محمد ياسر إبراهيم.
Open in Telegram
314
Subscribers
+124 hours
+17 days
+130 days
Posts Archive
أسيرُ في شوارع القاهرة، وحيداً، لا كتف أتكئُ عليه، ولا حائط أسنِده رأسي. غريباً، لا تعرفني إلا كلابُ الشارعِ الذي أسكنُه، والأخرى التي تطاردني فجراً وأنا عائدٌ من العمل، ورفاقُ الشقّة المُتعبة من السنين.. كيف يصبحُ المرءُ غريباً في طرفةِ عين؟ إنّها الحياة. وأقدارُ الله التي علّمتنا أنّ المنعَ بلادٌ أوسعُ من العطاء، وفضاءٌ رحبٌ لا يخنُقه إلّا اليأس.
قطعتُ هذه الشوارع مرّاتٍ كثيرة بالمشاعرِ نفسها والدعواتِ نفسها، ولا شيء أمقتُ إليّ من هذا البلد.. أذكرُ أين ناظرتُ السماء بعينيّ فتىً حالمٍ لم تهزمه الأعوام قط، وأين وقفتُ أنتزِعُ أنفاسي تحت شجرةٍ تنّحت عن الصخب وقد انطفأت النجوم في سمائي، وأذكرُ كيف مشيتُ أخفي حنيناً يفيضُ تعباً وأرقاً ودموعاً خجلى في عيني، كان يمنعُها الكبرياء أن تخرج للنّور.. لكنّ الجريمةَ كانت تدوّن غالبا: ضد مجهول، لأنّني ارتضيتُ -دوما- أن أُدبِّر أموري في الغرف المغلقة، كنتُ غريباً في بلدٍ أعرِفُه، وصِرتُ غريباً في بلدٍ لا يعرفني، ولا أعرفه. فهل تجعلنا الخسائرُ أحرارا؟ هل تصنعُ منّا رجالا؟ أم تظلُّ الحياة في نصاب: نصارِع ما نكره حتى ننالَ ما نحب.
قد خرجتُ من هذه التجرِبة، بروحٍ عرجاء، كأنّ كلَّ شيءٍ في الدنيا قرر أن يباغتني فجأة، ما كنتُ أخشاه وما لم أكن أُعِدُّ له حسابا، وقالت الدنيا: هيت لك. لكن المرء قد يبلغُ بعرجتخ ما لم يقدر أن يناله صحيحاً.
وتبدأ الحكاياتُ كلّ ليلة من هنا، فراشٌ في ركنٍ هادئ بعيد، أنامُ على الأرضِ العارية متخماً بآلاف الأحلامِ، والذكريات، وصورتها. لا أخاف، ولا أسخط.. وإن كنتُ أرى الدنيا جلبابٌ واسعٌ عليّ، وإن كانت تتقاصرُ آمالي أمامِ البناياتِ العالية، والملابسِ الأنيقة، وتلك الحياةُ التي تركضُ بسرعةِ قطار مجنون، وإن كنتُ لا أراني في المكانِ الذي أستحق..
لكنّي حتى اللحظة لا أعرف أي وجهة أريد وبأيِّ محطةٍ سيقفُ القطار، كلُّ ما أملِكه من زادٍ في هذا السفر الطويل، أنّني رضيتُ يا ربّ.
سيقولُ النّاسُ عنكَ ما تُحب، وسيقولُ آخرون ما تكره. سيرونك ضعيفاً بائساً لا رجاء فيك، وسيراكَ آخرون قوياً.. صاحبَ كلمةٍ ورأي ورفيقاً لا تُعوِّضه الأيّام. ستسمعُ بأُذنِك ما يسوؤك وتصمت، لا من ضعفٍ ولا من خوف.. لكنّ الحقيقةَ دائماً مُرّة، وستسمعُ أخرى ما يُسعدك وتصمت، لأنّك وحدك تعرفُ الحقيقة!.
