664
Subscribers
+224 hours
-17 days
-2530 days
Posts Archive
664
تجري بعض المفاهيم الخاطئة على ألسنة بعض الدعاة بحسن نية، وربما هي مقبولة في سياقات معينة غير مقبولة في أخرى!
من تلك المفاهيم التي تتردد كثيرا في محاورة الملحدين؛ قول بعض الدعاة إن الملحد قريب من المسلم لأنه حقق نصف الإيمان فهو يقول (لا إله) وهذا شطر كلمة الإيمان: (لا إله إلا الله)، فلا ينقصه إلا أن يكمل بقية الكلمة!
والحقيقة أن هذا المفهوم يمكن تمريره تجوزا في سياق مناقشة ملحد والبحث عن أرضية مشتركة لبناء حوار - على ما في ذلك من تعمية وتشويش - ولكنه غير مقبول في سياق التعريف بالإلحاد ومعالجة شبهاته ومخاطبة المسلمين.
كلمة: (لا إله) التي يقولها الملحد مغايرة تماما لكلمة (لا إله) التي تسبق (إلا الله) والتي يقولها المسلم، فهي في حق المسلم إبراء الذمة وإخلاء الساحة من كل آلهة الزيف والباطل ليتحقق الإفراد التام للإله الواحد الحقيق بالعبادة.
أما في حق الملحد فهي إخلاء لساحة الألوهية والربوبية مطلقا، فإنكاره للإله والرب الحق أعظم جناية في الكون بالإطلاق، وهي حتى أعظم جناية ممن أخطأ إلهه وربه فعبد وثنا أو عبد بشرا، وكذلك هي أعظم ممن عرف إلهه وربه ثم أشرك معه غيره، فالذي عبد آلهة إفكا: قد استجاب لداعي العبودية المركوزة في فطرته، حتى وإن انتكست تلك الفطرة فأخطأ التوجه نحو آلهة الباطل - وهم عباد أمثاله - عن الإله الأحد الصمد الحق!
وقد استجاب لداعي الضرورة العقلية التي تقتضي وتُلزم بأن هذا الكون لابد له من رب خالق مدبر متصرف بإرادته وحكمته وهو حقيق بالعبادة وحده، حتى وإن رعن ذلك العقل وانحط فاتخذ أربابا لم يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له!
فإن النفس البشرية مجبولة مفطورة مصبوغة مطبوعة على العبادة والإحساس بالعبودية، والفقر والحاجة الملحة إليها.
ومن لطائف تدبر الإمام ابن القيم رضي الله عنه: ذكره أن الله عز وجل علَّق الفقر في هذه الآية:(أنتم الفقراء إلى الله) باسم (الله) دون اسم الربوبية ليؤذن بذلك النوع من الفقر، وهو فقر العباد الدائم الذي لا ينفك عنهم إلى عبادته وتأليهه وحده.
الحقيقة أن الإلحاد هو أحط دركة من دركات الكفر، فهو سحق للفطرة، واستسلام تام للهوى، وانقياد متجرد للشهوة، وعبادة خالصة للذة والمنفعة الشخصية!
فإن لتلك الكلمة (لا إله) التي يقولها الملحد تكملة مضمرة في نفسه وفي ضميره لا يستعلن بها، وربما لا يدركها على وضوحها الصارخ فهي في حقه: (لا إله - إلا هواي ومزاجي ورغباتي وشهواتي ومنافعي)!
وبهذا يتضح الفارق الذي هو أعظم مما بين السماء والأرض، ومما بين المشرق والمغرب في مفهوم الكلمة ودلالة القول ولوازمه!
664
إبليس له خطة كبرى، وخطة أصغر:
خطته الكبرى: إغواء الجماعة وإضلالها.
والخطة الأصغر: إغواء الفرد وإضلاله.
وهو فى الأولى أحرص منه في الثانية؛ لما للجماعة من الأثر البالغ في اكتساح القلة المقاومة من الأفراد، وعلى ذلك فهو لا يهمل عملية إغواء الفرد وإضلاله خاصة إذا كان متبوعا من الناس، لما لقدرة الفرد على التأثير في جماعات، هذا من ناحية الخطة النظرية.
أما من ناحية الخطة العملية؛ فإنه يهدف للاستيلاء على مراكز السلطان، ومركز السلطان
في الفرد: القلب.
وفي الجماعة: بلاط الحكم ونظامه.
فإن كان التحرز الفردي من الشيطان شطر الواجب اللازم للنجاة على الفرد والذي يعين أيضا على نجاة المجتمع؛ فإن عليه شطرا آخر يعمل فيه مع الجماعة للتحرز الجماعي منه بغرض النجاة الجماعية والتي تعين بدورها على نجاة الفرد.
