en
Feedback
مُناشَدات إلىٰ الآلِـهَة .

مُناشَدات إلىٰ الآلِـهَة .

Open in Telegram

•يمنع علىٰ المصابين باليقين تناول هذا الكم الهائل من العدم• •instagram || 88xyi

Show more
884
Subscribers
No data24 hours
-67 days
-1830 days
Posts Archive
yz5KgdS0JgI.m4a5.50 MB

إذكريني … إن وقفتِ أمام المرآة الكبيرة في صباحٍ لا يشبه أحد تربطين شعركِ أولًا ، ثم تفكّينه ثم تعقدينه مجددًا دون أن تقرّري كأنكِ تهيئين رأسكِ لِحوارٍ صامت مع يوم ثقيل إذكريني … و أنتِ تمشّطين شعركِ بلطف تشدّين خصلة خلف أذنكِ و تراقبين إنعكاسكِ كأنكِ تنتظرين أن يقول لكِ شخصٌ ما : “ حلوة ، مثل كُل مرة ” إذكريني … حين ترفعين وجهكِ قليلًا و ترسمين عينيكِ بِكُحلٍ أسود كأنكِ تخطّين قصيدة حين تملئين زوايا جفنيكِ بلونٍ ناعم ثم تمسحين طرف الخط بِطرف إصبعكِ لتجعليه يبدو أقلّ حدة … و أكثر شبهًا بكِ ، عندما تُخفين الحزن بإبتسامتكِ إذكريني … حين تنفخين بِخفة علىٰ وجهكِ لتنثري البودرة المُتراكمة و تتأكدين أن لا أحد سيلاحظ التعب المختبئ تحت طبقات التجميل إذكريني … حين ترتدين معطفكِ بسرعة و تتوقفين فجأة لتبدّلي الحقيبة ثم تعودين للمرآة كأنكِ لا تزالين غير جاهزة ثم تهمسين لِنفسكِ : “خلص … مو مهم” إذكريني … حين تنزلين السلالم بِخطواتكِ السريعة تتفقدين هاتفكِ ثلاث مرات دون إشعار جديد … إذكريني … حين تركبين السيارة وتفتحين النافذة قليلًا لِيدخل هواء بارد يحملكِ بعيدًا عن الزحام إذكريني … حين تضعين أُغنية تعرفين أني أُحِبُّها ثم تغلقينها بسرعة لِأن صوتها أوجعكِ أكثر مما أردتِ إذكريني … حين تمسحين أحمر شفاهكِ بواسطة المنديل قبل لقائكِ بوالدكِ لكي لا يقوم بتوبيخكِ و حين تفتحين زجاجة عطر صغيرة و ترشّين منها علىٰ معصمكِ بخفّة كأنكِ تحاولين إستدعاء شيء ما … شخص ما إذكريني … حين تنامين ليلًا و شعركِ نصف مبلل و وسادتكِ تفوح منها رائحة الشامبو حين تضعين هاتفكِ علىٰ الوضع الصامت ثم تقلبينه علىٰ وجهه كأنكِ لا تريدين أن يراكِ أحد … و لا حتىٰ أنا. إذكريني … في التفاصيل التي لا يراها أحد في الدقيقة التي تسبق خروجكِ مِن البيت في الثانية التي تترددين فيها بين البكاء أو النسيان إذكريني … فأنا أعيش هناك في كُل تلك اللحظات الصغيرة التي تظنين أنها عابرة لكنها بالنسبة إليّ أعتبرها عالمي .

علميني_عبد_العزيز_المعنى_2011_م_سمو_الاعلام.m4a4.25 MB

و لِأنّكِ لا تشبهينَ الأُخريات إذن لمَ يكون مهركِ حفنةً من المالِ مثلهن ؟ دعيني أُقدّم لكِ المهرَ قصائد قلتُ لها ذلك ، و في جيبي قصيدة و نصف ثمن علاج إلتهاب المفاصل الذي تشتكي منه أُمي كُلَّ ليلة حين ترفع يدها المرتجفة نحو الرفّ الأعلىٰ تحاول أن تُنزِل علبة الدواء بأنامل ما عادت تقوىٰ و أنا أُراقبها من خلف الباب و أكتم رجفة عيني لم أكن أملك سوىٰ الكلام و أخفيتُه عنها كما أخفيتُ وجعي خشيتُ أن تقول لي : “وهل القصائد تُسدّد فاتورة الصيدلية؟” لكنها لم تقل شيئًا فقط جلست بقربي و مدت يدها بهدوء و أخذت القصيدة مِن جيبي ثم قرأتها … وكأن شيئًا في العالم قد إستقرّ أخيرًا.

