🔴🔴
لماذا التركيز الإسرائيلي المتزايد على الضفة الغربية؟ هل يجري تمهيد الأرض لفرض واقع جديد؟
بقلم : رامي أبو زبيدة
لم تعد الضفة الغربية مجرد جبهة أمنية إضافية في الحسابات الإسرائيلية، بل تبدو في قلب الصراع السياسي والأمني داخل الكيان، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. فبينما تتحرك الولايات المتحدة بدرجات متفاوتة في تحديد قواعد اللعبة في إيران ولبنان وقطاع غزة،
تبدو الآن الضفة الغربية الساحة التي تملك فيها الحكومة الإسرائيلية هامشاً أوسع للمناورة، الأمر الذي يثير سؤالاً يتجاوز مسألة ضبط الأمن: هل هناك تعمد لإبقاء الضفة في حالة توتر، تمهيداً لفرض واقع سياسي وأمني جديد؟
من خلال رصدي لمجموعة من المقالات والقراءات المنشورة في صحف إسرائيلية، فإنها تكشف عن مسار متراكم يجمع بين تصاعد عنف المستوطنين، وتوسيع الاستيطان، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والدفع بمشاريع جغرافية، وفي مقدمتها منطقة E1، يمكن أن تعيد رسم شكل الضفة ومستقبل النظام الرسمي في الضفةالغربية.
عاموس هرئيل في «هآرتس» يذهب إلى أبعد من التحذير الأمني، حين يشير إلى أن بعض أوساط الجيش تشتبه في أن نتنياهو قد يكون
«يمهد الطريق لتدهور متعمد في الضفة الغربية، بهدف تحويل مسار الأجندة الانتخابية». الفكرة هنا ليست أن الحرب هدف بحد ذاتها، وإنما أن الفوضى الأمنية يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية؛ فتصاعد العنف قد يخلق مبرراً للتحرك العسكري، ويعيد ترتيب أولويات الجمهور الإسرائيلي، ويصرف الأنظار عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
وهذا الاحتمال يكتسب وزناً أكبر إذا رُبط بما يجري على الأرض. فهرئيل يتحدث عن
«تصعيد متعمد للهجمات ضد الفلسطينيين» وعن احتمال أن يزداد سوءاً مع اقتراب موعد الانتخابات، بينما يشير ميخائيل ميلشتاين، في «يديعوت أحرونوت»، إلى مفارقة أكثر وضوحاً، تتمثل في أن الحكومة تظهر أحياناً بمظهر من يحاول إخماد التوتر، في الوقت الذي تسهم فيه سياساتها في إنتاج أسبابه. ويصف ذلك بأنه حالة من
«دور مُشعِل الحرائق ودور رجل الإطفاء المذهول».
الأخطر أمنياً هو أن انهيار مستوى السيطرة يمكن أن يفتح الباب أمام سيناريو مختلف تماماً عن نمط العمليات المحدودة. فالمخاوف الإسرائيلية التي نقلها هرئيل تتحدث عن احتمال تطور المواجهة إلى درجة تنخرط فيها أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بصورة مباشرة في القتال، بما يعني انهيار الترتيبات الأمنية القائمة منذ سنوات. وفي هذا السياق، يصبح إضعاف السلطة الفلسطينية أكثر من مجرد قضية سياسية؛ إذ يمكن أن يتحول إلى عامل تفجير أمني واسع.
وهنا تكشف القراءات الإسرائيلية عن معادلة شديدة الخطورة: كلما تراجعت قدرة السلطة على ضبط الميدان، وكلما تصاعد عنف المستوطنين والاحتكاك مع القرى الفلسطينية، ارتفع احتمال الانفجار. وإذا وقع الانفجار، يمكن تقديمه إسرائيلياً باعتباره دليلاً على «فشل السلطة» أو «التهديد الفلسطيني»، بما يوفر مبرراً لتوسيع التدخل العسكري.
اللافت أن اللواء احتياط غيرشون هكوهن، في «إسرائيل اليوم»، لا يتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره مشكلة أخلاقية وقانونية فقط، بل يحذر من تداعياته على الأمن القومي الإسرائيلي نفسه. فهو يرى أن مجموعات العنف تقوض مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتضر بسلم الأولويات الاستراتيجي. والأهم أنه يربط ذلك بالتوسع الاستيطاني، قائلاً إن هناك
«مسيرة استيطان غير مسبوقة»، مع إقامة أكثر من مئة مزرعة بالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية.
بمعنى آخر، ثمة مساران يسيران بالتوازي: توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض من جهة، وتصاعد الاحتكاك والعنف من جهة أخرى. وعندما يجتمع المساران، يصبح من الصعب الفصل بين الأمن والاستيطان والسياسة.
وتأتي منطقة E1 لتكشف البعد الاستراتيجي الأعمق. فالقضية هنا ليست مجرد بناء وحدات استيطانية جديدة، وإنما التحكم في الجغرافيا التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. ولهذا وصف عوديد شالوم في «يديعوت أحرونوت» البناء في المنطقة بأنه «ضربة قاضية لحل الدولتين»، مؤكداً أن إقامة المشروع يمكن أن تقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني.