وإذا كان من أعظم سبل التحرز الفردي منه: قطع سبيله إلى مركز السلطان في الفرد (ألا وهو القلب)، فإن من أعظم سبل التحرز الجماعي منه قطع سبيله إلى مركز السلطان في الجماعة (ألا وهو الحكم).
لذا فإن أي جماعة مسلمة تنفي حث الإسلام على تقلد السلطة والحكم فهي لا تفقه شيئا من أمر الدين ولا ما في معناه، ولا تعرف عن الإسلام إلا قشورا لا تقيم دينا ولا دنيا، وهي مخالفة لسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لسنة الخلفاء الراشدين من بعده، ومخالفة لسنن الله الاجتماعية في خلقه، وهي متنكرة للتاريخ والتجربة البشرية في شتى بقاع الأرض، ومخالفة لمبادئ العقل ومقتضيات الفطرة!
أرأيتم لو أن رجلا صالحا تنحى جانبا يصلي ويصوم ويسبح، وترك إدارة بيته وأهله وعياله وماله بين يدي لص الحي وصعلوكه؛ أفيكون صالحا؟! أفيكون عاقلا؟! أفيكون إنسانا؟!
الحكم: أولى عرى الإسلام التي انتقضت؛ ولن يعود للإسلام عزه ومجده إلا إذا انتظمت تلك العرى مرة أخرى في حبله القويم. (ضعوها في أعين كسيرة لغير الله، أخزاهم الله!)
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)؟!
664
لم أر شيئا أذهب بالنعمة، وأفتك بالعافية، وأسرع في جلب السخط والنقمة، وأقرب من الضنك والضيق والفقر والكروب وسد الأبواب وشح الأرزاق من الربا!
كيف يفلح قوم أعلن ربهم عليهم حربه ومحقه: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا)؟!
كانت الربا سببا في تحريم الله الكثير من الطيبات على بني إسرائيل: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ...).
أنا على يقين أنه ما من بلد مسلم تتوقف فيه تلك اللعنة (اقتصاد المراباة) إلا ارتفع عنها أكثر من نصف ما هو واقع عليها من البلاء العام، ويبقى نصف متعلق بالظلم والفواحش؛ زال بزوالهم.
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة
وأمره الله عز وجل بتحريم بيته العزيز على الكفار إذ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا... ) وانتهى بذلك الوجود السياسي والاجتماعي والاقتصادي للكفار في مكة، وخشي المسلمون على أرزاقهم طمأنهم الله عز وجل بقوله: (... وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
كيف يتردد المسلم بين: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وبين: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ).
وكيف يتحير بين: (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا)، وبين: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)؟!
أحسب أن الآيات القرآنية التي وردت في شأن الربا أشد وأعظم زجرا وتخويفا من الآيات التي وردت في شأن السرقة، وذلك رغم كون الربا فيه جزء من حق (رأس المال) وجزء من الباطل: (الزيادة)، بينما السرقة كلها من جنس (الباطل) ليس فيها من الحق شيئا!
وأحسب السبب في ذلك أن النفس البشرية بفطرتها تأنف أن توصم بالسرقة، وفيها مخاطر ولها عراقيل وأمامها حرس وذلك في حق (السارق).
وكذلك يخجل الإنسان بالفطرة والجبلَّة أن يوصف بالضعف والغفلة والسفه، وذلك في حق (المسروق منه) فيحترز لما يملك.
الأمر الآخر أن السرقة عَرَض وليست نظاما، بعكس الربا الذي هو نظام توضع له القوانين وتقوم به الهيئات والمؤسسات والمنظمات، ولا يخجل منه الآخذ ولا المسلوب، بل يتبجحون بأنه مثل البيع: (... ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
- ولقد رأيت في أمر الربا من تبدل أحوال الناس من الغنى والعافية والنعمة إلى الفقر والكرب والنقمة عجبا وبسرعة قياسية!
664
وفيها الجوار المكذوب الخداع: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ).
(وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا).
- وفيها الخسائر الفادحة: أن بعث النار تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، وواحد في الجنة.
قال تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).
ومما يزيد الشعور بهذه الحرب رهبة أن نعلم أن هذا الواحد الذي نجا من بين الألف؛ لم تتحقق له النجاة إلا بفضل الله ورحمته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
ومن هنا كان من حقائق تقييم هذه الحرب: فرح الله عز وجل بعباده الناجين منها، بدليل قوله( لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن...).
664
- وكما ترفع الراية في أماكن الانتصار، فهي ترفع في أماكن الاحتلال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا تَكونَنَّ إنِ استطعتَ ، أوَّلَ من يدخلُ السُّوقَ ، ولا آخِرَ من يخرُجُ مِنها ، فإنَّها معرَكةُ الشَّيطانِ ، وبِها ينصِبُ رايتَه)، وفي حديث آخر: (أبغض البلاد إلى الله أسواقها).