500182433.mp38.99 MB

“بين الطاوة والذكريات”.pdf4.90 KB

500182433.mp34.32 MB

ضحكتكِ حين ترتبكين أمام المرآة تُربك الزمن و توقف نبضه لثانية كأنها إشارة مِن السماء بأن كل شيء سيتحسن ، و إن تأخر قليلاً. تُصلحين شعركِ مرة، ومرتين ، ثم تتذمرين بصوتٍ خافت كأنكِ تُعاتبين الخصلات لأنها لا تُشبهكِ تمامًا ثم تبتسمين لنفسكِ ، وتكسرين كل التوقعات كأنكِ تقولين : “ أنا كافية ، كما أنا ”. حين تمشين بخفة كأنكِ لا تمشين بل تُرَقِّصين الحزن تحت قدميكِ تخطين وكأنكِ تسيرين فوق رُكامٍ داخلي كنتُ أُخفيهِ لسنوات. تُزيحين الغبار عن روحي كلما مرّ طيفكِ بقربي وكل وردة أغلقتها الخيبات ، تفتحت. أنا الرجل الذي نسيَ كيف يبدو صوته و هو يضحك مشغولٌ بعملٍ لا يحبه ، وسط أوراقٍ لا تنتهي يتظاهر بالثبات بينما تنهار روحه عند كل ملامسة لذكرى. أعود لبيتٍ سقفه متين ، لكن جدرانه متعبة مِن الصمت و أُمي التي لم تعد قادرة علىٰ صعود السلم تحاول أن لا تتألم أمامي فتتألم أكثر. أبي الذي يخبئ وجعه خلف صمته الطويل يستيقظ مبكرًا ، لا ليعمل ، بل ليهرب من التفكير وذاك الطفل الصغير في داخلي الذي كان يظن أن الكبار لا يبكون صار يجلس معي كل ليلة يسألني : متىٰ سنرتاح؟ ولا أجد جوابًا. لكنّكِ، حين تضحكين – تلك الضحكة التي تشبه مطرًا أوّل الشتاء – تغسلين قلبي مِن الغبار تجعلينني أُصدق أن الحياة يمكن أن تُعاد كتابتها مِن صفحة جديدة أن الماضي ليس سكينًا بل درسًا بلطفكِ يُنسىٰ. كل ما فيكِ من طريقة رفّ رمشكِ إلىٰ صوتكِ حين تقولين إسمي بتلك النغمة النصف نائمة هو الدليل الوحيد علىٰ أن الله ، رغم كل ما حدث لم ينسَني تمامًا.