وستبكي يوماً -بحُرقةِ الصغار- تستجدي إلفَك ألّا يرحل، لم تكن تخشى الهزيمَة عندها، لكنّك خِفت الحياةَ من دونِه، كأنّه الحياة -كلُّ الحياةِ- في عينِك. وقد تغادرُ كلَّ الأماكن -التي تحب- بلا وداع، بلا نظرةٍ أخيرة تروي عطش السنين العِجاف، ستحمِلُ على كتفكَ جنايةً لم ترتكبْها، وتغادر مرّة أخرى.. مليئاً بالصمت. لكن هذه المرّة ستكونُ مديناً للصمتِ بجميلٍ لن تنساه العمر كلّه، فأنتَ تحملُ ما يضيقُ صدرك عن البوحِ به.
كلُّ ذلك لا يُهِمُّ الآن، فقد هُزِمت كثيراً وفُزت أكثر، بكيتَ كثيراً وضحكت أكثر، خِفت كثيراً لكنّك -دائما- كنتَ تجِدُ سبيلاً للسكينة. لعلّك كلُّ هؤلاء، المهزومَ والفائز، البائِس والحالم، الضعيف والقويّ.. فما قيمة ظنونِهم كلِّها، إِنْ لم ترَ أنتَ حقيقةَ نفسِك؟.
سأتألم، ولكني لن أغلب.
بهذه الكلمات البسيطة، حاربت ميّ زيادة لأجلِ ما تُؤمِنُ به، حاولت أن تبقى غزالا وسط الذئاب، أن تظلّ نقطةً بيضاء في عالمٍ يقطرُ سواداً. الحيَاة لم تكن يوماً ورديّة، لن تلبس فستاناً "حُمصي" وتقفُ على العتبات تستقبلُ لهفَك بالأحضان، لكنّي أضمنُ لك.. أنّ الأيامَ دوَل، وأنّ ما هزمكَ أمس لن يدوم ألمُهُ إلى غد.
لكن، هل تبقى فطرةُ الإنسانِ سويّة.. إذا ألقى نفسَه وسط النّاس، هل تظلُّ صحيفتُه بيضاء؟، وهل يعودُ إلى عهدِ الصِبا.. ترتَعُ فيه الأحلام ويوزِّع الضحكات على الأرصفة، يجري والريحُ تعبثُ بشعرِه، وعينُه ترى أبعد من المدى.. أملًا وشغفا. هل يؤذنُ لهذا الطيرِ المُصفَّد، أن يحلِّق حيثُ يُريد.
كلُّ المسألة، أنّ دوام المحاولة لم يكن أبدا مرهونا بالنتائج، لكنّك تحاول على أمل، وكُلك يقين.. أنّ سعيكَ لن يخيب هذه المرّة. أنتَ أولى بالسعي، جديرٌ بالمحبَة، لا تخف هذه العتمة، بعدها فجرٌ قريب، أنت من أعطى بطيبِ خاطر، وواسى النّاس بجناحٍ مكسور، ومشى على الشوك أملاً في سعادتهم.. لن يذهبَ تعبُك سُدى يا حنون.
أبُو الدرداء -رضي الله عنه-: كان يقول لزوجته أم الدرداء رضي الله عنها: «إذا غَضِبتُ فرَضِّيني، وإذا غَضِبْتِ رَضَّيتُكِ، فإذا لم نكُنْ هكذا.. ما أسرَعَ ما نفتَرِق!»
وبكى عبد الله بن رواحة يوماً، فلما رأته زوجتُه يبكي؛ بكت. فلمّا هدأ قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتُك تبكي؛ فبكيت.
وكان عامر بن قيس -رحمه الله- يقول:
إنّما نحن في الدنيا رفقة سفر، والرفيق يعتذر لرفيقه عن زلته لينقضي السَير، فإذا رأيتم مني ما تكرهون؛ فقولوا. وإذا رأيت منكم ما أكره غفرت لكم، ولا تفرَّقَ بنا السبل.
