراك من المحسنين).
ومن اللطيف أن إحسان يوسف اتسع ليشمل عدوه! الظالم له، فإن سجّانه بعث إليه في سجنه يستفتيه في الرؤيا!
فهل امتنع عن العطاء؟
هل توقف عن الإحسان إلى القوم الذين ظلموه وآذوه؟
لا، وليس ذلك له بخلق ﷺ.
بل عبّر لهم رؤياهم، وأفتاهم، وأعطاهم تلك الاستشارة الاقتصادية التي جنّبت بلادهم أزمة اقتصادية ضخمة.
فماذا كانت عاقبة المحسنين؟
لقد كافأه ﷲ! والله يحب المحسنين، وخرج ممكنًا في الأرض، عزيزًا لمصر.
وتعلمنا سورة يوسف أن الفرج موكول بالبلاء، وأن للهم نهاية، ولذا فإن أكثر سورة ذكر فيها اليأس: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا)، (لا تيأسوا من روح الله)، (حتى إذا استيأس الرسل)
وتعلمنا سورة يوسف أنك ربما كنت عند بعضهم شيئا رخيصا، لا تعطى قدرا، لم ولا يقام لك وزن، قال تعالى: (وشروه بثمنٍ بخس)، لا تحزن فالقدر الحقيقي عند ﷲ.
- وتعلّمنا سورة يوسف ألا نترك فاصلًا زمنيًا للفتنة، فإن الله ذكر عن يوسف مقالته حين عرضت عليه الفتنة: (وقالت هيت لك قال معاذ ﷲ)
فلم يكن هناك عطف للقول على القول، وهذا إيماء إلى سرعة الفعل. | 710 |
| 6 | .
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
سورة يوسف، سورة قصة البلاء الطويل، ولوعة الفؤاد، وحرقة القلب.
إنها سورة أحسن القصص.(نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ).
لقد كانت سورة فريدة في موضوعها، فقد اشتملت قصة واحدة من أولها إلى آخرها، وابتدأت برؤيا يوسف وانتهت بتأويلها.
لقد عرضت السورة أحوال يوسف في أنحاء مختلفة، فذكرته غلاما صغيرا يخاف عليه أبوه الحاني ﷺ، وعرضته مملوكا متعففا في القصور والترف، وعرضته سجينا محسنا للسجناء داعيا لهم، ثم عرضته عزيزا لمصر متصرفا في أموالها وخزائنها.
• إنها السورة التي طالما وجد فيها أهل البلاء سلوتهم، ولقوا فيها عزاءهم.
ولقد كان نزولها على النبي ﷺ في مكة، في وقت شدة قريش عليه، وامتحانهم له ولصحابته رضوان ﷲ عليهم.
تأمل قصة يوسف سترى أنها حكاية للبلاء الطويل الموحش، بلاء كيد الإخوة: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)!
وبلاء الخوف حين ألقي في الجب، وبلاء فراق الوالد الرؤوف والأم الرؤوم والأهل.
فراق مراتع الصبا ومعاهد الطفولة.
وبلاء الرق والعبودية وسلب الحرية.
وبلاء فتنة القصر، وتعرض امرأة العزيز، وضغط الشهوات.
وبلاء كيد النسوة والتهمة بالسوء ومحاولة تلطيخ العرض للابتزاز.
ثم بلاء السجن والحبس، والانتقال من خفض العيش ولينه إلى وحشة السجن وخشونة الحبس وقسوة السجان.
ثم بلاء الملك والوزارة والسلطان بعد خروجه من السجن!
• تعلمنا سورة يوسف أن الحياة بلاء ومحنة، وأن الإنسان في كبد، وأن هذه الدنيا طبعت على كدر، فمن نظر لها هكذا لم تفجأه بمحنها، ولم تطح به بمصائبها، فمعرفة حال الدنيا تقوي القلب على الصبر، وتحمله على الاستعداد.
• علمتنا سورة يوسف أنَّ القصة أسلوب تربوي دعوي، ومنهج إيماني، فليسلكه الآباء والأمهات، والمربون والدعاة.
• وعلمتنا سورة يوسف أن الأب ينبغي أن يكون قريبا متحببا لأبنائه، ولو كان منشغلا بعظيم الهموم، ولو كان كثير الأشغال والأعمال، ألا يتراءى لك يعقوب وهو نبي ﷲ وصفيه، ومع هذا جلس يستمع لرؤيا ابنه: (إني رأيت أحد عشر كوكبا).
• تعلمنا سورة يوسف أن ذكر العيب للتحذير ليس من الغيبة المحرمة، لقد قال يعقوب ﷺ: (قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًا)
فذكر عيبهم بالكيد تحذيرا ليوسف.
• تعلمنا سورة يوسف أن الصراع الشيطاني مع الإنسان مستمر لا يسلم منه إلا بتقوى وصلاح واستعاذة، ففي بداية القصة قال يعقوب ﷺ ليوسف: (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو)، وفي نهاية القصة قال يوسف: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخواتي) الشيطان هو العنصر الأخطر في بأساء الإنسان، فاحذروه.
- علمتنا سورة يوسف أن الله إذا اجتباك واصطفاك واختارك فكل كيد وضر إلى زوال، لقد كاد يوسف إخوته، وكادته المرأة، وسجن، وأبعد، وقهر، ولكن: (وكذلك يجتبيك ربك)، وكانت له العاقبة، وفي مؤتمر القتل ارتفع صوت لا تقتلوا يوسف، وفي غيابة الجب جاء صوت (يا بشرى)، وفي أول طريق العبودية جاء أمر العزيز (أكرمي مثواه)، وفي آخر السجن جاء اعتراف: (أنا راودته عن نفسه).