audio.mp35.83 MB

”أُمي أيضًا تقول للشيء كن فيكون” مرة كانت تضربني بمكنستها ، فأطير … أطير عاليًا ، لكنني لا أسقط ، بل أهبط مباشرة في حضنها ، كنت أضحك كلما صرخت في وجهي قائلة: “لو أنني أنجبت كلبًا ، لكان أكثر طاعة منك” فأزداد شغبًا فقط لِأسمعها تقولها من جديد و أضحك. كبرتُ يا أُمي في غيابكِ وأصبحتُ الآن بطيئًا جدًا ، بطيئًا بالنوم ، كأن عينيّ تأبيان الإغلاق في غيابكِ ، بطيئًا بالأكل ، كأن الطعام بلا طعم دون صوتكِ يطالبني بإنهاء صحني ، بطيئًا بالمشي ، كأن الطرقات تثقل خطواتي حين لا يكون هناك باب في نهايتها تفتحينه لي ، بطيئًا حتىٰ في شرب الشاي ، لم يعد ساخنًا كما كان حين تملئينه بحنانكِ ، بطيئًا حتىٰ في تدخين السجائر ، كأنني لا أجد من يمنعني عنها ، كما كنتِ تفعلين ، فتكون ألذ. كبرتُ يا أمي وأحنُّ إلى زمن السرعة ، الزمن الذي كنتِ تخلعين فيه ثيابي المتسخة بيديكِ ، بحركة واحدة ، كأنكِ تخلعين عني أوجاع اليوم بأكمله ، يا ليتني أستطيع أن أفعلها الآن … أن أرفع يدي إلىٰ الأعلىٰ ، لتخلعي عني هذه الروح المتعبة ، كما كنتِ تفعلين مع ثيابي. مرة، أعطيتِ درهمًا للشحاذ الذي يصيح في زقاقنا، فأصبح الآن مطربًا مشهورًا ، وكم كنتِ تقولين: “الخير يعود ، ولو بعد حين” لكنكِ لم تخبريني كيف يعود حضنكِ إليّ بعد هذا الغياب؟ ومرة، أطعمَتِ حمامة في الصباح ، طرت أنا وسقطت في المدرسة ، أما الآن ، فكلما طرتُ في هذه الحياة ، لا أجد حضنكِ لأهبط إليه ، فأظل معلقًا بين السماء والأرض ، لا أنا طفل ، ولا أنا رجل مكتمل. ومرة، كنستِ البيت، فعاد أبي نظيفًا من العمل ، أما الآن ، فكم تمنيتُ لو يكنس هذا الغياب الطويل ويعيدكِ إلينا ، كما كنتِ تفعلين مع الغبار الذي يثقل النوافذ. ومرة، وضعتِ يديكِ علىٰ رأسي ، فشُفيَت من المرض ترىٰ ، هل لو وضعتِ يدكِ على قلبي الآن ، سيشفىٰ من هذا الاشتياق؟ ومرة، غسلتِ “شيلتكِ” فامتلأ النهر بالأسماك ، لكنكِ لم تغسلي حزنكِ يومًا ، فظل البحر جافًا بين أضلاعكِ، وأتساءل ، هل لازلتِ تضعين “شيلتكِ” في الماء ، أم أن الغياب جعلكِ تنسين طقوسكِ الصغيرة؟ ومرة ، إنتهيتِ من مسح الغبار عن نافذة المنزل، فخرج قوس قزح في السماء، أما الآن، فقد إمتلأت روحي بالغبار ، وأنتظر لمسة منكِ ، ليمتلئ عمري من جديد بكل الألوان التي سرقها الرحيل. ومرة، قلعتِ شوكة من قدمي، فأذاعت المحطات أن الجنود رفعوا آخر لغمٍ من شوارع بغداد، لكن أحدًا لم يعلن بعد متىٰ يرفع هذا الشوق الثقيل من صدري؟ اليوم هو عيدكِ يا أُمي و عيدُ كُلَّ الأُمهات ، وأنا أبحث عنكِ في كل شيء ، في الطرقات التي كنتِ تمشين عليها ، في أصوات النساء في السوق علّني أسمع صدىٰ صوتكِ ، في عتبة البيت التي لم تغتسل بالماء منذ أن غادرتِ، في الهواء الذي صار ساكنًا كأن الصباح فقد جزءًا من روحه ، في رائحة القهوة التي لم تعد كما كانت ، في الغسيل الذي لم يُعلَّق علىٰ الحبل منذ رحيلكِ ، في السرير الذي لم يُرتب بيديكِ ، في النوافذ التي لم تُفتح كُلَّ صباح ، و في القمر الذي صار وحيدًا مثلي. يا أُمي ، تعالي قولي للبعد كن فيكون ، قولي للوقت كن فيعود ، قولي للحلم كن ، فألقاكِ فيه الليلة…