وتكمن أهمية E1 في أنها ليست مجرد مساحة على الخريطة؛ إنها عقدة جغرافية تتحكم في الحركة بين القدس وأجزاء واسعة من الضفة. ولذلك فإن تثبيت الوجود الاستيطاني فيها يعني عملياً تعزيز التجزئة الجغرافية للضفة، وتقليص هامش الحركة الفلسطينية، وجعل أي كيان فلسطيني مستقبلي أكثر تفككاً واعتماداً على ترتيبات الطرق والمعابر التي تسيطر عليها إسرائيل.
الأكثر دلالة أن أفيف تاتارسكي، الباحث في «عير عميم»، يضع المسألة في صيغة حاسمة: «لن تكون هناك دولة فلسطينية مع وجود مشاريع بناء في المنطقة E1». وهذه العبارة تكشف أن الصراع على الضفة ليس فقط صراعاً أمنياً، بل صراع على شكل المنطقة ومستقبلها السياسي.
أما ميخائيل ميلشتاين فيرى أن التحول الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر تجاوز مجرد التشدد الأمني، نحو تطبيع أفكار كانت حتى وقت قريب تُعد هامشية، بما فيها الضم والسيادة الإسرائيلية الواسعة و
«خطة الحسم». ويشير إلى أن ما كان يُطرح سابقاً باعتباره موقفاً متطرفاً أصبح جزءاً من التيار السياسي السائد، محذراً من أن "إسرائيل" قد تجد نفسها أمام خيار الدولة الواحدة، بكل تداعياته الديموغرافية والسياسية والأمنية.
من هنا يمكن فهم سبب التركيز الإسرائيلي المتزايد على الضفة:
الضفة هي الساحة التي يمكن أن تتقاطع فيها ثلاثة أهداف في وقت واحد: الأمن، والسياسة، والجغرافيا. فالتوتر الأمني يمكن أن يوفر ذريعة للتدخل، والاستيطان يخلق وقائع جديدة على الأرض، وإضعاف السلطة يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة الأمنية والسياسية مع الفلسطينيين.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل هناك قرار إسرائيلي واعٍ لإشعال الضفة؟
المتاح من القراءات الإسرائيلية لا يسمح بالجزم بوجود خطة مركزية مكتملة بهذا المعنى. إلا أن الخطورة تكمن في شيء آخر: قد لا تحتاج عملية إشعال الضفة إلى قرار واحد؛ يكفي تراكم سياسات متناقضة ظاهرياً لكنها تنتج النتيجة نفسها. عنف مستوطنين، توسع استيطاني، إضعاف للسلطة، استفزازات ميدانية، خطاب سياسي أكثر تشدداً، ثم تحذيرات أمنية من احتمال انهيار الأوضاع.
عند نقطة معينة، يمكن أن تتحول النتيجة إلى ذريعة:
«انظروا، الضفة تنفجر، والسلطة عاجزة، وإسرائيل مضطرة للتدخل».
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تحذر منها الكتابات الإسرائيلية نفسها: قد تبدأ الفوضى بفعل أطراف متعددة، لكنها تنتهي إلى إنتاج واقع سياسي يخدم مشروعاً محدداً.
لذلك فإن الخطر الحقيقي في الضفة الغربية ليس فقط اندلاع انتفاضة أو موجة عنف جديدة، وإنما أن يتحول التصعيد إلى أداة لإعادة هندسة الضفة: عسكرياً عبر توسيع السيطرة، وجغرافياً عبر الاستيطان والطرق، وسياسياً عبر إضعاف السلطة، وديموغرافياً عبر الضغط والتهجير.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات الإسرائيلية عاملاً مسرّعاً، لا بالضرورة سبباً وحيداً. فحين تتراجع شعبية الحكومة، يصبح إبراز «الخطر الفلسطيني» أكثر فائدة سياسياً، خصوصاً إذا ترافق مع خطاب أمني يحذر من «انقلاب مفاجئ» أو انهيار السلطة.
ولهذا ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل تريد إسرائيل إشعال الضفة؟ بل: من الذي سيستفيد إذا اشتعلت الضفة، ومن سيملك القدرة على تحويل هذا الاشتعال إلى واقع جديد؟
الإجابة التي تلمح إليها المقالات والقراءات الإسرائيلية تبدو واضحة: إن الخطر الأكبر ليس أن
«تشتعل الضفة» فحسب، وإنما أن يُستثمر اشتعالها لفرض واقع جديد يصعب التراجع عنه لاحقاً؛ واقع تكون فيه السلطة أضعف، والاستيطان أوسع، والتواصل الجغرافي الفلسطيني أكثر تفككاً، وحل الدولتين أقرب إلى الاستحالة.
https://t.me/MilSecurity