- تعلمنا سورة يوسف أن نتمسك بإخوتنا مهما بغوا!
(لقد كان في يوسف وإخوته)!
مهما جار عليك أخوك فسيبقى أخاك!
مهما أتاك الأذى من أخيك سيبقى الذي تتسلل ذكرياته إليك، سيبقى الذي يأتيك طيفه في كل وقت.
- تعلمنا سورة يوسف ألا نكون رهنا لسطوة الأكثرية: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)، إنها مشكلة البشرية الدائمة، مشكلة الأرقام الكبيرة، مشكلة اعتقاد صواب الأكثرية لأنهم اكثرية! أن تعتقد أن تنبهر بالأكثر، وتقدسه وتسلم له!
- تعلمنا سورة يوسف أنه قد يرميك بالضلال من هو أقل منك، فخفف على نفسك لا تبتئس، في بداية القصة قال الفتية: (إن أبانا لفي ضلال مبين)، وفي آخرها قالوا: (إنك لفي ضلالك القديم)!
- تعلمنا سورة يوسف أن من أمراض القلوب القاتلة مرض حب العلو في الأرض، وحب التميز والتفرد، قال إخوة يوسف: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم)، [يخل لكم] إنه حب الاستحواذ، وحب الذات، وهو داء البشرية القديم، ومشكلة الناس الأبدية.
- وتعلمنا سورة يوسف عن جانب من الحيل الشيطانية لتزيين الباطل في النفوس، قال أخوة يوسف: (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، فقد تقبل أخبث الأفكار إذا لطفت بزخرف من الخير.
• وتعلمنا سورة يوسف أن البلاءات باب التمكين قال سبحانه: (وَقَالَ ٱلَّذِی ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦۤ أَكۡرِمِی مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰاۚ وَكَذَ ٰلِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ | 812 |
| 7 | الإخلاص1.pdf | 1 073 |
| 8 | بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الإخلاص. | 1 084 |
| 9 | .
نحن أمة بلغ علماؤها وعبادها مبلغا في إخلاص العمل لله؛ أن عالمهم إذا خطب فخاف العجب قطع خطبته، كما كان يصنع عمر بن عبد العزيز، وهو العالم الفقيه وهو خليفة المسلمين.
نحن الأمة التي فيها أيوب السختياني، الذي كان يحيي الليل فإذا كان الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
نحن الذين فينا علي بن الحسين، الذي قال فيه أهل المدينة لما مات، ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين، رضي الله عنه.
نحن الأمة الذين فيهم الربيع بن خثيم، العالم العابد الذي كان ينشر مصحفه لقرأ، فإذا دخل عليه أحد غطاه، خشية أن يراه أحد يقرأ!
ولقد كان أحدهم إذا انتشر عن عبادته خبر وذاع عن اجتهاده نبأ؛ عمل عملا يغطي به ذيوع عبادته، كذلك الذي ذاع أنه يسرد الصوم فقام يوم الجمعة في الجامع كأنه يشرب الماء لينفي عن نفسه ما انتشر.
وأعرف بعض الصالحين -رحمه الله- كتب في وصيته ألا يذكره أحد في كتاب أو مجلة أو خبر.
والله المستعان | 1 451 |
| 10 | .
لما ذكر الله عدة المطلقة، ووعظهن ألا يكتمن حملهن، وذكر حق الرجل في إرجاع زوجته قال:
﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِی عَلَیۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَیۡهِنَّ دَرَجَةࣱۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾.
فلما بين ما للزوجة من حق وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِی عَلَیۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾، ذكر احترازا يبين فيه فضل الرجل بالقوامة وغيرها، حتى لا يظن مساواة الرجل بالمرأة فقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَیۡهِنَّ دَرَجَةࣱ﴾.
ثم لما ذكر فضل الرجال ذكر احترازًا يعظ الرجال فيه ألا يطغوا بقوامتهم فقال: ﴿وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾، فمن حملته نفسه على البغي فليتذكر أن الله عزيز لا يستعز عليه، حكيم في شرعته إذ شرع هذه الشريعة. | 2 049 |
| 11 | .
قال سبحانه في قصة صاحب الجنتين من سورة الكهف:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَاۤ أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَـٰذِهِۦۤ أَبَدࣰا وَمَاۤ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَاۤىِٕمَةࣰ وَلَئن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا مُنقَلَبࣰا﴾.
في هاتين الآيتين كشف لخلل عجيب في النفس البشرية، وإيقاظ للمؤمن وتنبيه يبدي له هذا الحال في نفوس المنحرفين.
تأمل قوله تعالى في قصة صاحب الجنتين، وهو يقول لصاحبه:
﴿وَمَاۤ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَاۤئمَةࣰ وَلَئن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا مُنقَلَبࣰا﴾.
فهنا وصف متكرر للنفس التي تنكر الآخرة ثم تغتر وتسوغ انحرافها.
وهكذا المفتون بنعمته وغناه وماله وشبابه وقوته وملكه، يتخايل الدوام، وتتهيأ أفعاله على هذا النحو، فهو يعلم بأن الموت حق، ولابد من النهاية، ويرى الموت في كل منعطف، لكنه يفعل أفعال الخالدين!
وتأمل: ﴿وَمَاۤ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَاۤئمَةࣰ﴾، انظر إلى النفس البشرية وهي تصبغ على الحياة الدنيا صبغة الخلود، وتجعلها حقيقة كبرى.