- وفي هذه الحرب العنف والشدة، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا).
- وفيها التربص والترصد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الشيطانَ يَحضُرُ أحدَكُمْ عند كلِّ شَيءِ من شأنِه).
- وفيها الغل والحقد والعزم على إلحاق الضرر البالغ بالخصم: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)، وفيها الحصار: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).
- وفيها الأفخاخ والشراك، لاستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم: (من شر الشيطان وشَرَكِه).
- وفيها التجسس من قبل الشياطين: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ)، وفيها الحراسة المشددة من قبل الملائكة والشهب:(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا)، (ۖفَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا)، (لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ). وفيها العمليات الانتحارية التجسسية من قبل الشياطين: مسترقوا السمع واحد فوق الآخر فربما لحق أحدهم الشهاب قبل أن يرمي بها إلى صاحبه: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).
وفيها التخفي: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ).
وفيها الغش والكذب والخداع: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)، (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ).
- وفيها إحداث الوقيعة بين الحلفاء: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ).
(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا).
وفيها عنصر الإرهاب والتخويف: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ).
وفيها التشغيب والمجادلة والمراسلات السرية: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
- وفيها التسلط على الذاكرة: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ، يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ، وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ).
وفيها الإحزان: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا).
وفيها الأسر: ومنها أسر النبي صلى الله عليه وسلم لشيطان مر بين يديه وهو يصلي، فخنقه النبي صلى الله عليه وسلم حتى وجد برد لسانه على يده، ولولا دعوة سليمان عليه السلام لربطه إلى سارية من سواري المسجد يطيف به ولدان أهل المدينة.
ومنها قوله لأبي هريرة: ما فعل أسيرك البارحة؟
وإذا جاء رمضان؛ صفدت أو سلسلت الشياطين.
- وفي هذه الحرب عملية السحق الشامل؛ ففي الحديث القدسي: (وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ). ومنها الاستئصال (لأحتنكن ذريته).
- ومنها الاغتيال: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي).
وفي هذا الحرب الحصون: كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث نبي الله يحيى بن زكريا وقوله لبني إسرائيل: (وأمركم بذكرِ اللهِ كثيرًا ومَثلُ ذلك كمثلِ رجلٍ طلبه العدوُّ سِراعًا في أثرِه حتَّى أتَى حصنًا حصينًا فأحرز نفسَه فيه وكذلك العبدُ لا ينجو من الشَّيطانِ إلَّا بذكرِ اللهِ).
- وفيها الجوار الحقيقي: ومن ذلك قول أبي الدرداء عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما (أليسَ فِيكُمْ -أوْ مِنكُمْ- الذي أجَارَهُ اللَّهُ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ يَعْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ).
664
يحلو لكثير من الناس اتهام (النفس) بأنها العدو الأكبر للإنسان، وذلك لما يراه البعض من تقصيره وتهاونه أو إسرافه على نفسه في رمضان حين تصفد الشياطين، فيغالي في ذم النفس واتهامها حتى يقدم عداوتها على عداوة (الشيطان) مستدلا ببعض النصوص كقول الله عز وجل: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) وقوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)، وتجري عملية الاستدلال تلك بمعزل عن بقية النصوص، فينتج عنها ذلك الحكم الخاطئ!
لقد وُصف كيد الشيطان بالضعف في سياق مواجهة بين أولياء الله الذين آمنوا فهم يقاتلون في سبيل الله، وأولياء الشيطان الذين كفروا فهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، فكيد الشيطان وحزبه هنا ضعيف إلى وحدة جماعة المؤمنين واعتصامهم وتحصنهم بركن الله العزيز وولائهم لربهم القوي المحيط، ضعيف إلى قدرة الله وتدبيره للمؤمنين وكيده بالكافرين.
والنفس وإن جاء وصفها بالذم في كثير من النصوص والآثار، فإنها قابلة للترويض والتهذيب والتزكية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
ومنها النفس اللوامة التي أقسم الله عز وجل بها، والنفس المطمئنة التي وعدها سبحانه بالرضوان والجنان.
لقد أخبرنا الله عز وجل أن الشيطان هو عدونا الأول، فهو الذي أخرج أبوينا من الجنة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ...).
وقد حذرنا الله عز وجل أن تحرمنا فتنة الشيطان من دخول الجنة كما أخرج أبوينا: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ...).
والوحي زاخر بالنصوص التي تصرح بعداوة الشيطان للإنسان وتصف تلك العداوة بأوصاف بالغة التعبير تجلى صورة تلك العداوة بينهما على أنها معركة حربية طاحنة عظيمة الشراسة محتدمة غاية الاحتدام، معركة غابرة موغلة في القدم قد بدا أوارها منذ نفخ الله الروح في جسد أبينا آدم عليه السلام، معركة سرمدية حتى يُنفخ في الصور وتقوم الساعة.