Vocal music5.41 MB

بقاعة المحاضرات ، چنت گاعد بمكاني المعتاد ، وأصدقائي يمّي ، بس عقلي بمكان ثاني إيدي متشابچة ، وعيوني تسرح بالفراغ أسمع صوت الدكتور بس ما أفهم، الكلمات تمر من جواي مثل الهوىٰ تدخل وتطلع بدون ما تترك أثر شنو أسوي هنا؟ ليش بعدني متمسك بهالمكان؟ فوضىٰ مو طبيعية براسي ، أحس الدنيا كلها متحركة إلا آني. خلصت المحاضرة ، الناس بدت تطلع صوت أحذيتهم تلامس الگاع ، الحچي، الضحك، بس آني بعدني بمكاني، مثل تمثال ماكو أحد ينتبه لوجوده فجأة ، صديقي إللّي يمّي بدأ يدندن بصوت ناصي: “حنيت إلچ والله وبچيت البارحة ”. رفعت راسي باوعتله عيوني تحاول تلگة معنىٰ بكلماته چان يغنيها عادي؟ لو يقصدني؟ هو يعرف إنه بهاي اللحظة ، هايَّ الأُغنية چانت كافية تخليني أتحطم؟ “حنيت إلچ والله و بچيت البارحة ”… چان يقصد أُمي؟ أُمي إللّي راحت بعيد حتىٰ تتعالج؟ آني بعدني أتذكر يوم السفر ، چانت تحاول تبتسم، بس عيونها تفضح خوفها، خوفها من الفراق ، خوفي مِن الوحدة. “دير بالك علىٰ نفسك، راح أرجع بسرعة” بس شنو معنىٰ السرعة گدام الإشتياق؟ چانت تشد إيدي وكأنها تگلي: “لا تنساني” بس آني أصلاً ما أگدر أنساها. صوتها بعده وياي ، وهي تگعدني الصبح بنبرة بيها حب وبيها عتب ، ريحة گهوتها إللّي چانت تملي البيت إحساس الأمان لما تكون قريب منها حتىٰ لما كانت ترتب البيت ، چنت أحس إنها بنفس الوقت ترتبني ، تحط كل شي بمكانه، تخليني أحس إن الحياة واضحة ، بس من راحت ، كلشي صار ضباب. بس يمكن يقصد غير شي؟ يمكن يقصد الحبيبة؟ بس شنو هي الحبيبة أصلًا؟ حبيبته هو ؟ لو حبيبتي آني ؟! آني !؟ ما چان عندي حبيبة ، بس چان عندي وهم ، شي خلقته براسي ، إنطيتها صوت ، ضحكة ، نظرة غريبة ، رسمتها بملامح متغيرة، وجهها مو ثابت، أحياناً عيونها سود ، أحياناً عسلية ما أدري ، أحياناً شعرها طويل ، وأحياناً قصير حسب مزاجي ، حسب حزني حسب الحاجة إللّي تحاصرني. چنت أحچي وياها ببالي ، أسألها وأسمع جواب ، بس هو بالحقيقة چان صوتي ، ظلي ، وحدتي متنكرة بشكل إنسانة مرات أحس بيها تمشي يمّي ، ألتفت بسرعة ، بس ما ألگة غير الهوىٰ . ضحكتها چانت ترن براسي مثل موسيقىٰ ، بس كل ما أحاول أتذكرها بوضوح ، ألاگيها تذوب ، تروح ، مثل حلم ما تلحگه. چنت أحبها؟ يمكن ، چنت أحتاجها؟ أكيد. لأنه مو سهل تعيش وإنت تعرف إنه ماكو أحد ينتظرك ، ماكو أحد يسأل شبيك بدون ما تحچي ، ولهذا خلقتها ، ولهذا آني فقدتها رغم إنها ما چانت موجودة. ما گدرت أحچي، ما گدرت أسأله ، بس باوعت بيه نظرة طويلة ، بعدين درت وجهي ، وكأنما أريد أهرب من ثقل هالكلمات كل شي بداخلي يضج بالفوضىٰ ، بس رسمت إبتسامة باهتة ، مثل إعتراف صامت أن الأُغنية طعنت المكان إللّي ما چنت أريد أحد يوصله. سندت راسي علىٰ الكرسي إللّي گدامي ، وضحكت بس ضحكتي چانت خاوية، خاوية مثل روحي. چنت أبچي من جوّا ، بچي ثگيل ما يطلع بچي متراكم من أيام وليالي ، من وداع أُمي ومن فراق الحبيبة إللّي ما كانت أصلاً. وگف صديقي ، و خلة إيده علىٰ چتفي وكأنه يريد يگلي شي بس تراجع ظلّيت وحدي ، بقاعة شبه فارغة ، الأُغنية بعدها تتردد براسي تاخذني بكل كلمة لجرح مختلف ، حسيت بوحدة مو طبيعية وكأنها هايَّ الكلمات فتحت بوابة الوجع إللّي حاولت أدفنه. ما أدري إذا راح أنسىٰ هايَّ الأُغنية ، أو أنسىٰ الوجع إللّي حفرته جواية أو أنسىٰ أُمي إللّي بعدني أشم ريحة گهوتها بكل زاوية ، أو أنسىٰ الحبيبة إللّي ما چانت بس حسيتها فقدتني. ما أدري ليش أكتب هنا ، وما أدري إذا راح أقرأ هايَّ السطور بعدين وأضحك علىٰ نفسي أو أبچي أكثر. ما أدري ، والمادري هذا يكتلني.