ثم تأمل قوله:
﴿وَلَئن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا مُنقَلَبࣰا﴾، فاستدل بنعمة الله عليه على استحقاقه لها! وهكذا يصنع من لم يسترشد بالوحي، فإنه يرى في النعماء مزية له عند ربه، ويرى في السراء فضلا له على غيره، وأما من اهتدى بنور الوحي فيخشى أن تكون النعمة فتنة، ويشفق أن تكون المنة استدراجًا، ولذا لا تزال تراه بين عبودية الشكر على النعماء، وعبودية الوجل ان تكون النعمة فتنة وبلاء.
وتأمل كلامه وهو ينيم ما استيقظ من ضميره بأنّ لو كان هناك آخرة فسأنجو كما نجوت في الدنيا!
وهكذا فمن عجيب حال المنحرف أنه يجمع بين التناقضات، فينتقل من الشك في الآخرة، إلى اليقين بحسن مآله لو قامت الساعة، ويجيب الأجوبة التي يراها لصالح نفسه!
وهكذا من لم يهتد بالوحي؛ لا يجيب الأجوبة الصحيحة على الأسئلة الكبرى! ولا يبحث عن الحقائق ولكنه يبحث عن تنقية صورته عند نفسه، كأنه إذا قال ذلك فسيكون كذلك!
وَإلّا فإنّ مقتضى العقل أن يخاف ويشفق ويقول: فإن كانت الآخرة حق فيا حسرتى ويا ويلتي!
فماذا يمكن أن يوصف هذا من جهة نفسية؟ وكيف يمكن فهم هذا الحال في تصرف أهل الباطل؟
إنّ صاحب الضلالة إذا صدمته فكرة تهز كيانه، لا يقابلها بالتفكر والتأمل والتدبر، ولكنه ينكرها ثم يبحث عن طريق بديل يطمئن فيه قلقله الذي وجده حين صدمته هذه الحقائق.
وإلا فاسمع مقالته، فإنه لم يذكر شبهة أضلته، ولم يأت بتعليل قد يلتئم في عقول الأسوياء، ولكنه راح يبحث عن تسويغ يسوغ فيه انحرافه، وذهب ينتقي من الأحوال ما يبرر فيه فجوره.
وأيضا: فإن المعرض عن نور الوحي لا يحب أن يهزهز أحد امتيازه! ولا أن يشكك أحد باستحقاقه!
أليس صاحب مال وجاه وسلطة؟ فكيف تريدون أن تقلبوا هذه الامتيازات إلى بلاءات؟!
أرأيت هذه الزينة والصولة، أتريدون تهديدها بالآخرة؟
أتريدون أن تعيدوا (فرز القيمة) خارج معايير الدنيا؟
إن صاحب الباطل لا يتصور معيارًا آخر غير معيار الامتيازات الدنيوية، ولا يتصور معيارًا آخر غير معيار المال والجاه والسلطة والنفوذ والجمال!
لا يتصور ربًا يحاسبه، ولا يتصور دينًا سيجزى به، ولكنه يعيد تفسير صفات الله والدين والآخرة بما يرضي غروره! إنه يبحث عن (إله تحقيق الأمنيات)، ويريد دينا لا يعارض الرغبات!
ثم إنّ الآية تتحدث عن حال يصله إليها بعض المبطلين، ومرحلة من مراحل الكِبر التفاؤلي ومنزلة من منازل الحصانة المتخيلة!
انظر الجزم حين يقول: ﴿لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا﴾، ماذا ترى هنا؟
سترى تضخمًا غريبًا للنفس! تضخمًا يجعل النفس لا تبصر سواها، ولا ترى إلا هي!
لا ترى أنها ربما كانت من الخاسرين! وأنها ربما كانت من المعذبين! وربما كانت من المهلكين!
والله أعلم. | 2 255 |
| 12 | المولد_النبوي_رؤية_نفسية_د_محمد_آل_رميح.pdf | 2 039 |
| 13 | =
وقد وجد الباحث دنبار أن الغناء والرقص والولائم تجتمع لتبني "عدة ترابط بشرية" تُكبّر الإحساس بالانتماء.
والفرح الجماعي يخزن في الذاكرة، مما يعيد الناس إلى دائرة الأمل والرضا كلما تكررت.
وانظر إلى الأعياد الدينية اليهودية المتكررة (مثل الفصح) تراها قد حافظت على الهوية الجماعية لليهود رغم شتاتهم في الأرض قبل قيام كيانهم، شتتهم الله ومزق جمعهم.
وقد حدثني أحد المشايخ الكرام من البلاد التي كانت تحت الحكم الشيوعي السوفيتي، أن أباه ممن تأثر بالشيوعية وألحد، ولكنه إذا جاء يوم العيد لبس ثيابًا جديدة، واغتسل، وذهب لمصلى العيد!
وإذا كان يوم عيد الأضحى أخذ أضحيته وذبحها!
فالأعياد غذاء المجتمع ليحافظ على وحدته ومعناه.
• ومن ذلك أن النفوس تجد في الأعياد كسرًا للاعتياد، وتشعر بالحاجة إلى "قفزة زمنية" تكسر الرتابة، حتى لا يتحوّل الزمن عندها إلى خط واحد يثقل ظهرها، ولهذا يخترع الإنسان أوقاتًا للاحتفال بهيئة جماعية.
• ومنها أن الدراسات البيلوجية تبين أن الجسد يزيد من إفرازات الدوبامين (وهو هرمون له تعلق بمكافأة النفس)، ويرتفع (الأوكسيتوسين) مع التزاور والتقارب الجسدي.