- أحب لكل مسلم أن يقرأ كتاب "عندما ترعى الذئاب الغنم" للشيخ رفاعي سرور رحمه الله تعالى.
وليس أقل من أن يقرأ الفصل الأول من الجزء الأول (حوالي ١٠ صفحات فقط) وهو يصور ويصف العلاقة الحقيقية بين الإنسان والشيطان من نصوص القرآن والسنة تصويرا ووصفا جليًا بترتيب فريد بديع، ونلخص منه بتصرف ذلك الوصف لصور العداء.
(صورة قتالية): هذه صورة العداء القائم بيننا وبين إبليس، حرب لها كل صفات وتقاليد ووسائل الحرب المعروفة في واقعنا البشري:
- فالشياطين جنود إبليس سواء كانوا من الجن أو الإنس، قال الله تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (*) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ).. (جنود إبليس).
- علاقة هؤلاء الجنود من الشياطين بإبليس علاقة ولاء وطاعة، وهما أول الضرورات التنظيمية في أي حرب، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).. (أولياء الشيطان).
- بهذا الولاء تكون الحزبية: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).. (حزب الشيطان).
- لإبليس مركز قيادة بعيد عن واقع القتال: (إن إبليس يضع عرشه فوق الماء) ثم (يبعث سراياه) السرايا: تشكيل قتالي منتقى لهدف محدد: (فيفتنون الناس)، وهنا مبدأ الثواب والعقاب:(فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة).
- لإبليس آلة دعوة وإعلام وتوجيه تجذب إليه جنده وحزبه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ)، ويبعث جنده ويجهزهم بأسلحة وتشكيلات الجيوش المعروفة والتي منها: سلاح الفرسان وأدواتهم الخيل، وسلاح المشاة (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)، وبينه وبينهم شراكات قائمة لأجل تحقيق تلك الأهداف: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
- ومن أدوات هذه الحرب: السهام. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (النظرة سهم من سهام إبليس، يصيب بها قلب المؤمن).
- هذه الحرب فيها الرايات التي هي من تقاليد سيادة الجيوش وأعراف النصر والهزيمة، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من خارج يخرج - يعني من بيته - إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله عز وجل، اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله، اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته).
664
الميزة في هؤلاء الكرام أنهم كانوا أقل الناس كلاما، وأعظمهم أفعالا.
كان مماتهم حياة دين وأمة.
تقبلهم الله في سادة الشهداء!
664
قيل إن أهجى بيت عرفته العرب منذ جاء الإسلام؛ هو قول جرير في قبيلة نُمَير:
(فغض الطرفَ إنك من نُمَيرٍ ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا)!
وقد كان أهل هذه القبيلة أهل تيه وفخر حتى وضع ذكرهم قول جرير، فصاروا بعدها يخجلون أن ينتسبوا إليها!
وأحسب أن قول جرير قد بطل فعله، حين ولدت نُمَير شيخ الإسلام تقي الدين أحمد عبد الحليم ابن تيمية النُمَيري رحمه الله، فقد رفع الله به ذكرها، فحق لأهلها اليوم أن يفتخروا، وقد عاب نفسه من ردَّد اليوم قول جرير!
664
Repost from قناة: محمد إلهامي
2. شدة الحر.. وذلك في قولهم "لا تنفروا في الحر".. وهو القول الذي لطالما نسمعه في عصرنا هذا تحت شعار "الوقت غير مناسب"، مع أنك لن تسمع منهم أبدا أبدا كلمة "هذا الوقت مناسب"، فالغرض هو التثبيط والتحبيط وصرف الناس عن اتباع الرسول ونصرته!
3. الفقر.. وذلك في قولهم "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن".. ولقد فتنه الله بالغنى فبخل بما جاءه من فضل الله!
وتورد الآيات نموذجا للفقراء من أنصار النبي حقا، أولئك الذين جاءوا للنبي ليجاهدوا معه، فاعتذر لهم بقلة الخيول والإبل، "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون"
فإذا بقارئ القرآن يستطيع اختبار حقيقة نفسه، ومعيار صدقه، بما يقرؤه من كتاب الله، فيعلم من خلال هذه المشاهد في أي جانب هو، أو إلى أي جانب هو أقرب!
وأعذار أخرى لا نطيل بذكرها، لا يتسع لها المقام.
ومما يلفت النظر في هذه الآيات تكرر هذه العبارة "الله ورسوله"، مع أن المعنى يتم لو لم توضع لفظة "رسوله".. ولكن تكررها هنا ينبه العقل وينشر في النفس معنى الارتباط بنصرة النبي..