الشتاء لامس كل الدفاتر القديمة وطار قلبي أمام باب منزلكِ حمامة وتذكرت كم نافذة بقربكِ ترفع يديها حين ترحل تصيح لكِ "تردين بالسلامة" وأنا خشب يابس لو وصلكِ البرد أحرق طولي بقربكِ علامة وتسألني علىٰ عيني بحثت عن غير وجهي؟ عيني قاحلة في ديار لم تلمسها قدمكِ أيها الضباب الذي يملأ نوافذي لن أمسحكِ أنا طريقي كله قربكِ أنا قلبي كله أنتِ أنتِ لست بقربي و أُناديكِ عسىٰ أن ترد لي بصوت ناعم يا "نويعم" كم إمام وبشباجه طفت ورأيت عينكِ تعطي للناس خبرها وأنا منكِ خالِ أنا والليل والبرد نجتمع و نذكركِ "يا بعيد الليل سنطه أهمس بأسمي و أسمعك" يا لهفة الروح حتىٰ بصداكِ تمنعني منكِ يا خبز العافية مدينتنا جاعت .. وأنا علىٰ النافذة ظلٌ ينتظر أثركِ.

https://www.instagram.com/reel/DGSv2neNs4R/?igsh=MTcxbzFlcmM1aTZpYg== حسابي في الانستگرام لمن يود أن يكون معي.