فالاجتماع للعيد فيه طرب خاص، تميل له النفوس أكثر من غيره، وتلذ له القلوب أعظم مما سواه، وهناك دراسات جماعية كبرى رصدت ارتفاع السيروتونين (السعادة) في مواسم الاجتماع الدوري والمنظم، وتظهر ارتفاع مستوى الإندورفين بما يعادل زيادة قدرة تحمّل الألم بنسبة ١٠ إلى ٢٠ %.
وتقلل مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) بما بين ١٠ إلى ٣٠%، بحسب درجة المشاركة.
ولما كان الاحتفال الجماعي بغناء أو ما هو من جنسه يرفع عتبة المتعة والإثارة عند أصحابه، (لشدة إفراز الإندورفين) فلهذا تجد هناك ميلا في النفوس لمثل هذا الإطراب واللذة.
• ومن ذلك أن النفوس تحب ما يتكرر عليها من الاحتفال.
وقد وجدت أبحاثًا ناقشت أثر الاحتفال الدوري، وأنه يبني فرحًا جمعيًا، وأن التعرض المتكرر لأمر ما يزيد من محبته، حتى لو كان محايدًا في بدايته.
هذا يفسر سبب تعلق النفوس بالأعياد والمناسبات الدورية، ولماذا تجد فيها لذة متجددة رغم تشابهها.
ورأيت لباحثة اسمها: (باربرا فريدريكسون) درست جوانب العواطف الإيجابية، وكان مما ذكرت: أن المشاعر الإيجابية المتكررة تبني مخزونًا من المرونة النفسية.
وأمر لطيف آخر، فقد سبق أن النفوس تحب الأعياد لما فيها من كسر الرتابة، ومحاصرة الملل، فمما قد أصبح اليوم معروفًا في أبحاث علم النفس الثقافي: أن الأمور المتكررة تصنع "مفاصل زمنية"، تعطي إحساسًا بالسيطرة على مرور الوقت! وتمنع من تمكن الملل!
وهذا وإن كان له داعية نفسية فإن الشريعة قد منعته وحجزت دونه، فاعتياد ما لم تجعله الشريعة معتادًا، وتكراره ﺑﺪﻭﺭاﻥ اﻷﻭﻗﺎﺕ؛ فيه ﺗﻐﻴﻴﺮ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺗﺸﺒﻴﻪ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺑﺎﻟﻤﺸﺮﻭﻉ.
ﻭﻟﻮ ﺳﺎﻍ ﺫﻟﻚ ﻟﺴﺎﻍ ﺃﻥ ﻳﻌﻤﻞ ﺻﻼﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﻗﺖ اﻟﻀﺤﻰ، ﺃﻭ ﺑﻴﻦ اﻟﻈﻬﺮ ﻭاﻟﻌﺼﺮ، ﺃﻭ ﺗﺮاﻭﻳﺢ ﻓﻲ ﺷﻌﺒﺎﻥ ﺃﻭ ﺃﺫاﻧًﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﻴﺪﻳﻦ ﺃﻭ ﺣﺠًﺎ ﺇﻟﻰ اﻟﺼﺨﺮﺓ ﺑﺒﻴﺖ اﻟﻤﻘﺪﺱ ﻭﻫﺬا ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻟﺪﻳﻦ اﻟﻠﻪ ﻭﺗﺒﺪﻳﻞ ﻟﻪ.
مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٣٣)
• ومن الأسباب النفسانية التي تدعو إلى هذه الاحتفالات: أن من الناس من ربما حمله على استحباب هذه التعبدات، وعلى الانهماك فيها؛ حب الانفراد بالتعبد بما لا يتعبد به أكثر الناس، رغبة في التميز، وإبراز القرن، وليشار إليه بالأصابع.
فمن الناس من لديه نزعة بطولية لا يتحمل معها أن يكون عاديًا!
فيبحث عن فكرة "محظورة" ليبدو بطلاً يتحدى الأغلبية!
وربما اقترن ذلك بضعف داخلي يُغطى بالبطولة الفكرية، تعويضًا نفسانيًا، فيجعل عقيدته سلاحًا رمزيًا، وهذه تفسرها نظريات كنظرية السلوك المخالف.
• وهناك من لعله أن ينتحل هذه التعبدات نكاية في خصومه الذين يحرّمون هذه المحدثات، فيجعل من خصومته لهم أن يعارضهم ويأخذ في غير ما أخذوا.
ففي علم النفس الاجتماعي نرى أن من الناس من يتبنى الهوية المعارضة، حيث يعرّف الشخص نفسه من خلال معاكسة الطرف الآخر! خاصة إذا كان قوله من أقوال الأقليات.
كأنه يريد أن يسلك طريقة لإثبات استقلاليته فيعاند خصمه في معتقده، ويتبنى ضده فكرة من باب التنفيس.
وربما فعل ذلك ليشعر بالتحرر من أذى عدوه إذا كان قد غلبه وقهره، فينتحل نقيض معتقد عدوه.
وفي دراسات: (التنافر المعرفي) بيان بأن الإنسان قد يبرّر لنفسه انتحال فكرة معارضة لخصومه، حتى لو لم يكن مقتنعًا بها في داخلة نفسه، ليقلل من توتره النفسي، ولينفس عن غضبته ويبرد حرارة شعوره بالهزيمة أو القهر!
وبئس الصنيع من يجعل دينه خصومة!
وهذا له تطبيقات معاصرة، فهناك في حقل (سيكولوجيا الصراع) دراسات توضح أن الجماعات والدول والكيانات قد تغيّر معتقداتها أو رموزها لتأكيد تمايزها عن عدوّها!
وهذا أمر رأيناه وشهدناه في الناس والجماعات والدول.