وقد أجريتُ بحثا سريعا عن لفظة "الله ورسوله" في القرآن، فإذا هي مذكورة في القرآن 54 مرة، وكانت سورة التوبة هي أكثر السور التي ورد فيها هذا التعبير، فقد ورد فيها 13 مرة.
تأمل:
1. أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله
2. لا يحرمون ما حرم الله ورسوله
3. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله
4. والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين
5. ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم؟!
6. وقعد الذين كذبوا الله ورسوله
وهكذا..
وليس من الممكن تقريب المعنى، فإن للقرآن سطوة وجلالة وهيمنة على النفوس، والقرآن يغمر قارءه في معانيه ويحيطه بها إحاطة يعجز المرء معها عن وصف الأمر.. فلا بد من بعد الإشارة أن تمسك بالمصحف وتسرح بنظرك وقلبك في كتاب الله، لتأخذ الجرعة الصافية الوافية بغير واسطة ولا حجاب.
وعندئذ ترى أن معنى النصرة الحقيقية للنبي أمر عظيم جلل، يستحق البذل الكبير!
664
Repost from قناة: محمد إلهامي
#مع_القرآن في #أسبوع_نصرة_النبي ﷺ
كتبتُ شيئا قبل ساعات عن موكب نصرة النبي ﷺ، وكيف أن ربنا تبارك وتعالى أحاط النبي بأنصار له منذ أن بعثه، فقام أولئك بواجبهم خير قيام، في كل مرحلة بما تستلزمه من مجهود!
هذا رابطه: https://t.me/melhamy/6327
وفي ذلك قلتُ بأن المجاهدين هم أسياد الأنصار، إذ هم الذين دافعوا عن النبي في وقت الشدة، وهم الذين نشروا نوره في وقت القوة!
وقبل قليل، كنت أتلو في سورة التوبة، فمرت بي آية (إلا تنصروه فقد نصره الله)، فإذا بي أنتبه للمرة الأولى إلى معنى لم أره قبلُ قطّ بهذا الوضوح!
إن آية النصرة التي تستحث المسلمين على نصرة نبيهم، إنما جاءت في سياقٍ الجهاد، وعلى الاخص، فقد جاءت في سياق الإدانة لمن تثاقلوا وتخلفوا عن نصرة النبي بالجهاد!
فقبلها كانت الآية تقول: "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله. اثاقلتم إلى الأرض. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل".
ثم تأتي هذه الآية، آية النصرة، لتذكير المتثاقلين، وتذكير المسلمين جميعا، بأنهم إن لم ينصروا النبي فإن الله ناصره، فما يضره هذا التثاقل، بل يضر المتثاقلين.
ثم يأتي الأمر الواضح: "انفروا خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم" وتأمل هنا في قوله تعالى "خير لكم"، أي أنه خير للمؤمنين أنفسهم!
ثم تأتي آية بعدها، يجب أن يتوقف عندها أنصار النبي ﷺ جميعا، إذ هي آية تغوص في أعماق النفس وتكشف أسرارها البعيدة، فهي تفضح أن نصرة النبي لو كانت شيئا سهلا يسيرا، أو كانت مغنما قريبا لانهمر عليها الناس جميعا.. ولكن لأنها نصرة عظيمة وفيها مشقة واجتهاد، فإن كثيرا من الناس يتثاقلون، ثم يختلقون لأنفسهم الأعذار، بل قد يُقسمون عليها!
اسمع وتأمل: "لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يُهلكون أنفسهم، والله يشهد إنهم لكاذبون"
ثم يكشف الله تعالى حقيقة هذه النفوس، وأنها غير صادقة الإيمان، بل هي النفوس المترددة، بينما أنصار النبي ﷺ حقا لا يتراجعون ولا يترددون.
"لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والله عليم بالمتقين * إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يترددون"
وهنا وقفة لا بد منها: فلو كانت نصرة النبي مجرد كلام يقال ويكتب ويُخطب به، ولو كانت مجرد إزجاء المديح وإنشاد الشعر والتمايل مع الطرب، لو كانت نصرة النبي هي الاجتماع في الولائم والاحتشاد في الحفلات.. لو كانت ذلك لما تخلف عنها أحد، بل لأقبل عليها كل أحد!
فليست حقيقة النصرة في ذلك الأمر السهل، ولا في تلك الغنيمة القريبة والوليمة العامرة.. النصرة الحقيقية للنبي هي في شيء آخر لا تقوى عليه إلا نفوس المؤمنين الصادقين.
إنه أمر ينبغي أن نتوقف عنده طويلا طويلا، وينبغي أن يتخوف منه أولئك الذين لا يعرفون في مجال حب النبي إلا اللذات: الأكل والشرب والطرب!