الدّنيا تقيلة يخوانا، وقاسية، تقتلُ أهلها، ولا يحتاجُ المرءُ منها غير ضلعٍ حنون تضمُّ شتاته آخر الليل، اه والله. لكن المصيبة منكونش احنا حنينين!.
وأحبُّ في الرجلِ إذا أخطأ.. لا يُكابِر، بل يسلكُ في إرضاء إلفِه ألفُ سبيل، وإن استحالت السُبل، لا يرميه بالدنيئة ولا يتكلمُ عنه بما يكره، فإنّ الرجلَ قويٌّ في أخلاقه ومرؤتِه وحبِّه، غنيٌ في صبرِه، كريمٌ في رقتِه، يسترُ عورةَ من أحبّ في وصاله، وفي هجرِه. في علانيتِه وسرِّه، حال سكينته وغضبه، وحالَ سروره وحال حزنه، والكريمُ من عفا وأصلح، وأقرّ بخطأه دون أعذار، وقدّم معونته دون استقصاءٍ لحاجة أو طلباً لعفو، فاللهمّ اهدنا لأحسن الأخلاق، إنّه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها إنه لا يصرف عنّا سيئها إلا أنت.
اللهمّ إنك ترى مكاني وتسمعُ دعائي وتعلمُ ما في قلبي، يا أمان الخائفين، وملاذ الهاربين. اللهمّ اغفر لي، وارحمني، وتب عليّ. ولا تقبضني إلا وأنتَ راضٍ عنّي، اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفني إن كانت الوفاةُ خيراً لي. اللهمّ أصلح لي ديني الذي هو عصمةُ أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وآخرتي التي فيها معادي. اللهمّ اجعل الحياة زيادةً لي في كلِّ خير واجعل الموت راحة لي من كل شر. بعفوك ومنِّك وفضلِك يا أرحم الراحمين.
تلك الصورة التي لم تفارق محفظته منذُ أمدٍ بعيد، يخبئها هناك، بعيداً عن العيون، ومن قبل.. كان يخبئها في قلبِه، لم تكن يوماً خطيئة، لكن خاف أن تضيع!، كسائر الأشياءِ التي ضاعت. جعلها خبيئة الأيامِ الصعبة، وأنيسه في ليالي الجيش الطويلة، وأسكنَ من يضعُ خدّه على كفِّه حين يذبلُ النومُ في عينه، وأملَه رغم قلةِ الأحلام، ورفيقَه في زحامِ العمر حين تتسابق إليه أصواتُ الدنيا، كلُّها. فلا يميّزُ إلا تلك النبرةُ الحنون وهي تنسابُ عليه هادئة: كلُّ شيء سيمضي.
تلك الصورة كانت شيئاً من أشياء أخفاها لميعاد، وغفل عنها بقدر، ظنّ أنّه -يوما ما- حين يتطهرُ من كلِّ خطايَاه سيبوحُ بهذا السر، لكنّه -اليوم- يُقامر بكلِّ شيء، يرمي كلَّ أوراقِه على الطاولة، يُراهنُ على عمرِه، وأيامِه، حتى هواءُ رئتيه. لا يراهنُ على ذلك الفتى الذي غزا وجهه الشعر، وخدَّ الحزنُ تحت عينيه أخاديد سوداء، ذاك الفتى الطائش الذي لم يعرفْ من الحبِّ إلا عنوانَه.
لكنّه يراهن على آخر.. عاش فيه، لم تغيّره الأيام، ولن تغيّره. يراهنُ على الطفل الذي -وحدها- عرفته، بكلِّ خسائره.. بكلِّ أحزانه وأفراحه. تلك الصورة عرف دوماً أنّها ستبقى حيّةً فيه، تقتلُه أملاً وحنينا، لكنّها لن تغادر أبداً كومةَ الجلدِ التي تنامُ في جيبِه.