والعلم عند رب العالمين | 2 448 |
| 14 | .
المولد النبوي
-رؤية نفسية إيمانية-
الاجتماع على الطاعة والذكر مما أجمع المسلمون على فضيلته، ودلت الأدلة على أرفعيته في الجملة، لكنّ ذلك لا يسوّغ الاجتماع بأوصاف إضافية تزاد على الذكر المجرد ومطلق الطاعة.
وذلك كالاجتماع في يوم مولده ﷺ، فإن اﺗﺨﺎﺫ اﺟﺘﻤﺎﻉ ﺭاﺗﺐ ﻳﺘﻜﺮﺭ ﺑﺘﻜﺮﺭ اﻷﺳﺎﺑﻴﻊ ﺃﻭ اﻟﺸﻬﻮﺭ ﺃﻭ اﻷﻋﻮاﻡ ﻏﻴﺮ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﺎﺕ اﻟﻤﺸﺮﻭﻋﺔ؛ فيه مضاهاة للاجتماع المشروع، كالاجتماع ﻟﻠﺼﻠﻮاﺕ اﻟﺨﻤﺲ، ﻭﻟﻠﺠﻤﻌﺔ، ﻭﻟﻠﻌﻴﺪﻳﻦ ﻭﻟﻠﺤﺞ، ﻭﺫﻟﻚ ﻫﻮ اﻟﻤﺒﺘﺪﻉ اﻟﻤﺤﺪﺙ.
اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٤٥)
وهذا الأمر كان يرعاه السلف الصالح، ويعلّقون عليه الأحكام، وقد سأل ﺇﺳﺤﺎﻕ ﺑﻦ ﻣﻨﺼﻮﺭ اﻟﻜﻮﺳﺞ أحمد بن حنبل:
ﺗﻜﺮﻩ ﺃﻥ ﻳﺠﺘﻤﻊ اﻟﻘﻮﻡ ﻳﺪﻋﻮﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺮﻓﻌﻮﻥ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ؟
ﻗﺎﻝ: "ﻣﺎ ﺃﻛﺮﻫﻪ للإﺧﻮاﻥ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﺠﺘﻤﻌﻮا ﻋﻠﻰ ﻋﻤﺪ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﻜﺜﺮﻭا!
وﻗﺎﻝ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﺑﻦ ﺭاﻫﻮﻳﻪ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ!
قال الكوسج: ﻣﻌﻨﻰ ﺃﻻ ﻳﻜﺜﺮﻭا: ﺃﻥ ﻻ ﻳﺘﺨﺬﻭﻫﺎ ﻋﺎﺩﺓ ﺣﺘﻰ ﻳﻜﺜﺮﻭا.
(مسائل الكوسج ٢/ ٥٩٨)
ومأخذ لطيف آخر، أنه ما من أحد أخذ بشيء مخترع مصنوع إلا زهد في المأثور المشروع بحسبه!
ﻭاﻟﺸﺮاﺋﻊ ﻏﺬاء اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭﻗﻮﺗﻬﺎ، ﻭﻣﻦ ﺷﺄﻥ اﻟﺠﺴﺪ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﺟﺎﺋﻌًﺎ ﻓﺄﺧﺬ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﺣﺎﺟﺘﻪ؛ اﺳﺘﻐﻨﻰ ﻋﻦ غيره.
واﻟﻌﺒﺪ ﺇﺫا ﺃﺧﺬ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ اﻷﻋﻤﺎﻝ اﻟﻤﺸﺮﻭعة ﺑﻌﺾ ﺣﺎﺟﺘﻪ؛ ﻗﻠّﺖ ﺭﻏﺒﺘﻪ ﻓﻲ اﻟﻤﺸﺮﻭﻉ، وضعف اﻧﺘﻔﺎﻋﻪ ﺑﻪ، ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ اﻋﺘﺎﺽ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻩ.
الاقتضاء (١/ ٥٤٣).
ولأنّ البدعة لا تلد إلا بدعة، فقد تمادى الأمر بالناس، فكان الاجتماع في المولد على إنشاد القصائد في المدائح النبوية، والتغنّي بها، وتلاوة بعض سيرته ﷺ.
ثم اجتمعوا على الغناء والرقص وآلات اللهو والاختلاط.
ثم اتخذوا ختمة ليلة المولد.
ثم أحدثوا ما يقال له الحضرة! التي يزعمون فيها حضور روح النبي ﷺ في مجلس المولد!
ثم احتفوا ببيت المولد أو مسجد المولد، الذي يقال: إنّ النبي ﷺ ولد فيه، وبقيت تلك البقعة تعظّم عندهم، حتى رأيت من يستقبلها بالدعاء، ويتبرك ببنائها! ويأخذ قطعًا من الملاط الاسمنتي المتناثر من بناء الغرفة المبنية اليوم! وكانت مقر مكتبة الحرم المكي.
وكثير من الانحراف ينشأ من بادرة نفسية، أو ضعف قلبي، والإنسان محتاج لبصيرة تنقد أمره، وتبحث خبره.
فمن التعليل النفسي للولع بهذه البدعة:
• أن النفس فيها جوعة للنسك في جماعة، وإقامة الشعائر على هيئة اجتماع، وهذا يفسر لك ذلك الحرص المتمادي للاجتماع في المولد وليلة النصف من شعبان، وعاشوراء، وغيرها من المواسم الزمانية.