وتمضي الآيات بعد ذلك على مدى الصفحات لتكشف لنا عددا من الأمور، منها:
1. أن من نعمة الله على المؤمنين ألا يكون هؤلاء من أنصار نبيه، فإنهم إذا خرجوا مع المؤمنين لم يزيدوهم إلا خبالا وضعفا وترددا وإثارة للفتن والنزاعات!
وهذا الأمر يكشف لك -عزيزي القارئ- بعضا من نفوس المنافقين الذين يثبطون المؤمنين في كل معركة عن خوضها، ويتفننون في الحديث عن الحكمة والتروي والتريث وعدم الفائدة، ونحوها!
2. أن من هؤلاء المتثاقلين من يبدو متفرجا، بينما يربض في قلبه شعور بالسخط والحنق والغيظ! يتمنى أن لو وقع بالمؤمنين ونبيهم المكروه، ولا يمنعهم عن إبداء هذا الغيظ إلا ما يكون فيه الإسلام وأهله من القوة..
وهذا الأمر يكشف لك -عزيزي القارئ- هذه المشاعر الحقيقية الغائرة في النفوس، والتي تتسربل بدعاوى الحكمة والصبر والانتظار!!
3. أن من هؤلاء المتثاقلين من يبذل من ماله تغطية على حقيقة نفسه، ومكنون ضميره، ولكن الله توعدهم أنه لن يقبل منهم، ذلك أنهم "كفروا بالله وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون"
4. ومن علامات هؤلاء الناس أنهم يكثرون الحلف، مع أنهم يكذبون فيه: "ويحلفون بالله أنهم لمنكم"، "يحلفون بالله لكم ليرضوكم"، "يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر"، "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن... فلما آتاهم من فضله بخلوا به"
وعلامات أخرى في وصف هؤلاء الناس وتشريح نفوسهم، لا يتسع المقام هنا للتعرض لها.. ولكنك -أخي القارئ- تحتاج حقا إلى أن تفتح المصحف، وتعيش قليلا مع سورة التوبة وسطورها!
لكن المثير حقا، هو ما تكشفه الآيات عن هذه الأعذار التي يقدمها المتثاقلون ليبرروا بها تخلفهم عن نصرة النبي، فمنها:
1. خوف الفتنة من النساء.. فتأمل كيف يتحول "الورع" إلى وسيلة يتعذر بها من يريد التخلف عن الفرائض والواجبات!!
664
وأعلى الفِكَر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة.
فما كان لله أنواع:
أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقّلها، وفهم مراده منها.
الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده.
الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة مغفرته وحلمه.
هذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله، ومحبته، وخوفه، ورجاءه، ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر: يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة.
الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل، فهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة، ومتى كسرت: عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها؛ فحيي القلب ودارت كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنوده في مصالحه.
الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه. فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو يمر أسرع من مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله؛ فهو في حياته وعمره. وإن عاش فيه عيش البهائم فقطعه في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.
- ابن القيم رحمه الله.
(بتصرف يسير).
664
حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره وإجلاله لا يمارى فيه مؤمن، ولكن يكون ذلك الحب والتوقير والإجلال كما أمرنا الله، لا كما نهوى ونبتدع.
الفرح المجرد بمولد النبي لا يغني شيئا عن صاحبه، ولكنه يضاعف عليه الحجج البالغة على تقصيره في اتباع هديه ومنهاجه وسنته.
قد فرح أبو لهب بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه جحد نبوته، وكفر بشريعته، وآذاه وسبه، وصد عنه، ولم يتبع هديه، فما أغنى ذلك عنه شيئا وكان من أصحاب النار وبئس المصير.
ونرى الأنظمة المجرمة كل عام يحتفلون بمولده احتفالات رسمية ضخمة، وهم يحاربون الله ورسوله الليل والنهار لا يفترون!
لو أن الشرع حثَّ على الاحتفال بمولد الأنبياء؛ لتركه كثير ممن يحتفلون به الآن، ولنعتوا من يدعوهم إليه ويذكرهم به بالتشدد والرجعية!
فلو كان الأمر عبادة لثقلت عليهم وتركوها، أما باسم الهوى وسلطانه فهم يدخلون جحر الضّب في إقبال وسرور، ويستسيغون ردغة الخبال في هناء واطمئنان، أما باسم الدين فهم لا يصبرون على المن والسلوى!