JLbCNobWqnQ.m4a5.65 MB

نفس اللّيل ، نفس الوجوه ، نفس الروتين. اللّيل نفسه كل يوم نفس الشوارع ، نفس الأصوات نفس الخطوات و نفس ريحة الأعظمية ريحة الشوارع إللّي تحفظني و أحفظها ريحة الدخان الطالع من محلات الچاي وأبو العرنوص إللّي يوگف كل ليلة بنفس الزاوية يحرك العرانيص علىٰ النار وينثر عليها ملح و ليمون ريحة العرنوص تملي الشارع و آني كلش أحبها أحبها مثل ما أحب هدوء اللّيل مثل ما أحب الأشياء البسيطة إللّي تصير كل يوم … كل يوم بنفس الشكل ، بنفس التفاصيل بدون ملل. أوّل المحطات .. أبو الچاي. أبو الچاي يعرفني ، ما يحتاج أسوي نفسي زبون جديد بمجرد ما يشوفني يضحك ، يجيب الإستكان قبل لا أطلب، ، ويگلي : “هااا ، اليوم بعدك عايش؟” أگله : “هو هذا الحظ ، لا يخلّصني ولا يخلّص منّي” يضحك ، يهز راسه ويشغل لي أُغنية ، يعرف ذوقي مثل ما يعرف ذوق نفسه. إحنا الإثنين نحب نفس المُطربين و الشُعراء جبار رشيد ، إيهاب المالكي ، كريم منصور ، أُم كلثوم إذا چان المزاج حلو و إذا آني ضايج أو هو ما مستفتح و لا بايع چاي هواية يجي صوت كريم منصور بالنص و هذاك المقطع إللّي يدگ بالروح مُباشرة ً “ خليتني .. شكرًا علىٰ الأيام ، هذا جزاي، هذا جزاي…” كل ما يشغلها ، يسحب نفس طويل ويگلي : “هاي ، هاي لأهل الفراگ” و آني أضحك ، أگله : “يمعود غيرها، تخليني أروح وأنام و عيني حمره!” بس أبو الچاي صار فترة طويلة ساكت مِن يوم إللّي انباگت سماعاته ، وهو يشتغل بدون صوت قبل ، چانت السماعات تخرب بين فترة وفترة كان لازم يرفع وحدة منهن بإيده حتىٰ يوضح الصوت بس هسة ؟ لا سماعات ، لا أغاني ، لا قصايد ، بس صمت و إستكانات تنصبّ علىٰ الماعون. ذاك اليوم، ظل يباوع عالشارع ، گلي : “همزين أنت بعدك تجي ، لو ما أنت چان نسيت شلون شكل اللّيل” قبل لا أوصل لأبو الچاي .. أُم الجگاير تنتظرني. أُم الجگاير ، العجوز إللّي كل يوم أشوفها واگفة بنفس المكان قبل لا أوصل ، تكون شايفتني مِن بعيد تمد إيدها لوراها ، تسحب الباكيت وتنطينياه بدون لا أسأل وتبتسم، تهز راسها و تگلي : “بعدك وحدك؟” أضحك، أسحب الباكيت مِن إيدها وأگولها : “وبعدچ تگولين نفس السؤال؟” تضحك و ترد : ”يلا، وحدك أهون مِن واحد يعوّرك” ما أعرف إذا تحچي عن نفسها لو عني ، بس أمشي وأخلي كلامها يذوب وية هواء اللّيل . الحلاق .. إللّي بعده يتذكر تسريحتي القديمة أكثر مني. كل ما أدخل صالونه ، ينزل نظارته شويّة يباوعلي ويهز راسه ويگلي نفس الجملة ، بنفس النبرة بنفس التعبير : “بعدك محتفظ بتسريحتك القديمة؟” أضحك، أگله : “إي ، وبعدني محتفظ بحظي القديم همين” يهز راسه ، يضحك ، يشغل المكينة ويبدأ بالشغل وأنا أسمع سوالفه عن الحياة ، عن الزبائن ، عن حبه القديم عن العمر اللي صار يمشي أسرع قبل، الناس تجي تحلق قبل عرس، قبل مناسبة، قبل سفرة، هسه؟ بس أنا… والمكينة… والمراية اللي تعكس واحد يشبهني بس مو آني . الأطفال إللّي يلعبون ختيلان. و آني طالع ، أسمع أصواتهم تملي الشارع صغيرونين ، بس يخلون المكان حيّ أكثر مِن كل الناس إللّي ماشية و ساكتة يلعبون ختيلان ، واحد يغطي عيونه ، يصيح بأعلىٰ صوته : “حلال لو حرام؟!” أباوع مِن بعيد، أضحك، وأغششهم بصوت ناصي : “أبو البلوز الأحمر ورا باب بيت أبو حسين، والبنية الصغيرة طبت لبيتهم تختل !” الولد إللّي يسمعني ، يفتح عيونه ، يركض، يلمهم واحد واحد، ويصيح بفرح : “حلال! كلكم طلعتوا !” الباقين يطلعون من مخابئهم وهم يضحكون، و يصيحون عليّة “عمو لا تغشّش! خربت اللعبة!” عمو؟! أوگف بمكاني، بيني وبين نفسي أضوج، بس بنفس الوقت … أريد أنزل ألعب وياهم ، أثبتلهم آني مو عمو! مو چبير بالعُمر مثل ما يتوقعون ، يعني ليش؟ قابل هيچ وجهي مبين جبير؟ بالمناسبة… آني ما أحب أكبر. أوصل البيت ... أفتح الباب، أتمدد عالفراش ، أباوع بالسگف، أتذكر سوالف أبو الچاي نظرة أُم الجگاير، سؤال الحلاق إللّي ما يتغير، وأسمع براسي الأُغنية إللّي بعدها تدور براسي وما تفارگني : “خليتني .. شكرًا علىٰ الأيام، هذا جزاي، هذا جزاي …” وأضحك بيني وبين نفسي، لأن هذا الليل نفس الليل، ونفسي … بعدني نفس النفس .