وﻗﺪ ﺷﺮﻉ اﻟﻠﻪ من الاجتماع في المواسم ﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻛﻔﺎﻳﺔ اﻟﻌﺒﺎﺩ، ﻓﺈﺫا ﺃُﺣْﺪﺙ اﺟﺘﻤﺎﻉ ﺯاﺋﺪ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﺎﺕ على هيئة اعتياد وتكرار؛ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻀﺎﻫﺎﺓ ﻟﻤﺎ ﺷﺮﻋﻪ اﻟﻠﻪ ﻭﺳﻨﻪ.
والشريعة تفرق ﺑﻴﻦ اﻟﻜﺜﻴﺮ اﻟﻈﺎﻫﺮ، ﻭاﻟﻘﻠﻴﻞ اﻟﺨﻔﻲ، ﻭاﻟﻤﻌﺘﺎﺩ ﻭﻏﻴﺮ اﻟﻤﻌﺘﺎﺩ.
الاقتضاء (٢/ ١٤٤)
ومما يدلك على هذا؛ أن الأمم لا تزال منذ أول عهدها تضع أعيادًا، وربما ربطتها بشأن في حياتها يتكرر، كالحصاد، ونزول المطر، كأنهم يستحضرون الفرح الجماعي بعد تعب.
وكل الحضارات -المعروفة أنثروبولوجيًا- لديها احتفالات وأعياد! فإذا لم يكن لها من الوحي مدد، ابتكرت طقوسًا دورية لتقوية رابطتها الجماعية.
فحضارات ما قبل التاريخ كما في أوروبا لديهم ما يُعرف بـ(مايبول) لبدء الصيف.
والمصري القديم وضع له عيد الحصاد، وعيد النيل.
وهناك عيد أكيتو عند البابليين الذي يوافق بداية السنة الزراعية.
واليونانيون لديهم أعياد ديونيسوس.
وفي الهند والصين يحتفلون بعيد رأس السنة القمرية.
وكان للعرب قبل الإسلام أعياد يلهون فيها ويجتمعون، ويجعلون مواسم الأسواق الكبرى أعيادًا كعكاظ ومجنة، وكان للأوس والخزرج يوم بعاث.
وهكذا في الدول الحديثة تراها تحرص على صناعة "شحنة وجدانية" متكررة تحافظ على ولائها وانتمائها.
حتى الدول التي ليس لها امتداد ديني ولا ولاء لتاريخ قومي ككوريا الشمالية مثلا، فقد وضعوا أعيادًا للدولة كعيد ميلاد كيم إل‑سونغ (الذي يُعرف بيوم الشمس)، وعيد ميلاد كيم جونغ إيل.
لتعلم أن مثل ذلك له داعية اجتماعية حتى الملحد العاتي في إلحاده لا يستطيع أن يلغي الحاجة إلى العيد، كأنها من حاجاته الغريزية.
ففي الأعياد سد لحاجة الإنسان الاجتماعية، وتجديد للشعور بالانتماء، والتماسك الجماعي والإحساس أنه في جماعة تحتفل.
ويبحث علم النفس الاجتماعي ما يقال له: (التعزيز الجمعي)، فالناس يبحثون عن رمز مشترك ووحدة جماعية تشملهم للاحتفال به.
وفي دراسة لليهودي الأصل والملحد إميل دوركهايم في كتابه: (الأشكال الأولية للحياة الدينية)، -وهو كتاب لم يضعه لنقد الأديان، ولا يعارضها، مع أن المؤلف معارض للدين، لكنه يتحدث فيه عن تحليل للظواهر الدينية وعلاقتها بغرائز النفوس- فيتحدث في كتابه عن الفرح الجمعي والعاطفة الاستثنائية التي يجدها الأفراد عندما يجتمعون في احتفال جماعي، وفسّر أثر الاحتفال الدوري في توحيد الجماعة وتأكيدها وإعادة بناء المقدّس والهوية الجماعية، بسبب اجتماع الناس في مواسم مخصوصة.
= | 1 826 |
| 15 | .
العلم باب من أعظم أبواب دفع الفتن عن العبد، وقد روى الطبراني ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﻣﺎﻣﺔ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﺗﻜﻮﻥ ﻓﺘﻨﺔ ﻳﺼﺒﺢ اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺆﻣﻨﺎ، ﻭﻳﻤﺴﻲ ﻛﺎﻓﺮا ﺇﻻ ﻣﻦ ﺃﺣﻴﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ». | 1 739 |
| 16 | .
كنت أقلب مجلة المنار، ابحث عن توثيق لأحداث تلك الفترة، وقد علمت أني لا أجد أحيانا توثيق بعض الأمور في غيرها.
فرأيت مقالة لطيفة عن أول مسلم بريطاني أسلم في انجلترا في وقت احتلال بريطانيا لكثير من بلاد المسلمين من البلاد العربية والهند وغيرها، وهو (ﺟﻮﺭﺝ ﺭﻭﻻﻥ اﻟﺴﻦ ﺩﻥ) اﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﺑﺎﺳﻢ اﻟﻠﻮﺭﺩ ﻫﺪﻟﻲ، وغير اسمه إلى اﺳﻢ: ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﺎﺭﻭﻕ، فاستحسنت هذا التوثيق لأولية دخول البريطانيين الإسلام، ونحن في وقت كثر الداخلون في دين الله في كل مكان.
والحمد لله. | 1 811 |
| 17 | .
مدرسة دار الدعوة والإرشاد
حين ذكرت المدرسة للسلفية في بلجرشي، وأثرها في تخرج العلماء بها، ومنهم إمام الحرم المدني الفقيه المقري الصالح الدكتور علي الحذيفي، جاء ذكر مدرسة أخرى تخرج بها عالم آخر أم بالحرم المكي أيضا، وكان لها أثرها في طلاب العلم.