كان احتفال النبي صلى الله عليه وسلم بيوم مولده ويوم مبعثه أنه كان يصومه شكرا لله، فمن أراد الاحتفال فليحتفل على هديه وطريقته، صم كصومه، صل كصلاته، تخلق بأخلاقه، تمسك بمنهاجه، ابتدر طاعته، تجنب مخالفة أمره، تعلم شريعته، ادع إلى دينه ... ذلك مجال الاحتفال الحق، وهو المجال الرحب الوسيع، وهو الاحتفال الدائم الذي لا ينقطع، وهو في ذات الوقت التكليف الصعب الذي لا يطيقه إلا من أخلص وصدق، والذي يعزف عنه من أراد تحويل تلك المهام العظام والتكاليف الثقال إلى وطقوس كرنفالية وأيام لهو ولعب وعبث لا تعب فيها ولا قيد لها ولا تكليف يتبعها، فهو يفعل ما يستهويه ثم ينسبه إلى الدين ثم يفتش في الأثر تفتيش الأعور الأعمش عن شبهة دليل يستدل به على لهوه الذي جعله دينا!
(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
664
السوق الرئيسي في المولات التجارية والأسواق الاستهلاكية الضخمة ليس هو القائم على السلع المعروضة من وراء الواجهات الزجاجية!
وإنما السوق الرئيسي فيها قائم على تحويل الزبائن أنفسهم إلى كتلة ضخمة من السلع المعروضة؛ وعلى هامش ذلك السوق الإنساني يتم ترويج وبيع بقية السلع الأخرى!
فالجاذب الأول لتلك الأماكن هو ذلك السوق المختلط من الرجال والنساء، كل جنس قد أخذ أكمل زينته، وبدا في أبهى حلة، كأنما يقول بلسان الحال (أنا جاهز لأعرض على الزبائن) وكلما ازداد نظر الزبائن إليه؛ ازدادت قيمته في نفسه، وقيمته في ذلك السوق!
النظام في ذلك السوق، وتصميمات بنية المحلات، ونوع السلع، وطريقة عرضها؛ لا تعتمد على حالة الطلب على المنتجات ومدى الحاجة إليها، ولا على جذب أنظار الزبائن لترويج المنتجات فحسب؛ وإنما على إشعار الزبون أنه ينتمي إلى طبقة اجتماعية أعلى، فهو يذهب إلى السوق غالبا لإشباع حاجته في الشعور بذلك العلو الاجتماعي الذي يحققه بتوهم الانتماء إلى طبقة تفوقه في درجة المعيشة!
لذلك تجد أسعار السلع فيه لا تُقَوَّم بالقيمة السوقية الحقيقية للسلعة المعروضة، ولا قيمة إيجارات المحلات تُقَوَّم بناء على مكان المعرض ولا قيمة ومساحة المكان المستأجر، والإقبال الجماهيري لا يستند على جودة المنتج ولا مناسبة الأسعار، ولكن الوسيلة الحقيقية لحساب قيمة كل ما فات والعامل الرئيسي في جذب الجماهير يبنى بحساب المركز الاجتماعي للشريحة الجماهيرية المستهدفة!
فالسوق الذي يرتاده المشاهير في مجالات الرياضة والغناء والتمثيل والأغنياء والساسة ورجال الأعمال، غير السوق الذي ترتاده الطبقات الدنيا في المجتمع، ولو كانت السلع هي ذات السلع بذات الجودة؛ فهي لا تخضع لنفس العوامل أبدا في التقييم والتسعير!
حركة البيع والشراء أقل بكثير من حجم الإقبال الجماهيري، ولذلك تجد من يذهب للتجول بالساعات في باحات المعرض دون حاجة لبيع أو شراء، أو حتى دون امتلاك نقود؛ كل ما أراده أن يشعر نفسه بالانتماء إلى تلك الطبقة ولو لدقائق أو ساعات معدودة، وأن ينظر إلى السلع المتحركة المعروضة خارج الواجهات الزجاجية (الزبائن) وأن ينظرون إليه نظرتهم إلى أنفسهم!
كما أن النفاق ظاهرة دينية، فالمرء الذي يدّعي من الإيمان والورع ما ليس فيه؛ إنما أراد أن يصرف وجوه الناس إليه لما علم من مكانة الدين في نفوس أهله، فالنفاق أيضا ظاهرة اجتماعية، فالمرء يتظاهر بالانتماء لطبقة وشريحة معيشية أعلى مما هو عليه ليصرف وجوه الناس إليه لما يعلم من مكانة الدنيا في قلوب أهلها، لذلك لا يسمح المرء منهم لنفسه في الذهاب إلى تلك الأسواق متبذلا في هيئة رثة، وإلا فإنه يفقد تلك الميزة التي ذهب لتحصيلها.