”دفء بيت جدي” رجعتُ مِن الجامعة مرهقًا أشعر و كأن الطرقات أثقل مِن المُعتاد وكأن تعب الأيام كلها إجتمع فوق كتفيّ هذا اليوم بالذات لكن ما إن اقتربتُ مِن بيت جدي حتىٰ بدأ التعب يتلاشىٰ شيئًا فشيئًا كأن هذا المكان وحده يعرف كيف يرمم روحي المُتعبة. دفعتُ الباب الخشبي العتيق ، ذلك الباب الذي شهد علىٰ طفولتي وشقاوتي علىٰ ضحكاتي وغيابي الطويل في الداخل وقفت جدتي كعادتها تنتظرني بوجهها المُضيء بإبتسامتها التي تشبه ضوء الفجر عندما يبدد عتمة الليل ما إن رأتني حتىٰ هتفت بصوتها المُحمل بالفرح : ”نورت البيت يُمّه ، نورت يا بعد گلبي” رمت بيديها حولي وضمتني إلىٰ صدرها كأنها تحاول أن تخبئني مِن تعب الدنيا كأنها تزرع في روحي الطمأنينة التي لا أجدها في أي مكانٍ آخر راحت تمسح علىٰ رأسي بحنانها الذي لا يشبه أي حنان ، وهي تهمس لي بأدعية لم أسمعها مِن أحد غيرها : “الله يحفظك مِن كل شر، الله ييسر أُمورك،الله يكتبلك الخير وين ما تروح” ثم سحبتني إلىٰ المطبخ ، حيث الطاولة الخشبية التي حفظت حكاياتنا ، وحيث رائحة الطعام التي لا تتغير مهما مرت السنوات وضعتْ أمامي طبقًا ممتلئًا بما أُحِب لم تحتاج لِسؤالي ، فهي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي راقبتني بعينين مترقبتين وأنا أتناول الطعام كأنها تتغذىٰ مِن رؤيتي أأكل لم يكن الطعام مجرد طعام ، كان قصة طويلة مِن الحب ، مِن السهر علىٰ راحتي مِن إنتظار عودتي كل يوم و كأنها تطمئن أنني ما زلت هنا ، أنني لم أضِع وسط زحام الأيام. بعدما إنتهيتُ شعرتُ بثقل النوم ، ذلك النوع مِن النعاس الذي لا يأتي إلا عندما يشعر القلب بالطمأنينة إنسحبتُ إلىٰ الغرفة التي كنت أنام فيها منذ الصغر، حيث السرير نفسه، والغطاء نفسه، ورائحة الغرفة التي لم تتغير أبدًا … رائحة الأمان. تمدّدتُ، وأغمضتُ عينيّ علىٰ صوت جدتي في الخارج ، تهمس دعواتها بصوت خافت، وكأنها تودعني بها حتىٰ وأنا تحت سقفها شعرتُ بسكينة لم أشعر بها منذ زمن، وكأنني طفلٌ صغير عاد إلىٰ حضن أُمه بعد غياب طويل. جدتي لم تكن مجرد جدة كانت و مازالت أُمي الثانية كانت اليد التي إمتدت للسماء تسع سنوات طويلة تدعو وتناجي الله ليأتي حفيدها الذي تأخر عن موعده وكأنه يختبر صبرها كانت تترقب ولادتي كما يترقب العطشان أول قطرة ماء ، تسأل ، تنتظر ، وتعيد الدعاء مرة بعد مرة حتىٰ تعبت شفتيها ، لكن قلبها لم يتعب. واليوم، وأنا أدخل بيتها متعبًا من يومي الطويل، أرىٰ في عينيها نفس الشوق الذي كان يسكنها منذ إنتظاري الأول ما زالت تنتظرني ، ما زالت تحسب الأيام واللحظات ، كأنني ذلك الطفل الذي دعت الله أن يُعطيها إياه ولم تكفّ عن إحتضانه حتىٰ بعدما كبر.