إنها مدرسة دار الدعوة والإرشاد، وهي المدرسة التي أنشأها الشيخ محمد رشيد رضا في عام ١٣٣٢ للهجرة، وتخرج بها علماء كبار، مع أنها لم تدرس إلا سنتين، ومع هذا تخرج بها:
- الشيخ المصري عبد الظاهر أبو السمح العالم السلفي المعروف، وهو شيخ أزهري تخرج بالأزهر، ثم لقي الشيخ الشنقيطي ومنه أخذ اتباع السنة، وتعظيم منهج السلف، ثم إنّ الشيخ صار إمامًا للحرم المكي، نحو خمس وعشرين سنة، وهو أول من استخدم اللاقط المكبر (المايكرفون) في الصلاة في الحرم.
والشيخ عبد الظاهر صهر الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، الذي سيأتي ذكره، وقد كان لهذا الشيخ دعوة كبيرة إلى السنة في الاسكندرية، ولقي فيها معارضات كبيرة، وألبوا عليه الأعداء، وناله في ذات الله بلاء وقلاقل، ثم انتقل إلى مكة عام ١٣٤٥ للهجرة، وصار إمامًا للحرم، ورأى أن ينشئ مدرسة تضاهي مدرسة دار الدعوة والإرشاد، وتعاون مع إخوانه لإنشاء دار الحديث، وهي المدرسة العظيمة التي أنشئت في موضع بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وصار الشيخ مديرًا لها، وبقي ثمانية عشر سنة كذلك.
وشقيقه الشيخ عبد المهيمن أبو السمح، الذي أم في الحرم المكي أيضًا، وكان داعية سلفيًا من مؤسسي جماعة أنصار السنة في مصر.
ومن طلاب مدرسة دار الدعوة والإرشاد: الشيخ الحاج الأمين الحسيني، مفتي القدس بعد التحاقه بالمدرسة بعشر سنين، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الذي كان له جهاده العظيم ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، والذي اشتهر وطار صيته حتى صار أعضاؤه يلقب أحدهم بالمجلسي، وكان هذا المجلس مشرفا على المساجد والأوقاف في فلسطين، ومؤسسا للمدارس فيها.
ومن أهم أعماله وقف تسرب العقارات الفلسطينية للجمعيات والشركات والتجار الصهاينة عبر الوسطاء الذين خانوا الإسلام والمسلمين، وقد خرجت الفتاوى النارية ضد هذا القبائح من مشايخ المجلس، وكان المجلس يسارع إلى شراء الأرض التي تكاد تذهب للوكالات المشبوهة، وقاد الشيخ حسن أبو السعود حركة إنقاذية لمنع هؤلاء الوسطاء، وكان يأخذ القسم من الناس على ذلك.
ولهذا المجلس قصة عظيمة يحسن أن تحكى وتذاع، وفي الوثائق المحفوظة اليوم من أخبار هذا المجلس وأنبائه ما يبين تفاصيل مهمة عن مرحلتين لهذا المجلس، مرحلة السلم والمطاوعة للانتداب، ثم المرحلة العسكرية، التي كان لها أثرها فيما بعد.
ومن طلاب مدرسة دار الدعوة والإرشاد الشيخ الكبير السلفي الشريف الهاشمي المصري محمد عبد الرزاق حمزة.
وفي دار الدعوة والإرشاد تعرف على الشيخ عبد الظاهر، وأعطاه كتابا لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول الشيخ عبد الرزاق: "فقرأته فتأثرت به كل تأثر، وانتقلت رأسًا على عقب، وامتزج حب ذلك الشيخ: شيخ الإسـلام ابن تيمية بلحمي وعصبي ودمي، وأصبحت حرياً على البحث عن كل كتاب له، ولمن يتابعه".
وقد أم الشيخ عبد الرزاق في الحرم المدني، ثم انتقل إلى مكة بعد خلاف بينه وبين بعضهم في أمر متعلق بإنكار المنكرات، فانتقل إلى مكة وأم في الحرم المكي، فهو إمام الحرمين، وهو صهر الشيخ أبي السمح كما سبق، ودرس عنده.
ومن طلاب الشيخ عبد الرزاق:
الشيخ العلامة عبد الله خياط إمام وخطيب المسجدالحرام، وقد
زوجه بنته، وولدت له الشيخ أسامة بن عبد الله خياط إمام وخطيب المسجد الحرام.
ومن طلابه: العلامة المؤرخ حمد الجاسر.
ومنهم شيخ شيوخنا الشيخ محمد ياسين الفاداني.
والشيخ اللغوي العلامة أبو تراب الظاهري.
والشيخ عبد الله بن سعدي العبدلي الغامدي، الذي ذكرته مرارا.
ومدرسة دار الدعوة والإرشاد فأرجو أن يتيسر لي كتابة مختصرة عنها، وعن مناهجها، وأثرها، وطلابها. | 2 511 |
| 18 | .
مما تراه كثيرا في قصص الصحابة إذ اسلموا؛ انطلاقهم في الدعوة ولعل أن عمر أحدهم في الإسلام أيام معدودة.