إنني لا أتهم كل من يذهب إلى تلك الأسواق في نفسه، ولا في نيته، ولا فيمن حسن الهيئة من شيمته وطبعه، فبعض الناس يذهبون لتلك الأماكن لحاجة فعلا، فليس هؤلاء من أقصد بالقدح والتعريض، إنما أكتب ذلك لكي أحذر هؤلاء من تعلق القلب بتلك الأماكن، فهي تسرق منه السكينة والخشية والحياء والإخلاص وأكثر، وتكسبه قسوة القلب والغفلة وضيق الصدر وفساد البصيرة وأكثر!
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا".
664
لو لم ينزل الله عز وجل على الأولين والآخرين إلا (سورة النبأ) لكانت حجَّة الله بالغة سابغة على العالمين.
وفي الحديث الصحيح أنها إحدى السور التي أصاب لها الشيبُ رأس رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم.
فقد قال أبو بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ: يا رسولَ اللَّهِ قد شِبتَ،
قالَ "شيَّبتني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتَسَاءَلُونَ، وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ".
664
بينما يغرق الناس في الجدالات (التريندية) العقيمة والمعارك الكلامية البغيضة التي توقع العداوة والبغضاء بين قلوب المسلمين، وتكرس فيهم نوازع الفرقة والخلاف، وتشغلهم وتستنفذ طاقتهم في غير ما ينفعهم وينفع أمتهم، ولاسيَّما في محيط مواقع التواصل الاجتماعي، وبينما يكسب التحالف الشيطاني الجاهلي لمنظومة الإلحاد والعلمانية والإباحية والطغيان أرضا في كل يوم يسحبونها من تحت أرجل المسلمين؛ أُثَمِّنُ فقه الرجل البصير الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل فك الله أسره ووفق الأمة أن ترتفع لآفاق بصره وبصيرته، حيث يبَّصرنا بحقيقة كبرى تغيب عن أكثر العاملين للإسلام اليوم، وهي: أن الداعية الإمام الذي يفقه رسالة الإسلام ويحمل على عاتقه همَّ هذا الدين وقضية بعث هذه الأمة من جديد لتنتزع راية قيادة البشرية مرة أخرى فإنه يجب أن يكون مبادرا في حركته لا أن يُلقى إليه كل يوم أمر يخوض فيه فيستنزف طاقته ووقته وحركته، ولا أن يتحرك هو بالناس في دوائر لا تبرح مكانها ولا في نقاط أفقية متشعبة متشظية، وإنما يتحرك بهم رأسيا إلى الأمام خطوة بعد خطوة وينتقل من معلم واضح محدد إلى آخر بخطوات مدروسة تنقل حال دعوته من طور إلى آخر أكبر وأقوى وأظهر وأعز وأثبت.
لقد بذل عمره يتدارس فقه المنهاج الإسلامي النبوي في كيفية إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكيف حوّل منهج الإسلام ذلك المجتمع الأرضي الجاهلي الذي نظر الله عز وجل إلى أهله قبيل البعثة فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب - إلى ذلك المجتمع الذي يقول الله تعالى فيه (كنتم خير أمة أخرجت للناس...).
أخذ يستكشف كيف ينشئ الإمام المسلم دعوة في واقع يعاديها، وكيف ينتخب لدعوته تلك أفذاذ الناس، وكيف يربيهم ويزكيهم ويعلمهم ويستخرج أحسن ما فيهم من صفات ومؤهلات وطاقات، ويعزز فيهم صفات القيادة والمسؤلية ويصقل خبراتهم بالتجارب، كيف يؤلف بين تلك الملكات المختلفة ويوظف تلك المواهب الهائلة في بناء متكامل متحد يعمل كوحدة واحدة لبلوغ الغاية الواضحة المنشودة، كيف يحوط دعوته ويحتاط لها، وكيف يقود دعوته ورعيته يتحرك بهم إلى الأمام تحركا رأسيا من خطوة إلى خطوة وفق منهج واضح مرسوم ومدروس ليكسب بهم أرضا لدينهم ولأنفسهم ولأمتهم في كل يوم وفي كل خطوة يسحبها من تحت أقدام الجاهلية، وكيف يقضي على عقبات الطريق ويتغلب على آفاته ومحبطاته... إلخ.
إن تدارس منهاج الإسلام في طريقة إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم: فرض عين على كل من يتصدر الناس يروم بلوغ تلك الغاية بهم، وتدارس تراث الشيخ حازم في هذه الناحية يوفر لكل متدارس لهذا الأمر جهد سنوات طوال وينقله إلى الأمام نقلة هائلة لا يعود أبدا بعدها كما كان قبلها بإذن الله.
فمن أراد لنفسه فقه ذلك المنهاج؛ فليتدارس تلك السلسلة العظيمة؛ والشيخ - فك الله أسره - متفرد في هذا الباب، قل نظيره!
وهذا رابط السلسلة
https://youtube.com/channel/UCWt3O9HfHs8-LqBFnRj1wZw