UXROZh7JY4c.m4a8.73 MB

عن الرسائل التي لم تُرسل، عن المكالمات التي لم تحدث، عن الجمل التي ظلّت في حنجرتي كحجارة لم أجد لها مخرجًا، عن كل الأشياء التي كان يجب أن تُقال ولم تُقال. عن القهوة التي كنتِ تتركينها على الطاولة وتنسينها حتى تبرد، عن المقعد الذي ظلّ فارغًا في المقهى الذي اعتدنا الجلوس فيه، عن الشوارع التي مشيناها معًا ثم مشيتُ فيها وحدي، فبدا كل شيء ناقصًا، حتى الهواء. عن رائحتكِ التي ما زالت تملأ غرفتي رغم أنني غيرتُ كل شيء، الستائر، الوسائد، حتى عطري، وكأن الأشياء ترفض نسيانكِ معي. عن الكتب التي قرأناها معًا ولم نناقشها أبدًا، عن الأغنية التي كنتِ تغنيها بلا انتباه وأنا أحفظها بلا قصد، عن الضحكات التي كانت تخرج منكِ مثل موسيقى، عن الطريقة التي كنتِ تقولين بها اسمي، والتي لم يقلها أحد غيركِ بنفس النبرة، بنفس الدفء، بنفس الألفة. عن المشاريع التي خططنا لها ولم تحدث، عن السفرة التي كنتِ تحلمين بها ولم نذهب، عن الفكرة التي تأجلت حتى اختفت، عن الأيام التي اعتقدنا أننا نملكها ولم نملك منها شيئًا. عن كل الأشياء الصغيرة التي لم نفكر يومًا أنها ستؤلمنا بهذا الشكل عندما نعود إليها وحدنا. عن احتمالات الحياة الأخرى التي لم نعشها، عن السيناريوهات التي تدور في رأسي كل ليلة، عن اللقاء الذي لم يحدث، عن الجملة التي لو قُلتها ربما تغيّر كل شيء، عن الوداع الذي جاء بطريقة لم نستعد لها أبدًا، عن اللحظة التي نظرتِ فيها إليّ للمرة الأخيرة ولم أعرف أنها الأخيرة. عن الدقائق الأخيرة قبل أن ينكسر شيء بيننا، عن الجملة التي علقت في الهواء ولم تجد لها ردًا، عن الخيبة التي شعرتُ بها حين فهمت أخيرًا أنكِ لن تعودي، عن الشعور الثقيل الذي يشبه سقوط المطر في مدينة ليس فيها نوافذ. عن فكرة أنكِ لم تعودي هنا، ولن تكوني هنا، وأنه لا شيء يمكنه إصلاح هذا الغياب. عن الأيام التي مرت بعدكِ، عن الوجوه التي قابلتها ولم أبحث فيها عنكِ، عن المدن التي زرتها ولم أرى فيها وجهكِ، عن الأغاني التي استمعتُ إليها ولم أربطها بكِ، عن الحياة التي تحاول أن تمضي لكنها، بطريقة ما، تُعيدني إليكِ كل مرة. عن تلك الندبة غير المرئية التي تركتها يدكِ فوق قلبي، تلك التي لم تلتئم أبدًا. عن كل شيء، عن اللاشيء، عنكِ.

أُماه … لففتِ رأسي بكل الأقمشة خشية أن يتسرب الألم أكثر، وسهرتِ علىٰ أنفاسي كأنها علىٰ وشك الإنطفاء أعطيتيني كُلَّ العلاجات لم تتركي وصفةً إلا وجرّبتِها ولم تتجاهلي نصيحةً ولو بدت عبثية أخذتيني لكل المستشفيات ، حملتيني بين الأطباء كأنكِ تعرضينني علىٰ الأمل تسألين بأعينٍ مُرهقة : “أما زال هناك رجاء؟” ودعيتي كُلَّ الأضرحة همستِ بإسمي عند كل بابٍ مقدّس أشعلتِ الشموع وذرفتِ دموعًا لم تجفّ بكيتِ أمام كل الآلهة لم يهمكِ الإسم ، لم يهمكِ المكان، كنتِ تبحثين عن معجزة ، عن يدٍ تمتدّ لِإنتشالي من هذا الوهن. لكن ، أُماه لم تجرّبي أن تضعي صورتها أمامي ، لم تهمسي بإسمها حين كنتُ أحتضر بين يديكِ ، لم تعرفي أن الحياة كانت تسكن في عينيها ، وأن شفائي كان مختبئًا بين ملامحها لو فعلتِ ربما كنتُ سأعود إليكِ ، وربما كنتِ سترين النور يعود إلىٰ وجهي قبل أن تطفئه الأيام.