ففي الصحيحين ﻋﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ اﻟﺤﻮﻳﺮﺙ، ﺃﺗﻴﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻲ ﻧﻔﺮ ﻣﻦ ﻗﻮﻣﻲ، ﻓﺄﻗﻤﻨﺎ ﻋﻨﺪﻩ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻟﻴﻠﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﺭﺣﻴﻤﺎ ﺭﻓﻴﻘﺎ، ﻓﻠﻤﺎ ﺭﺃﻯ ﺷﻮﻗﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﺎﻟﻴﻨﺎ، ﻗﺎﻝ: «اﺭﺟﻌﻮا ﻓﻜﻮﻧﻮا ﻓﻴﻬﻢ، ﻭﻋﻠﻤﻮﻫﻢ، ﻭﺻﻠﻮا، ﻓﺈﺫا ﺣﻀﺮﺕ اﻟﺼﻼﺓ ﻓﻠﻴﺆﺫﻥ ﻟﻜﻢ ﺃﺣﺪﻛﻢ، ﻭﻟﻴﺆﻣﻜﻢ ﺃﻛﺒﺮﻛﻢ».
وفي المسند والنسائي عن ﻃﻠﻖ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﻗﺎﻝ: ﻭﻓﺪﻧﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻠﻤﺎ ﻭﺩﻋﻨﺎ ﺃﻣﺮﻧﻲ ﻓﺄﺗﻴﺘﻪ ﺑﺈﺩاﻭﺓ ﻣﻦ ﻣﺎء، ﻓﺤﺴﺎ ﻣﻨﻬﺎ، ﺛﻢ ﻣﺞ ﻓﻴﻬﺎ ﺛﻼﺛﺎ، ﺛﻢ ﺃﻭﻛﺄﻫﺎ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ: «اﺫﻫﺐ ﺑﻬﺎ ﻭاﻧﻀﺢ ﻣﺴﺠﺪ ﻗﻮﻣﻚ ﻭﺃﻣﺮﻫﻢ ﻳﺮﻓﻌﻮا ﺑﺮءﻭﺳﻬﻢ ﺃﻥ ﺭﻓﻌﻬﺎ اﻟﻠﻪ».
ﻗﻠﺖ: ﺇﻥ اﻷﺭﺽ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﻭﺑﻴﻨﻚ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻭﺇﻧﻬﺎ ﺗﻴﺒﺲ، ﻗﺎﻝ: «ﻓﺈﺫا ﻳﺒﺴﺖ ﻓﻤﺪﻫﺎ». | 3 428 |
| 19 | .
العلم باب من أعظم أبواب دفع الفتن عن العبد، وقد روى الطبراني ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﻣﺎﻣﺔ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ: «ﺗﻜﻮﻥ ﻓﺘﻨﺔ ﻳﺼﺒﺢ اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺆﻣﻨﺎ، ﻭﻳﻤﺴﻲ ﻛﺎﻓﺮا ﺇﻻ ﻣﻦ ﺃﺣﻴﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ». | 23 |
| 20 | نحن جند الله نمضي لا نبالي بالمحن** نحن أصحاب المعالي نحن أصحاب الوطن
يا عباد الله قوموا جنبوا درب الزلل** وابتغوا العز بدين يسمو عن كل الملل
هيا قومــوا هيا قوموا** حققـوا هذا الأمــل!
وكان لهذا البناء والمسيرة والعدد أثر في تسامع الناس بالمدرسة، وصار يؤمها الطلاب أكثر من قبل.
وعند الانتقال للمبنى الجديد غير اسم المدرسة، وسميت: (المدرسة السلفية الأهلية، وهيئة المتطوعين بالوعظ والإرشاد في بلجرشي)
وافتتح فرع ثاني للمدرسة في جنوب بلجرشي، وافتتح فرع للبنات في قرية المصنعة غرب بلجرشي، يضاف إلى الفرع الذي في وسط المدينة بقرية المكارمة الذي كان تحت إدارة أمي زهرة كما سبق.
وفي عام ١٣٧٤ زار الملك سعود المدرسة، وأقيم حفل كبير لزيارته، وحضر وجهاء وأعيان بلجرشي والباحة وبيشة هذا الحفل، وبعد ذلك اعتمد للمدرسة ميزانية مستقلة، ورواتب للمعلمين والطلاب.
وصار للمدرسة قبول في الناس حتى جاء مرة رجل أفغاني كبير في السن، فاعتذر المشايخ لعدم وجود مكافأة تكفي، فقال: أنا أكفي نفسي واكفي معي أربعة، وصار يأتي بعدة تصليح الأحذية، ويتفرغ يوم السبت ليعمل في سوق السبت ببلجرشي، وكان يعمل هذا اليوم ويمول نفسه والأربعة الذين أتى بهم معه.
ثم افتتح فرع ثالث في بلاد بني حسن من زهران، بتصميم ودعوة من الشيخ عبد الله بن قرهم، وهو الذي كان العالم ابن حمود اليماني عندهم، كما سبق.
واستمرت المدرسة في هذا المبنى حتى عام ١٣٩١، ثم انتقلت إلى المجمع الجديد وفيه ثلاث مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية، ومسجد كبير، تلقى فيه المحاضرات والدروس.
وبقي الشيخ ابن باز على اتصال بمشايخ المدرسة السلفية لما انتقل لإدارة الجامعة الإسلامية، وكان له مشاركة باعتماد مدرسين من ميزانية الجامعة ليسدوا النقص الذي يوجد في عدد المدرسين.
وفي عام ١٤٠٢، أرسل الشيخ ابن باز حافلة من حافلات الجامعة الإسلامية للمدرسة السلفية أعانة لهم.
وبقيت المدرسة إلى عام ١٤١١ هـ، وطويت صفحة كريمة من صفحات العلم والدعوة ونشر السنة، وتوفي مؤسس المدرسة الشيخ محمد بن علي آل جماع في رجب من عام ١٤٣١، رحمه الله وجمعنا به في الجنة، وجعلنا من الدعاة إلى السنة على السنة. | 2 315 |
